نيل الابتهاج بتطريز الديباج

 


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد للَّه المتفضل على عباده بالتوفيق، الميسر لهم سبل التقدم بنور العلم وهدي المعرفة. . .
أما بعد. . .
فلا تخفى أهمية كتب التراجم في كونها تسجيلًا لحياة الأفراد الممتازين على اختلاف ميادين بروزهم، ودرجات تفوقهم، حين تعتبر كتب التاريخ العام تسجيلًا لأطوار الدول، وحياة الملوك. ولذا فلن تجد في الثانية ما تجده في الأولى من اهتمام بحياة الشعوب في تفاصيلها الدقيقة، وجوانبها المتنوعة، كبيان معارفهم، ووصف عاداتهم ومعتقداتهم، وربما خرافاتهم أيضًا.
وهي مع ذلك لا تهمل الأحداث التاريخية في عصر المترجم لهم وان أوردتها في إشارات عجلى وإيماءات سريعة، قد تكون غاية في الأهمية للمؤرخ العام.
وكتاب "نيل الابتهاج" مما يصدق عليه اعتباره ضمن كتب التراجم، لأنه يترجم فعلًا لفئة من الناس تجمعها صفة الاهتمام بالدراسات الدينية والعربية، وتتميز تراجمه بدقة الوصف وامتاعه، مع قدرة فائقة على إيراد التفاصيل تتمثل بخاصة في تراجم من عاصرهم المؤلف وأطال عشرتهم.

والكتاب مع ذلك لرجل من افريقيا الغربية، أسهم بقسط وفير في ربط وشائج بلاده مع الأقطار الإسلامية بصفة عامة والبلاد الافريقية الشمالية على وجه الخصوص، وقد وجد فيه طلاب كلية الدعوة الإسلامية -وأغلبهم من افريقيا- عددًا من الأمور العلمية، ومستغلقات المسائل التي يواجهها الباحث حين مباشرته لتحقيق المخطوطات، أو عند كتابته للبحوث العلمية الأخرى، ولقوا نصيبًا مما يلاقيه ذلك الباحث من العناء، وجرّبوا بعض ما يجرب من الحلول.
ولما كان هذا الكتاب ذا أهمية بالغة في بابه لتعلقه بتاريخنا الثقافي والاجتماعي، ونظرًا لنفاد طبعاته القديمة غير المحققة رأت كلية الدعوة الإسلامية أن تقدمه إلى الباحثين، وأن تطلعهم من خلاله على جانب من جهود طلابها في دراساتهم التطبيقية، شعورًا منها بأهمية هذا الجانب، في إكمال الغاية من العملية التعليمية.
وإذا كان هذا الوقف يدعو إلى الشكر فإن هذه الكلية جديرة به، يشاركهِا في الفضل أولئك الطلاب الذين عكفوا على العناية بهذا الكتاب شهورًا طويلة، ترجموا خلالها لأعلامه كلها، وخرّجوا كثيرًا من نصوصه، وعرفوا ببلدانه.
غير أن العمل بتلك الصورة -مع دلالته على الجهود المبذولة وفائدته في الدراسة التطبيقية- كان عبئًا في مرحلة الراجعة ومرحلة الطباعة ولذا رأينا عدم إثقال النص الأصلي بالتعليقات والشروح والتعريفات الإضافية، والاكتفاء بالإشارة إلى بعض المصادر لزيد التعريف بالمترجم لهم دون غيرهم، آملين أن يستكمل تحقيق الكتاب، وتستوفى العناية به في فرصة أخرى إن شاء اللَّه.
وقد يقرأ الكتاب من يرى في بعض صفحاته ما يخالف وجهة نظره، وبخاصة عند تراجم المتصوفة، فيسيء إلى قيمة الكتاب غير عابيء بما تضمنه من معارف نفيسة، وأخبار نادرة، اختص بها دون غيره من المصادر، ولذا

فالكتاب مقدّم لمن يعرف قيمته في صورته الإجمالية، وينصف كاتبه باعتباره أحد البارزين في هذا الميدان. وهو فوق ذلك جانب من تاريخنا الثقافي بأضوائه وظلاله، نقدمه للدارسين من أجل بحث النسيج الكون لثقافتنا العامة بمفهومها الواسع، من عادات وتقاليد وآداب وقيم، ومعتقدات.
ولا يخفى ما في الكتاب من شطحات صوفية مخالفة لمنطق العقل وظاهر الشريعة، ومبالغات أخرى ليس من بقائها بدٌ لأنها من محتويات النص الأصلي، ولم نر ضرورة للتعليق عليها منفردة في مواضعها، فأثبتنا هنا إشارة عامة، يدركها عند المطالعة القارئ العابر، بله الناقد الحصيف.
ومما قد يؤخذ على المؤلف، ولا يمكن تتبعه داخل الكتاب تصرفه في الاقتباسات تصرفًا ظاهرًا ينحو فيه غالبًا منحى الاختصار، وقد يهدف إلى تغيير الأسلوب أو تصويب العبارة، ويكون في النادر مخلًا بالمعنى مسيئًا إلى الخبر المنقول.
على أن الكتاب ذو أهمية قصوى في نواح بعينها من اهتمامات الباحثين العاصرين، فهو جدير بمراجعة المهتمين بطرق التدريس وتطورها والمعتنين بالتاريخ العام شمال وغرب افريقيا الأندلس والراصدين لطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في هذه المناطق.
هذا، فضلًا عن عنايته بالحياة العقلية في فترات مجهولة من تاريخنا، وتركيزه على ما اعتراها من تأثيرات علمية أو صوفية أو أدبية، وما انتابها من هزات بفعل الانقلاب الحضاري الكبير الذي حل بها بعد القرن الثامن الهجري.
نرجو أن يجد فيه كل هؤلاء المهتمن غايتهم واللَّه المستعان على الكمال.

الصفحات [9] [10] [11]  المجلد[1]


نيل الابتهاج بتطريز الديباج

<<<  العنوان السابق : [مقدمة التحقيق]

العنوان الحالي : مقدمة الطبعة الأولى

العنوان التالي : تعريف بالمؤلف  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة