التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر
فبلا شرط: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل وبات وصار وليس، وصلة لـ"ما" الظرفية: دام، ومنفية بثابت النفي مذكور غالبًا متصل لفظًا أو تقديرًا أو مطلوبة النفي: زال ماضي يزال، وانفك، وبرح، وفتئ، وفتأ، وأفتأ، وونى ورام مرادفتاها. وكلها تدخل على المبتدأ إن لم يخبر عنه بجملة طلبيه، ولم يلزم التصدير أو الحذف أو عدم التصرف، أو الابتدائية لنفسه أو مصحوب لفظي أو معنوي، وندر: وكوني بالمكارم ذكريني.]-
ش: قوله "الرافعة الاسم" هذه المسألة فيها خلاف: ذهب البصريون إلى أنها ترفع الاسم، وتنصب الخبر. وذهب الكوفيون إلى أنها نصبت الخبر، وبقي المبتدأ على رفعه. والصحيح الأول، ويدل على ذلك اتصال الضمائر بها، فلو كان غير معمول لها لم يتصل بها لأن الضمير لا يتصل إلا بعامله. وأيضًا فيلزم في قول الكوفيين أن يفصل بين العامل والمعمول بما ليس معمولًا للعامل، وهو أجنبي.
وكان القياس في هذه الأفعال أن لا تعمل لأنها ليست بأفعال صحيحة؛ إذ دخلت للدلالة على تقييد الخبر بالزمان الذي بنيت له، فقولك: "كان زيد قائمًا" بمنزلة "أمس زيد قائم"، و"يكون زيد قائمًا" بمنزلة "غدًا زيد قائم". وإنما عملت، فرفعت الاسم، ونصبت الخبر، تشبيهًا بما يطلب من الأفعال الصحيحة اسمين، نحو ضرب، من حيث إنها تطلب

اسمين أو اسمًا وما هو في تقديره، فرفع اسمها تشبيهًا بالفاعل من حيث هو محدث عنه، ونصب الخبر تشبيهًا بالمفعول، هذا مذهب س وأصحابه.
وزعم الفراء أن الاسم ارتفع لشبهه بالفاعل، وأن الخبر انتصب لشبهه بالحال، فـ"كان زيد ضاحكًا" مشبه عنده بـ"جاء زيد ضاحكًا". واستدل بمجيء الجمل الاسمية والفعلية والظرف والمجرور في موضع الخبر كما تجيء في الحال، ولا يجوز شيء من ذلك في موضع المفعول به. وبدليل أن الماضي لا يحسن وقوعه خبرًا لـ"كان" إلا مع "قد" كما لا يحسن وقوعه حالًا إلا مع "قد". وبدليل أنك لا تكني عنه كما لا تكني عن المفعول به؛ ألا ترى أنك تكني عن قولك ضربت زيدًا، فتقول: فعلت به، ولا يسوغ ذلك في "كان" وأخواتها، بل إن كنيت في باب "كان" قلت: كان زيد كذا، كما تكني عن الحال: جاء زيد كذا.
ورد على الفراء بأن الجمل تقع في موضع المفعول وفي موضع الحال، نحو: قال زيد /عمرو منطلق، وقال زيد يقوم عمرو، والمجرور في موضع المفعول نحو: مررت بزيٍد، والظرف في موضع المفعول إذا اتسعت فيه. وأما قبح وقوع الماضي خبرًا لـ"كان" بغير "قد" لشبهه بالحال فليس كما زعم، بل جاء وقوع الماضي خبرًا لـ"كان" في القرآن وفي كلام العرب ما لا يحصى كثرةً. ولئن سلمنا ما قال فليس سببه شبهه بالحال، بل من حيث إن "كان" يدل على المضي، فإذا كان الخبر ماضيًا لم يكن للإتيان بـ"كان" كبير فائدة؛ لأن المضي قد فهم من الخبر، فإن أتيت بـ"قد" حسن ذلك لتقريبها له من الحال. وأما الكناية فإنه يكنى عن

المفعول في باب القول بقولك كذاك، يقول القائل: قال زيد عمرو منطلق، فتسأل عن قول زيد: كيف كان؟ فتقول: قال زيد كذا.
ومما يدل على صحة مذهب س أنه مشبه بالمفعول مجيء الخبر مضمرًا كما يجيء المفعول، والحال لا تضمر، ومجيئه معرفة كالمفعول، والحال بابها أن لا تكون إلا نكرةً، ومجيئه جامدًا، والحال بابها الاشتقاق، وكونه لا يستغنى عنه، والحال بابها أن يستغنى عنها.
وقوله فبلا شرط يعني أنها تعمل موجبة ومنفية وصلة لـ"ما" الظرفية وغير صلة لها، إلا ما كان منها موضوعًا للنفي -وهو ليس- فلا يكون للإيجاب، ولا يقع صلة لـ"ما" الظرفية.
وكلها أفعال بلا خلاف إلا ليس، فمذهب أبي بكر بن شقير وأبي علي الفارسي في أحد قوليه، وجماعة من أصحابه، أنها حرف، ولم يجعلا اتصال الضمائر المرفوعة بها وتاء التأنيث دليلًا على فعليتها لأن حد الفعل لا ينطبق عليها. ومذهب الجمهور أنها فعل، ووزنه فعل بكسر العين، وخفف، ولزم التخفيف لثقل الكسرة في الياء، ولا جائز أن يكون فعل بفتح العين لصيرورته إلى لاس، ولا فعل بضم العين لصيرورته باتصال

ضمير المتكلم أو المخاطب إلى لست بضم اللام، على أنه قد سمع فيها لست بضم اللام، فدل على أنها بنيت مرة على فعل ومرة على فعل. قال ابن هشام: "ولا تكون مضمومة لتعديها، ولأن هذا المثال لا يكون في المعتل العين بالياء" انتهى. وقد وجد في المعتل العين بالياء، قالوا: هيؤ الرجل.
فإن قلت: لو كان على فعل لقلت لست بكسر اللام كما قلت نلت، وإذا كانوا يكسرونها في فعل نحو بعت فلأن يكسروها في فعل أولى.
فالجواب انه لو كانت فعل لزم شذوذان: أحدهما تخفيف عينها بلا موجب وتصحيحها. والثاني عدم كسر فائها. وعلى أنها فعل يلزم الشذوذ الثاني لا الأول؛ لأن تخفيف فعل إلى فعل قياس مطرد، نحو علم في علم، فكان ادعاء أن وزنها فعل أولى. وقد نقل الفراء أن بعضهم قال لست بكسر اللام.
ولـ"ليس" حالة لا يرفع فيها الاسم، ولا ينصب الخبر، وذلك إذا دخل على الخبر "إلا" في لغة تميم، وسيأتي ذكر ذلك والخلاف فيه.
/وقوله وصلة لـ"ما" الظرفية "دام" "ما" الظرفية هي المصدرية المراد بها وبصلتها التوقيت، فإذا قلت: "لا أكلمك ما دام زيد قائمًا" فكأنك قلت: لا أكلمك زمان دوام زيد قائمًا، ولا يستعمل الدوام مكانها لأنه لا يدل على تخصيص كما يدل "دام".
وقوله ومنفية قال المصنف في الشرح: "وقد تناول قولي:

"ومنفية" المنفي بليس، قال الشاعر:
ليس ينفك ذا غنى واعتزاز كل ذي عفة بقل قنوع"
والمنفي بـ"غير" كقوله:
غير منفك أسير هوى كل وان ليس يعتبر
والمنفي بـ"قل" نحو: قلما يزال عبد الله يذكرك؛ لأن "قلما يزال" بمعنى "ما يزال". وما يقع بعد "أبيت" نحو: أبيت أزال مستغفرًا لله، بمعنى: لا أزال.
وقول العرب: لا ينشأ أحد ببلد فيزال يذكره؛ لأن معناه: إذا نشأ أحد ببلد لم يزل يذكره. ذكر ذلك كله الفراء في "كتاب الحد"، ومن أمثلته فيه: ما يعترينا أحد فنزال نعينه، وقال: ألا ترى أن المعنى: إذا اعترانا أحد لم نزل نعينه.
وقوله بثابت النفي احتراز من أن تدخل عليه همزة التقرير، نحو: ألست تزال تفعل، وألم تزل تفعل، فإنه لا يجوز لأن التقرير إثبات، فإن أريد مجرد الاستفهام عن النفي جاز.
وقوله مذكور غالبًا إشارة إلى أن نافيها قد يحذف، قال تعالى: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تفتأ، وقال:
تنفك تسمع ما حييـ ـت بهالك حتى تكونه

أي: لا تنفك، وقال:
تزال حبال مبرمات أعدها لها ما مشى يوما على خفه الجمل
قال بعض أصحابنا: لا تحذف منها أداة النفي وتراد إلا بشرطين: أحدهما أن يكون الفعل مضارعًا. والآخر أن يكون جواب قسم، وقد حذفت منها أداة النفي في حال المضي في جواب القسم شاذًا، قال:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة ..........................
أي: لا زالت عزيزة.
وقد استعملت "أبرح" بغير أداة نفي في غير جواب القسم، وذلك ضرورة، قال:
وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقًا مجيدًا
وفيه قولان: أحدهما أن "لا" محذوفة، أي: لا أبرح. والثاني

أنه غير منفي لا لفظًا ولا تقديرًا، والمعنى: أزول عن أن أكون منتطقًا مجيدًا، أي: صاحب نطاق وجواد ما أدام الله قومي، فإنهم يكفونني ذلك.
وقوله أو تقديرًا مثاله/ قوله:
ما خلتني زلت بعدكم ضمنًا أشكو إليكم حموة الألم
أراد: خلتني ما زلت، وحلت هنا بمعنى أيقنت، وهو أيضًا غريب. وقال:
ولا أراها تزال ظالمة تحدث لي قرحة وتنكؤها
أي: وأراها لا تزال ظالمة.
وقال الفراء في "كتاب الحد": يجوز أن يقدم نفي "زال" على "ظن" وأخواتها، فيقال: لا أظنك تزال تقول ذلك. قال: وكذلك: ما أظنك تبالي بشدة، معناه أظنك لا تبالي.
قال المصنف في الشرح: والنفي المفصول الفعل ومعمولاه خبره كقولك: ما عبد الله يزال محسنًا؛ لأن المعنى: عبد الله ما يزال محسنًا، فالنفي متصل بيزال تقديرًا. وكذلك المنفصل بقسم نحو قوله:
فلا -وأبي دهماء- زالت عزيزة على أهلاه ما فتل الزند قادح
وقوله أو مطلوبة النفي إشارة إلى النهي والدعاء، نحو قوله:

صاح شمر، ولا تزال ذاكر المو ت، فنسيانه ضلال مبين
وقال:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
وأنشد الفراء:
لن يزالوا كذلكم، ثم لا زلـ ـت لهم خالدًا خلود الجبال
وقوله زال ماضي يزال احتراز من التي مضارعها يزول، بمعنى تحول، فإنها تامة. قال المصنف: "ومن زال الشيء بمعنى عزله، فمضارعه يزيل" انتهى.
قلت: وحكي الكسائي أيضًا في مضارع زال الناقصة يزيل على وزن يبيع. وحكي أحمد بن يحيي عن الفراء "لا أزيل أقول ذلك"، فتكون زال الناقصة مما جاءت على فعل يفعل وفعل يفعل كنقم ينقم ونقم ينقم.
وزعم الفراء أن "زال" التي هي ناقصة مغيرة من "زال" التامة، بنوها على فعل بكسر العين بعد أن كانت مفتوحة فرقًا بين التمام والنقصان، فعينها واو.
وأجاز ابن خروف أن تكون "زال" الناقصة من زاله يزيله إذا مازه منه، فعينها ياء.

وما ذهبا إليه باطل لأنه لم يوجد فعل من باب "كان" وأخواتها إلا ووزنه في حال نقصانه كوزنه في حال تمامه، فتبين أن "زال" الناقصة ليست من زال يزول، ولا من زال يزيل؛ لأن مضارعها ليس كمضارع أحد منهما. والصحيح أنها قسم ثالث، وأن معناها معنى برح، وعينها ياء لقولهم: زايلته، أي باينته، وقالوا أيضًا: زيلته، قال:
سائل مجاور جرم هل جنيت لها حربًا تزيل بين الجيرة الخلط
/وزيل فعل بدليل مصدره، قالوا: تزييلًا، وزايل وزيل من زال الناقصة كجالسه من جلس، وإلى هذا ذهب س.
وقوله وانفك وبرح وفتئ وفتأ وأفتأ قال أبو زيد: ما أفتأت أذكره، وما فتئت أذكره، وما فتأت أذكره، أي: ما زلت أذكره. وذكر الصاغاني فتؤ يفتؤ على وزن ظرف لغة في فتأ يفتأ. وقال في المحكم: ما فتئت أفعل، وما فتأت أفتأ فتئًا وفتوءًا، وما أفتأت، الأخيرة تميمية، أي: ما برحت.
و"ما زال" وأخواتها تدل على ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلًا لها على حسب ما قبلها، فإن كان الموصوف قبلها متصلة الزمان دامت له كذلك، نحو: ما زال زيد عالمًا، وإن كان قبلها في أوقات متفرقة دامت له كذلك، نحو: ما زال زيد يعطي الدنانير، ألا ترى أن إعطاء للدنانير كان في أوقات متفرقة، وأن ذلك دام له، وكذلك اتصافه بالعلم كان متصل الزمان، ودام له أيضًا كذلك. ومثل "ما زال يعطي

الدنانير" قول الفرزدق:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما، فأدرك خمسة الأشبار
يدني خوافق من خوافق تلتطي في ظل معترك العجاج مثار
فإدناؤه الخوافق ليس متصلًا في الزمان، وإنما يكون في أوقات مختلفة، وبهذا يظهر فساد من نقد على ذي الرمة قوله:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلًا بجرعائك القطر
وقال: إن الجيد قول طرفة:
فسقى بلادك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي
قال: إذ بيت ذي الرمة يقتضي طمي رسومها وعفاء آثارها بملازمة المطر إياها، ولا يقتضي ذلك بيت طرفة، وذلك أن ذا الرمة عهد دار مي في خصب لسقي المطر لها في أوقات الحاجة إلى ذلك، فدعا لها بأن لا تزال على ما عهدها عليه من انهلال القطر بجرعائها في وقت الحاجة إليها.
ولا خلاف بين النحويين في أن معاني هذه الأفعال الأربعة متفقة إلا شيء ذكره أبو علي عن بعض أهل النظر أنه فصل بين ما زال وما برح بأن قال: "إن برح لا تستعمل في الكلام إلا أن يراد بها البراح من المكان، فتذكر المكان أو تحذفه للدلالة". قال أبو علي: "وهذا لا يصح، قال تعالى: {لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ}، فلا يجوز أن يراد بها

البراح من المكان بدلالة {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ}، ومحال أن يبلغ هذا الموضع وهو لم يبرح من مكانه، فثبت أن ما برح بمعنى ما زال من غير فرق".
وقوله ووني ورام مرادفتاها قال المصنف: "قيد وني/ ورام الملحقان بهن بمرادفتها احترازًا من وني بمعنى فتر، ورام بمعنى حاول وبمعنى تحول، ومضارع التي بمعنى حاول: يروم، ومضارع التي بمعنى تحول: يريم، وهكذا مضارع المرادفة زال، وهي ووني بمعنى زال غريبتان، ولا يكاد النحويون يعرفونهما إلا من عني باستقراء الغريب، ومن شواهد استعمالهما قوله:
لا يني الخب شيمة الخب ما دا م، فلا تحسبنه ذا ارعواء
وقال:
إذا رمت ممن لا يريم متيمًا سلوًا، فقد أبعدت في رومك المرمى"
انتهى.
أما قوله "ولا يكاد النحويون يعرفونهما إلا من عني باستقراء الغريب" فإن أصحابنا ذكروا "وني" وأن بعض البغداديين زادها في أفعال هذا الباب لأن معناها معنى "ما زال"، وذلك: ما وني زيد قائمًا، أي: ما فتر عن القيام، ولذلك ألحقها بها.
ورد هذا المذهب بأنه لا يلزم لأن الفعل قد يكون بمعنى فعل

آخر، ولا يكون حكمه كحكمه؛ ألا ترى أن "ظل زيد قائمًا" معناه: أقام زيد قائمًا النهار كله، ولم يجعل العرب لـ"أقام" اسمًا ولا خبرًا كما فعلت بـ"ظل". قالوا: ومما يدل على أنها ليست من أخوات "كام" أنه لا يقال: ما وني زيد القائم، فالتزام التنكير في قائم وأشباهه دليل على انتصابه على الحال. انتهى ما ردوا به هذا المذهب.
فأما ما استدل به المصنف على أن "وني" بمعنى "زال" من قوله:
لا يني الخب شيمة الخب ...... ......................................
فـ"شيمة" قد أضيف إلى معرفة، فهو معرفة، فقد جاء خبر "وني" معرفة.
والجواب عن هذا أن الذي يظهر أن "شيمة" ليس خبرًا لـ"خب"، بل هو منصوب على إسقاط حرف الجر، أي: لا يني الخب عن شيمة الخب وطبيعته، أي: لا يفتر عن التحلي بها؛ ألا ترى أن "شيمة الخب" لا ينعقد منه مع المرفوع بـ"يني" الذي هو "الخب" مبتدأ وخبر، لو قلت الخب شيمة الهب لم يكن كلامًا.
وأما ما استدل به على أن "رام" ناقصة بمعنى "زال" من قول الشاعر:
إذا رمت ممن لا يريم متيمًا ....................................
فلا حجة فيه لتنكير "متيمًا" واحتماله أن يكن حالًا، وهو أظهر؛ إذ "رام" لم يستقر فيها أن تكون ناقصة في غير هذا البيت المتنازع فيه فيحمل هذا البيت عليه، بل الثابت من لسان العرب أنها تامة كما قال:
لمن طلل برامة لا يريم عفا، وخلا له حقب، قديم

وهذه الأفعال التي النفي أو ما يشبهه شرط في كونها من هذا الباب بطل حكم النفي فيها، يدل على صحة ذلك أنهم لا يجيزون النصب بعد الفاء في الفعل في الجواب، لا يقولون: ما زال زيد زائرك فيكرمك، كما لا يقولون ذلك في الإيجاب المحقق إلا/ في الشعر.
واختلفوا في تلقي القسم بها، فمنعه بعضهم، فلا يقولون: والله ما زال زيد قائمًا. والصحيح جوازه، قال تعالى: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تفتأ، وقال الشاعر:
فآليت لا أنفك أحدو قصيدة ........................
وقال:
فلا -وأبي دهماء- زالت عزيزة ..............................
أي: ما زالت عزيزة، روعي لفظ الحرف النافي صورة، فتلقي به القسم. ولكونها موجبة المعنى لا تدخل "إلا" في خبرها، وسيأتي ذكر ذلك. ومن منع أن يتلقى بها القسم جعل الفعل تامًا لا ناقصًا، والمنصوب حال.
وقوله بجملة طلبية مثاله: زيد اضربه، وبكر لا تصحبه، وبشر هل رأيته؟
وقوله لم يلزم التصدير كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام وكم الخبرية والمقرون بلام الابتداء. وخالف الأخفش في "كم" الخبرية، فأجاز جعلها

اسمًا لـ"كان" لأنها بمنزلة "كثير"، فلا تلزم الصدر. والصحيح أن ذلك لا يجوز لأنها للمباهاة والافتخار، والحرف الموضوع لهذا المعنى له الصدر، وهو "رب"، فكذلك "كم"، مع أن السماع لم يرد بما ذكر.
وقوله أو الحذف كالمبتدأ في النعت المقطوع.
وقوله أو عدم، التصرف مثاله: طوبى للمؤمن، وسلام عليك، وويل للكافر.
وقوله أو الابتدائية لنفسه مثال قول ذي الرمة:
هاجت، ومثلي نوله أن يربعا حمامة هاجت حمامًا سجعا
أن يربع أي: يكف، يقال: أربع على نفسك، وتقول: نولك أن تفعل، أقاموه مقام: ينبغي لك أن تفعل، وأقل رجل يقول ذلك إلا زيد، أقاموه مقام: ما يقول ذلك رجل إلا زيد.
وما ذهب إليه من أن نولك يلزم الابتدائية لنفسه ليس بصحيح، بل قد أدخلت عليه العرب "كان" قال الشاعر، وهو النابغة -ونسبه ابن هشام لعلقمة غلطًا-:
فلم يك نولكم أن تشقذوني ودوني عازب وبلاد حجر
فأدخل عليه "يك"، وأنشط الزمخشري في كتاب "أساس البلاغة":
أأن حن أجمال، وفارق جيرة عنيت بنا ما كان نولك تفعل
يريد: أن تفعل، فحذف أن، فارتفع الفعل.

وقال ابن هشام: " وتدخل "كان" على هذا، فيقال: ما كان نولك أن تفعل، برفع "نولك" اسمًا لكان، ونصبه خبرًا لها مقدمًا، ونولك بمعنى الواجب، أي: ما كان الواجب أن تفعل. ويجوز فيمن رفع "نولك" أن يضمر الأمر، ويكون "أن تفعل" فاعل "نولك"، وينوب الرافع والمرفوع مناب الجملة الفعلية التي يفسر بها الأمر والشأن. ويجوز فيمن رفع أن يكون اسم كان، والفاعل/ يسد مسد الخبر لكان، كما يسد مسد خبر المبتدأ" انتهى.
وفي تجويز إضمار الشأن في كان، والخبر "نولك" رافعًا "أن تفعل" فاعلًا نظر؛ لأن شرط الواقع خبرًا بعد ضمير الأمر أن يكون جملة مصرحًا بجزأيها عند البصريين، وإنما يجوز هذا عند الكوفيين.
وقوله أو مصحوب لفظي هو المبتدأ الواقع بعد "لولا" الامتناعية، والواقع بعد "إذا" الفجائية.
وقوله أو معنوي مثاله "ما" التعجبية، والمبتدأ في نحو " لله درك"، وما جرى مثلًا، نحو "الكلاب على البقر"، و"العاشية تهيج الآبية" و"الإيناس قبل الإبساس"، فهذه مبتدآت لا تدخل عليها "كان" وأخواتها، وتمثيلها ملخص من شرح المصنف.

وقولُه ونَدَرَ: وكوني بالمكارم ذكريني وجه ندوره أنه وقع موقع الخبر جملة طلبية، وعجز هذا البيت قوله:
..................................... ودلي دل ماجدة صناع
وقبله:
ألا يا أم فارع لا تلومي على شيء رفعت به سماعي
وتأويل البيت: وكوني بالمكارم تذكرينني، فوضع الأمر موضع الخبر كقوله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًا} أي: فيمد.

-[ص: فترفعه اسمًا وفاعلًا، وتنصب خبره، ويسمى خبرًا ومفعولًا، ويجوز تعدده، خلافًا لابن درستويه.
وتختص "دام" والمنفي بـ"ما" بعدم الدخول على ذي خبر مفرد طلبي، وتسمى نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع، لا لأنها تدل على زمان دون حدث، فالأصح دلالتها عليهما إلا "ليس". وإن أريد بـ"كان" ثبت أو كفل أو غزل، وبتواليها الثلاث دخل في الضحى والصباح والمساء، وبظل دا أو طال، وببات نزل ليلًا، وبصار رجع أو ضم أو قطع، وبدام بقي أو سكن، وببرح ذهب أو ظهر، وبوني فتر، وبرام ذهب أو فارق، وبانفك خلص أو انفصل، وبفتأ سكن أو أطفأ، سميت تامة، وعملت عمل ما رادفت.
وكلها تتصرف إلا ليس ودام، ولتصاريفها ما لها، وكذا سائر الأفعال.]-
ش: المشهور في الاصطلاح أن المرفوع يسمى اسم "كان" أو اسم

"صار" على حسب الرافع له منها، والمنصوب يسمى خبره، وعبر عنهما س باسم الفاعل واسم المفعول، والمبرد بالفاعل والمفعول. وهو مشبه بالمفعول عند البصريين، شبهت "كان" بضرب. وأما الكوفيون فزعموا أنه منصوب على الحال. وكذلك ثاني "ظننت" لأنه فعل لا يتعدى، فلا ينصب وإنما لم يكن متعديًا لأنه لا يقع على الواحد أو الجمع من الواحد والجمع، لا تقول: كانا قائمًا، ولا: كانوا قائمًا، كما تقول: ضربًا رجلًا، ولأنا لم نجد فعلًا يعمل في مفعولين أحدهما هو الفاعل إلا الحال، فليحمل على النظائر الأكثرية، ولأنك تقول: ضربت بزيد، أي: فعلت به، ولا تقول: كنت بقائم.
واستدل البصريون على أنه/ ليس حالًا بجواز جموده وتعريفه وإضماره وعدم انتقاله، وبوجوب كونه لا يستغنى عنه، فروعي الخواص الأكثرية، فحمل على التشبيه بالمفعول به، وألغيت قلة خواص الحال.
وقوله ويجوز تعدد خبره قد تقدم الكلام في تعدد الخبر إذا كان لمبتدأ واحد والخلاف فيه، وذكرنا ما اختاره أصحابنا من أن الخبرين أو الأخبار إذا كانت في معنى خبر واحد جاز ذلك. وإذا كان يصح تعدد الأخبار على الخلاف الذي تقدم والعامل غير "كان" فلأن يصح معها بطريق الأولى؛ إذ كانت أقوى من ذلك العامل إذ نسخت حكمه، فكما جاز ذلك مع العامل الأضعف فجوازه مع الأقوى أولى.
وقوله خلافًا لابن درستويه قال الأستاذ أبو الحسين بن أبي

الربيع: "منهم من لم يجز أن يكون لها إلا خبر واحد، ويظهر هذا من كلام س. وهذا القول عندي أقوى لأن ضرب لا يكون له إلا مفعول واحد، ولا يكون له مفعولان إلا بحكم التبعية، فما شبه به يجري مجراه. وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون لها خبران وأكثر، وأجرى ذلك مجرى المبتدأ، والمبتدأ تكون له أخبار عدة" انتهى.
وقوله وتختص إلى طلبي يقول: "دام" وما نفى بـ"ما" من "زال" وأخواتها و"كان" وأخواتها لا يكون خبرها طلبيًا، أي: تختص بأن لا تدخل على مبتدأ ذي خبر مفرد طلبي، نحو أين وكيف ومتى. وقال: "مفرد" لأنه قد قدم أن الجملة الطلبية لا تقع خبرًا لهذه الأفعال، فلذلك قيد هذا الخبر بقوله: "مفرد"، فلا يجوز أن تقول: لا أصحبك أين ما دام زيد، ولا تقول: أين ما كان زيد، ولا: متى ما صار القتال، ولا: كيف ما أصبح زيد. وكذلك باقي ما نفي بـ"ما" من "كان"، ولا تقول: أين ما زال زيد.
ويقابل المنفي بـ"ما" قسمان: أحدهما أن ينفى بغير "ما". والقسم الآخر أن لا يكون منفيًا البتة. وكلاهما يجوز أن يقع المفرد الطلبي خبرًا فيه، نحو: أين لم يكن زيد؟ وأين كان زيد؟ ومتى لم يصر القتال؟ ومتى صار القتال؟
وقوله وتسمى نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع وذلك أن فائدتها لا تتم بذكر المرفوع فقط، بل تفتقر إلى المنصوب لأن الكلام منعقد مما أصله المبتدأ والخبر، ولا يفيد ذكر المبتدأ دون ذكر خبره.
وقوله لا لأنها تدل على زمان دون حدث، فالأصح دلالتها عليهما إلا

ليس هذا هو القول الثاني في تسميتها ناقصة لأنها لا دلالة لها على الحدث. وذهب إلى هذا المبرد وابن السراج والفارسي وابن جني والجرجاني وابن برهان، وهو ظاهر مذهب س، قال: "واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: "عبد الله المقتول" وأنت تريد: كن عبد الله المقتول؛ لأنه ليس فعلًا يصل من شيء إلى شيء لأنك لست تشير له/ إلى أحد" أي ليس كالضرب والقيل الذي يتكلم به أو تدل عليه قرينة، فيغرى عليه المخاطب، ويكتفي بإشارة في فهم ما تريد. وزعموا أن الخبر هو الحدث الذي قصد الإخبار به عن اسم كان، وقد علمناه وكونه محمولًا على الاسم، وإنما استفدنا بكان أن ذلك فيما مضى من الزمان، أو فيما يستقبل إذا قلت: يكون زيد قائمًا.
وإلى أنها ليس لها حدث ولا أنها اشتقت منه كان يذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين. قال ابن هشام: "والعجب منه يقول: ليس لها حدث ولا اشتقت منه، وهو يملأ تعاليقه من هذا التقدير، يعني تقدير مصدرها في نحو: سرني أن زيدًا في الدار، أي: سرني كون زيد في الدار، وأن زيدًا أخوك، أي: كون زيد أخاك" انتهى.
والمشهور والمنصور أنها تدل على الحدث والزمان، وأن الحدث مسند إلى الجملة، كما كان "ظننت" مسندة إلى الجملة.

والذين قالوا إنها تدل على الحدث اختلفوا: هل تنصبه فتقول: كان زيد قائمًا كونًا؟ فأجازه بعضهم، وبه قال السيرافي، والجمهور على المنع وأنهم عرضوا عن النطق بمصدرها الخبر إذ هو المسند في الحقيقة لاسمها.
ولما ذهب الفارسي إلى أنها خلعت الدلالة على الحدث قال: "لا يتعلق بها حرف جر، وفي عملها في ظرف الزمان نظر" انتهى قوله.
ومن قال إنها تدل على الحدث أجاز لها العمل في ذلك كله، ولذلك علق بعضهم المجرور في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} بـ {كَانَ}، وقد فعل ذلك أبو علي. وقيل: يتعلق بـ {عَجَبًا} لأنه ليس في تقدير أن والفعل. وقيل: {عَجَبًا} بمنزلة عادل، تقول العرب: هو فيهم عدل وجور وخصم. وقيل: اللام للتبيين تتعلق بما يفهم من معنى الكلام، أي: بين للناس، ولا يلفظ به. وقال ابن هشام: يجوز عندي أن يكون {لِلنَّاسِ} صفة لـ"عجب" أي: عجبًا كائنًا لهم ومستقرًا، ثم قدم، فيصير في موضع الحال.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن خروف، وتبعه ابن عصفور، أنها مشتقة من أحداث لم ينطق بها، قال: "وقد تقرر من كلام العرب أنهم قد يستعملون الفروع، ويهملون الأصول. والذي حمل على ادعاء مصادر لهذه الأفعال قد رفض النطق بها أنها أفعال، فينبغي أن تكون بمنزلة سائر الأفعال في أنها مأخوذة من حدث. ومما يدل على أن في هذه الأفعال معنى الحدث أمرهم بها وبناء اسم الفاعل منها، نحو: كن قائمًا، وأنا كائن

منطلقًا، والأمر لا يتصور بالزمان، وكذلك لا يبنى اسم الفاعل من الزمان". وكذلك النهي، قال تعالى: {ولا تَكُن كَصَاحِبِ الحُوتِ}، ونصب الفعل بعد الفاء جوابًا، نحو: كن خيرًا فتدخل الجنة.
وما ذهب إليه ابن خروف وابن عصفور من أنها مشتقة من أحداث لم ينطق بها ليس بصحيح، وقد جاء المصدر منها صريحًا، حكى أبو زيد في كتاب الهمز مصدر "فتئ"/ مستعملًا، وحكى غيره: ظللت أفعل كذا ظلولًا، وبت أفعل كذا بيتوتة، وجاؤوا بمصدر "كاد" في قولهم: لا أفعل ذلك ولا كيدًا، أي: ولا أكاد كيدًا، و"كاد" فعل ناقص من باب "كان".
وقد جاء المصدر معملًا إعمال فعله في قول العرب: كونك مطيعًا مع الفقر خير من كونك عاصيًا مع الغنى، وقول الشاعر:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى وكونك إياه عليك يسير
وقد جاءت في صلة "أن"، قال تعالى: {إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}، وهي وما وصلت به في تأويل المصدر. وبهذا يرد على من زعم أن المنصوب في قولك: "عجبت من كونك قائمًا" حال، وأن المصدر هو لـ"كان" التامة، وعلى من زعم أنها لا مصدر لها وأنها لا تدل على

الحدث. وهذا أحد الوجوه العشرة التي رد بها المؤلف على من قال إنها لا تدل على الحدث، وهو أقواها إذ هو دليل سمعي ثابت من لسان العرب.
والثاني: أنها أفعال، والفعل يستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدال على الحدث وحده مصدر، وعلى الزمان وحده اسم زمان، وهذه ليست مصادر ولا أسماء زمان، فبطل كونها دالة على أحد المعنيين دون الآخر.
الثالث: أن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين، فالحكم على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل، فلا يقبل إلا بدليل.
الرابع: أنها لو كانت دلالتها مخصوصة بالزمان لجاز أن تنعقد جملة تامة من بعضها ومن اسم معنى، كما تنعقد منه ومن اسم زمان، وفي عدم ذلك دليل على إبطالها هذه الدعوى.
الخامس: أن الأفعال لا تمتاز إلا بالحدث، فهي وإن تساوت في الزمان فقد افترقت بالنسبة إلى الحدث، فإذا زال ما به الافتراق، وبقي ما به التساوي، فلا فرق بين: كان زيد غنيًا، وصار زيد غنيًا، والفرث حاصل، فبطل ما يوجب خلافه، وأيضًا فيلزم تناقض أصبح زيد ظاعنًا، وأمسى مقيمًا، إذ يكون معناه: زيد قبل وقتنا ظاعن مقيم، وإنما يزول التناقض بمراعاة دلالة الفعلين على الإصباح والإمساء.
السادس: أن من جملتها "انفك"، ولابد معها من ناف، فلو كانت لا تدل على الحدث للزم أن يكون معنى ما انفك زيد غنيًا: ما زيد غنيًا في وقت من الأوقات الماضية، وذلك نقيض المراد.

السابع: أن منها "دام"، ومن شرط عملها عمل "كان" كونها صلة لـ"ما" المصدرية، ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها، فلو جردت من الحدث لم يقم مقامها اسم الحدث.
الثامن: أن دلالته على الحدث أقولا من دلالته على الزمان؛ لأن دلالته على الحدث لا تتغير، ودلالته على الزمان تتغير بالقرائن، فدلالته على الحدث أولى/ بالبقاء من دلالته على الزمان.
التاسع: لو كانت لمجرد الزمان لم يغن عنها اسم الفاعل، كما جاء في الحديث: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزرًا"، وقال س: "قال الخليل: هو كائن أخيط، على الاستخفاف، والمعنى: كائن أخاك"، قال:
وما كل من يبدي البشاشة كائنًا أخاك إذا لم تلفه لك منجدا
لأن اسم الفاعل لا دلالة فيه على الزمان، بل هو دال على الحدث وما هو به قائم أو ما هو عنه صادر، ومثله:
قضى الله يا أسماء أن لست زائلًا أحبك حتى يغمض العين مغمض
أراد: أن لست أزال أحبك، فأعمل اسم الفاعل عمل الفعل.
العاشر: لو كانت مجردة من الحدث مخلصة للزمان لم يبن منها أمر كقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}؛ لأن الأمر لا يبنى مما لا دلالة فيه على الحدث. انتهى كلام المصنف، وفيه بعض تلخيص.

وقال المصنف في الشرح: "وما ذهبت إليه من كونها دالة على مصادرها هو الظاهر من قول س والمبرد والسيرافي. وسبب تسميتها نواقص إنما هو لعدم اكتفائها بالمرفوع، وإنما لم تكتف به لأن حدثها مقصود إسناده إلى النسبة التي بين معموليها، فمعنى كان زيد عالمًا: وجد اتصاف زيد بالعلم، والاقتصار على المرفوع غير كاف بذلك، فلذلك لم يستغن به عن الجزء الثاني، وقد أشار س إلى هذا المعنى بقوله: "تقول كان عبد الله أخاك، فإنما أردت أن تخبر عن الأخوة"، فبين أن "كان" مسندة إلى النسبة، فمن ثم نشأ عدم الاكتفاء بالمرفوع".
وقوله: وإن أريد بكان ثبت قال المصنف في الشرح: "ثبوت كل شيء بحسبه، فتارة يعبر عنه بالأزلية نحو: كان الله ولا شيء معه، وبـ"حدث":
إذا كان الشتاء فأدفئوني .................................
وبـ"حضر" {وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}، وبـ"قدر" أو "وقع": ما شاء الله كان" انتهى. وهي في هذه المعاني لازمة.

وقال بعض أصحابنا: " وبمعنى خلق، يقال: كان عبد الله، أي: خلق، وبمعنى "أقام"، ومن ذلك قول الشاعر:
كانوا، وكنا، فما ندري على وهل أنحن فيما لبثنا أم هم عجل"
انتهى. فأما قوله: " بمعنى خلق" فهي التي بمعنى حدث، وكان قد ذكر أنها تأتي بمعنى حدث، فجعلهما معنيين، وهما معنى واحد.
وقوله أو كقل أو غزل يقال: كنت الصبي: كفلته، ومصدرها كيانة، وكنت الصوف: غزلته. وودن كان فعل بفتح العين. وذكر صاحب الكتاب المحلي -وهو أبو غانم المظفر بن أحمد النحوي- أن الكسائي زعم أن أصل كان فعل كقولك ظرف وكرم، قال: "ولو كان كما زعم لما قالوا: هو كائن؛/ لأن فعل الاسم منه فعيل كقولك كريم وظريف، وخالفه جميع النحويين من أهل الكوفة والبصرة" انتهى.
وقوله وبتواليها الثلاث دخل في الضحى والصباح والمساء مثاله قوله:
ومن فعلاتي أنني حسن القرى إذا الليلة الشهباء أضحى جليدها
وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}، وقال الشاعر:

وتشكو بعين ما أكل ركابها وقيل المنادي أصبح القوم أدلجي
أي: دخلوا في الصباح. فأما قوله:
فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ....................................
فالواو عند الأخفش زائدة، وعند غيره أنها واو الحال، وأصبحوا تامة. وقال آخر:
حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه وهن لا مؤنس نأيا ولا كثب
أي: دخل في المساء.
وتكون الثلاثة أيضًا للدلالة على إقامة الفاعل في الأوقات التي تشاركها في الحروف، تقول: أمسى زيد وأضحى وأصبح، أي: أقام في المساء والضحى والصباح، ومن ذلك قولهم: "إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح" أي: مقيم في الصباح.
وقوله وبظل دام أو طال وزاد غيره ظل بمعنى: أقام نهارًا.
وقوله وببات نزل ليلًا قال في الشرح: "بات بالقوم، وبات القوم إذا نزل بهم ليلًا، فتستعمل متعدية بنفسها وبالباء". وقال غيره: وبات

بمعنى أقام ليلًا. ومثال تمامها قوله:
نحن أدلجنا، وهم باتوا ليت شعري ما أنامهم؟
ومثال نقصها:
................................. باتت طرابًا، وبات الليل لم ينم
وقوله:
باتوا نيامًا، وابن هند لم ينم
وقوله وبصار رجع أو ضم أو قطع قال في الشرح: "يراد بها معنى رجع فتتعدى بإلى". وقال غيره: بمعنى انتقل، فتتعدى بإلى، ومن ذلك قوله:
وصرنا إلى الحسنى، ورق كلامنا .......................................
وقال ابن هشام: ومعنى صار الانتقال، وذلك على وجهين: انتقال بالذات كقولك: صار الماء بخارًا، والميت ترابًا، والطعام عذرة. وانتقال

بالعرض كقولك: صار الغني فقيرًا، والجواد شحيحًا، ومنه: صار هذا الفرس إلى عمرو، وكل حي صائر إلى الزوال.
وقال ابن الدهان في الغرة ما معناه: صار تامة، فتتعدى إلى المفعول بحرف الجر، ولابد، نحو: صرت إلى البلد الفلاني. وناقصة، وفيها اتساع من وجهين: سلبها الدلالة على المصدر وإلزامها الخبر. والثاني جعلها تدل على زمن الوجود دون الزمن الماضي، نحو: كان فقيهًا فصار نحويًا.
ولم تستعمل زائدة فيما علمت، وقد زعم قوم أنه لا يمتنع. وقد حذف خبرها في قول عمرو بن الأهتم:
/فإن قصدوا لمر الحق فاقصد وإن جاروا فجر حتى يصيروا
أي: حتى يصيروا تبعًا لك.
وقوله وبدام بقى أو سكن وذلك نحو {مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ}، أي: ما بقيت، و"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" أي: الساكن.
وقوله وببرح ذهب أو ظهر فسر قولهم: "برح الخفاء" بذهب وبظهر.
وقوله وبوني فتر استعمالها بمعنى فتر أشهر من استعمالها بمعنى زال الناقصة، قاله المصنف، وقد ذكرنا ما استدل به على أنها ناقصة، وتأولناه.

وقوله وبرام ذهل أو فارق يقال: ما رام، أي: ما فارق، والذهاب والمفارقة معنى واحد، وليسا معنيين.
وقوله وبأنفك خلص أو انفصل يكون مطاوع فك الخاتم وغيره: فصله، والأسير؛ خلصه، وهما متقاربان.
وقوله وبفتأ كسر أو أطفأ قال المصنف في الشرح: "وتتم فتأ بأن يراد بها معنى كسر أو أطفأ، حكى الفراء: فتأته عن الأمر: كسرته، والنار: أطفأتها" انتهى.
وهذا الذي ذكر المصنف من أن "فتأ" تتم، فتكون بمعنى كسر أو أطفأ وهم وتصحيف، والله أعلم، نبه عليه الأمير العالم علاء الدين علي بن الفارسي، وكشف مادة "فتأ" في الصحاح والمحكم والصاغاني،

فلم يجد أحدًا منهم ذكر أن "فتأ" تكون تامة بمعنى سكن أو كسر أو أطفأ، وإنما ذكر ذلك في مادة "فثأ" بالثاء المثلثة، قال في الصحاح: "فثأت القدر: سكن غليانها، وفثأت الرجل فثئًا: كسرته عنه وسكنت غضبه". وقال في المحكم: فثأ غضبه يفثؤه فثئًا: كسره وسكنه، والشيء: سكن برده بالتسخين، والشمس الماء فثوءًا: كسرت برده، وفثأ القدر يفثؤها فثئًا وفثوًا: سكن غليانها، كثفأها، وفثأ الشيء عنه: كفه.
وقوله سميت تامة، وعملت عمل ما رادفت بمعنى أنها لا تكون نواقص في شيء من هذه المعاني، فتحتاج إلى خبر.
وبقي من الأفعال ما لزم النقص ولم يتم مما دل عليه مفهوم كلام المصنف هنا ومنطوقه في الشرح: ليس وزال وفتئ، أما "ليس" فقد ذهب الكوفيون إلى أنها يعطف بها في المفردات، فتقول: قام القوم ليس زيد، ورأيت القوم ليس زيدًا، ومررت بالقوم ليس زيد. ولا يحوز هذا عند البصريين. وأما إذا دخلت إلا في خبرها فلا تعمل البتة في لغة تميم، غلبوا عليها شبه "ما"، فإذ ذاك لا توصف بنقص ولا بتمام.
وأما "زال" التي مضارعها "يزال" فذهب أبو علي في الحلبيات إلى إجازة أن تكون تامة، ولم يحفظ ذلك، إلا أنه أجازه بالقياس، فقال: "لا يمتنع عندي أن يجوز الاقتصار على الفاعل، كما يجوز في كان إذا أريد

به وقع". قال: "ويدل على هذا ما حكي في تصاريف هذه الكلمة من قولهم زيلت وزايلت، و:
................................ ...... تزيل بين الجيرة الخلط
ثم نقل إلى الأفعال/ التي تدل على الزمان مجردة من الحدث ككان وبابه، فلزما الخبر". يعني أنه كما استعملت تصاريف "زال"، وهي زايل وزيل وتزيل، غير مفتقرة إلى خبر، فكذلك يجوز أن تستعمل "زال" غير مفتقرة إلى خبر.
قال بعض أصحابنا: ويقوى ما ذهب إليه أبو علي من استعمال زال يزال تامة قول الشاعر:
وما إن يزال رسم دار قد اخلقت وعهد لميت بالفناء جديد
ألا ترى أن قوله: "قد أخلقت" صفة لدار، ولم يأت لاسم يزال بخبر، وكذلك "عهد" معطوف على "رسم"، و"لميت" متعلق به، و"بالفناء" صفة لميت، وجديد صفة لعهد، ولم يأت بعد ذلك خبر. ولا يجوز أن يكون "وعهد" مبتدأ"، و"جديد" خبره؛ لأنه ليس المعنى على ذلك، بل المعنى: ولا يزال عهد لميت بالفناء جديد، فيلزم أن يكون عهد معطوفًا على رسم.
وقال المصنف في الشرح: "وقد يعضد رأيه -أي: رأي أبي علي في ذلك- أي- في إجازة أن تكون زال التي مضارعها يزال تامة-

بقول الشاعر:
وفي حميا بغيه تفجس ولا يزال وهو ألوى أليس
فاستغنى بالجملة الحالية عن الخبر". قال: "ولنا أن نقول: الخبر محذوف، والتقدير: ولا يزال متفجسًا وهو ألوى أليس، والتفجس: التكبر، والأليس: الشجاع" انتهى.
وأما "فتئ" بكسر التاء فلا أعلم أحدًا ذكر أنها تكون تامة إلا الصاغاني، فإنه ذكر أن من نوادر الأعراب: "فتئت عن الأمر فتئًا إذا نسيته"، فتكون على هذا "فتئ" تامة بمعنى نسي.
وذكر المصنف في الشرح أن فتأ وأفتأ أيضًا ناقصتان فقط، ولا تكونان تامتين، وعدهما مع فتئ وزال ماضي يزال وليس، ثم ذكر فيه أن فتأ تكون بمعنى كسر وأطفأ، فتتم. فقد اضطرب قوله في "فتأ"، وقد بينا وهمه في فتأ وتصحيفه فيه، والله أعلم.
وزعم المهاباذي وأبو الحكم بن رختاط أن "ظل" لا تستعمل تامة، ولا تستعمل إلا ناقصة، زاد المهاباذي: في فعل النهار. وما ذهبا إليه مخالف لما نقل أئمة اللغة والنحو أنها تكون تامة. وأما قول المهاباذي "إنها لا تستعمل إلا في فعل النهار" فسيأتي رده إن شاء الله.
وقوله وكلها تتصرف إلا ليس ودام تصرفها هو أن يستعمل منها ماضٍ

ومضارع وأمر واسم فاعل ومصدر، إلا أن الأمر لا يتأتى صوغه من المستعمل منفيًا. فأما "ليس" فمجمع على أنها لا تتصرف. وأما "دام" ففي بعض كتب المتأخرين أنها إذا كانت ناقصة لا تتصرف، وهذا هو مذهب الفراء، زعم الفراء أن ما دام لا يبنى منها المضارع، فلا يقال: لا أفعل هذا ما يدوم زيد قائمًا، وذكر أن السبب في ذلك أنه إذا قلت "أفعل هذا ما دام زيد قائمًا" كان مشبهًا للشرط الذي تقدم/ جوابه؛ ألا ترى أن معنى ذلك معنى قولك: أفعل هذا إن دام زيد قائمًا، والشرط الذي تقدم جوابه عليه لا يكون فعله إلا ماضيًا؛ ألا ترى أن العرب تقول: "أنت ظالم إن فعلت"، ولا تقول: أنت ظالم إن تفعل.
وهذا الذي ذكره الفراء أنه لا يجوز أن تقول: "أفعل هذا ما يدوم زيد قائمًا" لم يذكره البصريون، قال بعض أصحابنا: "فإن صح أن العرب لا تقول ذلك فوجهه ما ذكره الفراء" انتهى. وهذا التعليل الذي ذكره الفراء لا يصح لأن ما المصدرية الظرفية توصل بالمضارع كما قال:
أطوف ما أطوف، ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع
فلو كانت هذه "ما" لحظ فيها هذه العلة لما جاز أن توصل بالمضارع، ولا فرق في الوصل بين أن يكون الفعل تامًا أو ناقصًا. قال ابن الدهان: ولا يستعمل في موضع دام "يدوم" لأنه جرى كالمثل عندهم.
ص: ولا تدخل "صار" وما بعدها على ما خبره فعل ماض، وقد تدخل عليه "ليس" إن كان ضمير الشأن، ويجوز دخول البواقي عليه مطلقًا،

خلافًا لمن اشترط في الجواز اقتران الماضي بـ"قد". ويجوز في نحو "أين زيد"؟ توسيط ما نفي بغير "ما" من زال وأخواتها، ولا توسيط "ليس"، خلافًا للشلوبين.
وترد الخمسة الأوائل بمعنى صار، ويلحق بها ما رادفها من آض وعلا وآل ورجع وحار واستحال وتحول وارتد، وندر الإلحاق بصار في "ما جاءت حاجتك" و"قعدت كأنها حربة". والأصح أن لا يلحق بها "آل" ولا "قعد" مطلقًا، وأن لا يجعل من هذا الباب "غدا" و"راح"، ولا "أسحر وأفجر وأظهر".
ش: الذي بعد "صار" هو: ليس ودام وزال وأخواتها، ومعناها مناف للماضي، وذلك أن صار وما دام وما زال وأخواتها تعطي الدوام على الفعل واتصاله بزمان الإخبار، والأفعال الماضية تعطي الانقطاع، فتدافعا.
وقوله وقد تدخل عليه "ليس" إن كان ضمير الشأن معناه: إن كان ما خبره فعل ماض ضمير الشأن. وظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز أن يقع خبر "ليس" فعلًا ماضيًا إلا إن كان اسمعا ضمير الأمر والشأن، ولهذا قال في الشرح ما نصه: "حكي س من قول بعض العرب: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد، والوجه في هذا أن يكون في "ليس" ضمير الشأن، والجملة بعده خبر" انتهى.
وقال الأستاذ أبو علي الشلوبين في قول س "ليس خلق الله مثله": "يحتمل ثلاثة أشياء؛ أحدها أن تكون ليس مشبهة بما، فلا تحتاج إلى اسم

وخبر، ولا يكون فيها ضمير أمر وشأن بدليل قوله في باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام: "وقد زعم/ بعضهم أن ليس كـ"ما"، وذلك قليل لا يكاد يعرف" فلا ينبغي أن يحمل عليه ما وجدت مندوحة. فلم يبق إلا الوجهان الباقيان، عدل إلى أحدهما لأن هذا موضع تعظيم وتشريف، وضمير الشأن والقصة على هذا وضعه لا يقال إلا في موضع الإبهام والتعظيم.
فإن قلت: إنما فر إلى ذلك لأن خبر "ليس" لا يكون بالماضي فرارًا من التناقض لأنها لنفس الحال، فبعدت نسبته من الماضي.
فهذا ليس بشيء، وإنما ذلك مختص بكان؛ ألا ترى لما ذكر في باب اسم الفاعل "كان ضاربًا أباك" قدره: كان يضر أبا، ولم يقدره بضرب لئلا يقع الماضي خبرًا عن كان. والدليل على جواز ذلك في "ليس" أن س قد ذكر في أبواب الاشتغال: ما زيد ضربته، وجعلها حجازيو، وهي كليس، فقد وقع الماضي في خبرها. وأيضًا قد قال في باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام: "كأنك قلت: ليس زيد ضربته"، فهذا نص على أن ليس قد يقع في خبرها الماضي.
وتحقيق القول فيها أنه إذا وقع النفي بها مطلقًا لم تنف إلا الحال وحده، وذلك إذا دخلت على جملة غير مقيدة بزمان، نحو: زيد قائم، وإذا وقع النفي بها مقيدًا نفت جميع أنواع الفعل، نحو: زيد قام، وزيد يقوم" انتهى.

وتحصل من ذلك أن الماضي يقع خبرًا لـ"ليس" على الإطلاق، وقد حكي ابن عصفور اتفاق النحويين على ذلك من غير تقييد لا بضمير أمر ولا غيره، فتخصيص ذلك بما كان اسمها ضمير الشأن ليس بصحيح.
وما ذكره الأستاذ أبو علي من أن تقدير س كان زيد ضاربًا أباك: كان يضرب أباك، ولم يقدره بضرب لئلا يقع الماضي خبرًا لكان ليس بصحيح، وإنما قدره بالمضارع لا الماضي لأن ضاربًا قد عمل في أباك النصب، فلو قدره بضرب كان يكون قد أعمل اسم الفاعل، وهو ماض، وليس مذهبه.
وما ذكره الأستاذ أيضًا من كون "ليس" لنفي الحال في الجملة غير المقيدة بزمان، وأما المقيدة بزمان فإنها تنفيه على حسب القيد، هو الصحيح.
وإلى أنها قد تنفي في الاستقبال ذهب ابن السراج، وتابعه الصيمري، قال: "لأن لفظ الحال والاستقبال واحد". ومنعه الزمخشري، فقال: "ولا تقول: ليس زيد قائمًا غدًا". وقال بعضهم: هي للنفي مطلقًا. وفي "الغرة": وقد منعوا من قولهم: ليس زيد قد ذهب، ولا: قد يذهب، لتضاد الحكم بين "قد" و"ليس".

وقوله ويجوز دخول البواقي عليه مطلقًا، خلافًا لمن اشترط في الجواز اقتران الماضي بـ"قد" هذا مذهب الكوفيين. وحجة المنع أن "كان" وأخواتها إنما دخلت على الجمل لتدل على الزمان، فإذا كان الخبر يعطي الزمان لم يحتج إليها، وكان ذكرها /فضلًا؛ ألا ترى أنك إذا قلت: "زيد قام" كان المفهوم منه ومن "كان زيد قام" واحدًا، فإن جاء شيء من ذلك فهو عنده على إضمار "قد" لأنه يقرب الماضي من الحال.
والصحيح جواز ذلك دون اشتراط قد، وذلك أنك إذا قلت "أصبح زيد خرج" دل على أن الخروج الماضي كان في وقت الصباح، وكذلك أمسى وأضحى وظل وبات، فأما في "كان" فإنها تفيد التوكيد، والتأكيد أولى من إضمار حروف المعاني لكثرة ذلك وقلة هذا. وأيضًا فقد كثر ذلك في كلامهم نظمًا ونثرًا كثرة توجب القياس. قال تعالى: {إن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ}، {وَإن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ}، {إن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}، {إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي}، {إن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ}، ولا يعتذر عن هذا بأن الذي سوغ ذلك دخول أداة الشرط على "كان" لأنها مخلصة للاستقبال، وكأنه قال: إن يكن قميصه قد من قبل؛ لأنه اعتذار لا يطرد لنقضه بقوله تعالى: {ولَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ}، وبقوله {أَوَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم}، وبقول الشاعر:

وكان طوى كشحًا على مستكنة فلا هو أبداها، ولم يتجمجم
وقول الآخر:
وكنا حسبناهم فوارس كهمس حيوا بعدما ماتوا من الدهر أعصرا
وقول الآخر:
وكنا ورثناه على عهد تبع طويلًا سواريه شديدًا دعائمه
وقول الآخر:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة عشية لا قينا جذام وحميرا
وقول الآخر:
وأصبحت ودعت الصبا غير أنني أراقب خلات من العيش أربعا
وقول الآخر:

ورأوا عقابهم المدله أصبحت نبذت بأغلب ذي مخالب جهضم
وحكي الكسائي عن العرب: "أصبحت نظرت إلى ذات التنانير" يعني ناقته، وقال الشاعر:
أمست خلاء، وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد
وقال الآخر:
فأمسى مقفرًا لا حي فيه وقد كانوا، فأمسى الحي ساروا
كانوا ناقصة، والخبر محذوف. أي: وقد كانوا فيه، وقال الآخر:
ثم أضحوا لعب الدهر بهم وكذاك الدهر حالًا بعد حال
وينبغي أن يقيد كونها يقع الماضي خبرًا لها بأن لا تكون بمعنى "صار"، فإنها إذا كانت بمعنى "صار" فلا يقع الماضي خبرًا لها، ويمتنع ذلك من حيث امتنع في "صار".
وقوله ويجوز في نحو "أين زيد" توسيط ما نفي بغير "ما" من "زال" وأخواتها فتقول: أين لم يزل زيد؟ وأين لا يزال زيد؟ وأين لن يزال زيد؟ فلو كان النفي بـ"ما" لم يجز ذلك لأن "ما" لها صدر الكلام، فلا يتقدم ما في حيزها عليها، وقد تقدم نحو من هذا قبل في أوائل الباب في قوله: "وتختص دام والمنفي بما بعدم الدخول على ذي خبر مفرد طلبي"، فدل

ذلك على أن المنفي بـ"ما" لا يكون خبره مفردًا طلبيًا، فلا يجوز: أين ما كان زيد؟ ولا: أين ما زال زيد؟ وينبغي أن يجري فيه خلاف ابن كيسان في إجازته: قائمًا ما زال زيد، بل ينبغي أن يوجب هنا التقديم لأجل الاستفهام.
وقوله لا توسيط "ليس" خلافًا للشلوبين قال المصنف في الشرح: "أجاز أبو علي الشلوبين أن يقال: أين ليس زيد؟ بناء على اعتقاد جواز تقديم خبر ليس، وقد تقدمت الدلائل على أن الصحيح منع تقديم خبرها، فالحق أحق أن يتبع، ولا مبالاة بمن منع" انتهى. فقوله: "وقد تقدمت الدلائل" إلى آخره لم يتقدم له دليل على ذلك، ولا ذكر المسألة إلا بعد ذلك بأسطار كثيرة، قال: "ولا يتقدم خبر ما دام اتفاقًا، ولا خبر ليس على الأصح". وحين شرح هذا الكلام ذكر الأدلة، فقوله: "وقد تقدمت" ذهول منه.
ولا ينبغي أن يرد على أبي علي الشلوبين بما رد به المصنف، إنما يرد عليه بأن "ليس" إنما موضوعها نفي الأخبار لا نفي الذوات، ومتعلق النفي إنما هو الخبر، وهو الذي يحتمل الصدق والكذب، فيحتمل أن ينفى، ويحتمل أن يثبت، وإذا كان كذلك فالاستفهام ليس هو إذا وقع خبرًا لـ"ليس"، وذلك بخلاف ما زال"، فغن "ما زال" صورتها النفي، ومعناها الإيجاب، فكما يجوز: أين كان زيد؟ يجوز: أين لم يزل زيد؟

والشلوبين هذا هو أبو علي عمر بن محمد بن عمر الأزدي، من أهل إشبيلية، رئيس النحاة وشيخهم، أخذ العربية عن أبي إسحاق بن ملكون، وأبي الحسن نجبة بن يحيى بن نجبة وغيرهما، وسمع من أبي بكر بن الجد كتاب سيبويه وغيره، وكان في وقته علمًا في العربية، إليه يرحل الناس من بلاد المغرب، لا يجاري، ولا يباري، قيامًا عليها واستبحارًا، وهو شيخ شيوخنا أبي الحسن الأبذي وأبي الحسن بن الضائع وأبي الحسين بن أبي الربيع وأبي جعفر اللبلي وغيرهم من شيوخنا، وشيخ شرف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي، والأستاذ أبي الحسن بن عصفور، والأستاذ أبي العباس بن الحاج، والأستاذ أبي

زكريا بن ذي النون، والأستاذ أبي جعفر بن أبي رقيقة، وغيرهم من مشاهير النحاة، ولم ينجب أحد فيما علمناه من أهل النحو إنجابه، وقد جمعت من تلاميذه نحوًا من ثلاثين تلميذًا ليس منهم أحد إلا مشهورًا بالعلم والنحو. مولده سنة اثنتين وستين وخمسمائة، وتوفي منتصف صفر سنة خمس وأربعين وستمائة بإشبيلية. /والشلوبين لقب لأبيه، ثم غلب على الأستاذ أبي علي.
وقوله وترد الخمسة الأوائل بمعنى صار يعني: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل، شواهد على ذلك قوله تعالى: {وبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنْبَثًا (6) وكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7)}، وقال:
بتيهاء قفر، والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
وقال:
حتى إذا حل بك القتير والرأس قد كان به شكير
وقال:

أضحى يمزق أثوابي، ويضربني أبعد ستين عندي تبتغي الأدبا
وقال:
ثم أضحوا كأنهم ورق جـ ـف فألوت به الصبا والدبور
وقال تعالى: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا}، وقال:
أصبحت لا أحمل السلاح، ولا أملك رأس البعير إن نفرا
وقال:
وأصبحت ودعت الصبا غير أنني ...............................
وأنشد المصنف:
أمست خلاء، وأمسى أهلها احتملوا ...........................
فإن كان الشاهد في "أمست خلاء" فصحيح، وإن كان في "أمسى أهلها احتملوا" أو في مجموعهما فليس بصحيح لأنه لا يتأتى تقدير ذلك في "وأمسى أهلها احتملوا" لوقوع الماضي خبرًا لها، وهي إذا كانت بمعنى "صار" لا يقع الماضي خبرًا لها، كما لا يقع خبرًا لـ"صار"، وقد نبهنا قبل على ذلك.
وقال تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} أي: صارت، وقال:

{ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًا} أي: صار.
وذهب لكذة الأصبهاني والمهاباذي شارح "اللمع" إلى أن "ظل" لا تكون بمعنى "صار"، بل لا تستعمل إلا في فعل النهار. وقال نحوه السيرافي، قال: ظل لما يستعمله الإنسان نهارًا، ولا تستعمل إلا ناقصة. وقال أبو بكر: هو مشتق من الظل، وإنما يستعمل في الوقت الذي للشمس فيه ظل، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها، وقال الأعشى:
يعل منه فو قتيلة بالـ إسفنط لما بات فيه وظل
ساوى بينهما، و"بات" لليل، و"ظل" للنهار. وقال هشام: هو بين الصباح والمساء، وعاب لكذة على الأعشى قوله:
/يظل رجيمًا لريب المنو ن والهم في أهلها والحزن
فزعم أن "يظل" خطأ، قال: لأن الظلول لا يكون إلا نهارًا. وقال: افتراه يظل نهاره رجيمًا لريب المنون، فإذا كان الليل أمن. وقال: لا يقال: ظل فلان عمره سفيهًا؛ لأن الظلول إنما خص به يوم واحد. ثم قال: لا يقال: ظل فلان شهره سائرًا إلا أن يكون إنما كان سيره نهارًا خاصة. فناقض.

وهذا الذي ذهب إليه لكذة والمهاباذي والسيرافي وأبو بكر وهشام خطأ، بل نقل الناس أن "ظل" تكون بمعنى "صار"، وقد رد أبو حنيفة الدينوري على لكذة قوله، وقال: إنا نقول: أفترى أنت أن السامري الذي ظل على العجل عاكفًا إنما كان يعبده نهارًا، فإذا جاء الليل كفر به، وما قالوا: {لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْنَا مُوسَى}، وكانت غيبته فيما يقال أربعين يومًا. وينبغي على هذا القياس في قول الله جل ثناؤه: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} أن يكون كفرهم بالنهار خاصة وأن لا يكفروا بالليل. وينبغي أيضًا في قول الشاعر:
وإخوان صدق لست أطلع بعضهم على سر بعض غير أني جماعها
يظلون شتى في البلاد، وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
أن يكون هؤلاء القوم بالنهار شتى دون الليل، أفتراهم بالليل يجتمعون جميعًا وواحد بالغور وآخر بنجد؟ وكذلك قول الآخر يذكر سبعًا أقام معه في مغارة يردان قلتا:
ظللنا به جارين نحترس الثأى يسائرنا من نطفة ونسائره
أي: أقمنا يشرب سؤري، وأشرب سؤره، ويحترس كل واحد منا من فساد صاحبه، وهو الثأى، أفتراه كان يحترس منه بالنهار دون الليل، والخوف بالليل أشد، والعدوة فيه أمكن؟ وإنما هذا كله على معنى المكث، وقد نعلم أنهم إذا نصوا على النهار لم يقولوا إلا ظللنا، ولم ينصوه على

الليل، فإذا أبهم ولم ينص قالوا: ظللنا مقامنا هنالك في تعاد وتباغض، فغلب ما يكون على النص بالنهار، قال ذو الرمة:
حتى إذا يبست بهمي لوى لبن واصفر بعد سواد الخضرة العود
ظللت تخفق أحشائي على كبدي كأنني من حذار البين مورود
أفتراه كان يحاذر بالنهار ويأمن بالليل، فيكون بالنهار على يقين من أنهم سيتفرقون/، وبالليل على علم أنهم لا يتفرقون؟ انتهى كلام أبي حنيفة، وفيه بعض اقتصار، وفي هذه الشواهد كلها رد على لكذة حيث زعم أن الظلول يخص به يوم واحد، وقد ذكرنا تناقضه في كلامه.
وزعم الزمخشري أن "بات" قد تستعمل بمعنى "صار". وقال المصنف في الشرح: "وليس بصحيح لعدم شاهد على ذلك مع التتبع والاستقراء، وحمل بعض المتأخرين على ذلك قول النبي صلي الله عليه وسلم: "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"، ولا حاجة إلى ذلك لإمكان حمل "بات" على المعنى المجمع عليه، وهو الدلالة على ثبوت مضمون الجملة ليلًا، كما أن "ظل" غير المرادفة لـ"صار" لثبوت مضمون الجملة نهارًا، كما قال الراجز:
أظل أرعى، وأبيت أطحن الموت من بعض الحياة أهون

ومن أصلح ما يتمسك به جاعل "بات" بمعنى "صار" قول الشاعر:
أجني كلما ذكرت كليب أبيت كأنني أطوي بجمر
لأن "كلما" تدل على عموم الأوقات، و"أبيت" إذا كانت على أصلها مختصة بالليل" انتهى.
وقوله ويلحق بها ما رادفها من: آض وعاد وآل ورجع وحار واستحال وتحول وارتد الضمير في "بها" عائد على "صار"، وشواهد ذلك:
ربيته حتى إذا تمعددا وآض نهدًا كالحصان أجردا
وصار مضلي من هديت برشده فلله مغو عاد بالرشد آمرًا
وتقول: عاد الطين خزفًا، ومن ذلك قوله:
تعد فيكم جزر الجزور رماحنا ويرجعن بالأكباد منكسرات
فـ"جزر الجزور" خبر "تعد" لأنه معرفة، هذا هو الوجه فيه. قال ابن عصفور: "وقد يجوز فيه أن يكون حالًا لأن المعنى: مثل جزر الجزور،

وما كان على معنى "مثل" من الأسماء فقد تجعله العرب نكرة، وتنصبه على الحال، وإن كان بلفظ المعرفة" انتهى.
وممن ذكر أن "عاد" قد تكون من أخوات "كان" أبو الحجاج الأعلم. ومن النحويين من لم يلحق "آض" ولا "عاد" بأفعال هذا الباب، فنصب ما يأتي بعدها على الحال، ولأنها تعدي بحرف الجر، تقول عاد زيد إلى كذا، وآض إليه، أي: رجع، و"أيضًا" مصدرها.
وأنشد المصنف على أن "آل" بمعنى "صار" قول الشاعر:
وعروب غير فاحشة ملكتني ودها حقبا
ثم آلت لا تكلمنا كل حي معقب عقبا
/ولا حجة في هذا لأنه يحتمل أن يكون "آلت" بمعنى: حلفت، و"لا تكلمنا" جواب القسم كقوله:
.................................... .......... وآلت حلفة لم تحلل
"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقال:
قد يرجع المرء بعد المقت ذا مقة بالحلم، فادرأ به بغضاء ذي إحن
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

"فاستحالت غَرْبًا". وقال:
إن العداوة تستحيل مودة بتدارك الهنوات بالحسنات
وبدلت قزحا داميا بعد صحة لعل منايانا تحولن أبؤسا
لا يوئسنك سؤال عيق عنك فكم بؤس تحول نعمى أنست النقما
{فَارْتَدَّ بَصِيرًا}، وارتد مطاوع رد، ورد تكون بمعنى صير، وستأتي إن شاء الله.
وقوله وندر الإلحاق بـ"صار" في "ما جاءت حاجتك" و"قعدت كأنها حربة" أما "ما جاءت حاجتك" فقيل: أول من قالها الخوارج، قالوها لابن عباس حين أرسله علي _كرم الله وجهه_ إليهم. ويروى برفع "حاجتك" على أن "ما" خبر "جاءت"، قدم لأنه اسم استفهام، التقدير: اية حاجة صارت حاجتك؟ ويروى بالنصب على أن تكون خبر "جاءت"، واسمها مستتر فيها عائد على معنى "ما"، والتقدير: أية حاجة صارت حاجتك؟ وما: مبتدأ، والجملة بعده خبر، ويقتصر بها على هذا المثل.

وطرد استعمالها بعضهم لقوة الشبه بينها وبين "صار"، فجعل من ذلك قولهم: جاء البر قفيزين وصاعين، والصحيح أن هذا حال.
وأما "قعدت كأنها حربة" فقالوا: شحذ شفرته، ويروى: أرهف شفرته، حتى قعدت كأنها حربة، أي: صارت كأنها حربة، فـ"كأنها حربة" خبر "قعدت".
وقوله والأصح أن لا يلحق بها "آل" كأنه ذهب إلى أن البيت الذي أنشده لا حجة فيه لاحتمال ما ذكرناه من كون "آلت" فيه بمعنى "حلفت".
وقوله ولا "قعد" مطلقًا يعني أنه إنما تستعمل "قعد" بمعنى "صار" حيث وردت، ولا تقاس.
وذهب الفراء إلى أنه يطرد جعل قعد بمعنى صار، وجعل من ذلك قول الراجز:
لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تلتقي الأركاب ويقعد الأير له لعاب
وحكي الكسائي: "قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها" بمعنى صار. وجعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى: {فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً}. قال

المصنف: "ويمكن أن يكون /منه قول الشاعر:
ما يقسم الله أقبل غير مبتئس منه، وأقعد كريما ناعم البال"
انتهى.
وأما قولهم: "فلان قعد يتهكم بعرض فلان" فزعموا أن "قعد" زائدة؛ إذ المعنى: فلان يتهكم بعرض فلان، ولا معنى لقعد هنا إلا الزيادة.
وقوله وأن لا يجعل من هذا الباب غدا وراح قال المصنف في الشرح: "ألحق قوم _منهم الزمخشري وأبو البقاء_ بأفعال هذا الباب "غدا" و"راح"، وقد يستشهد على ذلك بقول ابن مسعود رضي الله عنه "اغد عالما أو متعلما، ولا تكن إمعة"، وبقول النبي عليه السلام: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا". والصحيح أنهما ليسا من الباب، وإنما المنصوب بعدهما حال إذ لا يوجد إلا نكرة" انتهى.
وقد أدخلهما في هذا الباب أبو موسى الجزولي والأستاذ أبو

الحسن بن عصفور، وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وأما غدا وراح فيستعملان تامين وناقصين، فإذا استعملا تامين دلا على دخول الفاعل في الوقت الذي اشتقا من اسمه على حسب ما تقتضيه الصيغة من مضي أو غيره، فتقول: غدا زيد وراح، أي: دخل في الغدو والرواح.
وقد يدلان على إيقاع الفاعل شيئا في الوقت الذي اشتقا منه، يقال: غدا زيد وراح، أي: مشى في الغدو والرواح.
وإذا استعملا ناقصين جاز أن يكون فيهما ضمير الأمر والشأن وأن لا يكون، ويكونان إذ ذاك للدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان الذي اشتقا منه، وذلك نحو: غدا زيد قائما، أي: وقع قيامه في وقت الغدو، وراح عبد الله منطلقا، أي: وقع انطلاقه في وقت الرواح.
وقد يكونان بمعنى صار، فتقول: غدا زيد ضاحكا، وراح عبد الله منطلقا، أي: صار في حال ضحك أو انطلاق" انتهى.
ويحتاج تقرير كونهما ناقصين إلى سماع من العرب. وكان الأستاذ أبو الوليد بن أبي أيوب ينكر قول من يقول إن غدا وراح من أفعال هذا الباب إنكارا شديدا، ويقول: غدا بمعنى خرج غدوة، وراح بمعنى خرج بالعشي، وهذا مستغن عن الخبر.
قال الأستاذ أبو علي: الذي ذكر أنه غدا وراح من هذا الباب لم

يذكرهما فيه بالمعنى الذي ذكره الأستاذ أبو الوليد، إنما ذكرهما في هذا الباب على أنهما بمعنى صار، فإن صح ذلك قبل، وإلا فلا.
وقوله ولا أسحر وأفجر وأظهر ذكر هذه الثلاثة الفراء في "كتاب الحد"، ولم يذكر شاهدا على ذلك.
وذهب الكوفيون إلى أن "هذا" و"هذه" إذا أريد /بهما التقريب كانا من أخوات "كان" في احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب، وذلك نحو: كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادما؟ وكيف أخاف البرد وهذه الشمس طالعة؟ وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود؛ لأن المعنى إنما هو على الإخبار عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتي باسم الإشارة تقريبا للقدوم والطلوع، ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران، وأيضا فالخليفة والشمس معلومان، فلا يحتاج إلى تبيينهما بالإشارة إليهما، ويبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة مخبر عنه بالمنصوب أنك لو أسقطت اسم الإشارة، فقلت: الخليفة قادم، والشمس طالعة، لم يختل المعنى، كما أنك إذا أسقطت كان من: كان زيد قائما، فقلت: زيد قائم، لم يختل المعنى. ولو قلت "هذا الصياد أشقى الناس" كان تقريبا، وكذلك ما أشبهه مما الاسم الواقع فيه بعد اسم الإشارة معبرا به عن جنسه لا عن واحد بعينه، نحو قولك: ما كان من السباع غير مخوف فهذا الأسد مخوفا؛ لأنك لم تقصد إلى شخص بعينه، ولو أسقطت اسم الإشارة صح الكلام.
وما ذهبوا إليه من أن المعنى على الإخبار عن المرفوع بالمنصوب صحيح، إلا أن الإعراب على غير ما ذكروه، بل المرفوع بعد اسم الإشارة

خبر، والمنصوب حال، والمعنى قد يكون على خلاف اللفظ، ومنع من مطابقة اللفظ للمعنى هنا كون اسم الإشارة لا يكون له موضع من الإعراب، ولا يوجد اسم لا موضع له من الإعراب.
فإن قلت: يكون لا موضع له من الإعراب على مذهب من يرى أن الفصل اسم، ولا موضع له من الإعراب.
قلت: يدل على أنه يرتفع على الابتداء دخول النواسخ عليه، حكي الكسائي عن العرب: أو ليس هذان الليل والنهار يختلفان علينا؟ بنصب الليل والنهار، فدل هذا على أن اسم الإشارة قبل دخول "ليس" كان مبتدأ، والليل والنهار خبرا لاسم الإشارة وإن كان تقريبا؛ لأن الليل والنهار يراد بهما الجنس. ويدل على أنه حال التزام التنكير فيه، فلو كان خبرا لجاء معرفة، وإجازتهم التعريف فيه هو بالقياس، وإن حفظ شيء منه دخلت عليه "أل" جعلت زائدة كهي في: الجماء الغفير.
وقد انتهى ذكر الكلمات التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهي إحدى وثلاثون كلمة بالمتفق عليه والمختلف فيه، وحصرها بالعد طريقة المتأخرين، وهي طريقة ضعيفة، ولذلك زاد بعضهم فيها ونقص، وأما س فإنه ذكر منها ألفاظا، ثم قال: "وما كان نحوهن من الفعل مما لا يستغنى بمرفوعة عن الخبر"، فأعطى قانونا كليا يعرف به ما كان من هذا الباب، وه كون مرفوعها لا يستغنى عن الخبر، ولذلك ألحق النحويون بها أفعال المقاربة، وهذه هي طريقة النحاة الذين هم على/ سنن النحو، وهو عذق الباب بقانون كلي يختبر في شخصيات

المسائل، فما وافق كان من الباب، وما خالف لم يكن منه.
وفي البسيط: قال بعض النحويين: إن كل فعل يجوز فيه أن يدخل في باب "كان" إذا جعلت الحال غير مستغنى عنها، تقول: قام زيد كريما؛ لأنك هنا لا تريد أنه قام في حال كرم، فإن الحال منتقلة، فلا تريدها هنا لأنها لا تفيد تخصيصًا، فالفعل هنا داخل على المبتدأ والخبر، وقد تكون منتقلة لكنك لا تريد أن تجعلها مستغنى عنها، نحو: ذهب زيد متحدثا، فالأفعال هنا ناقصة، قال الشاعر:
عاش الفتى مجاهدا في قومه
فإن جعلتها تامة نصبت على الحال.

-[ص: وتوسيط أخبارها كلها جائز ما لم يمنع مانع أو موجب. وكذا تقديم خبر "صار" وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا. وقد يقدم خبر "زال" وما بعدها منفية بغير "ما"، ولا يطلق المنع، خلافا للفراء، ولا الجواز، خلافا لغيره من الكوفيين. ولا يقدم خبر "دام" اتفاقا، ولا خبر "ليس" على الأصح. ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة، خلافا لقوم. ويمنع تقديم الخبر الجائز التقدم تأخر مرفوعة، ويقبحه تأخر منصوبة، ما لم يكن ظرفا أو شبهه. ولا يمتنع هنا تقديم خبر مشارك في التعريف وعدمه إن ظهر الإعراب. وقد يخبر هنا وفي باب "إن" بمعرفة عن نكرة اختيارا.]-
ش: مثال ذلك: "كان قائما زيد". وهذا الذي ذكره المصنف من جواز توسيط أخبارها سواء أكان الخبر جامدا أو مشتقا هو مذهب البصريين. ولا يجيز الكوفيون "كان قائمًا زيد" على أن يكون في قائم ضمير يعود على اسم كان المؤخر، ويكون قائما خبرا مقدما على الاسم

لأن ضمير الرفع عندهم لا يتقدم على ما يعود عليه أصلا. وجاز ذلك عند أهل البصرة لأن المضمر مرفوع بما النية به التأخير، والضمير إذا كانت النية به التأخير عن الظاهر جاز تقديمه عليه.
وأجاز الكسائي "كان قائما زيد" على أن يكون في كان ضمير الأمر والشأن، و"قائما" خبر "كان"، و"زيد" مرفوع بـ"قائم"، ولا يثني قائما ولا يجمعه لرفعه الظاهر. وهذا باطل عندنا لأن ضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة.
وأجاز الفراء ذلك على أن يكون "قائم" خبر "كان"، و"زيد" مرفوع بـ"كان" وبـ"قائم"، ولا يثني عنده ولا يجمع لرفعه الظاهر مع أنه يتقدر بالفعل؛ ألا ترى أنك تقول: كان يقوم زيد، وكان قام زيد، فيكون بمعنى: كان قائما زيد. وهذا باطل لأنه لا يجوز إعمال عاملين في معمول واحد.
وأجاز هشام: كان قائما الزيدان والزيدون، على أن تجعل قائما خبرا، والزيدان والزيدون اسما. ولا يجيز ذلك البصريون إلا مع تثنية الخبر وجمعه.
وقوله كلها دخل فيها ليس /وما دام، أما "ليس" فخالف في جواز توسيط خبرها بعض النحاة، ذكره ابن درستويه، وشبهها في ذلك بـ"ما". وهو محجوج بالسماع الثابت، ففي السبعة {لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا} بنصب {البِرَّ}، وقال الشاعر:
سلي -إن جهلت- الناس عنا وعنهم وليس سواء عالم وجهول

وقال الآخر:
أليس عجيبًا بأن الفتى يُصاب ببعض الذي في يديه
وقد وهم المصنف في الشرح، فزعم أن خبر "ليس" جائز توسيطه بالإجماع، واتبع في ذلك أبا علي الفارسي، فإنه قال: "لم يختلفوا في جواز تقديم خبرها على اسمها". وكذلك قال ابن الدهان: "جواز تقديم خبرها على اسمها إجماع". وكذلك قال ابن عصفور: لم يختلفوا في جواز تقديم خبرها على اسمها.
وأما "ما دام" فقد وهم ابن مُعط في منع توسيط خبرها، وخالف النص والقياس والإجماع، أما النص فقول الشاعر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة لذاته بادكار الموت والهرم
وقول الآخر:
ما دام حافظ سري من وثقت به فهو الذي لست عنه راغبًا أبدا
وأما القياس فكما جاز توسيط أخبار أخواتها كذلك يجوزُ مع "دام".

وقال المصنف في الشرح: " فيها ما في "دام" من عدم التصرف، وتوفقها ضعفًا بأن منع تصرفها لازمٌ ومنع تصرف "دام" عارضٌ، ولأن "ليس" تشبه "ما" النافية معنى، وتُشبه "ليت" لفظًا؛ لأن وسطها ياء ساكنة سالمة، ومثل ذلك مفقود في الأفعال، فثبت بها زيادة ضعف "ليس" على ضعف "دام"، وتوسيط خبر ليس لم يمتنع، فإن لا يمتنع توسيط خبر دام لنقصان ضعفها أحق" انتهى. قوله "فيها ما في دام من عدم التصرف" قد تقدم أن عدم تصرفها في هذا الباب هو مذهب الفراء، والبصريون لا يشترطون ذلك.
وقوله ما لم يعرض مانع يعني من التوسط، مثال ذلك: ما يوجب التقديم نحو: كم كان مالك؟ وأين زيد؟ وما يوجب التأخير نحو: كان فتاك مولاك، وما كان زيد في الدار.
وقوله أو موجب أي للتوسط، مثاله ما قُصد فيه حصر الاسم، نحو {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا}، ونحو: كأنك زيد، وكان في الدار رجلٌ. قال المصنف: "وقد يحمل المُوجب على موجب التقديم أو توسيط على سبيل التخيير، وذلك إذا اشتمل الاسم على ضمير ما اشتمل عليه الخبر، نحو: كان شريك هند أخوها،/ ووليها كان أبوها، فواجب في هذه المسألة تقديم الخبر أو توسيطه، وممتنع تأخيره لئلا يتقدم الضمير على مُفسر مؤخر رتبة ولفظًا، فلو كان في مثل هذه قبل الفعل ما له صدر الكلام تعين التوسط، نحو قولك: هل كان شريك هند أخوها؟ ".
وقوله وكذا تقديم خبر "صار" وما قبلها جواز ومنعًا ووجوبًا يعني أن

تقديم خبر "صار" وما قبلها عليها ينقسم انقسام الخبر من ثلاثة الأقسام: قسم يجوز فيه، وقسم يمتنع، وقسم يجب:
فالجائز نحو: قائمًا كان زيد، وسواء أكان الخبر جامدًا أم مشتقًا، هذا مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز: قائمًا كان زيد، على أن يكون "قائمًا" خبر "كان" مقدمًا، و"زيد" اسم "كان"، للعلة التي ذُكرت عنهم في منع توسطه.
وأجاز ذلك الكسائي على أن يكون "قائمًا" خبر "كان" مقدمًا مرفوعًا به "زيد" وفي "كان" ضمير الشأن، ولا يُثنى "قائم" ولا يُجمع لرفعه الظاهر، كما يُفعل ذلك مع التوسط.
وأما الفراء فحكمه عنده مع التقدم حكمه مع التوسط، إلا أنه يُثني "قائمًا" ويجمعه لأنه لا يسوغ في محله الفعل، فلا تقول: قائم كان زيد، ولا: يقوم كان زيد. ومذهبها فاسد بما أفسدنا به مذهبهما في التوسط.
فإن جعلت قائمًا وأشباهه خالفًا لموصوف جاز عندهم أن يكون خبرًا مُقدمًا وموسطًا، ويكون فيه إذ ذاك ضمير يعود على الموصوف المحذوف، ويُثنى ويُجمع.
وأجاز البصريون والكسائي تقديم الخبر في نحو: كنت حسنًا وجهك، فتقول: حسنًا وجهك كنت. ومنعه الفراء إلا أن تجعل مكان الكاف الهاء، فتقول: حسنًا وجهه كنت.
ويحتاج جواز تقديم خبر "كان" إلى "صار" عليها إلى سماع من العرب، ولم نجدهم ذكروا سماعًا في ذلك، لا يكاد يوجد: قائمًا كان زيد.

وقد استدل بعضهم على جواز ذلك بقوله تعالى: {أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ}، فـ "إياكم" معمول لقوله: "يعبدون"، وهو خبر وتقدم المعمول يُؤذن بتقديم العامل، فلو لم يكن {يَعْبُدُونَ} جائزًا تقدمه على {كَانُوا} لم يجز تقديم معموله. وكذلك قوله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ}. وأما قوله تعالى: {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ} فقيل: {كَذَلِكَ} خبر مقدم. وقيل: {كُنتُم} تامة.
وإذا كان الخبر اسمًا فيه معنى الاستفهام وجب تقديمه، نحو قولهم: ما جاءت حاجتك؟ فيمن رفع حاجتك، فـ "ما" خبر تقدم، كأنه قال: أية حاجة صارت حاجتك؟ على أنه يحتمل أن تكون "ما" مبتدأ، وخبر "جاءت ضمير محذوف. وقد مثل بعضهم ذلك بقوله: أيًا كان أبوك؟ فإن كان الخبر ظرفًا فيه معنى الاستفهام فقد تقدم أنه يجب تقديمه، وكذلك "كم".
قال المصنف: "ومن عُروض المانع خوف اللبس نحو: كان فتاك مولاك، وصار/ عدوي صديقي. وحصر الخبر نحو: إنما كان زيد في المسجد. واشتمال الخبر على ضمير ما اشتمل عليه الاسم، نحو: كان بعل هند حبيبها، فيجب تأخير الخبر في مثل هذا؛ لأنه لو وُسط أو قُدم لزم عود الضمير على متأخر لا يتعلق به العامل. وبعض النحويين لا يلزم تأخير الخبر في مثل هذا لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد، فلو وسط الخبر، فقيل: "كان حبيبها بعل هند" لم يضر لأن الضمير عائد على ما هو كجزئه مقدر التقديم معه؛ إذ لا يتم معناه إلا به. ويلزم من جواز

هذا جواز: كان حبيبها الذي خطب هندًا؛ لأن ما يتم به المضاف بمنزلة ما يتم به الموصول، وهذا لا يجوز، فكذلك ما أشبهه.
وأما عروض مُوجَب التقديم فإذا كان فيه معنى استفهام، نحو: كم كان مالُك؟ أو أُضيف إلى ما هو فيه، نحو: غلامَ من كان زيد؟ " انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقوله وقد يُقدم خبر "زال" وما بعدها منفية بغير "ما" مثاله: في الدار لم يبرح زيد، وقائمًا لن يزال عمرو، فإذا كان حرف النفي لا أو لن أو إنْ أو لم أو لمَّا جاز تقديم الخبر، هذا مذهب البصريين، ويُحتاج في إثبات ذلك إلى سماع من العرب. ومما استُدل به لذلك قول الشاعر:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته على الشر خيرًا لا يزال يزيد
ووجه الدلالة من هذا أن "خيرًا" منصوب بـ "يزيد"، و"يزيد" خبر لـ"يزال"، وتقدم المعمول مُؤذن بتقدم العامل، فكما جاز تقديم "خيرًا" جاز تقديم "يزيد"، وهو خبر "زال".
وأجاز الأستاذ أبو بكر بن طاهر نصب "خيرًا" برأيته على حذف مضاف، أي: ذا خير، وأن يكون منصوبًا بيزيد لاتساعهم في "لا" كـ "لن" و"لم" قال: ولا يصلح مع "ما".
ومما يقع التخيير فيه بين التقديم أو التوسط: في الدار لم يبرح صاحبها، ولا ينفك مع هند أخوها.

وقوله ولا يُطلق المنع، خلافًا للفراء منع الفراء من تقديم خبر زال وأخواتها عليها بأي حرف كان النفي.
وقوله ولا الجواز، خلافًا لغيره من الكوفيين يعني أن غير الفراء من الكوفيين أجاز تقديم الخبر مطلقًا سواء أنفي بما أم بغيره، فتقول: قائمًا ما زال زيد، وهذا المذهب مشهور نقله عن ابن كيسان، ورُوي عن الكسائي والأخفش، وقال به أبو جعفر النحاس، واختاره ابن خروف، وحكاه صاحب "البسيط" عن ابن كيسان وبقية الكوفيين.
واحتج ابن كيسان على ذلك بأن هذه الأفعال وإن كانت منفية في اللفظ، فإنها مُوجبة في المعنى؛ ألا ترى أن معنى "ما زال زيد عالمًا" ثبوت العلم له لا نفيه عنه، فجرت مجرى "كان"، ويدل على مراعاة هذا المعنى لها كونهم لم يُدخلوا "إلا" على خبرها كما لا تدخل/ على خبر كان الثبوتية.
ورُد هذا المذهب بأن المراعى في التقديم إنما هو اللفظ لا المعنى؛ ألا ترى أنهم لا يُجيزون في "ما ضربت غير زيد" تقديم "غير" وإن كان المعنى على الإيجاب، رعيًا للفظ "ما"، فكذلك هذا.

فرع: إذا توسط الخبر بين "ما" وهذا الأفعال نحو "ما قائمًا زال زيد" فأكثر النحويين على جواز ذلك، وبعضهم منعه.
وفي البسيط: "واحتج بأنها لزمت "ما"، وانقلب معناها بها، ولذلك المعنى عملت في الخبر، فغلب عليها حكم الحرف، فلم يُتصرف في معمولها، ولأنها مع "ما" كـ "حبذا"، فلا يُفصل بينهما. ولم يُراع الجمهور هذا".
وقال أيضًا: "الاتفاق على أنه لا يجوز تقديم أخبارها على "ما" إذا كان النفي غير لازم، نحو "ما كان" وأخوتها".
وفي الإفصاح: "ومن منع من التقديم - يعني تقديم الخبر على الفعل لا على "ما" - احتج بأنها إذا لم تدخل عليها "ما" لم تعمل بأنها نفي في المعنى، تقول: برح الخفاء، وزال زيد، وانفك عن كذا أو منه، أي: انصرف، فإذا أدخلت هذا، ونفيت الزوال وما في معناه انعكس المعنى إثباتًا، وصارت هذه الأفعال لمصاحبة هذا الحرف تدل على دوام الصفة للموصوف، وهو معنى وجود الخبر للمخبر عنه دائمًا، لم يتهيأ هذا المعنى وهذا الاقتضاء وهذا العمل إلا بالحرف، فكان الحرف هو العامل، فلم يتصرف هذا الفعل في معموله لغلبة الحرف عليه، وكأنه حرف" انتهى.
وهذا التعليل يقتضي امتناع التقديم على الاسم إذا نفي بـ "لا" أو بـ "إن" النافية، نحو: لا يزال زيد محسنًا، وإن يزال زيد محسنًا.
وقوله ولا يتقدم خبر "ما دام" اتفاقًا نحو: لا أصحبك طالعة ما دامت الشمس، لأن "طالعة" معمول لصلة ما، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول.
وفي الإفصاح: "لا يُقدم الخبر على "دام" لأنها بمنزلة "أن"؛ لأن الحرف المصدري لا يُفصل بينه وبين فعله لأنه كالجزء منه، ولا على "ما" لما تقدم من أن الحرف المصدري لا يعمل ما بعده فيما قبله، كما لا يتقدم بنفسه عليه".

وقال ابن المصنف الإمام بدر الدين محمد: "ما هذه - يعني في ما دام - ملتزمة صدر الكلام، ولا يُفصل بينها وبين صلتها بشيء، فلا يجوز تقدم الخبر على دام وحدها، ولا عليها مع ما. ومثل دام في ذلك كل فعل قارنه حرف مصدري، نحو: أريد أن تكون فاضلًا" انتهى.
وليس كما ذكر، بل الحرف فيه تفصيل بين أن يكون عاملًا أو غير عامل، إن كان غير عامل جاز أن يتقدم على الفعل لا على الحروف، نحو قولك: عجبت مما زيدًا تضرب، تريد: مما تضرب زيدًا. وإن كان عاملًا ففي جواز التقديم خلاف، ومذهب البصريين المنع. فمقتضى ما ذكرناه أن يجوز: لا أصحبك ما طالعة دامت الشمس، وهو الذي يقتضيه القياس على: عجبت مما زيدًا تضرب، إلا إن علل ذلك بأن/ دام لا تتصرف، فيمكن المنع.
وقوله ولا خبر "ليس" على الأصح اختار المصنف منع تقديم خبر "ليس" عليها، فلا يجوز عنده: قائمًا ليس زيد، وهو مذهب الكوفيين والمبرد وابن السراج والزجاج والسيرافي والجرجاني وأكثر المتأخرين، واختاره أبو الحسين بن عبد الوارث الفارسي وأبو زيد

السهيلي. وذهب قدماء البصريين إلى الجواز، ونسبه صاحب اللباب إلى الكوفيين. وقال أبو الفتح: "انفرد المبرد بأنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها، وخالفه في ذلك الجمهور" انتهى. وقد اختلف في ذلك على س، فنسب بعضهم إليه الجواز وبعضهم قال: "ليس في كلامه ما يدل على ذلك". وإلى جواز ذلك ذهب أبو علي والسيرافي وابن برهان والزمخشري والأستاذ أبو علي الشلوبين، واختاره ابن عصفور، وقال: "هو الذي يعطيه كلام س لأنه أجاز في الاشتغال: أزيدًا لست مثله؟ بنصب زيد بفعل يُفسره ليس، ولا يُفسر في الاشتغال إلا ما يصح له العمل".
واستدل من أجاز ذلك بشيئين، قال:
أحدهما أنه لا خلاف في جواز تقديم خبرها على اسمها، ولم يُوجد الخبر متقدمًا على الاسم وهو غير ظرف ولا مجرور إلا حيث يجوز تقديم

الخبر على العامل؛ ألا ترى أن "كان" يتقدم خبرها على الاسم وعليها، وأن خبر "إن" وأخواتها لا يتقدم على اسمها ولا عليها، فلو كانت "ليس" بمنزلة "إن" و "ما" في امتناع تقديم خبرها عليها لامتنع تقديم خبرها على اسمها، كما امتنع ذلك في "إن" و "ما" وأخواتها، فدل ذلك على أنه يجوز أن يتقدم خبرها عليها كما جاز تقديم خبر "كان" على اسمها.
والثاني قوله تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}، فقدم {يَوْمَ يَاتِيهِمْ} وهو معمول الخبر، ولا يتقدم على الناسخ معمول معموله إلا حيث يجوز تقديم معمول الناسخ عليه؛ ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة كان زيد قائمًا، لأنه يجوز أن تقول: قائمًا يوم الجمعة كان زيد، ولا يجوز أن تقول: قام يوم الجمعة إن زيدًا. ونظير قوله تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}، قول الشاعر:
فيأبى، فيما يزداد إلا لجاجة وكنت أبيا في الخنا، لست أقدم
فظاهر هذا البيت أن قوله: "في الخنا" متعلق بقوله "أقدم"، و"أقدم" خبر "ليس".
وحجة من منع إن كان مذهبه فيها أنها حرف فمعمول الحرف لم يتقدم على الحرف في موضع من المواضع، وإن كان مذهبه فيها أنها فعل فالفعل إذا لم يتصرف في نفسه لم يتصرف في معموله، دليل ذلك فعل التعجب وعسى ونعم وبئس، مع أن "ليس" شبيهة في المعنى بحرف لا يُشبه الفعل، وهو/ "ما"، بخلاف "عسى" فإنها شبيهة بحرف يشبه الفعل، وهو "لعل"، وكان مقتضى شبه "ليس" بـ "ما"، و"عسى" بـ "لعل" امتناع توسيط خبريهما كما امتنع توسيط خبر "ما" و "لعل"، لكن قصد ترجيح ما

له فعلية على ما لا فعلية له، والتوسيط كاف في ذلك، فلم تجر الزيادة عليه تجنبًا لكثرة مخالفة الأصل. وقد طول المصنف بما لا حاجة إليه في هذه المسألة من إبداء فروق بين "ليس" وفعل التعجب ونعم وبئس وعسى.
وأجاب أصحاب هذا المذهب عن السماع، وهو قوله: {أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} بأجوبة:
أحدها: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل، نحو: أما زيدًا فاضرب، وعمرًا لا تهن، وحقك لن أضيع، فكما لم يلزم من تقديم معمول الفعل بعد "أما" تقديم الفعل، ولا من تقديم معمول المجزوم والمنصوب على "لا" و "لن" تقديمهما عليهما، كذا لا يلزم من تقديم معمول خبر ليس تقديم الخبر.
الثاني: أن يُنصب {يَوْمَ يَاتِيهِمْ} بفعل مضمر لأن قبله {مَا يَحْبِسُهُ}، فـ {يَوْمَ يَاتِيهِمْ} جواب، كأنه قيل: يعرفون يوم يأتيهم، و {لَيْسَ مَصْرُوفاً} جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة.
الثالث: أن يكون {يَوْمَ} مبتدأ بني لإضافته إلى الجملة، فذلك سائغ مع المضارع كسوغه مع الماضي، وللاحتجاج على بناء المضاف إلى المضارع موضع آخر.
الرابع: أنا نُسلم انتصاب {يَوْمَ} بـ {مَصْرُوفاً} لأن الظروف يُتوسع فيها ما لا يُتوسع في غيرها، ولذلك جاز: ما غدًا زيد ذاهبًا، ولم يجز: ما طعامك زيد آكلًا، وجاز: أغدًا تقول زيدًا منطلقًا؟ ولم يجز: أأنت تقول زيدًا منطلقًا؟ انتهت هذه الأجوبة، وهي كلام المصنف في الشرح.

وقال السهيلي: قائمًا لست، وقيامًا لسنا، وخارجين لسنا، ما أظن العرب فاهت بمثله قط.
وقوله ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة، خلافًا لقوم هذه المسألة أوردها النحويون على طريقتين:
إحداهما أن يكون الخبر جملة من غير تفصيل في الجملة، فسواء أكانت الجملة أسمية أم فعلية، رافعة ضمير المبتدأ أو غير رافعة، مثال ذلك: كان زيد أبوه قائم، وكان زيد يقوم، وكان زيد يمر به عمرو، فكذر ابن السراج عن قوم من النحويين أنهم لا يجيزون تقديم الخبر ولا توسيطه في ذلك، فلا يجوز: أبوه قائم كان زيد، ولا: يقوم كان زيد، ولا: كان أبوه قائم زيد، ولا: كان يقوم زيد، وقال ابن السراج: "والقياس جوازه وإن لم يسمع". وصحح المصنف الجواز، قال: "لأنه وإن لم يسمع مع كان فقد سمع الابتداء، كقول الفرزدق:
إلى ملك ما أمه من محارب أبوه، ولا كانت كليب تصاهره"
قال: "فلو دخلت كان لساغ التقديم، فكنت تقول: ما أمه من مُحارب كان أبوه. والتوسيط أولى بالجواز كقوله: ما كان أمه من مُحارب أبوه".
ومما يدل على تقديم الخبر وهو/ جملة قوله تعالى: {أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} {وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}، وتقديم المعمول يُؤذن بتقديم العامل.

والطريقة الأخرى: تقييد الجملة بأن تكون فعلًا مرفوعة ضمير مستتر فيه، نحو: كان زيد يقوم، فمنهم من أجاز تقديمه، وجعل من ذلك قول الشاعر:
وأصبح في لحد من الأرض ميتًا وكانت به حيًا تضيق الصحاصح
في "الصحاصح" عنده اسم "كانت"، و"تضيق" الخبر.
ومنهم من منع، فاسم "كانت" ضمير القصة، و"تضيق الصحاصح" فعل وفاعل في موضع خبر اسم "كانت" الذي هو ضمير القصة.
واستدل من منع ذلك بأن هذه الأفعال داخلة على ما أصله المبتدأ والخبر، فكما إذا قلت: "الصحاصح تضيق" لا يجوز تقديم "تضيق"، ويكون خبرًا للمبتدأ، فكذلك خير هذه الأفعال.
واحتج من أجاز التقديم بأنه إنما لم يجز "تضيق الصحاصح" على أن يكون "تضيق" خبرًا مقدمًا لأنه لا يمكن إعمال الابتداء في "الصحاصح" مع وجود الفعل قبله لأن الابتداء معنى، والفعل لفظ، والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي.
ولك في البيت أن تجعل "تضيق" خبرًا مقدمًا، و "الصحاصح" اسم "كان". ولك أن تجعل "الصحاصح" فاعلًا بـ "تضيق". فلما كان كل واحد من العاملين - وهما كان وتضيق - لفظيًا لم يكن أحدهما أولى بالعمل من الآخر، فجاز الوجهان.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: والصحيح المنع من تقديم الخبر إذا كان فعلًا مرفوعه ضمير مستتر فيه؛ لأن الذي استقر في باب "كان" أنك

إذا حذفتها عاد اسمها وخبرها إلى الابتداء والخبر، نحو: كان زيد قائمًا، لو أسقطت "كان" قلت: زيد قائم، ولو أسقطها من كان يقوم زيد على أن يكون "يقوم" خبرًا مقدمًا، فقلت: يقوم زيد، لم ترجع إلى المبتدأ والخبر. وإذا كان في كان ضمير الشأن، والجملة خبر، فحذفت "كان" برز ضمير الشأن، وكان مع ما بعده مبتدأ وخبرًا، فقلت: هو يقوم زيد.
وفي "الغرة": الكوفي لا يُجيز: أبوه قائم كان زيد؛ لأنهم لا يقدمون على "كان" ما لم يعمل فيه، ولا يقولون: كان أبوه قائم زيد، ولا يتقدم على "كان" فعل ماض ولا مُستقبل.
وقوله ويمنع تقديم الخبر الجائز التقدم تأخر مرفوعه مثاله: كان زيد قائمًا أبوه، وكان زيد آكلًا أبوه طعامك، لا يجوز: قائمًا كان زيد أبوه، ولا: آكلًا كان زيد أبوه طعامك، وذلك أن حق العامل أن يُفضل بينه وبين معموله، والمرفوع فضله أصعب لكونه كجزء من رافعه، فلذلك امتنع، ولم يجز بوجه.
وقوله ويُقبحه تأخر منصوبه وذلك نحو: آكلًا كان زيد طعامك، فهذا قبيح، ولا يمتنع لأنه ليس كجزء من ناصبه لكونه فضلة.
/ وقوله ما لم يكن ظرفًا أو شبهه نحو: وإذا كان زيد فيك، ومسافرًا كان زيد اليوم. وحسن ذلك كون العرب تتسع في الظروف والمجرورات ما لا تتسع في غيرهما.
وقوله ولا يمتنع هنا تقديم خبر مشارك في التعريف وعدمه إن ظهر الإعراب يعني بقوله "وعدمه" أي: وعدم التعريف، وهو التنكير. مثاله: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، ولم يكن خيرًا منك أحد، وخيرًا منك لم يكن أحد. فإن لم يظهر الإعراب فالمتقدم هو الاسم، والمتأخر هو الخبر،

نحو: كان أخي صديقي، ولم يكن فتى أزكى منك.
وقوله وقد يُخبر هنا وفي باب "إن" بمعرفة عن نكرة اختيارًا قال المصنف في الشرح: "لما كان المرفوع هنا مشبهًا بالفاعل، والمنصوب مشبهًا بالمفعول، جاز أن يُغني هنا تعريف المنصوب عن تعريف المرفوع، كما جاز ذلك في باب الفاعل، لكن بشرط الفائدة وكون النكرة غير صفة محضة، فمن ذلك قول حسان:
كأن سُلافة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء
وليس مضطرًا إذ كان يقول: تكون مزاجها عسل وماء، فيجعل اسم "تكون" ضمير السلافة، و"مزاجها عسل وماء" مبتدأ وخبر في موضع نصب خبر "كان"، وقول القطامي:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ولا يك موقف منك الوداعا
وليس مضطرًا إذ له أن يقول: ولا يك موقفي منك الوداعا. والمحسن لهذه شبه المرفوع بالفاعل والمنصوب بالمفعول، وقد حمل هذا الشبه في باب "إن" على أن جُعل فيه الاسم نكرة والخبر معرفة، كقول الشاعر:
وإن حرامًا أن أسب مُجاشعًا بآبائي الشم الكرام الخضارم

وأجاز س: إن قريبًا منك زيد" انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وأنشد غير المصنف:
وقد كان لي في الندى مقتد عصامًا كما كان لي عاصم
وقول الآخر:
فلو كان واليها جاهل لما كان قاضيًا عالم
وقول الآخر:
بمكة حنطة بُلت بماء يكون إدامها لبن حليب
وعليه حمل بعضهم قوله:
لكان التغزي عند كل مصيبة ونازلة بالحر أولى وأجمل
وسكن ياء "التعزي" ضرورة.
وقد أجحف المصنف في هذا الباب بكيفية الإخبار/ عن المعرفة بالمعرفة، وعن النكرة بالنكرة، وعن المعرفة بالنكرة، وعن النكرة بالمعرفة.

ونحن نذكر من ذلك ما تيسر لنا، فنقول: إذا اجتمع معرفتان في هذا الباب فإما أن تكون إحداهما قائمة مقام الآخر، أو مُشبهة به، أو هي نفسه: إن كانت قائمة مقامه أو مُشبهة به جُعل الخبر ما تريد إثباته، نحو: "كانت عقوبتك عزلتك"، وكان زيد زهيرًا، فالعزلة ثابتة لا العقوبة، والتشبيه بزهير ثابت. ولو قلت: كانت عزلتك عقوبتك فهو مُعاقب لا معزول، ولو قلت: كان زهير زيدًا ثبت التشبيه لزهير بزيد.
وإن كانت المعرفة هي الأخرى بنفسها فإما أن يكون المخاطب يعرفهما أو يجهلهما، أو يعرف أحدهما ويجهل الآخر، فإن كان يعرفها فإما أن تكون نسبة أحدهما إلى الآخر مجهولة أو معلومة، إن كانت مجهولة جاز أن تجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر، نحو: كان زيد أخا عمرو، وكان أخو عمرو زيدًا، إذا قدرت أن المخاطب يعلم زيدًا بالسماع وأخا عمرو بالعيان، لكنه لا يعلم أن ما علمه بالعيان هو الذي عرفه بالسماع، لا فرق بين أن تجعل زيدًا الاسم وأخا عمرو الخبر، والعكس؛ لأن المجهول إنما هو النسبة، وحظ كل واحد منهما في النسبة واحد، هذا إذا استويا في رُتبة التعريف، إلا إن كان أحدُهما أنْ أو أنَّ المصدريتين، فإن الاختيار جعلهما الاسم والآخر الخبر، ولذلك قرأ أكثر القراء {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا} بنصب {جَوَابَ} - وإن كان متساويي الرتبة في التعريف - لأن {جَوَابَ قَوْمِهِ} مضاف إلى مضاف إلى المضمر، و {أَن قَالُوا} مقدر بمصدر مضاف إلى المضمر. وإنما كان الاختيار ذلك من جهة الشبه بالمضمر من حيث إنهما لا يوصفان كما لا يوصف المضمر، فعومل معاملته، والضمير إذا اجتمع مع معرفة غيره كان الاختيار أن يُجعل الاسم لأنه أعرف من الظاهر.

وزعم ابن الطراوة أنه لا يجوز في نحو: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا} إلا أن يكون الخبر {جَوَابَ قَوْمِهِ} لأنه يلي النافي، فهو في حيز النفي، وإنما يُنفي ويُوجب الخبر، وأما الاسم فلا يُوجب ولا يُنفي، ولكن يُوجب له، ويُنفي عنه، قال: "وأما ما رواه س فإنما هو على تقدير الخبر وإلغاء كان".
ورد عليه بقولهم: ما زيد إلا قائم، وما كان زيد إلا قائمًا، فـ"زيد" في المسألتين مخبر عنه باتفاق مع أنه يلي النافي. وبأنه لما حل محل "أن" المصدر لم يتعين فيه الرفع، نحو قول الشاعر:
وقد علم الأقوام ما كان داءها بثهلان إلا الخزي ممن يقودها
/ وقول الآخر:
لقد شهدت قيس، فما كان نصرها قتيبة إلا عضها بالأباهم
رُوي بنصب "داءها" و "نصرها" ورفع "الخزي" و "عضها"، ورُوي العكس، ولم يُرو برفع الاسمين، ولا جاء شيء من ذلك في كلامهم. وما ذكره من إلغاء "كان" متقدمة ففاسد، وسيبين فساده إن شاء الله.
وإن لم يستويا في رتبة التعريف كان الاختيار جعل الأعرف منهما الاسم والأقل تعريفًا الخبر، نحو: كان زيد صاحب الدار؛ لأن العلم أعرف

من المضاف إلى ما فيه "أل"، ويجوز: كان صاحب الدار زيدًا، إلا المُشار، فإنه يُجعل الاسم، وغيره من المعارف الخبر، فتقول: كان هذا أخاك، اعتنت به العرب لمكان التنبيه الذي فيه بالإشارة، ولا يجوز عكس هذا إلا مع المضمرات، فإن الأفصح تقديمه، تقول: ها أنا ذا، ويجوز: هذا أنا، وهذا أنت. وفي تقرير الإخبار عن الاسم المضمر باسم الإشارة وعكسه إشكال، وأي نسبة بينهما يجهلها المخاطب حتى يصح هذا الإخبار؟
وإن كانت نسبة أحد المعرفتين المعلومين عند المخاطب معلومة عنده لم يجز جعل أحدهما الاسم والآخر الخبر؛ لأنه لا فائدة في ذلك، فلا يجوز على هذا: كان أبوك محمدًا.
وإن كان المخاطب يجهلها لم يجز جعل أحدهما الاسم والآخر الخبر لأنه لا فائدة في ذلك.
وإن كان المخاطب يعرف أحد المعرفتين ويجهل الآخر جُعل المعلوم الاسم والمجهول الخبر، نحو: كان أخو بكر عمرًا، إذا قدرت أن المخاطب يعلم أخا بكر، ويجهل كونه عمرًا. فلو كان العكس قلت: كان عمرو أخا بكر، إذا كان يعلم عمرا، ويجهل كونه أخا بكر.
وزعم ابن الطراوة أن الذي لا تريد إثباته تجعله الاسم، والذي تريد إثباته تجعله الخبر، وتعلق بقول عبد الملك بن مروان لخالد: "وقد جعلت عقوبتك عزلتك". قال: "فالعزلة هي الحاصلة". قال: "ومن

ذلك قول الشاعر:
فكان مُضلي من هديت برشده فلله غاو عاد بالرشد آمرا
أثبت الهداية لنفسه، ولو قال: فكان هادي من أضللت به لأثبت الإضلال". قال: "وقد غلط في هذا جلة من الشعراء، ومنه قول المتنبي:
ثياب كريم، ما يصون حسانها إذا نُشرت كان الهبات صوانها"
قال: "ذمه وهو يرى أنه مدحه إذ أثبت الصون، ونفى عنها الهبات، كأنه قال: الذي يقوم لها مقام الهبات أن تُصان، ولو قال: كان الهبات صوانها لكان/ يهب ولا يصون، كأنه قال: كان الذي يقوم لها مقام الصون أن تُوهب". قال: "وكذلك قول حبيب:
ذلل ركائبه إذا ما استأخرت أسفاره فهمومه أسفار"
قال: "فجعل الحاصل - وهو همومه - المبتدأ، وجعل غير الحاصل - وهو أسفار - الخبر، فظاهر العجز مُناقض للصدر إذ جعل همومه هي الأسفار، وهو قد قال: إن أسفاره قد استأخرت، بقوله: إذا ما استأخرت أسفاره". قال: "إنما كان ينبغي لهما أن يقولا: "كان الهبات صوانها، وفأسفار هموم".
قال ابن عصفور: "وهذا الذي ذكره ليس على إطلاقه، إنما يُتَصَوَّر

إذا كان الخبر قائمًا مقام الأول أو مشبهًا به كما ذكرنا، أما إذا كان هو نفس المبتدأ فالمعنى واحد، نحو: كان أخو عمرو زيدًا، وكان زيد أخا عمرو. وأما:
فكان مُضلي من هُديت برشده .....................................
فالمعنى واحد أيًا جعلت منهما الاسم أو الخبر إذا كانت الهداية والضلال وقعا فيما مضى، وإنما يختلف لو كان زمن الخبر في الحال وزمن المُخبر عنه في الماضي؛ ألا ترى أن قولك: "كان مُضلي فيما مضى من هُديت به الآن" عكس قوله: كان من هُديت به فيما مضى مُضلي الآن. وأما:
........................ .............. كان الهبات صوانها
فإن جعلت الهبات خلاف الصوان بطل المعنى المراد من المدح بجعل الصوان خبرًا، وإن جعلت الهبات نفس الصوان كان المعنى واحدًا، نصبت الصوان أو رفعته" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: " قول ابن الطراوة فاسد، واعتراضه على المتنبي فاسد لأن قوله: "ثياب كريم"، ونعته للممدوح بالكرم، وأنه لا يصونها، يُعطي خلاف ما اعترض به ابن الطراوة، ومن كونهما معرفتين له أن يجعل أيهما شاء الاسم والخبر، ثم إنه يلزم أن لا يكون إلا برفع "الهبات" ونصب "صوانها"، فإن الخبر إذا نُزل منزلة الأول لزم تأخيره، ولو قدمت لانعكس المعنى، فإنما أراد أن الهبات للثياب تقوم مقام الصوان. وكذلك بيت حبيب، فإنه جعل همومه تقوم مقام الأسفار. وأما قول عبد الملك فالمعنى لز أن يكون الثاني الخبر لأنه لم يُعاقبه،

فجعلت بمعنى صيرت، أي: صيرت عقوبتك عزلتك، فهي كجعلت الطين خزفًا، أي: صيرته، فلو عكس لانعكس المعنى. وكذلك "فكان مُضلي من هديت برُشده" المعنى ألزم أن يكون الثاني الخبر" انتهى.
وأيضًا فإن ابن الطراوة قال: "إذا كان المعرفتان لا يظهر فيهما إعراب فالثاني هو الخبر"، وقوله: "فكان مُضلي من هديت برُشده" لا يظهر في "مُضلي" إعراب لأنه مضاف إلى ياء المتكلم، ولا في "من" لأنه مبني، فتعين أن يكون "من" هو الخبر من حيث المعنى ومن حيث هذا الذي قرر.
ومن تمام اجتماع المعرفتين أن تعلم أن ضمير النكرة - وإن كان معرفة - فإنه في باب الإخبار يعامل معاملة النكرة إذا اجتمعت مع المعرفة؛ لأن تعريفه إنما هو لفظي من حيث عُلم على من يعود، نحو: لقيت رجلًا فضربته، أما أن يُعلم من هو في نفسه فلا، فالإخبار عن ضمير النكرة بالمعرفة بابه الشعر، نحو قوله:
/ أسكران كان ابن المراغة إذ هجا تميمًا بجوف الشام أم مُتساكر
ففي "كان" ضمير "سكران"، وهو نكرة، وقد أخبر عنه بابن المراغة، وهو معرفة، والجائز في الكلام: أسكران كان ابن المراغة، بنصب "سكران" خبرًا، ورفع "ابن المراغة" اسمًا. وقال الآخر:
ألا من مُبلغ حسان عني أسحر كان طبك أم جنون

وقال الآخر:
فإنك لا تُبالي بعد حول أظبي كان أمك أم حمار
فهذا ونحوه استدل به س على جعل الاسم نكرة والخبر معرفة.
ورده المبرد بتأويل إلى ما عليه الجمهور من أن اسم "كان" مضمر فيها، والمضمر معرفة.
وانتصر قوم لـ "س"، فقالوا: هذه الضمائر تعود إلى نكرات، فهي نكرات.
قال ابن الدهان: "وليس بشيء لأنه لا يكون ضمير إلا معرفة إلا ما دخل عليه رب، نحو: ربه رجلًا. والدليل على أن ضمائر النكرات معارف كونها لا توصف، وهي تؤكد، ولما فارقها ضمير رب لزمه التفسير" انتهى.
وذهب قاضي القضاة أبو جعفر بن مضاء صاحب كتاب

"المشرق"، والأستاذ أبو الحسن بن خروف، وشيخه ابن طاهر والأستاذ أبو علي في إقرائه القديم إلى أنه إذا اجتمع في هذا الباب معرفتان جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر من غير التفات إلى المخاطب؛ لأنه إذا كان يعرف مثلًا زيدًا، ولا يعلم أنه أخو عمرو، وقلت: كان أخو عمرو زيدًا، حصلت له الفائدة. قال ابن خروف: "وعلى هذا كلام العرب أن تجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر، ووقفوا في ذلك مع ظاهر كلام س لأنه قال: "وإذا كانا معرفتين فأنت بالخيار أيهما ما جعلته فاعلًا رفعته، ونصبت الآخر، كما فعلت ذلك في ضرب". ولم يعتبر س المخاطب".
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في شرح الجمل الصغير: "إن كانا معرفتين جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر. ولم يفصل لا بالنظر إلى معرفة المخاطب، ولا بالنظر إلى استوائهما في التعريف أو عدم استوائهما".
وهكذا أطلق أبو علي الفارسي، قال: "إذا اجتمع معرفتان كان لك أن تجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر". وقد تأول الشراح كلامه، وقسموا التقسيم الذي بدأنا به أولًا في اجتماع المعرفتين.
وبعض شراح كلام أبي علي حمله على عمومه، وقال: "الذي عليه المتقدمون قول أبي علي. وقد احتج أبو علي بقوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا} قرئ رفعًا ونصبًا.

وذكر س: و {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا}، وذكر أن بعض العرب يقرؤونها بالرفع، وأنشد:
وقد علم الأقوام .. البيت.
قال: وإن شئت رفعت/ الأول، وأنشد:
فقدت شهدت قيس ... البيت.
برفع العض ونصبه، وهو دليل على ما ذكره النحويون المتقدمون؛ ألا ترى أن "كان" هنا حالها بخلاف سائر الأفعال لما كان مرفوعها هو منصوبها في المعنى، وكانت إنما تدل على أن الثاني منسوب للأول وموجود له؛ لأنك إذا قلت: ما ضرب زيد إلا عمرًا كان المعنى: إن زيدًا ضرب عمرًا، ولم يضرب سواه، فإذا عكست فقلت: ما ضرب زيدًا إلا عمرو كان المعنى: إن عمرًا ضرب زيدًا، ولم يضربه غيره، ويمكن أن ضرب عمرو غير زيد، وفي "كان" المعنى واحد لما تقدم.
وذكر س في هذا الفصل قولهم: من كان أخاك؟ ومن كان أخوك؟ وبلا شك إن المستفهم عنه هو الذي لا يعرفه السائل، ويريد أ، يُخبر به، فلو كان ما زعموا صحيحًا لم يجز إلا: من كان أخوك؟ وقد سُمع الرفع

والنصب عنهم. وكذلك: ما جاءت حاجتك. قال س: "كما تقول: من ضرب أباك؟ إذا كان من الفاعل، ومن ضرب أبوك؟ إذا جعلت الأب الفاعل". يريد أنك تخالف هذا بشرط اختلاف المعنى، وفي "كان" تخالف، والمعنى واحد" انتهى، وهو من الإفصاح.
وقال السيرافي وابن الباذش والأستاذ أبو علي في آخر إقرائه والأستاذ أبو الحسن بن الضائع: مُراد س أنك لا تخير المخاطب، فتجعل له الخبر عن "كان" المجهول عنده، إنما مراده أنهما إذا كانا معرفتين، والمخاطب يعرف كلًا على انفراده لا التركيب، فأردت أن تُخبر بانتساب أحدهما إلى الآخر، فأنت إذًا بالخيار، أيهما جعلت الاسم والخبر؛ لأن كلًا منهما عنده في المعرفة سواء، إذ مقصودك إنما هو أن تُعرفه بتركيبهما ونسبتهما إذ كان يجهل ذلك، مثال ذلك أن يعرف زيدًا اسمًا لا شخصًا، ويعرف الشخص وجهًا لا اسمًا، فتُعرفه أن الذي في خاطره معروف هو اسم ذلك الشخص الذي يعرفه بوجهه، فأردت أن تخبره بما عندك، فأنت بالخيار أيهما جعلت الاسم أو الخبر.
وإذا اجتمع نكرتان فإن كان لكل واحد منهما مُسوغ لجواز الابتداء بالنكرة جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر، نحو: أكان رجلٌ قائمًا؟ وأكان قائم رجلًا؟ وإن كان لأحدهما مُسوغ، والآخر لا مُسوغ له، فالذي له مُسوغ هو الاسم، والآخر الخبر، نحو: كان كل أحد قائمًا، ولا يجوز: كان قائم كل أحد.
وإذا اجتمع معرفة ونكرة فالمعرفة الاسم، والنكرة الخبر، ولا يُعكس إلا في الشعر، وإذ ذاك إن كان للنكرة مُسوغ للإخبار عنها، وبنيت المعنى

على الإخبار عن المعرفة بالنكرة، كان مقلوبًا، نحو: أكان قائم زيدًا؟ إذا أردت أن المعنى: أكان زيد قائمًا؟ وإن بنيت المعنى على الإخبار عن النكرة بالمعرفة لم يكن/ مقلوبًا، نحو: أكان قائم زيدًا؟ تريد: أكان قائم من القائمين يُسمى زيدًا؟ وإن لم يكن مُسوغ فالمسألة مقلوبة، نحو: كان قائم زيدًا، والقلب للضرورة جائز باتفاق، وإنما الخلاف في جوازه في الكلام. ومن القلب في باب كان قوله:
كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم
يريد: كما كان الرجم فريضة الزنى.

-[ص: فصل
يقترن بـ "إلا" الخبر المنفي إن قُصد إيجابه وكان قابلًا. ولا يُفعل ذلك بخر "برح" وأخواتها لأن نفيها إيجاب، وما ورد منه بإلا مؤول.
وتختص "ليس" بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة، وبجواز الاقتصار عليه دون قرينة، واقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بـ "إلا". وتُشاركها في الأول "كان" بعد نفي أو شبهه، وفي الثالث بعد نفي. وربما شُبهت الجملة المُخبر بها في ذا الباب بالحالية، فوليت الواو مطلقًا.]-
ش: يشمل قوله: "الخبر المنفي" ما نُفي بحرف نفي، نحو: ما كان زيد قائمًا، أو بفعل نحو: ليس زيد قائمًا. ويدخل في الخبر ثاني "ظننت" وثالث "أعلمت" لأنهما خبر في الأصل، فإذا أردت إيجاب هذا المنفي أدخلت "إلا"، فقلت: ما كان زيد إلا قائمًا، وليس زيد إلا قائمًا، وما ظننت زيدًا إلا قائمًا، وما أعلمت زيدًا فرسك إلا مُسرجًا، فلو كان دخل على حرف النفي أو على فعله همزة التقرير لم تدخل "إلا" على الخبر لأنه مُوجب من حيث المعنى، نحو: ألم يكن الله مُحسنًا إليك، وأليس الله مُحسنًا إليك، فهذا ونحوه لا تدخل على خبره "إلا"، وإذا دخلت إلا على الخبر بقي على إعرابه من النصب، إلا في "ليس" في لغة تميم، فيرفع، وسيأتي الكلام على ذلك في باب "ما" حيث تعرض له المصنف.
وقوله وكان قابلًا احتراز مما يكون الخبر فيه لا يجوز استعماله إلا منفيًا، فإنه لا يجوز دخول "إلا" تُوجب الخبر، فتكون قد استعملت مُوجبًا ما لا يُستعمل إلا منفيًا، فمن ذلك أن يكون الخبر مشتقًا

من "زال" وأخواتها، نحو: ما كان زيد إلا زائلًا ضاحكًا، وما أصبح بشر إلا مُنفكًا منطلقًا، فلا يجوز ذلك لأن زائلًا ومنفكًا لا يستعمل في الإيجاب. وكذلك: ما كان زيد إلا أحدًا؛ لا يجوز لأن "أحدًا" من الألفاظ التي لا تستعمل إلا في النفي.
وقال المصنف في الشرح: "فإن كان الخبر مما لا يُستعمل إلا في نفي لم يقرن بإلا، نحو: ما كان مثلك أحدًا، وما كنت تعيج، أي: تنتفع، فلو قرنت أحدًا أو تعيج بإلا لم يُجز لأن تنقض النفي، وأحد وتعيج من الكلم التي لا تستعمل إلا في نفي" انتهى. يعني أن/ العرب لم تستعمل عاج يعيج بمعنى انتفع إلا منفيًا. وقد ذكر ثعلب في "الفصيح" قوله: "وشربت دواء فما عجت به، أي: ما انتفعت به".
وما ذهب إليه المصنف من أن عاج بمعنى انتفع لم تستعمله العرب إلا منفيًا ليس بصحيح، أنشد أبو علي القالي في النوادر، قال: أنشدنا أحمد بن يحي عن ابن الأعرابي:
ولم أر شيئًا بعد ليلى ألذه ولا مشربًا أروى به، فأعيج
فرع: يجوز: ما كان زيد زائلًا ضاحكًا؛ لأن "ما" إذا دخلت على هذه الأفعال نفت أخبارها، فكأنك قلت: ما زال زيد ضاحكًا، ولو قلت "ما أضحى زيد رجلًا زائلًا ضاحكًا" لم يجز لأن حرف النفي لا ينفي صفة الموصوف إذا دخل عليه، لو قلت: "ما زيد العاقل قائمًا" لم يكن نافيًا للعقل عن زيد، فكذلك لم ينتف كونه زائلًا ضاحكًا، وذلك غير جائز.
وقوله ولا يُفعل ذلك بخبر "برح" وأخواتها أي: لا تدخل "إلا" على

أخبارها، فلا يقال: ما زال زيد إلا ضاحكًا، وكذلك انفك وبرح وفتئ.
ثم علل المصنف ذلك بقوله لأن نفيها إيجاب. ومعناه أنك إذا قلت "ما زال زيد عالمًا" فيه إثبات العلم لزيد، فصار نظير "كان زيد عالمًا" في إثبات العلم له، فكما لا يجوز: كان زيد إلا عالمًا، كذلك لا يجوز: ما زال زيد إلا عالمًا.
وقوله وما ورد منه بإلا مؤول مثال ذلك قول ذي الرمة:
حراجيج ما تنفك إلا مُناخة على الخسف، أو نزمي بها بلدًا قفرا
فظاهره أن "إلا" دخلت على خبر "تنفك"، فقيل: أخطأ ذو الرمة حيث أوقع "إلا" غير موقعها، وهذا قول من ذو الرمة عنده لا يُستشهد بكلامه، قال الأصمعي: "لا يُحتج بذي الرمة، فطالما أكل الزيت من حوانيت البقالين"، يعني أنه كثرت ملازمته الحاضرة، ففسد لسانه. وجمهور أهل العلم على الاحتجاج بكلامه.
وخرج البيت أبو الفتح على أن "إلا" زائدة. وكذلك قال في قراءة ابن مسعود: {وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ}. وهذا ضعيف لأن "إلا" لم تثبت زيادتها في غير هذا فيحمل هذا عليه، وأما قراءة ابن مسعود فتخريجها على أن "إن" نافية، و"إلا" على بابها، و {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} جواب قسم محذوف، أي: وما كل إلا أقسم ليُوفينهم.

وما ذهب إليه أبو الفتح من زيادة "إلا" في البيت تقدمه إليه المازني, واستدل على أن "إلا" تكون زائدة بقول الشاعر:
ما زال مذ وجبت في كل هاجرة بالأشعث الورد إلا وهو مهموم
وقال:
وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها
وقال:
وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها
وقال:
أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبًا
قيل: عيب هذا على ذي الرمة, فلما فطن قال: إنما قلت: "آلا" أي: شخصًا, كمال قال:
فما بلغت بنا سفوان حتى طرحن سخالهن, فصرن آلا

وخَرَّجه ابن عصفور والمصنف على أن "تنفك" تامة, ومناخة حال, أي: ما تنفك أي: ما يزول بعضها من بعض لأنها متصلة إما لتساويها في السير أو لأنها مقطرة مربوط بعضها ببعض, فإذا أنيخت زالت عن الاتصال, فلا تنفك إلا في حال إناختها على الخسف, وهو حسبها على غير علف, يريد أنها تناخ معدة للسير عليها, فلا ترسل من أجل ذلك في المرعى, و "أو" بمعنى إلى أن, كأنه قال: هي في حال إناخة إلى أن نرمي بها بلدًا قفرًا, وسكن الياء ضرورة, و"على الخسف" في هذا التخريج متعلق بقوله "مناخة".
وهذا التخريج سبقهما إليه ابن خروف, قال: "تنفك هنا تامة, فلم تدخل "إلا" على خبرها, فتكون قد دخلت قبل أن يتم الكلام, ومناخة خال, كقولك: ما جاء زيد إلا راكبًا".
قال ابن هشام: "وهذا الذي ذكر فيه إشكال, فإنك إذا قلت: ما زال زيد, وما انصرم, فالكلام إثبات, فمعنى ما زال الأمر: ثبت, وأنت لا تقول: ثبت زيد إلا قائمًا, ولا: ثبت الأمر إلا مستشبعًا؛ لأنك أدخلت "إلا" على معمول الفعل قبل أن يتناوله, وهو موجب, وذلك باطل كقولك: ضربت إلا زيدًا, وجئت إلا مسرعًا, فإن قال: اللفظ نفي, قلنا: كذلك نقول: اللفظ نفي, وهي ناقصة, وأنت قد منعت ذلك لأنه نفي في اللفظ إيجاب في المعنى, فكذلك إذا كانت تامة.
وكذلك يروى عن الفراء أنه قال: هي ناقصة على الأكثر, وعلى

الخسف: الخبر, وإلا مناخة: حال, ويلزم فيه ذلك لأنه إيجاب, ولم يأخذ العامل عمله, لو قلت: ما انفك زيد في الدار إلا جالسًا لم يجز وكذلك ما انفك زيد إلا جالسًا في الدار" انتهى.
وما رد به ابن هشام غير محقق لأن "انفك" إذا كانت تامة تدل على الانفصال, وهو معنى ثبوتي, فإذا نفيته ذلك الانفصال الذي معناه الثبوت, فيصح إذ ذاك دخول "إلا"؛ ألا ترى أنك تقول: ما انفصل زيد عن عمرو إلا راضيًا بصحبته, فكذلك تقدير هذا: ما تنفصل عن السير إلا في حال إناختها عل الخسف.
وخرج ابن عصفور والمصنف هذا البيت أيضًا على أن تكون "تنفك" ناقصة, وعلى الخسف: الخبر, ومناخة: حال, والمعنى: ما تنفك كائنة على الذل والتعب أو مرميًا بها بلد قفر إلا في حال إناختها, وقد تقدمها إلى هذا التوجيه قوم.
وفيه قبح من وجهين:
أحدهما: أن "مناخة" حال من الضمير المستكن في الجار, وقد قدمته عليه, ولا يجوز إلا عند الأخفش.
والثاني: تقديم "إلا" على الموصلة هي له, قال ابن الدهان: فإن أعلمت "تنفك" في الحال كان حسنًا.

فرع: ما امتنع فيه دخول إلا امتنع فيه دخول الباء, فلا تقول: ما زال زيد بقائم؛ لأن الباء إنما تدخل تأكيدًا للنفي, والخبر هنا ثابت, ويمتنع أن يكون لها جواب بالنصب كما يكون في: ما كان زيد قائمًا فيذهب عمرو, وكذلك لا يكون اسمها نكرة كما يجوز في النفي, قاله في البسيط.
وقوله وتختص "ليس" بكثرة مجيء اسمها نكرة محضة لما كان النفي من مسوغات جواز الابتداء بالنكرة, وكانت "ليس" موضوعة للنفي, اختصت بكثرة مجيء اسمها نكرة, قاله المصنف, وأنشد:
كم قد رأيت, وليس شيء باقيًا من زائر طيف الهوى ومزور
وقول وبجواز الاقتصار عليه دون قرينه يريد على اسم "ليس" ويعني بقوله "دون قرينة" أي: دون قرينة سوى كون اسمها نكرة عامة؛ لأنه بذلك يشبه اسم "لا", فيجوز أن يساويه في الاقتصار عليه.
وقال المصنف: "فيجوز أن يساويه في الاستغناء به عن الخبر". وليس بجيد لأنه لم يستغن به عن الخبر, بل لابد من تقدير الخبر ضرورة أن كل محكوم عليه لابد من محكوم به له, فليس هذا من باب الاستغناء, وأنشد المصنف:
ألا يا ليل ويحك نبئينا فأما الجود منك فليس جود
أراد: فليس منك جود, أو: ليس عندك جود, وقال آخر:

بئستم, وخلتم أنه ليس ناصر فبوئتم من نصرنا خير معقل
وحكي س: "ليس أحدًا" أي: ليس هنا أحد.
وقال الفراء: يجوز في "ليس" خاصة أن تقول: ليس أحد إلا وهو هكذا؛ لأن الكلام قد يتوهم تمامه بـ"ليس" ونكرة؛ ألا ترى أنك تقول: ليس أحد, وما من أحد, انتهى ما قاله المصنف.
ونص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها, ولا حذف خبرها لا اقتصارًا ولا اختصارًا, أما حذف اسمها فلأنه يشبه بالفاعل, والفاعل لا يحذف, فكذلك ما أشبهه, وأما الخبر فكان قياسه أن يحذف لأنه إن راعيت أصله فكان خبر مبتدأ, وخبر المبتدأ يجوز حذفه اختصارًا, وإن راعيت ما آل إليه من شبهه بالمفعول فالمفعول يجوز حذفه, لكنه صار عندهم عوضًا من المصدر؛ ألا ترى أنك لا تقول "كان زيد قائمًا كونًا" لئلا تجمع بين العوض والمعوض منه, وإنما عوض لأنه في معنى المصدر؛ ألا ترى أن القيام كون من أكوان زيد, ولما صار عوضًا صار كأنه من كمال الفعل, فكأنه جزء منه, فلم يحذف لذلك, وأيضًا فالأعواض لازمة لا يجوز حذفها.
قالوا: وقد يحذف الخبر في الضرورة, نحو قوله:

لهفي عليك للهفة من خائف يبغى جوارك حين ليس مجير
يريد: ليس في الدنيا مجير, فأنت ترى تباين ما بين كلام المصنف من أنه يجوز الاقتصار على اسم "ليس" دون قرينة, وكلام أصحابنا أنه مختص بالضرورة, وأنه لا يجوز حذف خبر هذه الأفعال سواء أكان الفعل "ليس" أم غيره, فأما:
زماني بأمر كنت منه ووالدي بريئًا ومن أجل الطوي رماني
وقول الآخر:
إني ضمنت لكل شخص ما جنى وأبي, فكان وكنت غير غدور
فخرج على حذف الخبر لفهم المعنى ضرورة, أي: كنت منه بريئًا ووالدي بريئًا, وأبي فكان غير غدور, أو على وضع المفرد موضع المثنى ضرورة, أي: كنت منه ووالدي بريئين, وفكان وكنت غير غدورين, أو على أن بريئًا وغدورًا مما يقع على المفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد, نحو عدو وفريق وصديق.
وقوله واقتران خبرها بواو إن كان جملة موجبة بألا أنشد المصنف دليلًا على ما ادعاه من هذا الحكم قول الشاعر:

ليس شيء إلا وفيه إذا ما قابلته عين البصير اعتبار
وهذا الذي ذهب إليه من جوار اختصاص "ليس" بدخول الواو على خبرها إذا كان جملة موجبة بألا لا يجوز عندنا؛ لأن أصل هذا أنه خبر للمبتدأ, فكما لا يجوز دخول الواو على خبر المبتدأ إذا كان بهذه الصفة, كذلك لا يجوز إذا وقع خبرًا لـ"ليس" لئلا يكون الفرع أكثر تصرفًا من الأصل, وما استدل به المصنف لا حجة فيه لاحتمال أن يكون خبر "ليس" محذوفًا, إما لأن اسمها نكرة على زعم المصنف جواز ذلك, وإما ضرورة كما يقول أصحابنا, والجملة الداخلة عليها الواو جملة حالية لا في موضع الخبر, ويحتمل أن تكون الواو زائدة, وتكون الجملة هي الخبر, والوجه الأول أحسن عندي.
وقوله وتشاركهما في الأول "كان" بعد نفي الأول هو كثرة مجيء اسمها نكرة, لكن لفظ المشاركة ينفى قوله: "وتختص ليس بكذا" فاشتراك "كان" مع "ليس" في كثرة مجيء اسمها نكرة ينفي كون "ليس" مختصة بذلك, فلو قال: "ويكثر مجيء اسم ليس نكرة" لكان أجود وأبعد من النقد, وأنشد:
إذا لم يكن أحد باقيًا فإن التآسي دواء الأسى
وقال الآخر:
إذا لم يكن فيكن ظل ولا جني فأبعدكن الله من شجرات
وقوله أو شبهه مثاله:

ولو كان حي في الحياة مخلدًا خلدت, ولكن ليس حي بخالد
وقال الآخر:
فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد
وقال آخر:
فلو كان حي ناجيًا لوجدته من الموت في أحراسه رب مارد
وقال آخر:
فإن يكن شيء خالدًا أو معمرًا تأمل تجد من فوقه الله عاليًا
وقوله وفي الثالث بعد نفي الثالث هو اقتران الخبر بواو إذا كان جملة موجبة بإلا, وأنشد المصنف شاهدًا على ذلك قول الشاعر:
ما كان من بشر إلا وميتته محتومة, لكن الآجال تختلف
وأنشد الفراء:
إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن سراج لنا إلا ووجهك أنور
وهذا الذي ذهب إليه المصنف لا يجوز عندنا لما بيناه في "ليس", فأما البيت الأول فيتخرج على حذف خبر "كان" للضرورة, وأما الثاني فـ"لنا" هو خبر "يكن", والجملة في البيتين حالية.
وقوله وربما شبهت إلى قوله مطلقًا أنشد المصنف دليلًا على إثبات

هذا الحكم الذي ذكره قول الشاعر:
فظلوا ومنهم سابق دمعه له وآخر يثني دمعة العين بالمهل
وقول الآخر:
وكانوا أناسًا ينفحون, فأصبحوا وأكثر ما يعطونك النظر الشزر
ولا حجة في هذا على ما ادعاه لأن القياس يأباه, وهو محتمل أن تكون فيه "فظلوا" و "فأصبحوا" تامتين, ويحتمل أن تكونا ناقصتين, وحذف خبرهما ضرورة لفهم المعنى: فظلوا مفترقين, يدل عليه ما بعده من التفصيل, وأصبحوا لا ينفحون, فحذف لدلالة قوله قبله "ينفحون".
وأنشد غير المصنف:
دخلت على معاوية بن حرب وكنت وقد يئست من الدخول
وقول الآخر:
إن الجميل يكون وهو مقصر والقوم فيما تم غير سواء
أنشدهما الفراء, وروى: كان عبد الله وإنه لجميل, وأنشد أبو الحسن:
كنا ولا تعصي الحليلة بعلها فاليوم تضربه إذا ما هو عصى

وما ذكره المصنف هو قول الأخفش, شبه خبر كان الجملة بجملة الحال, وحمله على ذلك قولهم: كان ولا مال له, كما تقول: جاد ولا ثوب عليه, ولا يعرف ذلك البصريون, وقال الفارسي: "كنا" تامة, ولا تعصي واو الحال.

-[ص: وتختص "كان" بمرادفة "لم يزل" كثيرًا, وبجواز زيادتها وسطًا باتفاق, وأخرًا على رأي, وربما زيد أصبح وأمسى ومضارع كان, وكان مسندة إلى ضمير ما ذكر, أو بين جار ومجرور, وتختص "كان" أيضًا بعد "إن" أو "لو" بجواز حذ 5 ها مع اسمها إن كان ضمير ما علم من غائب أو حاضر, فإن حسن مع المحذوفة بعد "إن" تقدير "فيه" أو "معه" أو نحو ذلك جاز رفع ما وليها, وإلا تعين نصبه, وربما جر مقرونًا بـ"إلا" أو بـ"إن" وحدها إن عاد اسم "كان" إلى مجرور بحرف, وجعل ما بعد الفاء الواقعة جواب "إن" المذكورة خبر مبتدأ أولى من جعله خبر "كان" مضمرة, أو مفعولًا بفعل لائق, أو حالًا, وإضمار "كان" الناقصة قبل الفاء أولى من التامة.]-
ش: مثال مرادفة "كان" لـ"لم يزل" قوله:
وكنت أمرًا لا أسمع الدهر سبة أسب بها إلا كشفت غطاءها
فهذا قصد بـ"كان" الدوام, قاله المصنف, وقال أيضًا: "الأصل في كان أن يدل بها على حصول ما دخلت عليه فيما مضى دون تعرض لأولية ولا انقطاع, كغيرها من الأفعال الماضية, فإن قصد الانقطاع ضمن الكلام ما يدل عليه, كقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء

فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} وقول الشاعر:
وتركي بلادي, والحوادث جمة طريدًا, وقدما كنت غير مطرد"
انتهى.
وما اختاره في "كان" وادعاه فيها وفي الأفعال أن الفعل الماضي يدل على وقوعه فيما مضى من غير دلالة على الانقطاع ليس هو الصحيح عند أصحابنا.
قال أصحابنا: "اختلف النحاة في "كان" هذه, هل تقتضي الانقطاع أو لا تقتضيه؟ فأكثرهم على أنها تقتضي الانقطاع, وأنك إذا قلت: "كان زيد قائمًا" فإن قيام زيد كان فيما مضى, وليس الآن بقاتم, وهذا هو الصحيح بدليل أن العرب إذا تعجبت من صفة هي موجودة في المتعجب منه في الحال قالت: ما أحسن زيدًا! فإذا تعجبت من الحسن فيما مضى, وهو الآن ليس كذلك, قالت: ما كان أحسن زيدًا!
وزعم بعضهم أنها لا تقتضي الانقطاع, واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} , {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} أي: كان الآن كذلك.
قالوا: والجواب أن ذلك قد يتصور فيه الانقطاع بأن يكون المراد الإخبار بأنه غفورًا رحيمًا فيما مضى كما هو الآن كذلك, وبمعنى أنه كان فاحشًة, أي: كان عندكم فاحشًة في الجاهلية, ولم يتعرض لخلاف ذلك, فيكون المراد الإخبار عن الزنى كيف كان عندهم في الجاهلية".

والذي تلقناه من الشيوخ أن "كان" تدل على الزمان الماضي المنقطع, وكذلك سائر الأفعال الماضية, ومن تعقل حقيقة المضي لم يشك في الدلالة على الانقطاع, لكن مثل قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} وإن دل على الماضي المنقطع - فإنه يعلم أن هذه الصفة ثابتة له في الأزمان كلها من دليل خارج لا من حيث وضع اللفظ.
وقوله وبجواز زيادتها وسطًا باتفاق قال المصنف في الشرح: "تختص زيادتها بلفظ الماضي بين مسند ومسند إليه, نحو: ما كان أحسن زيدًا ولم ير كان مثلهم, وكقول أبي أمامة الباهلي: يا نبي الله أو نبي كان آدم" انتهى.
وأطلق المصنف في قوله "بين مسند ومسند إليه", وينبغي أن يقيد, فإن زيادتها في مثل: قام كان زيد, ومثل: يضرب كان زيد تحتاج إلى سماع.
ومن زيادتها بين الصفة والموصوف قول الشاعر:
في غرف الجنة العليا التي وجبت لهم هناك بسعي كان مشكور
وبين المتعاطفين قول الفرزدق:
في لجة غمرت أباك بحورها في الجاهلية كان والإسلام
وبين "نعم" وفاعلها, أنشد الفراء:

ولبست سربال الشباب أزورها ولنعم كان شبيبة المختال
وحكي من كلامهم: "ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان أفضل منهم".
وقال الفارسي: "وحكم ما تلغيه أن توسطه وأن لا تبتدئ به قياسًا على "هو" التي للفصل, لأنه غير معتد به, والقصد في الإفادة غيره, فقبح أن تؤخر شيئًا الاهتمام به أكثر, وتقدم ما الاهتمام به أقل".
ومن زيادة كان عند س ما حكي من قولهم: "إن من أفضلهم كان زيدًا", وقال المبرد: زيدًا: اسم إن, ومن أفضلهم: خبر كان, واسم كان مضمر فيها, واسمها وخبرها في محل خبر إن, وأجاز ذلك الرماني وبعض المتأخرين, وهذا خطأ لأنه يؤدي إلى أن جعل الخبر جملة مقدمًا في "إن", وهذا لا يجيزه أحد.
وفي "كان" الزائدة خلاف: ذهب السيرافي والصيمري وغيرهما إلى أن فاعلها مضمر, وهو ضمير المصدر الدال عليه الفعل, كأنه قيل: كان هو, أي: كان الكون, ويعني بالكون كون الجملة التي تزاد فيها.
وذهب الفارسي إلى أنها لا فاعل لها, وحجته أن الفعل إذا استعمل استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل استغنى عن الفاعل, دليل ذلك أن

"قلما" فعل, لكن لما استعملته العرب للنفي, فقالت: "قلما يقوم زيد" في معنى: ما يقوم زيد, لم يحتج إلى فاعل, كما أن "ما" لا تحتاج إلى فاعل, بل صارت بمنزلة الحروف التي تصحب الأفعال, فتقول: قلما يقوم زيد, فكذلك "كان", لما زيدت للدلالة على الزمان الماضي صارت بمنزلة "أمس", فكما أن "أمس" لا يحتاج إلى فاعل, فكذلك ما استعمل استعماله.
وقال المصنف في الشرح: "وزعم السيرافي أن "كان" الزائدة مسندة إلى مصدر منوي, ولا حاجة إلى ذلك, ولا يبالي بأن يقال: خلوها من الإسناد إلى منوي يلزم منه كون الفعل حديثًا عن غير محدث عنه, لأن "كان" المحكوم بزيادتها تشبه الحرف الزائد, فلا يبالي بخلوها من الإسناد, كما أن الضمير الواقع فصلًا لما قصد به ما يقصد بالحروف من الدلالة على معنى في غيرها استجيز أن لا يكون له موضع من الإعراب" انتهى.
ولا يسلم له أن الواقع فصلًا هو ضمير قصد به ما يقصد من الحروف, بل الأصح انه حرف, فهو مشترك بين أن يكون ضميرًا وأن يكون فصلًا.
قال المصنف: "وأيضًا فإن "كان" قد زيدت بين "على" ومجرورها, فإذ نوى معها فاعل لزم الفصل بين الجار والمجرور بجملة, ولا نظير لذلك, وإذا لم ينو معها ضمير "كان" الفصل بكلمة واحدة, فلا يمتنع كما لم يمتنع الفصل بـ"ما" بين عن ومن الباء ورب والكاف ومجروراتها انتهى, ولا يلزم من ذلك محظور لأنها جملة كالمفرد إذ لم يصرح بأحد جزأيها, وهو المسند إليه "كان".

وقوله وآخرًا على رأي هذا مذهب الفراء, أجاز زيادة "كان" أخرًا, فتقول: زيد قائم كان, وقاس ذلك على إلغاء "ظن" أخرًا, قال المصنف: "والصحيح المنع لعدم استعماله, ولأن الزيادة على خلاف الأصل, فلا تستباح في غير مواضعها المعتادة".
وقوله وربما زيد أصبح وأمسى هذا مذهب الكوفيين, وحكوا من كلامهم: ما أصبح أبردها! وما أمسى أدفأها يعنون الدنيا, وهذا عند البصريين إذا ثبت من القلة بحيث لا يقاس عليه, وهو خارج عن القياس, لأن القياس في اللفظ أن لا يزاد.
وقال ابن الدهان: "وجدت بيتًا يدل على الزيادة, قال:
قد بث أحرسني وحدي, ويمنعني صوت السباع به يصبحن والهام"
انتهى, فادعى أن يصبحن زائدة, والظاهر أن معنى "به يصبحن" أي: به يقمن في الصباح, فالمعنى أن السباع بهذا المكان والهام دائمًا في الليل والصباح, وروي: يضبحن, والضباح: صوت الثعلب, وصوت أجواف الخيل.

فأما قول الشاعر:
عدو عينيك وشانيهما أصبح مشغول بمشغول
وقول الآخر:
أعاذل قولي ما هويت, فأوبي كثيرًا أرى أمسى لديك ذنوبي
فأجاز أبو علي أن تكون فيه أصبح وأمسى زائدتين.
وأجاز بعض النحويين زيادة "أضحى" وسائر أفعال هذا الباب وكل فعل غير متعد من غير هذا الباب إذا لم ينقض المعنى, فأجاز: ما أضحى أحسن زيدًا وزيد أضحى قائم, واستدل على ذلك بأن العرب قد زادت الأفعال في نحو قوله:
فاليوم قربت تهجونا, وتشتمنا فاذهب, فما بك والأيام من عجب
ولم يرد أن يأمره بالذهاب, وقولهم: فلان قعد يتهكم بعرض فلان, المعنى: فلان يتهكم, وقول الشاعر:

على ما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد
المعنى: على ما يشتمني.
والصحيح أن ذلك لا يجوز لاحتمالين التأويل, ولو جاء مكان لا يحتمل التأويل قيل بزيادته حيث ثبت, ولا يقاس عليه.
وقوله ومضارع كان قال المصنف: "شذت زيادة "تكون" في قول أم عقيل بن أبي طالب:
أنت تكون ماجد نبيل إذا تهب شمأل بليل
وأجاز الفراء زيادة "يكون" بين أفعل و"ما" في التعجب, نحو: ما يكون أطول هذا الغلام ولفظه يشعر بأنه مسموع لأنه قال: وقد يقال في المستعمل: ما يكون أطول هذا الغلام ويشهد لقوله قول رجل من طيئ:
صدقت قائل ما يكون أحق ذا طفلًا ببذ ذوي السيادة يافعا
قال الفراء: وأخوات "كان" تجري مجراها".
وزيادة "يكون" ينبغي أن تحمل على الشذوذ لأن صاحب البسيط ذكر الاتفاق على أن زيادتها لا تكون إلا بلفظ الماضي, فلا ينبغي أن يقاس إلا على ما وقع الاتفاق عليه.
وقوله و"كان" مسندة إلى ضمير ما ذكر مثاله قول الشاعر:

فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كرام
قال المصنف: "لا يمنع من زيادتها إسنادها إلى الضمير, كما لم يمنع من إلغاء ظن إسنادها في نحو: زيد ظننت قائم, هذا مذهب س" انتهى.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف في هذا البيت هو مذهب س - كما ذكر - والخليل.
وذهب أبو العباس وأكثر النحويين إلى أنها ليست زائدة, بل كانوا: كان واسمها, ولنا: في موضع خبرها, والجملة في موضع الصفة لجيران, وكرام: صفة بعد صفة, وصار نظير قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) وقول امرئ القيس:
وفرع يغشي المتن أسود فاحم .........................
ورد ذلك الزجاج وابن شقير, وقالا: اللام للملك, ولم يرد أن الجيران كانوا ملكه, وإنما يريد: وجيران لنا.

وقال الفارسي في التذكرة: "كان في هذا البيت لغو, لأن "لنا" قد جرى صفة على الموصوف, فلا يقدر فيه الانتزاع من موضعه كما لم يجز في قوله: "مررت برجل معه صقر صائدًا به", لأن "معه صقر" صفة لرجل".
قال أبو علي: "فإن قلت: كيف تلغى "كان" وقد عملت في الضمير؟
قلنا: تكون لغوًا, والضمير الذي فيها تأكيد لما في "لنا" لأنه مرتفع بالفاعل, ألا ترى أنه لا خبر له.
قال: فإن قيل: كيف جاز أن تلغيه وقد عمل؟
قلنا: لا يمتنع إلغاؤه وإن عمل, ألا ترى انك تلغي ظننت الجملة بأسرها وقد عمل ما تلغيه في الاسم, وكذلك يجوز أن تلغي "كان" وحدها في قوله: "وجيران لنا كانوا كرام" كما جاز أن تلغي الجملة بأسرها في ظننت, وجاز إلغاء "كانوا" لأنه لم يقع أولًا, وإنما وقع بين صفة وموصوف, فجاز إلغاؤه كما جاز إلغاؤه لما كان بين الخبر والمخبر عنه".
وقال أبو علي في غير التذكرة: "إنما قيل في "كان" هنا إنها زائدة, كأنهم لم يستجيزوا أن يجعلوا "لنا" خبر "كان", فيقدروا به غير موضعه وقد جرى صفة على "جيران".

قال: ومما يؤكد ذلك أن الشيء إذا احتمل حمل على الأقوى والأقرب لئلا يقع لبس, كقولك: ضربت جالسًا زيدًا, فجعلك "جالسًا" حالًا من التاء هو الوجه لا من "زيد", ويؤكد ذلك أنك إذا جعلت "كان" غير زائدة كنت قد فصلت بين الصفة والموصوف بجملة, وذلك ضعيف, وأيضًا فإنه إذا كان للشيء صفتان مفردة وجملة كان تقديم الصفة المفردة أولى".
واحتج أبو الفتح للخليل بأن قال: "وجه زيادتها في هذا البيت أن يعتقد أن الضمير المتصل وقع موقع المنفصل, والضمير مبتدأ, و"لنا" الخبر, ولكنك لما وصلت أعطيت اللفظ حقه, ولم تعتقد أن الواو مرفوعة بكان" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "أصل المسألة: وجيران لنا هم كرام, فـ"لنا" في موضع الصفة, وهم: فاعل بـ"لنا" على حد: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدا, لأن س نص على أن صقرًا مرفوع بـ"معه", لأنه لو قدم خبرًا لصقر كانت النية به التأخير, إذ النية في الخبر أن يكون بعد المبتدأ, وإذا كان صفة, وصقٌر مرفوع به, كان في موضع لا ينوي به التأخير, واللفظ إذا أمكن أن يكون في موضعه لم يجز أن ينوي به الوقوع في غير موضعه, ثم زيدت "كان" بين "لنا: و"هم" لأنها تزاد بين العامل والمعمول, فصار: لنا كان وهم, ثم اتصل الضمير بكان وإن كانت غير عاملة فيه, لأن الضمير قد يتصل بعير عامله في الضرورة, نحو قوله:

.............. أن لا يجاورنا إلاك ديار
والأصل: إلا إياك، وإذا كان يتصل بالحرف فالأحري أن يتصل بالفعل" انتهي.
وهذه التخريجات كلها متكلفة.
والذي نختاره في البيت أن "كانوا" و"لنا": كان واسمها وخبرها، ومعني اللام الاختصاص، والجملة في موضع الصفة، وإطلاق الخليل وس عليها أنها زائدة لا يعنيان بالزيادة ما فهم النحويون عنهما، إنما أرادا بالزيادة أنه لو لم تدخل هذه الجملة بين "جيران" و"كرام" لفهم أن هؤلاء القوم كانوا جيرانه فيما مضي، وأنه قد فارقهم، فالجيرة كانت في الزمان الماضي، فجئ بقوله: "كانوا لنا" علي هذا المعني، لا يستفاد بها إلا تأكيد ما فهم من المضي قبل دخولها، فأطلق عليها الخليل الزيادة بهذا المعني لا بمعني أنها زيدت كزيادة: ما كان أحسن زيدا! ولا كزيادة:
........................ علي كان المسومة العراب
ويدل علي أنه يصف حالا ماضية قوله قبل هذا البيت:
هل انتم عائجون بنا لعنا ... نري العرصات أو أثر الخيام
فهذا يصف حالة الأحباء التي مضت وانقضت.
ولا يمتنع أيضا أن يكون قوله: "كانوا" التامة، ويكون على حذف

مضاف، أي: وجدت جيرتهم في الزمان الماضي وحدثت، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فقيل: كانوا، وتكون الجملة صفة، ويكون معني الزيادة علي ما قررناه لا علي ما فهمه النحويون حتي احتاجوا في تصحيح كلام الخليل إلي تلك التمحلات والتكلفات، وكلامهم في ذلك يمكن رد أكثره، ولا كبير فائدة في نقضه، فضربنا عن ذلك صفحا إذ قد طال الكلام في هذا البيت.
وقوله وبين جار ومجرور مثاله:
/سراة بني أبي بكر تساموا ... علي كان المسومة العراب
هكذا أنشده أصحابنا. وأنشده المصنف: "علي كان المطهمة الصلاب".
وكان ينبغي للمصنف أن لا يطلق فيقول "وبين جار ومجرور"، بل كان يقول "وبين علي ومجرورها"؛ لأنه لا تحفظ زيادتها في غير هذا البيت بين جار ومجرور، وزيادتها بينهما شاذة، لا يقاس عليها.
وقوله وتختص "كان" أيضا بعد "إن" أو "لو" بجواز حذفها مع اسمها إن كان ضمير ما علم من غائب أو حاضر الإضمار هنا جائز لا واجب, قال س: "وإن شئت أظهرت بالفعل". ومثاله مع الغائب قوله:
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا

وقوله:
انطق بحق وإن مستخرجا إحنا ... فإن ذا الحق غلاب وإن غلبا
وقول الآخر:
لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل
التقدير: وإن كان مستخرجا، أي: وإن كان الحق.
ولا يتعين أن تكون "كان" هنا مسندة إلي ضمير غائب، بل يصح أن يكون مسندا لضمير المخاطب، أي: وإن كنت مستخرجا بالحق إحنا. والتقدير في لو: ولو كان ملكا، أي: ولو كان ذو البغي ملكا.
ومثاله مع الحاضر قول الشاعر:
حدبت علي بطون ضبة كلها ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما
وقول الآخر:
لا تقربن الدهر آل مطرف ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما

وقول الآخر:
وأحضرت عذري عليه الشهو ... د، إن عاذرا لي وإن تاركا
التقدير: إن كنت ظالما، وإن كنت ظالما، وإن كنت عاذرا، يريد الأمير المخاطب. وقال الشاعر في "لو":
علمتك منانا، فلست بآمل ... نداك، ولو غرثان ظمآن عاريا
والحاضر: يشمل المتكلم والمخاطب. ويتعين النصب في هذه المثل لأنها خبر "كان".
ويجري مجري "لو" غيرها من الحروف الدالة علي الفعل إذا تقدم ما يدل عليه، نحو "هلا" و"ألا"، لكنه ليس بكثير الاستعمال، وتقول: ألا طعام ولو تمرا، وائتني بدابة ولو حمارا، يجوز النصب، أي: ولو يكون الطعام تمرا, والرفع, أي: ولو يكون عندكم تمر,/ وعلي الفعل التام, أي: ولو سقط تمر أو وجد تمر، والأحسن ما كان عند الظهور أحسن, وهو "كان", والأحسن منها ما نصب, وقد يقبح غير النصب إذا كان بعدها صفة لا تستعمل وحدها، كقولك: ألا ماء ولو باردا، يقبح الرفع لأنك لو قلت: "جاءني بارد" تريد ماء لم يكن. وقد جروا في هذه بدون الجار، ويقبح في "بارد" لأنه يقبح فيه بوجوده. وقالوا: ادفع الشر ولو إصبعا، أي: ولو كان إصبعا،

أي: قدرُه إصبعًا، وعلي الفعل التام، أي: ولو دفعته إصبعا، والرفع علي معني: ولو كان في قدره إصبع، أي: ولو وقع إصبع، أي: قدر إصبع.
وقوله فإن حسن مع المحذوفة بعد "إن" تقدير "فيه" أو "معه" أو نحو ذلك جاز رفع ما وليها مثاله "الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر"، و"المرء مقتول بما قتل به، إن سيفا فسيف، وإن خنجرا فخنجر". فانتصاب خيرا وشرا وسيفا وخنجرا علي تقدير: إن كان العمل خيرا أو شرا، وإن كان المقتول به سيفا أو خنجرا. وارتفاعها علي أنها اسم "كان"، أي: إن كان في أعمالهم خير، وإن كان في أعمالهم شر، وإن كان معه سيف، أو كان معه خنجر. ويجوز ارتفاعه علي أنه فاعل بـ"كان" التامة.
وقوله وإلا تعين نصبه أي: وإلا يحسن تقدير "فيه" أو "معه" أو نحو ذلك تعين النصب علي أنه خبر "كان" المحذوفة، قال سيبويه: "مثال ذلك مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا، وامرر بأيهم أفضل إن زيدا وإن عمرا، ومررت برجل قبل إن طويلا وإن قصيرا، لا يكون في هذا إلا النصب؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: إن كان فيه طويل، أو إن كان فيه زيد، ولا يجوز علي: إن وقع. ومثل ذلك: مررت برجل إلا صالحا فطالح، ومن العرب من يقول: إلا صالحا فطالحا" انتهي. وقدره س: إلا يكن صالحا فقد لقيته طالحا، فنصب طالحا علي الحال.
وقوله وربما جر مقرونا بـ (إلا) أو بـ "إن" وحدها إن عاد اسم "كان" إلي مجرور بحرف قال المصنف في الشرح: "وحكي يونس: إلا صالح

فطالح، والتقدير: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، وأجاز: امرر بأيهم أفضل إن زيد وإن عمرو، علي تقدير: إن مررت بزيد وإن مررت بعمرو. وجعل س إضمار الباء بعد إن هذه أسهل من إضمار رب بعد الواو" انتهي.
وليس أسهل إلا باعتبار ما، وإلا فباب واو "رب" أقوى لأن الخافض قد جعل عوضا منه الواو، فكأنها الخافضة، وإنما اعتبر س هنا قوة هذا في أنه فعل، وذلك حرف، وإلا فذاك مطرد، وهذا لا يقال منه إلا ما سمع.
قال س: "وزعم يونس أن من العرب/ من يقول: "إلا صالح فطالح" علي: إلا أكن مررت بصالح فبطالح، وهذا قبيح ضعيف لأنك تضمر بعد إلا فعلا آخر غير الذي تضمر بعد إلا في قولك: إلا يكن صالحا فطالح. ولا يجوز أن يضمر الجار، ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل، وكان هذا عندهم أقوي إذ أضمرت رب ونحوها في قولهم:
وبلده ليس بها أنيس ...............................
ومن ثم قال يونس: امرر علي أيهم أفضل إن زيد وإن عمرو، يعني: إن مررت بزيد أو مررت بعمرو" انتهى.

وهذا الذي أجاز يونس ليس مذهبنا، إنما قاسه يونس علي: إلا صالح فطالح، وليس موضع قياس للكلفة التي فيه مع إضمار ما يجر. وتقدير المصنف فيما حكي يونس من قول بعض العرب "إلا صالح فطالح" مخالف لتقدير س؛ لأن المصنف قدره: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، وقدره س: إلا أكن مررت بصالح فبطالح, وتقدير س هو الصواب لأنه مبني علي قوله: مررت برجل إلا بصالح فبطالح، فهو مبني علي ماض، فتقديره بـ"إلا أكن مررت" مطابق لما قبله؛ بخلاف "إلا أمر", فهذا مستقبل، فلا يناسب هذا التقدير. وأيضا فتقدير س يقضي بأن المحذوف هو "يكن"، وهي المعهود حذفها بعد "إن"، بخلاف "أمر".
وقال أبو الفضل البطليوسي في شرح كتاب س لما قدر س "إلا أكن مررت" فأضمر فعلين: "فإن قلت: ما دعاه إلي هذا التكليف؟ وهلا أضمر فعلا واحدا، فقدر: إلا أمر بصالح؟
قلت: لابد من إضمارهما؛ ألا تري أنه يصير الماضي بعد إن مستقبلا، وأنت إذا قلت "إلا أمر" نقضت المعني؛ فإنك قد قلت: مررت برجل صالح، ثم تقول: إلا أمر بصالح فيما أستقبل، وإنما المرور واقع، فلابد من إضمار الكون، فتقول: إلا أكن فيما يستقبل موصوفا بكوني مررت بصالح فأنا قد مررت بطالح، فلما كثر الإضمار، وكان إضمار الجار بعد، ضعفه س، فقال: لأنك تضمر بعد إلا فعلا آخر غير الذي تضمره بعد إلا في: إلا يكن صالحا".
وقوله وجعل ما بعد الفاء إلي قوله أو حالا مثال تقديره خبر مبتدأ: فالذي يجزون به خير. ومثال تقديره خبر "كان" مضمرة: كان الذي يجزي به خيرا. ومثال تقديره مفعولا بفعل لائق: فهو يجزى خيرا، أو فهو يعطي خيرا. ومثال تقديره حالا: فهو يلقاه خيرا.

وقوله وإضمار "كان" الناقصة قبل الفاء أولي من التامة قال المصنف: "وسبب ذلك أن إضمار الناقصة مع النصب متعين، وهو مع الرفع ممكن، فوجب ترجيحه ليجري الاستعمالان علي سنن واحد، ولا يختلف العامل، ولأن الفعل التام إذا أضمر بعد إن الشرطية لا يستغني عن مفسر، نحو {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ/ اُلْمُشْرِكِيِنَ اسْتَجَاَرَكَ}، فخولف هذا في كان الناقصة لوقوع ثاني جزأيها موضع المفسر، ولأنها توسع فيها بما لا يستعمل في غيرها، فمقتضي الدليل أن لا تشاركها التامة في الإضمار المشار إليه، لكن أجيز فيها لشبهها بالناقصة، فلا يستويان في التقدير" انتهي.
والذي بدأ به س في تركيب "إن خيرا فخير" نصب الأول ورفع الثاني، ثم قال: "ومن العرب من يقول: إن خيرا فخيرا". ثم ذكر أن رفعهما عربي حسن، نحو: إن خير فخير.
وذكر النحويون هذه الأوجه، وزادوا: "إن خيرا فخيرا" برفع الأول ونصب الثاني، قالوا: وأحسن الوجوه إن خيرا فخير، ثم إن خير فخير، ثم إن خيرا فخيرا، ثم إن خير فخيرا.
فالأولي أضمرت "كان" واسمها بعد إن. وأضمرت "كان" من بين سائر الأفعال لأنها يعبر عن كل فعل، وكثيرا ما تستعمل، ولما كان الفعل والفاعل كالشيء الواحد كنا كأنا أضمرنا شيئا واحدا، ورفع الثاني بإضمار مبتدأ هو الخبر، فقد أضمرت ما أظهرت، والموضع للجملة الاسمية، فلهذا كان هذا الوجه المختار.

وأما عكسها فإنك تضمر في الأول "كان" وخبرها، فيكثر الإضمار, وتضمر في الثاني مع المبتدأ ما ينصب "خيرا", فيكثر الإضمار، والتقدير: إن كان في عمله خير فهو يجزي خيرا، ولا يصح أن تقول: "فيجزى خيرا" لأن الفاء إنما يؤتي بها بالجمل الاسمية، ولأجلها دخلت الفاء، فكان هذا أردأ الوجوه، وهو الوجه الذي لم يذكره س.
وأما نصبهما ورفعهما فزعم الأستاذ أبو علي أنهما متكافئان لأن ما في نصب الأول من الحسن يقابله قبح رفعه، وما في نصب الثاني من القبح يقابله حسن رفعه.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: هذا خطأ لأن أحسن الحسنين اللذين هما نصب الأول من "إن خيرا فخيرا" ورفع الثاني من "إن خير فخير" رفع الثاني؛ لأن إضمارا كإضمار، ويفضل الرفع لأنك أضمرت ما أظهرت، ففضل حسنه حسن نصب الأول، ولأن أقبح القبيحين نصب الثاني لأن فيه إضمار كلام، وفي رفع الأول إضمار جزء الكلام.
وتضمر "كان" في الشرط الصريح المحض، تقول: أنا أفعل هذا إلا معينا لي فلا مفسدا علي، أي: إلا تكن معينا لي فلا تكن مفسدا، ويجوز الرفع إذا صح المعني، ومنه في المثل "إن لا حظية فلا ألية"، قالته امرأة لزوجها لم تحظ عنده، ولم تقصر هي في الخدمة، كأنها قالت: إن لا تكن لك في النساء حظية، أي: أنت ممن لا تحظي عنده امرأة لأن طبعك لا يلائم طباعهن، فإني غير مقصرة فيما يلزمني من خدمة الزوج. ولو نصبت "حظية" لجاز، لكنها لم تعن نفسها حال الرفع لأنه أعم،/ وهو عزاءٌ لها

في ذلك إذ ليس من شأنه، يقال: ألوت أي: قصرت، فأنا آل وألي، فألية تأنيث ألي.

-[ص: وربما أضمرت الناقصة بعد "لدن" وشبهها، والتزم حذفها معوضا منها "ما" بعد "أن" كثيرا، وبعد "إن" قليلا. ويجوز حذف لامها الساكن جزما، ولا يمنع ذلك ملاقاة ساكن وفاقا ليونس.
ولا يلي عند البصريين "كان" وأخواتها غير ظرف وشبهه من معمول خبرها، واغتفر ذلك بعضهم مع اتصال العامل، وما أوهم خلاف ذلك قدر فيه البصريون ضمير الِشأن.]-
ش: مثال إضمار كان الناقصة بعد "لدن" قول الشاعر:
من لد شولا فإلي إتلائها
الشول: هي التي ارتفعت ألبانها من النوق، قال أبو زيد: يقال شولت تشويلا. وقال كراع: واحدها شائلة، وواحدة الشول التي تشول بأذنابها شائل. وقدره س والجمهور: من لد أن كانت شولا، قال المصنف: "وعندي أن تقدير أن مستغني عنه، كما يستغني عنها بعد مذ" انتهي.
والذي حمل عليه أصحابنا كلام س أنه تفسير معني لا تفسير إعراب،

والمعنى: من لد كانت شولا، ولا يقدر: من لد أن كانت، ولا: من لد كونها؛ لأنه لا يجوز حذف بعض الموصول وإبقاء بعضه، وقد منع س من ذلك في قوله:
......................... ...................... إلا الفرقدان
قال: "ولا يكون علي: إلا أن يكون الفرقدان؛ لأن الاسم الذي من تمامه هذا لا يحذف" انتهي.
والمعني: من لد كونها شولا إلي إلقاحها فإلي إتلائها، ولذا أتي بالفاء ليحمل شيئا علي شيء، ولولا ذلك لم يجز دخول الفاء؛ ألا تري أنه لا يجوز: خرجت من الدار فإلي المسجد. وإتلاؤها هو أن يتلوها ولدها ويتبعها. ويروى: من لد شول، فقيل: هو علي حذف، أي: من لد شولان شول، وقيل: شول المصدر.
وقوله وشبهها شبه "لدن", قال المصنف: "قول الشاعر:
أزمان قومي والجماعة كالذي لزم الرحالة أن تميل مميلا
أراد: أزمان كان قومي مع الجماعة كالذي لزم الرحالة، كذا قال س".

وقوله والتزم حذفها معوضا منها "ما" بعد "أن" كثيرا مثال ذلك قول الشاعر:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع
وقول الآخر:
إما أقمت وأما أنت مرتحلا فالله يكلأ ما تأتي وما تذر
وقال س: "أما زيد ذاهبا ذهبت معه", والتقدير: أن كنت ذا نفر, [2: 84/أ] وأن/ كنت مرتحلا، فانفصل الضمير لأنه إذا حذف العامل انفصل الضمير الذي كان مع إثباته متصلا، نحو قو الشاعر:
وإن هو لم يحمل علي النفس ضيمها ... فليس إلي حسن الثناء سبيل
وكذلك: أن كان زيد ذاهبا ذهبت معه، ولما حذف "كان" عوض منها "ما". والدليل علي أنها عوض من "كان" أنهما لا يجتمعان، فلا يقال: أما كنت منطلقا.
و"أن" هذه مفتوحة، وهي في موضع نصب- بعد إسقاط حرف جر- مفعولا ما أجله، أو في موضع جر علي الخلاف الذي فيه. ولما كانت

"ما" عوضاً من "كان" المحذوفة لم يجز حذفها، فلا يقال: أن أنت منطلقا. والمرفوع بعد "أما" اسم "كان" المحذوفة، والمنصوب خبرها.
وزعم أبو علي وابن جني أن "ما" هي الرافعة الناصبة، لما كانت عوضا زادوها لما استقبحوا أن تلي "أن" الأسماء، وصارت عوضا من الفعل، فنابت منابه في العمل، ويريانه مذهب س، وإنما تكلم علي حكم الأصل.
وذهب الكوفيون إلي أن "أن" هذه أداة شرط كـ"إن" المكسورة الهمزة. وجوز حذف الفعل في المذهبين العلم بأن "أن" لا يقع بعدها إلا الأفعال، إما لأنها هي المخلصة للاستقبال علي رأي، وإما لأنها للجزاء علي رأي. وقد اتفقوا علي أنك إن حذفت "ما" وأتيت بالفعل أنها مكسورة، وهي غير "إن" عند البصريين، ولا تكون بمنزلتها إلا عند الكوفيين، فلا يبعد فتحها، ويختار كسرها.
وقد استدلوا علي أنها شرط بقوله: {أَن تَضِلَّ إِحْداهُمَا}،

ولذلك دخلت الفاء في الجواب، وأما قوله:
إما أقمت، وأما أنت مرتحلا ..........................
فكسر مع الأول وفتح لظهور الفعل، وفتح الثاني مع عدمه. وصح عطف أحدهما علي الآخر لأنه في معني الشرط كالأول، وهو شرط علي رأي الكوفيين. وهل يصح الكسر مع عدم الفعل ووجود "ما"؟ فقال س: "حذف الفعل لا يجوز هنا كما لم يصح ثم إظهاره" يريد في المفتوحة، وقد يقال: لا يبعد علي رأي الكوفيين.
وزعم أبو العباس أنه يجوز إظهار الفعل مع المفتوحة، وتجعل "ما" زائدة, فتقول: أما كنت منطلقا انطلقت معك.
والصحيح أنه لا يجوز ذلك لأنه كلام جري مجري المثل، والأمثال وما يجري مجراها تقال كما سمعت، ولا يطرد فيها قياس، وليس هذا الموضع من مواضع قياس زيادة "ما".
وقوله وبعد "إن" قليلا مثاله قول العرب: افعل ذلك إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره. ومثله قول الراجز:
أمرعت الأرض لو أن مالا ... لو أن نوقا لك أو جمالا
أوثلة من غنم إما لا
أي: إن كنت لا تجد غيرها، و"ما" عوض من الفعل.
ولا يحذف الفعل مع المكسورة معوضا منه "ما" إلا في هذا، فلو

قلت: "إما كنت منطلقا انطلقت معك" فـ"ما" ليست بعوض، ولا تحذف "كان" وتكون "ما" عوضا، فلا تقول: إما أنت منطلقا انطلقت معك, كما لا يجوز إظهار الفعل مع المفتوحة.
ومثله حذفهم الفعل في قولهم: "آثرا ما" يريدون: آثرا افعل كذا، أي: افعله أول شيء، فأبدلوا منه "ما" لكثرة الاستعمال، وهو شاذ لا يقاس عليه.
وفي البسيط ما ملخصه: وأما ما يجب فيه الحذف ففي باب الاشتغال وفي موضعين يعوض منها:
أحدهما بعد "أن", يعوض منها "ما"، نحو: أما أنت منطلقا انطلقت معك.
والثاني في "أما" التحقيقية في قولك: أما زيد فقائم، فإن الفعل محذوف للنيابة، ويصح تأويله بـ"كان" الناقصة، فإن أبقينا بعض معمولاتها كان من هذا الباب كقولك: أما قائما فزيد قائم، أي: مهما يكن شخص قائما فزيد قائم.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: قال س: "إما لا". يقول الرجل: أنا لا أقدر علي فعل كذا وكذا، فيقال له: إما لا فافعل، أي: إن كنت لا تفعل كذا فافعل كذا، وصار الفعل لا يظهر، ودل عليه وعلي الفعل في المسألة التي قبله أن الكلام لا يقال إلا علي معني ما.
وقوله ويجوز حذف لامها الساكن جزما يشما المضارع بجميع

حروف المضارعة, فالهمزة {وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} , والنون {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} , والتاء {وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ} , والياء {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ}. ويشمل مضارع الناقصة والتامة, فالناقصة ذلك فيها كثير لكثرة تصرفها في الكلام, والتامة يقل فيها ذلك كقراءة من قرأ: {وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا} برفع التاء.
وحذف النون شاذ في القياس لأنها من نفس الكلمة نحو النون من لم يصن ويهن, لكن سوغه كثرة الاستعمال وشبه النون بحروف العلة, فكأنهم جددوا له جزما, وتنوسي الجزم القياس لما قدروا كثرة استعماله بالنون, فكأنه لم يحذف منه شيء للجزم, فجددوا عليه الجزم, وجعلوا النون كأنها حرف مد, ولذلك لم يحذفوها من هذا اللفظ إلا في موضع لا تجب لها الحركة فيه؛ لأن الشبه إنما هو من أجل الغنة التي تلحقها بعد خروجها من مخرجها من اللسان, وإنما تتبين لها تلك الغنة منها عند سكونها, فإذا تحركت ضعفت, فضعف الشبه, فلم تحذف في مثل {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ} إلا أن تضم ضرورة إلي حذفها, كقوله:
لم يك الحق علي أن هاجه ... ..................................

وقد أطلق المصنف/ في موضع التقييد, وهو أنه لا يجوز حذف النون إذا اتصل بها خبرها ضميرا متصلا, نحو: أنت الصديق فإن لم تكنه فمن يكونه, فلا يجوز أن تقول "فإن لم تكه" لأن الضمير يرد الشيء إلي أصله, كما رد نون "لد" إذا أضيفت إلي الضمير, فقيل: "لدنه", ولا يجوز "لده".
وقوله ولا يمنع من ذلك ملاقاة ساكن وفاقا ليونس قال المصنف في الشرح: "وبقوله أقول؛ لأن هذه النون إنما حذفت للتخفيف, وثقل اللفظ بثبوتها قبل ساكن أشد من ثقله بثبوتها دون ذلك, فالحذف حينئذ أولي, إلا أن الثبوت دون ساكن ومع ساكن أكثر من الحذف, فلذلك جاء القرآن بالثبوت مع الساكن في قوله: {لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} , وقد استعملت العرب الحذف قبل الساكن كثيرا, ومنه قوله:
لم يك الحق سوي أن هاجه رسم دار قد تعفي بالسرر
وقول الآخر:
فإن لم تك المرآة أبدت وسامة فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وقول الآخر:

إذا لم تك الحاجات من همة الفتي فليس بمغن عنه عقد التمائم"
قال: "ولا ضرورة في هذه الأبيات لإمكان أن يقال في الأول: لم يكن حق سوي أن هاجه, وفي الثاني: فإن تكن المرآة أخفت وسامة, وفي الثالث: إذا لم يكن من همة المرء ما نوى" انتهي.
وليس التخفيف علة لحذف النون, وأي ثقل في لفظ "لم يكن"؟ وإنما حذفت لكثرة الاستعمال ولشبه هذه النون لأجل سكونها بحروف العلة, فمجموع هذا هو العلة في الحذف لا التخفيف. وأما ما ذكر من الحذف مع الساكن فذلك عن س ضرورة.
وأما ما ذكره المصنف من أنه لا ضرورة في ذلك إذ كان له أن يقول ما ذكر فما من ضرورة في شعر العرب إلا ويمكن تبديلها ونظم شيء مكانها, فعلي ما ذكر لا يكون في كلام العرب ضرورة, وقد بحثنا معه في هذا في "كتاب التكميل", وبينا أنه ليس كما زعم.
وقوله ولا يلي عند البصريين "كان" وأخواتها غير ظرف وشبهه من معمول خبرها مثال معمول غير ظرف وشبهه: كان زيد آكلا طعامك, ولا يجوز: كان طعامك زيد آكلا.
وقوله "من معمول خبرها" يشمل كل ما ينتصب بالخبر من مفعول به ومفعول من أجله وحال وغير ذلك إلا الظرف وشبهه.
ولا يختص هذا الفصل بكان/ وأخواتها, بل ينبغي أن لا يلي عاملا

من العوامل ما نصبه غيره أو رفعه, تقول: جاء زيد راكبا فرسك, ولو قلت "جاء فرسك زيد راكبا" لم يجز, وكذلك في باب الظن وباب إن.
وقوله واغتفر ذلك بعضهم مع اتصال العامل مثاله: كان طعامك آكلا زيد, لا يجوز عند س, وأجازه بعض البصريين, منهم ابن السراج والفارسي, وتبعهما ابن طلحة وابن عصفور, قال ابن عصفور: "والذي يجيز حجته أن المعمول من كمال الخبر وكالجزء منه, فأنت إذا إنما أوليتها الخبر, وهو الصحيح" انتهي كلامه. وليس بصحيح لأنه ليس مسموعا من لسانهم, وإنما أجازها من أجازها بالقياس.
وأورد بعضهم هنا سؤالا, فقال: "إن قال قائل: إن لم يرد السماع بها عينها فقد ورد بمثلها, قال تعالي: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} , وقال: {وَلَا تُصَلِّ عَلَي أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} , وقال الشاعر:
....................... فعادوا كأن لم يكونوا رميما
فأولي {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} {بَخِلُوا بِهِ} , و {أَبَدًا} {مَّاتَ} , و"رميما" "يكونوا", وليست معمولات لما وليته, بل {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} معمول لقوله {سَيُطَوَّقُونَ} , و {أَبَدًا} معمول لـ {تُصَلِّ} , و"رميما" معمول لـ"عادوا".

فالجواب أن جميع ذلك ليس بمنزلة: كان طعامك آكلا زيد؛ لأنك لم تولها الفعل, إنما أوليتها الفاعل, وهو الضمير الذي في {بَخِلُوا} و {مَّاتَ} ويكونوا" انتهي.
وكلتا المسألتين- وهما: كان طعامك زيد آكلا, وكان طعامك آكلا زيد- سواء كما قلنا عند س. وأبو بكر وأبو علي يقولان لا يفصل بين "كان" وخبرها بأجنبي منهما, ويريان أن المعمول هنا من تمام العامل, ودليلهما جواز: زيد عمرا ضارب, قالا: فالمبتدأ يطلب الخبر كما تطلبه "كان) , فلما تقدم معمول الخبر قبله في الابتداء كذلك يفعل في "كان".
وهذا قياس لا يصح لأن المبتدأ يطلب الخبر بلا واسطة, و"كان" تطلبه بوساطة اسمها, وهي فعل كسائر الأفعال, فلا تخرج عنها إلا بدليل, وتشبيهه الفعل بالاسم غير المشتق الخارج عن النظائر لا ينبغي؛ لأن الاسم الجامد يرفع لم يوجد في كلامهم إلا في الابتداء علي الخلاف الذي فيه, ومرفوع يتقدم علي رافعه لم يوجد إلا في هذا الباب, فهو خارج, ولا يقاس عليه خلافه.
وتجوزان عند الكوفيين, ومن حججهم قول الشاعر:

قنافذُ هدَّاجونَ حولَ بيوتهمْ بما كانَ إيَّاهم عَطيةُ عَوَّدا
وقولُ الآخر:
فأَصْبحُوا والنوَى عالي مُعَرَّسِهمْ وليسَ كلَّ النوَى يلقى المساكينُ
فـ (إياهم) منصوب عندهم بقوله: (عَوَّدَ)، وهو خبر (كان) و (عَطِيةُ) اسمها، و (كُلَّ النَّوى) منصوب بـ (يُلقي).
واحتج لهم المنصف بقول الشاعر:
بانتْ فؤاديَ ذاتُ الخالِ سالبةً فالعيشُ إنْ حُمَّ لي عيشٌ من العَجَبِ
وقولِ الآخر:
لئن كان سَلمى الشَّيْبُ بالصَّدِّ مُغْرِيًا لقد هَوَّن السُّلْوانَ عنها التَّحَلمُ
فـ (فوادي) منصوب ب (سالبة)، وهو حال من (ذاتِ الخال)، والعامل فيه (بانت)، فهو شبيه بـ (كان طعامَك زيدٌ آكلاً). و (سَلمى) منصوب بـ (مغريًا)، وهو خبر (كان).
فلو كان معمولُ الخبر ظرفا أو جارَّا أو مجروراً جاز أن يلي (كان) منفصلاً عن الخبر ومتصلاً به، نحو: كان عندَك زيدٌ مقيماً، وكان عندَك مقيماً زيدٌ، وكان بسيفٍ زيدٌ ضاربًا، وكان بسيفٍ ضاربًا زيدٌ، وذلك لاتساع

العرب في الظرف والمجرور؛ ألا تراهم فصلوا بهما بينَ المضاف والمضاف إليه، وقد أجيز: ما غداً زيدٌ ذاهباً، فإجازةُ ذلك في (كان) أَولى.
وقولَ وما أَوْهَمَ خِلافَ ذلك قدَّر فيه البصريون ضميرَ الشأن أي: ما أَوهم إيلاءَ معمولِ خبرٍ غيرِ ظرف أو شبهه لـ (كان). فأوَّلوا قوله (بما كان) على أنَّ في (كان) ضميرَ الشأن، وعطية: مبتدأ، وعَوَّدَ: فعل ماضٍ في موضع الخبر، وإياهم: مفعول بعَوَّدَ، لمَّا تقدم على العامل انفصل كقوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}.
وكذلك في قوله (وليس كُلَّ النوى) في (وليس) ضمير الأمر، ويُلقي المساكنُ: خبر لكانَ، والمساكنُ: فاعل بيُلقي، وكُلَّ النوى: مفعول بيُلقي، فلم يلِ (ليسَ) معمولُ خبرها إذ فيها ضمير الشأن.
وكذلك (بما كان إياهم).
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن هذا التخريج في:
................... بما كان إياهم عطيةُ عَوَّدا
لا يجوز (لأنه يؤدي إلى ما لا يجوز، وذلك أن خبر المبتدأ لا يتقدم معموله على المبتدأ إذا كان فعلاً) انتهى.
وهذه مسألة خلاف، المنعُ مذهب س والكسائي، والإجازة مذهب هشام، يجيزه مع الماضي والمستقبل والدائم، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب الابتداء.

وأجاز المصنف في (بما كان إياهم عَطيةُ عَوَّدا) أن تكون (كان) زائدة. وأجاز أيضاً أن تكون (ما) بمعنى الذي، وفي (كان) ضمير عائد على (ما)، هو اسمُها، وعطية: مبتدأ، وعَوَّدَ: خبره، وهو يتعدى إلى اثنين: أحدهما إياهم، والثاني هاء عائدة على (ما)، حُذفت، وهي مقدرة.
وما احتجَّ به المصنف لهم من البيتين ظاهرُ الدلالة على جواز: كان طعامَك زيدٌ آكلاً، وذكر أنَّ البيت الأول يقوي ما ذهب إليه الكوفيون، وقال: (أراد: بانت ذاتُ الخال/ سالبةُ فؤادي، فقَدَّم منصوبَ الحال على مرفوع عاملها، وهو شبيه بما منعه البصريون من تقديم منصوب كان على مرفوعها) انتهى.
وقال في قوله:
لئن كان سَلمى الشيبُ بالصَّدِّ مُغْرياً ...............................
(لا سبيل إلى ضمير الشأن لظهور النصب في الخبر، فسلم الدليل، ولم توجد لمخالفته سبيل).
وما ذهب إليه المصنف من سلامة الدليل وأنه لا سبيل إلى مخالفته ليس كما ذكر لاحتمال أن يكون (فؤادي) ليس معمولاً ل (سالبةَ)، ولا (سَلمى) معمولاً لقوله (مُغْرِياً)، بل هما مُنادَيان، كأنه قال منادياً لسلمى: لئن كان - يا سلمى - الشيبُ بالصَّدِّ - أي بِصَدِّكِ - مُغرياً، وقال منادياً لفؤاده: بانت - يا فؤادي - ذات الخال سالبةً، أي سالبةً لك، وإذا احتمل أن يكون منادَيَيْنِ لم يكن في ذلك حُجة؛ لأنه إذا دَخل الدليلَ الاحتمالُ سقط به الاستدلال، فلو كان مكان (سَلمى) و (فؤادي) اسم يظهر فيه الإعراب نصباً كان يسلم الدليل، لكنه لا يظهر فيه النصب، فاحتمل ما قاله

المصنف، واحتمل ما قلناه، فسقط استدلال المصنف به على صحة المُدَّعى.
وبقى علينا الكلام في معمول الخبر بالنظر إلى جواز تقديمه على هذه الأفعال ومنعه، فنقول:
إن قدمته مع الخبر جاز في كل موضع يجوز فيه تقديم الخبر، وذلك نحو: في الدار قائماً كان زيدٌ، وإن قَدَّمته وحده لم يجز كان ظرفًا أو مجروراً أو غير ذلك، فلا تقول: في الدار كان زيد قائمًا، ولا: يومَ الجمعة كان زيدٌ ذاهباً، ولا: طعامَك كان زيدٌ آكلاً، لكثرة الفصل بين المعمول الذي هو فضلة الخبر والعامل الذي هو الخبر. هذه نقل بعض أصحابنا.
وقال ابن السراج: (جميع ما جاز في المبتدأ والخبر من التقديم والتأخير فهو جائز في (كانَ) إلا أن يفصل بينهما وبين ما عَملت فيه بما لم تعمل فيه). قال: (وأصحابنا يجيزون: غلامَه كان زيدٌ يضربُ، ينصبون الغلام بيَضربُ؛ لأنَّ كل ما جاز أن يتقدم من الأخبار جاز تقديم معموله) انتهى.
وفي البسيط: وأما تقديم معمول الخبر على هذه الأفعال التي يتقدم خبرها عليها إذا كان غير ظرف نحو: زيداً كان عمرٌو ضاربًا، وغلامَه كان زيدٌ يَضربُ، فقيل: لا يجوز لأنه قد حالَ بين المعمول وعامله بجمله أجنبية، وإن كانت محتاجة إلى خبر، لكنها في صورة التام كالفعل والفاعل. وفيه نظر، قال تعالى {أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ}، وقال

في الظرف والمجرور: {أَلَا يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}، وقال: {أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}.
والصحيح عند النحويين جوازه ظرفاً كان أو غيرَ ظرف، ونَصَّ النحويون عليه، ولا تراعى الصورة، بل يُلاحَظُ المعنى. وقد تقدم مذهب الكوفيين في منعهم / تقديم الخبر وتوسيطه إذا كان يتحمل الضمير، وتخريج مثل: قائماً كان زيدٌ، وكان قائماً زيدٌ على مذهب الكسائي ومذهب الفراء.
وأما التفريع على مذهبهم في تقديم المعمول على الفعل أو على الاسم فإما أن تقدِّمه بعدَ الخبر أو قبلَه، فإن قدَّمتَه بعد الخبر، نحو: قائماً في الدار كان زيدٌ، وكان قائماً في الدار زيدٌ، فالأمر على ما كان عليه لو لم يكن له معمول. وإن قدَّمته قبلَ الخبر، نحو: في الدار قائماً كان زيدٌ، وكان في الدار قائماً زيدٌ، فالأمر عندهم على ما كان عليه إلا أنه لا يجوز أن يكون خلفاً من الموصوف؛ لأنه الصفة إذا تقدَّمَها معمولُها لم يجز أن تخَلُف الموصوف عند الكسائي كان المعمول ظرفًا أو غيرَ ظرف.
وفصَّل الفراء، فقال: إن كان معمول الخبر ظرفاً أو مجروراً جاز أن تكون الصفة خلفًا، وإن كان غيرهما لم يجز أن تكون خلفًا، نحو: طعامَك آكلاً كان زيدٌ، وكان طعامَك آكلاً زيدٌ. والصحيح عندنا في جميع ذلك أنه خبر مُقدَّم لم يخلف موصوفاً يُثَنَّى ويُجْمَع.
مسألة: إذا قدَّمتَ الخبر وأَخَّرتَ المعمول، نحو (آكلاً كان زيدٌ

طعامَك)، فهذا لا يجوز للفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، أعني ما ليس بمعمول لآكل. هذا مذهب الكوفيين ومقتضى مذهب البصريين، إلا إن جعلت (طعامَك) مفعولاً بفعلٍ مضمر يفسِّرُ هذه الظاهر، وكأنك قلت بعد قولك آكلاً كان زيدٌ: يأكلُ طعامَك، فإنه يجوز على كل مذهب.
مسألة: إذا قلت: (كان كائناً زيدٌ قائماً) فالكسائي يجعل في (كان) ضمير الشأن، وكائنًا خبر كان، وزيدٌ مرفوع بكان وكائنٍ على أنه اسمهما، وقائماً خبر كائن وخبرها - وهو قائم - بأجنبي، ولا يجوزحمله على فعل مضمر يدل عليه كائن كما كان في: آكلاً كان زيدٌ طعامَك؛ لأن كائناً ناقص لا يتم إلا بخبر، وإنما يتصور قطع الاسم عن العامل الأول إذا كان مما يتم دونه.
ولا يجوز عند أهل الكوفة (كان يقوم زيدٌ) على أن يكون خبراً مقدماً؛ لأنه لا يُتصور أن يكون خلفاً؛ لأن الفعل لا يَخلف الموصوف، فيلزم إذا جُعل خبراً أن يكون فيه ضمير يعود على الاسم، والضمير المرفوع لا يتقدم عندهم على ما يعود عليه، فلا يجوز عندهم إلا على أن يكون في (كان) ضمير الشأن، ويقوم في موضع الخبر على مذهب الفراء، وزيد مرفوع بيَقومُ. ولا يجوز عندهم تقديم (يقوم) على الفعل، فتقول: (يقومُ كانَ زيدٌ) على وجه من الوجوه؛ لأن هذه الأفعال لا يدخل عليها الفعل، والظروف والمجرور/ جاريان مجرى الفعل لكونهما لا يخلفان الموصوف. فإن كان الخبر اسماً لا يَتحمل الضمير جاز توسيطه وتقديمه عندهم، نحو: كان أخاك زيدٌ، وأخاك كان زيدٌ، إذا أرَدتَ أُخُوَّة النسَب لا أُخُوَّة الصداقة.
مسألة: خبر هذه الأفعال إذا كان جملة أو ظرفاً أو مجروراً فهو في

موضع نصب على ما تقرر في عمل هذه الأفعال. وإذا كان مفرداً انتصب، ولا يجوز أن يرتفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، لا تقول: كنتُ قائمٌ، تريد: أنا قائمٌ؛ لأنه إضمار لا فائدة في تكلفه، وقد نص الخليلُ على ذلك، ولَحَّنوا زياداَ الأعجم في قوله:
هل لكَ في حاجتي حاجةٌ ... أَمَ آنْتَ لها تارِكٌ طارحُ
أَمِتْها، لك الخيرُ، أو أحْيها ... كما يَفْعَلُ الرجلُ الصالحُ
إذا قلْتُ: قد أَقبلَتُ، أَدْبرَتْ ... كمَنْ ليسَ غادٍ ولا رائحُ
أراد: كمن ليس غاديًا ولا رائحًا، فرفع على إضمار هو، أي: كمن ليس هو غادِ ولا رائحٌ. قالوا: (ولا حجة في كلامه عند أكثر العلماء لأنه نزل بإصْطَخْرَ من بلاد فارس، ففسد لسانه بها، ولذلك لقب الأعجم، فكثيراً ما يوجد اللحن في شعره) انتهى.
وهذا الذي قالليس بجيد لأن إمام الصنعة س قد استشهد في كتابه بشعره.
وأما البيت الذين زعموا أنه لحن فليس على ما زعموا، وله وجه صحيح في العربية، وهو أن يرتفع غادٍ ورائح على أنه اسم ليس، ويكون خبرها محذوفًا على حد قولهم:
........................... ... حينَ ليسَ مُجيرُ
تقديره: كمن ليس له غادٍ ولا رائح، أي: ليس له من يغدو عليه ولا من يروح، فلا يكون على هذا اسمُ ليس ضميراً يعود على مَنْ، فيلزم منه أن

ينتصب غادٍ ورائح على خبرها، والمعنى: أن حاجته لا تنبتً ولا ينقضي أمرها، فهي كشيء ليس له من يغدو عليه ولا من يروح فيبقى هملاً كحاجته.
ووهم ابن عصفور في إنشاد شعر زياد، فركْب نصفاً من بيت على نصف بيت آخر، وأنشد:
أَمِتْها - لك الخير - أو أَحْيهِا كَمَنْ ليسَ غادٍ ولا رائحُ
وإذا كان له توجيه صحيح في العربية فلا يكون لحناً.
فأما قول الآخر:
كَم مِنْ لئيمٍ رأينا كانَ ذا إِبلِ فأصبحَ اليومَ لا مُعْطٍ ولا قارِ
فينبغي أن يُتأول على أنه أراد: لا مُعطيًا ولا قاريًا، وحذف الياءَ للضرورة، فيكون نحو قوله:
وَكَسَوتَ عارٍ لحمُه ......... ... ..........................
يريد: عاريًا، وهذا أولى من ادِّعاء (هو) مضمرة، فيقدر: لا هو مِعْطٍ ولا هو قارٍ.
وفي البسيط: أكثر النحويين اتفقوا على أن الاسم / ثاني من معمولي (كان) وأخواتها خبر بنفسه، ولا يكون في موضع رفع بتقدير مبتدأ، كقولك: كان زيدٌ قائمًا، ولا يجوز رفعه على الإضمار، فأما قولُه:
....................... فأَبيتُ لا حَرِجٌ ولا محرومُ

فهو عند الخليل على الحكاية، أي: أَبيتُ كالذي يُقالُ له لا حَرِجٌ ولا محروم. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون في موضع خبر، أي: لا أنا حرجٌ. انتهى
وقال س بعدما حكى تخريج البيت على الحكاية ما نصُّه: (وقد زعم بعضهم أنَّ رفعه على النفي، كأنه قال: فأبيتُ لا حَرِجٌ ولا محرومٌ بالمكان الذي أنا به) قال س: (والتفسير على النفي كأنه أسهل) انتهى. ويَعني بالنفي النفيَ العامْ، وإذا كان لا حَرِج ولا محروم نفيًا عامًا لكل حَرِج ومحروم لزم منه أن يكون الثابت لا حَرِجًا ولا محرومًا لأنه فرد من أفراد العامّ.
فأن كان الموضعُ تفصيل جاز النصب، وجاز الإضمار، نحو قولك: كان الزيدان قائمًا وقاعدًا؛ لأن موضع التفصيل تقوى فيه الدلالة على الإضمار، والمعنى على أن المراد أحدهما كذا والآخر كذا، وما أشبه ذلك، وقد نص س على جواز ذلك، ومنه قول الشاعر:
فأصبحَ في حيثُ الْتقيْنا شَرِيدُهُمْ طَليقٌ ومكتوفُ اليدين ومُزْعَفُ
التقدير: أحدُهم طليقٌ، والآخر مكتوف اليدين، والآخر مُزْعف، أو: مِنْهم طليقٌ، ومنهم مكتوفُ اليدين، ومنهم مُزْعف.

وفي البسيط: فإن كان في موضع تقسيم جاز، كقولك: كان الزيدان قائمٌ وقاعدٌ، أي: أحدهما. وخالف بعض الكوفيين. أما ما عدا أفعال المقاربة فقالوا هو منصوب على الحال، وليس مشبهًا بالمفعول به) انتهى.
وقد تقدم ذكرُ حُجَج الكوفيين والبصريين في أوائل هذا الباب.
مسألة: أجاز الجمهور رفع الاسمين بعد (كان). وأنكر الفراء سماعه. وهو محجوج بثبوت ذلك عن العرب، نحو قولِه:
إذا مت كان الناس صنفان: شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع
في رواية من رواه (صِنْفان) بالألف، وقوله:
هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول
وإذا ارتفع الاسمان بعد كان فمذهب الجمهور أن في (كان) ضمير الشأن، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب على الخبر. ونقل عن الكسائي أن كان ملغاة، ولا عمل لها. وإلى ذلك كان يذهب أو الحسين بن الطراوة. نقله عن السُّهيلي وغيره. قال السُّهيلي: والصحيح ما ذهب إليه النحويون، يدل على ذلك قول العرب: (إنه أَمةُ اللهِ ذاهبةٌ)، فتَبَيَّنَ ضمير الأمر في (إنَّ) لما كان نصبًا، ولم يتبين في (كان) لما كان رفعًا، وصارت الجملة في موضع خبر.

فإن قيل: هلا كانت تامة مكتفية باسم واحد، وهو المضمر فيها، وكانت الجملة بدلًا؛ لأن الجملة حديث، والمضمر فيها حديث؟
قلنا: قولهم: "إن أمة الله ذاهبة" يبين أن الجملة في موضع خبر؛ إذا لا يصح في "إن" أن تكتفي باسم واحد، فبان أنها في موضع خبر.
مسألة: "كان" إذا أضمر فيها ضمير الشأن فهي ناقصة، والجملة الواقعة بعدها في موضع خبرها، وليست غير الناقصة فتكون قسمًا برأسها، هذا مذهب الجمهور، وذهب أبو القاسم خلف بن فرتون الشنتريني، عرف بابن الأبرش، إل أنها قسم غير الناقصة.
مسألة: أجاز هشام: ما كان أحد زائلًا يذكرك، ولا أظن أحدًا زائلًا يذكرك. وأباهما الفراء.
مسألة: أجاز الكسائي وهشام: ما يزال أحد يقول ذلك، ونحوها من المستقبل. وانفرد هشام بإجازتها مع الماضي. ومنعها الفراء فيهما.
مسألة: اختلفوا: هل تعمل في الظروف والمجرورات والأحوال أو لا؟ فقيل: لا تعمل لأنها لا استدعاء لها لذلك، والعامل مستدع. وقيل: تعمل لأنها فعل، وإذا عمل "هذا" في الحال بتأويل الفعل فأحرى "كان".
مسألة: لا يجوز الاقتصار على الفاعل دون الخبر كما لا يجوز في المبتدأ والخبر، وأما حذف الاختصار فيمتنع في اسمها لأنه هنا كالفاعل، وأما في الخبر ففيه خلاف، أجازه في البسيط، قال: تقول في جواب من قال: ألم تكن غنيًا؟ كنت، ويقول: أكاد زيد يقوم؟ فتقول: قد كاد.
وقال ابن عصفور ما معناه: "ما المانع من حذف الخبر، وأنت إن حكمت له بحكم لفظه فإنه يشبه المفعول، والمفعول يجوز حذفه، أو

بحكم أصله فهو خبر في الأصل، والخبر يجوز حذفه اختصارًا لفهم المعنى، فكان ينبغي أن يجوز حذفه على كل حال؟
والجواب أنه قد صار عوضًا من المصدر، فلا يجمع بينهما كراهة الجمع بين العوض والمعوض، وإنما عوض منه لأنه في معنى المصدر؛ ألا ترى قولك: "كان زيد قائمًا" أن القيام كون من أكوان زيد، فلما كان الخبر المصدر في المعنى استغني عنه كما استغني بـ"ترك" عن "وذر" لما كان معناهما واحدًا، ولولا أنه عوض لصرح بالمصدر إذ لا فعل إلا له مصدر أخذ منه، وقيام الدليل على ذلك، فلما صار عوضًا من المصدر صار كأنه من تمام الفعل، وكأنه جزء من أجزائه. وأيضًا فالأعواض لازمة لا يجوز حذفها، وقد يحذف الخبر في الضرورة، نحو:
................................... ............. حين ليس مجير"
وهذا تلخيص من كلام أبي بكر أحمد بن الحسن المعروف بابن/ شقير في "كان" واسمها وخبرها ومعموله وما يتصور فيه من التراكيب: كان زيد آكلًا طعامك، كان آكلًا طعامك زيد، آكلًا طعامك كان زيد، كان زيد طعامك آكلًا، طعامك كان زيد آكلًا، طعامك كان آكلًا زيد، كان آكلًا زيد طعامك، زيد كان آكلًا طعامك، زيد آكلًا طعامك كان، آكلًا طعامك زيد كان، زيد كان طعامك آكلًا، طعامك زيد كان آكلًا، زيد طعامك كان آكلًا. قال ابن شقير: كل هذا جائز من كل قول.
كان طعامك آكلًا زيد، كان طعامك زيد آكلًا، جائزتان من قول الكوفيين، وخطأ من قول البصريين.

آكلًا كان زيد طعامك، زيد آكلًا كان طعامك، آكلًا زيد كان طعامك، الثلاث جائزات من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين إلا على كلامين من قول الكسائي.
طعامك آكلًا كان زيد، زيد طعامك آكلًا كان، طعامك آكلًا زيد كان، هذه الثلاث جائزة من قول البصريين والكسائي، وخطأ من قول الفراء لأنه لا يقدم مفعول خبر كان عليه إذا كان خبر كان مقدمًا من قبل أنه لو أراد رده إلى فعل ويفعل لم يجز عنده. والكسائي يجيز تقديمه كما يجيز تقديم الحال.
طعامك زيد آكلًا كان جائز، من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين. آكلًا كان طعامك زيد خطأ من كل قول.

-[ص: فصل
ألحق الحجازيون بـ"ليس" "ما" النافية بشرط تأخر الخبر، وبقاء نفيه، وفقد "إن"، وعدم تقدم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر. و"إن" المشار إليها زائدة كافة لا نافية، خلافًا للكوفيين. وقد تزاد قبل صلة "ما" الاسمية والحرفية، وبعد "ألا" الاستفتاحية، وقبل مدة الإنكار.
وليس النصب بعدها لسقوط باء الجر، خلافًا للكوفيين. ولا يغني عن اسمها بدل موجب، خلافًا للأخفش. وقد تعمل متوسطًا خبرها، موجبًا بـ"إلا" وفاقًا لـ"س" في الأول، وليونس في الثاني. والمعطوف على خبرها بـ"بل" و"لكن" موجب، فيتعين وفعه.]-
ش: أصل العمل للأفعال، يدل على ذلك أن كل فعل لابد له من فاعل، إلا ما استعمل زائدًا نحو "كان" على خلاف ذلك، أو استعمل في معنى الحرف نحو "قلما"، أو تركب مع غيره نحو "حبذا" على خلاف في هذا. وما عمل من الأسماء فلشبهه بالفعل. وأما الحرف فإما أن يختص بما دخل عليه أو لا، إن اختص فإما أن يتنزل منزلة الجزء منه أو لا، إن تنزل فلا يعمل لأن جزء الشيء لا/ يعمل في الشيء، وإن لم يتنزل فقياسه إن اختص بالفعل أن يعمل من الإعراب النوع المختص بالفعل، وهو الجزم، وإن اختص بالاسم فقياسه أن يعمل من الإعراب النوع الذي يختص بالاسم، وهو الجر، وإن لم يختص بما يدخل عليه فقياسه أن لا يعمل، و"ما" من هذا النوع. ولها شبهان: أحدهما هذا، وهو عام فيما لا يعمل من الحروف، وراعاه بنو تميم، فلم يعملوها. والثاني خاص، وهو شبهها

بـ"ليس" في كونها للنفي وداخلة على المبتدأ والخبر، وتخلص المحتمل للحال كما أن "ليس" كذلك، وراعى هذا الشبه أهل الحجاز.
وقوله ألحق الحجازيون بليس يعني في العمل بأن ارتفع ما بعدها اسمًا لها، وانتصب الثاني خبرًا لها، وه 1 االإلحاق هو على مذهب البصريين، وسيأتي مذهب الكوفيين في ذلك. وقال الكسائي: هي لغة أهل تهامة. وقال الفراء: "لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء" انتهى.
وقد جاء النصب في أفصح الكلام وأجله، قال تعالى: {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}، قالوا: ولم يحفظ ذلك في كلامهم إلا في بيت من الشعر، قال:
وأنا النذير بحرة مسودة تصل الجيوش إليكم أقوادها
أبناؤها متكنفون أباهم حنقو الصدور، وما هم أولادها
وأجمع النحويون على إجازة: ما زيد قائم. وحكى س أنها لغة

تميم. وحكى الكسائي والفراء أنها لغة أهل نجد. وقال المصنف: "إنها لغة غير أهل الحجاز"، فيدخل فيه تميم وأهل نجد وغيرهم، وقد تقدم قول الكسائي إن النصب لغة أهل تهامة، وهذا يرد على المصنف.
وقوله بشرط تأخر الخبر فلو قدمته ارتفع، قال الشاعر:
وما حسن أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقًا تذم وتحمد
وقال الآخر:
وما خذل قومي، فأخضع للعدا ولكن إذا أدعوهم فهم هم
وهذا مذهب عامة النحويين، ويأتي ذكر الخلاف فيه عند كلام المصنف على ذلك.
وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على أن الخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا جاز توسيطه، فتقول: ما عندك زيد، فيكون عندك في موضع نصب في مذهب أهل الحجاز، وخالف في ذلك الأخفش، فزعم أنه في موضع رفع، وسنتكلم على المذهبين إن/ شاء الله.
وأما تقديم الباء وولايتها لـ"ما" نحو "ما بقائم زيد" فمنعه مطلقًا الكوفيون على اللغتين. وقياسه أن الباء لتأكيد النفي، فكأنها للنفي، فلا تجتمع مع "ما" كـ"إنَّ" واللام. وجوز البصريون ذلك، لكنه يلزم أن يصير

الحجازي في التقديم تميميًا لأنه لا يجوز التقديم في حال النصب، فكذلك إذا كان عارضًا، والسماع كثير، قال:
.................................... وما بالحر أنت ولا القمين
وقوله وبقاء نفيه إذا انتقض النفي بألا أبطل العمل كقوله تعالى: {ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ}، وهذا هو المشهور، ويأتي الخلاف فيه عند تعرض المصنف له.
وقوله وفقد "إن" إذا كان بعد "ما" "إن" بطل العمل، نحو قول فروة لن مسيك، وهو حجازي:
فما إن طبنا جبن، ولكن منايانا ودولة آخرينا
وقال آخر:
بني غدانة ما إن أنتم ذهب ولا صريف، ولكن أنتم خزف
ولم يذكر المصنف خلافًا في هذا الشرط لا في الفص ولا في الشرح، بل ذكر أن مجيء "إن" بعد "ما" مبطل لعمل "ما"، قال في الشرح -وقد ذكر الشروط الأربعة التي ذكرها- ما نصه: "لما كان عمل ما

استحسانيًا لا قياسيًا اشترط فيه تأخير الخبر، وتأخر معموله، وبقاء النفي، وخلوها من مقارنة "إن"؛ لأن كل وادح من هذه الأربعة حال أصلي، فالبقاء عليها تقوية، والتخلي عنها أو عن بعضها توهين، فأحق الأربعة بلزوم الوهن عند عدمه الخلو من مقارنة "إن"؛ لأن مقارنة "إن" تزيل شبهها بليس؛ لأن ليس لا تليها "إن"، فإذا وليت "ما" تباينا في الاستعمال، وبطل الإعمال دون خلاف، ولا يلزم مثل هذه المباينة بنقض النفي ولا بتوسط الخبر كما سيأتي ذلك مبينًا إن شاء الله" انتهى. فقد نص على أن مجيء "إن" بعد "ما" مبطل للعمل بلا خلاف، وليس كما ذكر، بل المسألة خلافية:
ذهب البصريون إلى إبطال العمل إذا جيء بعد "ما" بـ"إن"، وإنه لا يجوز النصب. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز النصب، فتقول: ما إن زيد ذاهبًا، وحكي ذلك يعقوب، وأنشد:
بني غدانة ما إن أنتم ذهبًا ولا صريفًا، ولكن أنتم الخذف
بنصب "ذهب" و"صريف".
وخرج على أن "إن" نافية مثلها في قوله: {ولَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ}، وأتى بها بعد "ما" لتأكيد النفي من حيث كانت بمعناها كما أكدت "عن" بالباء لما كانت تستعمل بمعناها في قوله:
/فأصبحن لا يسألنني عن بما به أصعد في غاوي الهوى أم تصوبا
ويكون العمل في بيت يعقوب لـ"إن" كما أن العمل للباء، و"إن" قد

ترفع الاسم وتنصب الخبر، نحو قوله:
إن هو مستوليًا على أحد .....................................
انتهى هذا التخريج، وهو عكس التوكيد إذ الأصل أن يؤكد الأول بالثاني لا أن يؤكد الثاني بالأول.
وقوله وعدم تقدم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر مثاله: ما طعامك زيد آكل، وهذا جائز عند الجمهور، وحكي عن الرماني منعه، وهو محجوج بقول الشاعر:
وقالوا: تعرفها المنازل من منى وما كل من وافى منى أنا عارف
في رواية من نصب "كل".
فإن كان المتقدم ظرفًا أو جارًا ومجرورًا لم يبطل عمل "ما"، نحو: ما اليوم زيد ذاهبًا، وما بسيف زيد ضاربًا، وقال الشاعر:
بأهبة حرب كن وإن كنت آمنا فما كل حين من يوالي مواليا
ويعني بالتقدم على الاسم.
فإن تقدم معمول الخبر على "ما" نفسها، نحو "طعامك ما زيد آكلًا أو آكل" لم يجز ذلك عند البصريين رفعت آكلًا أو نصبته؛ لأن "ما" لما صدر الكلام. وأجاز ذلك الكوفيون، وقاسوه على لا ولن ولم. قال

أبو البقاء العكبري: "وما أصل حروف النفي، فلا يسوى بينهما" انتهى. ويقتضي هذا الجواز لأنه يتصرف في الأصل ما لا يتصرف فيما ليس بأصل، دليل ذلك همزة الاستفهام و"إن" الشرطية.
وقال أبو بكر: "وقوم يجيزون دخول الباء، فيقولون: ما طعامك زيد بآكل، وما فيك زيد براغب، إلا أنهم يرفعون الخبر إذا لم تدخل الباء، ولا يجيزون النصب". قال: "ولا يجوز: طعامك ما زيد آكلًا أبوه. وقد أجازه بعض الكوفيين".
ونقص المصنف من الشروط شرطين:
أحدهما: أن لا تؤكد "ما" بـ"ما"، فإن أكدت بطل العمل، تقول: ما ما زيد ذاهب، ولا يجوز ذاهبًا، هذا على مذهب عامة النحويين. وحكي أبو علي الفارسي عن بعض الكوفيين إجازة النصب. وفي الغرة: "كفوا "ما" بـ"ما"، فقالوا: ما ما زيد قائم، وأجاز النصب جماعة من الكوفيين، والبصري يأبى ذلك ".
الشرط الثاني: أن لا تبدل الخبر بدلًا مصحوبًا بإلا، نحو قولك: ما زيد شيء أو بشيء إلا شيء لا يعبأ به، فهنا تستوي اللغتان الحجازية والتميمية، ذكر ذلك س. وعلة ذلك أن البدل موجب بـ"إلا"، فلا يكون منصوبًا، فهو إذ ذاك واجب الرفع، وحكم البدل والمبدل منه في الإعراب واحد، فيلزم من ذلك رفع المبدل منه، وموضع "بشيء" أيضًا يتعين أن يكون رفعًا لهذه العلة.

وفي كتاب أبي الفضل الصفار: "إن كان المنصوب/ خبر "ما" فلا يجوز فيه النصب على البدل، ولا تقول: ما أحد صديقًا لك إلى عمرًا، فإنما يجوز نصبه على الاستثناء وعلى الصفة، كأنك قلت: ما أحد صديقًا لك غير عمرو، ويجوز البدل على الموضوع، فتقول؛ ما أحد صديقًا لك إلى زيد" انتهى.
وهذا وهم فاحش، وأي موضع لقوله: "صديقًا لك"؟ بل لفظه هو موضعه، ولو كان البدل من خبر "ليس" لزم أيضًا أن يكون نصبًا لأن "ليس" ينتصب خبرها بعد "إلا"، فيكون مثل قوله:
يا بني لبيني لستما بيد إلا يدًا ليست لها عضد
وقوله و"إن" المشار إليها زائدة كافة لا نافية، خلافًا للكوفيين قال المصنف في الشرح: "الذي دعموه مردود بوجهين: أحدهما أنها لو كانت نافية مؤكدة لم تغير العمل كما لا يتغير بتكرير "ما" إذا قيل: ما ما زيد قائمًا، كما قال الراجز:
لا ينسك الأسى تأسيًا، فما ما من حمام أحد معتصما
فكرر "ما" النافية توكيدًا، وأبقى عملها" انتهى هذا الوجه.
ودل هذا على أن المصنف لم يكن له شعور بأن من شرط إعمال "ما" أن لا تكرر؛ ألا تراه ذكر ذلك على سبيل الاستدلال على الكوفيين، وقد ذكرنا أن عامة النحويين شرطوا ذلك، وأن أبا علي حكي فيه خلافًا عن بعض الكوفيين.

فإن قلت: فما تصنع بهذا البيت، وظاهره يدل على جواز إعمال "ما" إذا أكدت بـ"ما" كما ذهب إليه بعض الكوفيين؟
قلت: يحمل ذلك على الشذوذ، أو يتأول على أن الكلام تم عند قوله "فما"، ويكون قد حذف لعد "ما" فعل يدل عليه المعنى السابق، أي: فما يجدي الحزن، ثم ابتدأ، فقال: ما من حمام أحد معتصما، فعلى هذا لا تكون "ما" توكيدًا لـ"ما".
قال المصنف: "الثاني أن العرب قد استعملت إن زائدة بعد "ما" التي بمعنى "الذي"، وبعد "ما" المصدرية، وبعد "ما" التوقيتية، لشبهها في اللفظ بـ"ما" النافية، فلو لم تكن زائدة المقترنة بـ"ما" النافية لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ".
وقوله وقد تزاد قبل صلة "ما" الاسمية إلى قوله الإنكار مثل ذلك قوله:
يرجى المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب
أي: الذي لا يراه. وقوله:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرًا لا يزال يزيد
فـ"ما" مصدرية توقيتية. وقوله:
ألا إن سرى ليلي، فبت كئيبا أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا
/وقال بعض العرب: "أأنا إنية"، فزاد "غن" قبل مدة الإنكار،

وذكرنا هذا في آخر باب الحكاية موضحًا مبينًا في كتاب التكميل. وذكر زيادة "إن" في هذه المواضع استطراد، وليس من مسائل "ما" النافية، وذلك على عادة المصنف.
وقوله وليس النصب بعدها لسقوط باء الجر، خلافًا للكوفيين قال الكسائي وهشام/ تنصب الاسم بطرح الباء، وترفع عبد الله بقائم إذا قلت: ما عبد الله قائمًا. وقال الفراء: "لما حذفوا اختاروا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا" لأن الصفة إذا خلفت من الفعل نصب، فتقول: أتيتك مستهل الشهر، والمعنى: في مستهله.
وقد رد المصنف هذا المذهب في الشرح "بأن الباء قد تدخل بعد "هل" وبعد "ما" المكفوفة بإن، فإذا سقطت الباء تعين الرفع بإجماع، فلو كان سقوط الباء ناصبًا لنصب في هذين الموضعين. ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو: كفى بزيد رجلًا، وبحسب عمرو درهم، وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيها من أحدٍ" انتهى.
وقال ابن عصفور: "زعم الكسائي والفراء أن "ما" لا تعمل شيئا في اللغة الحجازية لكونها غير مختصة بما تدخل عليه، وذلك أنهم يقولون كثيرًا: ما زيد بقائم، فلما أسقطوا الباء نصبوا ليفرقوا بذلك بين الخبر إذا قدر أن الباء سقطت منه وبينه إذا قدر أن الباء لم تدخل عليه في الأصل، فإذا قدم الخبر عندهم لم ينتصب لأنه لا ينبغي أن يقدر محذوفًا منه الباءُ؛

لأن الباء لا تدخل على الخبر وهو متقدم إلا قليلًا جدًا، أنشد الفراء:
أما والله أن لو كنت حرًا وما بالحر أنت ولا الصديق
وكذلك أيضًا إذا دخلت "إلا" على الخبر لم يجز نصبه لأن النصب عندهم إنما هو لإسقاط الباء، والباء لا تدخل إذا ذاك على الخبر. وكذلك أيضًا لم ينتصب الخبر إذا كانت "إن" بعد "ما"، لا يقال: ما زيد إلا بقائم، ولا: ما إن زيد قائم.
قال: وما ذهبوا إليه باطل بدليل أن حرف الجر الزائد إذا حذف من الاسم كان إعرابه على حسب ما يطلبه الكلام، إن كان في موضع نصب نصبته، أو في موضع رفع رفعته، فكان ينبغي أن يقال في ما زيد بقائم إذا سقطت الباء: ما زيد قائم؛ لأنه في موضع رفع؛ إذ هو خبر المبتدأ" انتهى.
وقد أجاز الكسائي والفراء: ما إليك بقاصد زيد، وما فيك براغب عمرو، وإذا طرحت الباء رفعت. وهذا تناقض.
وأجاز الفراء أيضًا: ما بقائم زيد. فيلزمه أن يقول: ما قائمًا زيد. ورد الفراء على س بقول العرب: ما أنت إلا أخونا، وما قائم أخوك. ولا يلزم هذا س، وقد بينه بقوله: "ليست بفعل".
وقوله ولا يغني عن/ اسمها بدل موجب، خلافًا للأخفش مثال ذلك: ما قائمًا إلا زيد، التقدير: ما أحد قائمًا إلا زيد، فـ"إلا زيد" بدل من "أحد"

المحذوف، وأغنى عن اسم "ما". قال المصنف: "ومثل هذا لو سمع من العرب لكان جديرًا بالرد؛ لأن المراد فيه مجهول؛ لاحتمال أن يكون أصله: ما أحد قائمًا إلا زيد، وأن يكون أصله: ما كان أحد قائمًا إلا زيد، وما كان هكذا فالحكم بمنعه أولى من الحكم بجوازه، ولأن شرط جواز الحذف أن يكون المحذوف متعينًا لا محتملًا، ولذلك لا يجوز لمن قال:
تمرون الديار ................ ..............................
أن يقول: رغبت زيدًا؛ لأن المراد مجهول؛ لاحتمال أن يكون أراد: رغبت في زيد، وأن يكون أراد: رغبت عن زيد" انتهى.
وهكذا صور المصنف هذه المسألة، وأن "إلا زيد" بدل موجب أغنى عن اسمها.
وصورها غيره على خلاف هذا، قال: مسألة: إن قدمت الخبر منصوبًا، وأدخلت "إلا" على الاسم، أجازها الأخفش، ومنعها البصريون، فـ"إلا زيد" هو الاسم، والمنصوب المتقدم هو الخبر، وليس الاسم محذوفًا و"إلا زيد" بدل منه. وفي تصوير المصنف يكون الاسم محذوفًا، والخبر واقع موقعه من التأخر.
والصحيح منع التصويرين، أما تصوير المصنف فلأن فيه حذف اسم "ما"، وهو لا يجوز حذفه لأنها عملت تشبيهًا بليس، واسم "ليس" لا

يجوز حذفه لا اقتصارًا ولا اختصارًا، فكذلك اسم "ما"، ولو أجزنا ذلك في "ما" لأدى إلى تصرف الفرع أكثر من تصرف الأصل، وهو لا يجوز.
وأما تصويره غيره فلأنه أدى إلى توسط الخبر، وهو لا يجوز، مع أن هذا التركيب غير مسموع، وإنما قيل بالقياس، وهو قياس فاسد.
وقوله وقد تعمل متوسطًا خبرها هذا الذي قاله وأجازه هو مذهب الفراء، أجاز الفراء أن تقول: ما قائمًا زيد، وحكي الجرمي أن ذلك لغية، وحكي: "ما مسيئًا من أعتب"، ولم يحفظ ذلك س إلا في قول الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر
وقال آخر:
نجران إذ ما مثلها نجران
ولم يحفظ منه إلا هذا الذي أنشدناه، وقد اختلف النحاة في توجيهه، ولو كان ثابتًا في الكلام لما تكلفوا توجيهه. وقال س: "وزعموا أن بعضهم قال"، وأنشد بيت الفرزدق. وأنكر عليه هذا أصحابه، ولم يجيزوا نصب خبر "ما" إذا تقدم، قالوا: والفرزدق نم بني تميم، وبنو تميم يرفعون الخبر إذا تأخر، فكيف إذا تقدم.

وخرجه المازني والمبرد على الحال، نحو: فيها قائمًا رجل، والخبر محذوف تقديره: وإذ ما مثلهم في الوجود بشر/، والخبر المحذوف هو العامل في الحال.
وكذا قال المبرد في:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
إن تقديره: يا ليت لنا، ورواجعًا حال.
وضعف ذلك من جهة أن حذف خبر "ما" لا يحفظ من كلامهم، وكأن المانع من ذلك أنها محمولة في العمل على "ليس"، وحذف الخبر في باب "ليس" فبيح، فهو قبيح أيضًا في باب "ما"، وبأن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة.
وقال الفراء وقد أنشد بيت الفرزدق: في هذه المسألة وجهان: إن شئت نصبت مثلًا لأنها خبر، وإن شئت نصبتها كنعت النكرة إذا تقدم، وإن شئت رفعتها.
وقيل: استعمل الفرزدق لغة غيره، فغلط لأنه قاس النصب مع التقديم على النصب مع التأخير. وإلى هذا ذهب أبو علي الرندي.
ورد عليه بأن العربي إذا جاز له القياس على لغة غيره جاز له القياس في لغته، فيؤدي ذلك إلى فساد لغته.

وقال الأعلم: نصب ضرورة لئلا يختلط المد بالذم؛ لأنك إذا قلت: ما مثلك أحدًا، فنفيت الأحدية، احتمل أن يكون مدحًا وذمًا، فإذا نصبت مثلك، ورفعت أحدًا، كان الكلام مدحًا، فلذلك نصب مثلهم في البيت.
ورد هذا الوجه بأن ما قبله وما بعده يدل على أنه قصد المدح.
وذهب الكوفيون إلى أن "مثل" هنا ظرف بمنزلة "بدل"، وحكي القالي في أماليه: هو نحوك، بالنصب، أي: مثلك، ونصبه على الظرف.
وذهب بعض النحويين إلى أنها ظرف، وأصله صفة لظرف، التقدير: وإذ ما مكانًا مثل مكانهم، وحذف الموصوف، وحذف المضاف، وأقيمت الصفة والمضاف إليه مقامهما.
ورد بأن "مثل" ليس من الصفات المختصة، فيحذف معها الموصوف، ولا تقدم ما يدل عليه.
وقيل: "ما" لم تعمل شيئًا، و"مثلهم" في موضع رفع، وهو مبني لإضافته إلى مبني كيومئذ وحينئذ. وصححه ابن عصفور. وهذا لم يذكره س إلا في الإضافة للفعل أو "أنَّ" أو "أنْ".
والصحيح الذي عليه عامة النحويين أنه لا يجوز نصب خبر "ما" إذا توسط، بل يجب الرفع، فإن لم يطابق ما بعده كان مبتدأ، وكان ما بعده مرفوعًا به أغنى عن الخبر، وإن طابق فيجوز هذا الوجه، ويجوز أن يكون خبرًا مقدمًا.

فإن كان الخبر ظرفًا أو مجرورًا فقد ذكرنا الخلاف في جواز تقديمه على لغة الحجاز، فذهب الأخفش إلى أن ذلك لا يجوز، وأنك إذا قلت "ما في الدار زيد" لم تعمل "ما"، وكان "في الدار" في موضع رفع. وحمله على ذلك أن "ما" أضعف في العمل من "إن" لعدم اختصاصها، ولذلك لم يجمع العرب على إعمالها، ولا يعملها من أعملها في كل موضع بل بشروط، قال: فلما ضعفت عنها لم يجز فيها ما جاز في "إن".
قالوا: والصحيح أن ذلك جائز فيها بدليل/ قوله تعالى: {فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}، فـ"ما" حجازية، وقد فصل بمعمول الخبر - وهو منكم- بين "ما" واسمها، والفصل بين "إن" واسمها بالظرف والمجرور إذا كانا معمولين لخبرها أضعف من تقديم الظرف والمجرور إذا كان خبرًا، فإذا جاز في "ما" ما يضعف في باب "إن" فالأحرى أن يجوز فيها ما يقوى في باب "إن".
وقوله وموجبًا بإلا الذي عليه الاتفاق بين النحويين أنك إذا أدخلت "إلا" على الخبر ارتفع، وحكي المصنف جواز النصب عن يونس من غير تفصيل.
وقال صاحب "رؤوس المسائل": "إن أدخلت "إلا" على الخبر مؤخرًا، وكان اسمًا هو الأول في المعنى أو منزلًا منزلته لا وصفًا، لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان فيه الثاني منزلًا منزلة الأول. وإن كان الواقع بعد "إلا" صفة أجاز الفراء فيه النصب،

ومنعه البصريون" انتهى. فمثال أن يكون اسمها هو الأول قولك: ما زيد إلا أخوك، ومثال المنزل: ما زيد إلا زهير، ومثال الوصف: ما زيد إلا قائم.
وقال أبو جعفر الصفار: "لا اختلاف بين النحويين في قولك: "ما زيد إلا أخوك" أنه لا يجوز إلا الرفع، وهو عند البصريين على الابتداء والخبر، وعند الكوفيين أحدهما مرفوع بصاحبه".
فتقييد صاحب "رؤوس المسائل" وحكاية الإجماع من "الصفار" يدلان على مخالفة ما حكاه المصنف عن يونس من جواز النصب على الإطلاق من غير تفصيل.
وقال الصفار: "فإن قلت: ما أنت إلا لحيتك فالبصريون يرفعون، والمعنى عندهم: ما فيك إلا لحيتك، وكذا ما أنت إلا عيناك، وجاء بهذا الكوفيون بالنصب، ولا يجوز النصب عند البصريين في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فتضمر ناصبًا، نحو: ما أنت إلا لحيتك مرة وعينك أخرى، وما أنت إلا عمامتك تحسينًا ورداءك تزيينًا. ويقول البصريون أيضًا بالرفع في قولك: ما أنت غير قائم، وما أنت غير لحيتك. وأجاز الفراء النصب، وأجاز الفراء: ما أنت إلا راكبًا فأما ماشيًا فلست بشيء، قال: تضمر إنك جميل في حال ركوبك، وإنك شيء إذا ركبت، وإذا مشيت فلست بشيء. قال: وزعم الكسائي أنه سمع بعضهم يقول: إنما أنت راكبًا، يريد: إنما أنت إذا ركبت، وذا خطأ عند البصريين؛ لأن الحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام، وليس هذا موضع إضمار" انتهى.
فلو كان الخبر مصحوبًا بحرف التنفيس أو بـ"قد" أو بـ"لم" جاز دخول "إلا" عليه، فتقول: ما زيد إلا سوف يقوم، وما بشر إلا قد يقوم، وما بكر إلا لم يخرج/. ومنع من جواز ذلك الفراء، وزعم أن "إلا لا يكون بعدها شيئان.

قال الفراء: فإن قلت "ما زيد إلا عمرًا يضرب" فهذه فاسدة في التقدير لأن "إلا" لا يكون بعدها حرفان، ثم أجازها على قبح. وهذا كلام جيد على مذهب البصريين.
وقال صاحب "رؤوس المسائل": "إن قدمت مفعول الخبر الذي هو صفة مشتقة عليه بعد "إلا" لم يجز النصب عند البصريين" يعني مثل: ما زيد إلا عمرًا ضارب، لا يجوز النصب في ضارب. قال: "وأجازه الكسائي والفراء إلا أنهما اختلفا في التوجيه" انتهى. فوجهه الكسائي على أنه كأنه استثناء، وليس هذا موضع استثناء، ووجهه الفراء على أن المعنى: ما زيد إلا ضاربًا إلا عمرًا، وهذا بعيد لأن الأولى أن يكن ما بعد "إلا" داخلًا في الإيجاب.
قال الصفار: ولا يجيز الفراء: ما عبد الله إلا بالجارية كفيل، وما بالجارية إلا عبد الله كفيل؛ لئلا يصير بعد "إلا" حرفان، وكذا لا يجيز: ما كان إلا عبد الله قائمًا، ولا يكون، كذا حسبت وظننت، وذلك جائز عند البصريين والكسائي إلا أن الكسائي يجعل "إلا" بمعنى غير، يريد: ما كان غير عبد الله قائمًا، فيجعل "إلا" في موضع "غير" في الجحود، وفي كل موضع صلحت فيه "أحد".
وقوله وفاقًا لسيبويه في الأول يعني في نصب خبر "ما" متوسطًا، فتقول ما منطلقًا زيد.
وهذا الذي ذكره عن س من جواز إعمال "ما" ونصب ما توسط من الخبر ليس مذهب س، قال س: "وإذا قلت: ما منطلق عبد الله، وما مسيء من أعتب، رفعت، ولا يجوز أن يكون مقدمًا مثله مؤخرًا، كما أنه

لا يجوز أن تقول: إن أخوك عبد الله، على حد قولك: إن عبد الله أخوك؛ لأنها ليست بفعل". فهذا نص من س على منع النصب في الخبر متقدمًا، ولم يكفه حتى شبهه بشيء لا يجوز البتة، ولا خلاف فيه، وهو "إن أخوك عبد الله".
ثم قال س بعد ذلك: "وزعموا أن بعضهم قال، وهو الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر
وهذا لا يكاد يعرف". فهذا لم يسمعه س من العرب، وإنما قال: "وزعموا أن بعضهم قال". ثم قال: "وهذا لا يكاد يعرف"، نفى المقاربة، والمقصود نفي العرفات كقوله {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}، فإذا كان قوله هذا فكيف ينسب إليه أنه أجاز نصب الخبر مقدمًا، وقد نص النص الذي لا يحتمل التأويل أنه يرفعه، وأن مثل "وإذ ما مثلهم بشر" لا يكاد يعرف، فكيف يبنى على ما لا يكاد يعرف قانون، فيسوغ نصب الخبر تسويغًا جائزًا؟ هذا تحميل لكلامه ما لا يحتمله.
واستشهد الفارسي على نصب خبر "ما" مقدمًا/ بقول الشاعر:
أما والله عالم كل غيب ورب الحجر والبيت العتيق
لو أنك يا حسين خلقت حرًا وما بالحر أنت ولا الخليق
وقول نصيب:

والحلم رشد، ورأي الجهل مرجعه غي، وما بالسواء الغي والرشد
بناء على أن الباء لا تدخل على الخبر إلا وهو مستحق للنصب، ويأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله، ويتبين أنه لا حجة فيه للفارسي.
وقوله وليونس في الثاني قال المصنف في الشرح: "روي عن يونس من غير طريق س إعمال "ما" في الخبر الموجب بإلا" انتهى. وإلى جواز ذلك ذهب الأستاذ أبو علي في تنكيته على المفصل. واستدل له بقول المغلس:
وما حق الذي يعثو نهارًا ويسرق ليله إلا نكالا
وبقول الآخر:
وما الدهر إلا منجنونا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبا
وتأول ذلك على أن ينصب نكالًا ومعذبًا على المصدر، أي: إلا ينكل نكالًا، وإلا يعذب تعذيبًا، وصار نظير: وما زيد إلا سيرًا، أي: يسير سيرًا، كذلك يكون التقدير: إلا ينكل نكالًا، وإلا يعذب معذبًا، أي: تعذيبًا.
وأول "إلا منجنونا" على أن المعنى: إلا يدور دوران منجنون، أي: دولاب، فعلى هذا يكون منجنون اسمًا أضيف إليه مصدر تشبيهي حذف منه "مثل" الذي هو صفة لمصدر وضع موضع الفعل الواقع خبرًا، والتقدير: وما الدهر إلا يدور دورانًا مثل دوران منجنون.

وقيل: منجنون اسم وضع موضع مصدر وضع موضع الفعل الذي هو خبر "ما"، تقديره: وما الدهر إلا يجن جنونًا، ثم حذف "يجن"، فقيل: وما الدهر إلا جنونا، على حد: ما أنت إلا شربًا، ثم أوقع "منجنون" موقع "جنون".
وقيل: منجنون اسم في موضع الحال، وخبر "ما" محذوف، التقدير: وما الدهر موجودًا إلا على هذه الصفة، أي: مثل المنجنون، وهي السانية، يريد: لا يستقر على حالة.
وزعم طاهر بن بابشاذ أن منجنونًا منصوب على إسقاط حرف الجر، أصله: وما الدهر إلا كمنجنون.
وهذا فاسد لأن المجرور الذي يحذف منه حرف الجر فينتصب هو المجرور الذي هو من موضع نصب، وهذا هنا هو في موضع رفع، فلو حذف حرف الجر منه لارتفع على أنه الخبر.
وقوله والمعطوف/ على خبرها ببل ولكن موجب، فيتعين رفعه مثال: ما زيد قائمًا بل قاعد، وما زيد قائمًا لكن قاعد، وارتفاعه على انه خبر مبتدأ محذوف.
وقوله "والمعطوف على خبرها ببل ولكن" ليس بجيد لأنه لا يسمى ما بعدهما معطوفًا على خبر "ما"؛ إذ ليس بل ولكن والحالة هذه حرفي عطف، بل هما حرفا ابتداء لأنهما جاءت بعدهما الجملة؛ ألا ترى أن التقدير: بل هو قاعد، ولكن هو قاعد، هكذا نصوا على أنهما لا يعطفان إلا المفرد، وهذا على خلاف أيضًا في "لكن"، سنذكره في "باب العطف" إن شاء الله، وقد أشار المصنف إلى على امتناع النصب بقوله "موجب".

ومن النحويين من جعل "بل" بعد النفي على وجهين:
أحدهما: ما ذكرته من أن "بل" توجب لما بعدها ما نفى عما قبلها، فلا يكون ما بعدها منصوبًا.
الثاني: أن تكون "بل" بعد النفي على حالها بعد الواجب لزوال الغلط، فهذه ينتصب الخبر بعدها لأن التقدير: بل ما هو قاعدًا.
وقال بعض شيوخنا: "الذي يظهر أنك متى أردت هذا المعنى جئت بالثاني بدلًا" انتهى. يعني أن ذكر الخبر أولًا كان على جهة الغلط، فأتيت بالثاني لتستدرك الغلط أن قصدك أولًا إنما كان للاسم الثاني، فيصير نظير: مررت برجل بل امرأة، قصدت أن تقول: مررت بامرأة، فسبق لسانك غلطًا إلى قولك، رجل، فأضربت عن ذلك، وقلت: بل امرأة.
ورفع الاسم بعد "بل" في قولهم "ما زيد قائمًا بل قاعد" أورده س سماعًا عن العرب، وعلل رفعه بنقض النفي. وقال الفارسي: "قياس لكن أن تكون مثل بل" انتهى. وقد جاء ذلك نصًا في "ليس"، قال:
ولست الشاعر السفساف فيهم ولكن مدره الحرب العوان
وقياس "ما" على "ليس" يقتضي جواز: ما زيد قائمًا لكن قاعد. وقال

المصنف في الشرح: "قياس مذهب يونس أن لا يمتنع نصب المعطوف ببل ولكن" انتهى. ومفهوم كلام المصنف أنك إذا عطفت بغير "بل" و"لكن" لا يلزم الرفع في المعطوف بعد منصوب، بل يجوز فيه الرفع وغيره، وهذا على قسمين: منه ما يجوز فيه النصب، ويكون أولى لكونه من عطف المفردات، ويجوز فيه الرفع على ضعف لكونه يصير من عطف الجمل، نحو: ما زيد قائمًا ولا قاعدًا، والرفع على إضمار هو.
وقد منع قوم النصب في" ليس"، فلم يجيزوا: ليس زيد قائمًا ولا قاعدًا، بالنصب، وقالوا: يجب الرفع على إضمار "هو"، أي: ولا هو قاعد. وعللوا ذلك بأنه لا يجوز: ولا ليس قاعدًا./ وإذا منعوا ذلك في ليس فلأن يمنعوه في "ما" أحرى وأولى. وحكي س الخفض على توهم الباء. وسيأتي حكمه.

-[ص: وتلحق بـ"ما" "إن" النافية قليلًا، و"لا" كثيرًا، ورفعها معرفة نادر، وتكسع بالتاء، فتختص بالحين أو مرادفه، مقتصرًا على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة، وقد يضاف إليها "حين" لفظًا أو تقديرًا، وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء. وتهمل "لات" على الأصح إن وليها "هنا".
ورفع ما بعد "إلا" في نحو "ليس الطيب إلا المسك" لغة تميم، ولا ضمير في "ليس" خلافًا لأبي علي. ولا تلزم حالية المنفي بـ"ليس" و"ما" على الأصح.]-
ش: "إن" النافية حرف لا يختص، فهو يلي الجملة الفعلية، نحو

قوله تعالى: {ولَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ}، والجملة الاسمية نحو قوله تعالى: {إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا}، وما كان هكذا فقياسه أن لا يعمل.
واختلفوا في جواز إعماله إعمال "ما"، فيرفع به المبتدأ، وينصب خبره، فذهب إلى إجازة ذلك الكسائي وأكثر الكوفيين وابن السراج والفارسي وأبو الفتح، ومنع من إعماله الفراء وأكثر البصريين، واختلف على س والمبرد: فنقل السهيلي أن س أجاز إعمالها، وأن المبرد منع من ذلك، ونقل أبو جعفر النحاس عكس ذلك، قال: "س والفراء يرفعان، والكسائي ينصب، وهو مذهب أبي العباس" انتهى. وأكثر أصحابنا يذهب إلى أن "إن" لا تعمل".
قال ابن عصفور: "ويعطيه كلام س لأنه لم يذكرها في نواسخ الابتداء والخبر" انتهى كلامه.
والصحيح الإعمال، والدليل على ذلك القياس والسماع:
أما القياس فإنها شاركت "ما" في النفي، وفي دخولها على المعرفة والنكرة، وفي نفي الحال.

وأما السماع فقول العرب في نثرها وسعة كلامها: "إن ذلك نافعك ولا ضارك"، و"إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية"، بنصب نافعك وضارك وخيرًا، حكي ذلك الكسائي عن أهل العالية، وأنه سمعهم يقولون ذلك، وسمع أعرابيًا يقول: "إن قائمًا"، فأنكرها عليه، وظن الكسائي أنها "إن" المشددة وقعت على "قائم"، قال: فاستثبته، فإذا هو يريد: إن أنا قائمًا، فترك الهمز، ثم أدخل النون في النون، كما قال جل وعز {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي}، وقرأ سعيد بن جبير {إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}. وخرجه أبو الفتح على أنها "إن" النافية، وقال: "معناه: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، يعني في الإنسانية، وإنما هي حجارة ونحوها مما لا حياة له ولا عقل، فضلالكم بعبادتهم أشد من ضلالكم لو عبدتم أمثالكم".
/ولا يتعين هذا التخريج، بل تحتمل هذه القراءة الشاذة أن تكون "إن" هي المخففة من الثقيلة، ويكون قد أعملها، ونصب الخبر بها على حد ما جاء ذلك في "إن" المشددة في قول عمر بن أبي ربيعة:
إذا اسود جنح الليل فلتأت، ولتكن خطاك حثاثًا، إن حراسنا أسدا
وهذا التخريج أحسن، بل يتعين لتوافق القراءتين، وأما تخريج أبي الفتح ففيه تنافي القراءتين، ولا يناسب هذا التنافي في القرآن، بل يستحيل

ذلك إذ قراءة التشديد تقتضي أن يكونوا عبادًا أمثالهم، وقراءة التخفيف على تخريج أبي الفتح تقتضي أن لا يكونوا عبادًا أمثالهم، وهو محال في كلام الله تعالى.
وقال الشاعر في إعمال "إن":
إن هو مستوليًا على أحد إلا على أضعف المجانين
وقال آخر:
إن المرء ميتًا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه، فيخذلا
وبهذا السماع يتبين بطلان قول من ذهب إلى أنه لم يأت منه إلا قوله" إن هو مستوليًا على أحد"، وتخصيصه إياه بالضرورة، وأنه إذا دخلت على الاسم فلابد أن تكون بعدها إلا، نحو {إنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ}، وإذا كان ذلك لغة لبعض العرب فلا يصح قول المصنف "إنه تلحق بما قليلًا". والحامل على هذا كله هو عدم الاستقراء والاطلاع على كلام العرب.
وقال المصنف في الشرح: "أكثر النحويين يزعمون أن مذهب س في "إن" النافية الإهمال، وكلامه مشعر بأن مذهبه فيها الإعمال، وذلك أنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "فأما إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما مع إن الثقيلة، تجعلها من حروف الابتداء، وتمنعها أن تكون حروف ليس". فعلم بهذه العبارة أن في الكلام حروفًا مناسبة

لليس من جملتها ما، ولا شيء من الحروف يصلح لمشاركة ما في هذه المناسبة إلا إن ولا، فتعين كونهما مقصودين" انتهى.
ولا تؤخذ القواعد الكلية من مثل قوله "وتمنعها أن تكون من حروف ليس"، فيقضى على أن إن تعمل عمل ما؛ إذ المتبادر إليه الذهن أن قوله "تمنعها أن تكون من حروف ليس" أي: تمنعها من أن ترفع الاسم وتنصب الخبر كخروف ليس، أي: أخوات ليس التي هي كان وأخواتها، فعني بجروف ليس "كان" وأخواته، وإطلاق الحروف على الأفعال وعلى الأسماء إطلاق سائغ عند النحويين، وذلك بمعنى الكلمات لا حقيقة الحرف الذي هو قسيم الاسم والفعل، ومع هذا الاحتمال فليس في كلام س إشعار بأن "إن" تعمل.
وقال المصنف في الشرح: "مقتضى النظر أن يكون/ إلحاق "إن" النافية بـ"ليس" راجحًا على إلحاق "لا" لمشابهتها لها في الدخول على المعرفة، وعلى الظرف والجار والمجرور، وعلى المخبر عنه بمحصور، فيقال: إن زيد فيها، وإن زيد إلا فيها، و {إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ}، و {إنْ أَنتَ إلاَّ نَذِيرٌ} كما يقال بـ"ما"، ولو استعملت "لا" هذا الاستعمال لم يجز" انتهى.
وقال س: "وتكون إن كـ"ما" في معنى ليس". قال الأستاذ أبو بكر بن طاهر: "هذا نص على أن "إن" كـ"ما" تعمل عمل ليس كقوله:
إن هو مستوليًا على أحد ... ..................

وقال الأستاذ أبو علي: هذا الكلام ليس بنص على ذلك؛ لأنه يحتمل أن يريد أن "إن" تكون ك"ما" في النفي، فيكون قد عبر بقوله "في معنى ليس" عن النفي، وهذا أولى أن يحمل عليه كلامه لأن العمل في "إن" شاذ.
وقوله و"لا" كثيراً يعني أن عمل "إن" قليل، وعمل "لا" كثير، والعكس هو الصواب لأن "إن" قد عملت نثراً ونظماً، و"لا" إعمالها قليل جداً، حتى إن أبا الحسن زعم أنها يرفع ما بعدها بالابتداء، ومنع النصب، وتبعه أبو العباس، فهي عندهم لا تعمل عمل "ليس"، و:
.................. ... ..................... لا براح
و:
............... لا مستصرخ
مبتدأ، والخبر مضمر، ولم يشترطوا تكريراً، ولم يجمعوا قول س "وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك" في قول من جعلها كليس إلا قياساً منه، فلذلك صاغ الخلاف، وظاهر كلامه أنه مسموع، وحتى إن بعض النحويين زعم أن "لا" أجريت مجرى "ليس" في رفع الاسم خاصة لا في

نصب الخبر، وهو مذهب الزجاج، ذهب إلى أنها ترفع الاسم، ولا تعمل في الخبر شيئاً، وهي مع الاسم الذي عملت فيه الرفع في موضع رفع بالابتداء، حكي ذلك عنه ابن ولآد. وهذا فاسد إذ لا عامل له، وقد نصب.
وزعم بعضهم أنه لم يسمع النصب في خبر "لا" ملفوظاً به. وليس كذلك، بل سمع إعمالها عمل "ليس" ونصب الخبر، لكنه في غاية الشذوذ والقلة، قال:
تعز، فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا
وقال آخر:
نضرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصناً بالكماة حصنا
وأورد المصنف في الشرح دليلاً على إعمالها إعمال "ليس" قول الشاعر، وهو سواد بن قارب:
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
وقول الآخر:
فرطن، فلا رد لما بت، وانقضى ... ولكن بغوض أن يقال: عديم

وقول الآخر:
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
قال: "فحذف الخبر ومثله قول الآخر:
والله لولا أن تحش الطبخ ... بي الجحيم حين لا مستصرخ"
قال: "فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال "لا" في نكرة عمل ليس" انتهى.
ولا حجة في هذه الأبيات الثلاثة إذ يحتمل أن تكون: ذو شفاعة، وبراح، ومستصرخ مبتدآت إذ ليس فيها خبر يظهر نصبه؛ إذ قوله "بمغن" مشغول بحرف الجر، فيحتمل أن يكون في موضع رفع، و"براح" و"مستصرخ" لم يذكر لهما خبر البتة، فيحتمل أن يكون المحذوف مرفوعاً، فلم يبق ما يدل على أنها تعمل عمل "ليس" إلا البيتان السابقان، وهما من القلة بحيث لا تبنى عليه القواعد.
لا يقال: الذي يدل على أن "لا" في الأبيات السابقة عملت عمل "ليس" كونها لم تتكرر؛ لأنها إذا كان بعدها المبتدأ تكررت، وإذا عملت عمل "ليس" لم يلزم تكرارها؛ لأن تكرارها على مذهب أبي العباس لا يلزم، وقد جاءت غير مكررة وبعدها المبتدأ في قوله:
بكت جزعاً، واسترجعت، ثم آذنت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها

وعلى هذا حمل أبو العباس الشواهد المتقدمة.
ولو ذهب ذاهب إلى أنه لا يجوز أن تعمل "لا" هذا العمل لذهب مذهباً حسناً؛ إذ لا يحفظ ذلك في نثر أصلاً، ولا في نظم إلا في ذلك البيتين النادرين، ولا ينبغي أن تبنى القواعد على ذلك، وليس في كتاب س ما يدل على أن إعمالها عمل "ليس" مسموع من العرب لا قتيلاً ولا كثيراً، فيكون مقياس مطرداً، بل قال س: "وزعموا أن بعضهم قرأ (ولات حين مناص)، وهي قليلة، كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك:
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
فجعلها بمنزلة ليس" انتهى كلام س.
فظاهر كلام س أن جعلها بمنزلة "ليس" في هذا البيت تأويل من ذلك البعض الذي قال عنه س "كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك"، ولو كان التأويل ل"س" لم يكن مثل هذا البيت تبنى عليه قاعدة؛ ألا ترى أن س شبه رفع الحين بعد "لات" برفع براح بعد "لا"، ولا ترفع "لات" غير الحين، فكذلك لا ترفع "لا" غير "براح"، وأما ما تقدم من كلامه السابق فتقدم قول الأخفش / والمبرد فيه.
ومن وقفنا على كلامه ممن ذكر أن "لا" تعمل عمل "ليس" لم ينص على أن ذلك بالنسبة إلى لغة مخصوصة، إلا ما في كتاب "المغرب" لأبي الفتح ناصر بن أبي المكارم ألمطرزي الخوارزمي، فإنه ذكر فيه ما نصه: "ما ولا

بمعنى ليس ترفعان الاسم، وتنصبان الخبر، نحو: ما زيد منطلقاً، ولا رجل أفضل منك، وعند بني تميم لا تعملان". فظاهر هذا أن غير تميم يعملونها.
وفي البسيط: "وأما بنو تميم فالقياس عندهم عدم الحمل على ليس، وكذلك في الثاني" يعني في نحو: لا رجل قائم. قال: "لأنهم إذا امتنعوا من الحمل الموافق فالمخالف أولى، وهو ظاهر كلام الزمخشري؛ لأنه قال: "هي في قول أهل الحجاز: لا رجل أفضل منك، وأما قول حاتم:
.................... ... ولا كريم من الولدان مصبوح
فيحتمل أن يترك طائيته إلى الحجازية، ويحتمل أن لا يكون خبراً، لكنه صفة على موضع لا وما بعدها" انتهى. ويحتمل أن يقال: وافق بنو تميم أهل الحجاز على هذا النحو من العمل، لكن القياس يقتضي أن يكون الحمل فيها على إن وأخواتها، شبهوها بنقيضها" انتهى.
وأكثر من أجاز إعمالها إعمال "ليس" اشتراط أن تعمل في النكرات، نحو: لا رجل قائماً، ولم يجيزوا: لا زيد أخاك، وأن لا يتقدم خبرها على اسمها، وأن لا ينتقض النفي، فلو قلت: لا قائم رجل، ولا رجل إلا أفضل منك، وجب الرفع. ونصوا أيضاً على أنه لا يجوز الفصل بين "لا"وما عملت فيه.
وقال في البسيط: "وهل يكون الفصل مبطلاً للعمل؟ والظاهر أنه يبطل لأن "لا" أضعف من "ما" وفيهما الخلاف، ولأنهم يرجعون إلى

التكرار في "لا رجل"، فهذا أولى" انتهى. يعني أنه إذا كان الفصل بين "لا" العاملة عمل "إن" ومعمولها مع كثرة ذلك مانعاً من إعمالها، فلأن يكون مانعاً من عمل "لا" العاملة عمل "ليس" مع قلة عملها أولى وأحرى، فيبطل إذ ذاك العمل، ويلزم التكرار.
وقوله ورفعها معرفة نادر قال المصنف في الشرح: "وشذ إعمالها في معرفة في قول النابغة الجعدي:
بدت فعل ذي رحب، فلما تبعتها ... تولت، وردت حاجتي في فاديا
وحلت سواد القلب، لا أنا باغياً ... سواها، ولا في حبها متراخيا
وقد حذا المتنبئ حذو النابغ، فقال:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً، ولا المال باقيا
والقياس على هذا سائغ عندي، وقد أجاز ابن جني إعمال "لا" في المعرفة، ذكر ذلك / في كتاب التمام " انتهى.
وقد تأولوا بيت النابغة على أن الأصل: ولا أرى باغياً، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ف"أنا" مفعول لم يسم فاعله، و"باغياً" حال.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن "لا" عملت في معرفة ذكره

هبة الله بن الشجري، وأنشد بيت النابغة.
ومثال بيت المتنبي قول الشاعر:
أنكرتها بعد أعوام مضين لها ... لا الدار داراً، ولا الجيران جيران
وقوله وتكسع بالتاء، فتختص بالحين أو مرادفه مقتصراً على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة الكسع هو ضرب الرجل مؤخر الرجل بظهر قدمه، قال الفرزدق:
كسعة ابن المراغة حين ولى ... إلى شر القبائل والديار
وفي الأفعال لابن القطاع: "كسع القوم كسعاً: ضرب أدبارهم بالسيف، والإنسان: ضربت دبره بظهر قدمك، والرجل: تكلمت بأثر كلامه بما ساءه، والناقة: أبقيت في ضرعها لبناً يستدعي غيره، وأيضاً نضج على ظهرها الماء البارد، وضربه بظاهر كفه ليرتفع لبنها، وكسع الطائر كسعاً: ابيض ذنبه والفرس: ابيضت أطراف ثنته "
واختلف النحويون في لات:
فذهب س إلى أنها مركبة من "لا" والتاء، وعلى هذا لو سميت بها حكيته كما تحكي لو سميت بـ"إنما".

وذهب الأخفش والجمهور إلى أنها "لا" زيدت عليها التاء كما زيدت على "ثم"، فقيل: ثمت.
وذهب الأستاذ أبو الحسين بن الطراوة وغيره إلى أنها ليست للتأنيث، وإنما هي زائدة على الحين، واستدل على ذلك بقول الشاعر:
العاطفون تحين ما من عاطف ... ....................
أي: حين ما من عاطف. وقد سبقه إلى ذلك أبو عبيد، وسيأتي الكلام في هذا البيت
وذهب الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع إلى أن الأصل في "لات" "ليس"، قال: ويظهر لي أن الأصل في "لات" "ليس"، فأبدل من السين التاء، كما فعل ذلك في ست، ثم قبلت الياء ألفاً لأنه كان الأصل في ليس لاس لأنها فعل، وكأنهم كرهوا أن يقولوا ليت، فيصير لفظها لفظ التمني، ولم يفعل هذا إلا مع الحين، كما أن "لدن" لم تشبه نونها بالتنوين إلا مع غدوة، ويجب على هذا أن يوقف عليها بالتاء، وكذا وقف جميع القراء إلا

الكسائي، فروي عنه الوجهان، فمن وقف بالهاء فهي "لا" التي للنفي لحقتها تاء التأنيث، نحو ثمت، وجاء الحين بعدها مرفوعاً، حكاه س، فهو اسمها، والخبر محذوف" انتهى.
وفي البسيط: ويحتمل أن تكون التاء بدلاً من سين ليس كما في ست/، وانقلبت الياء ألفاً على القياس فتكون "ليس" نفسها ضعفت بالتغيير، فعملت في لغة أهل الحجاز عملها في موضعها، وهو الحال.
واختلفوا هل لها عمل أم لا؟ والذين قالوا إنها تعمل اختلفوا: فذهب س والجمهور إلى أنها تعمل عمل "ليس"، قال س وقد تكلم في عمل "ما" عمل "ليس" ما نصه: "كما شبهوا بليس لات في بعض المواضع، وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين، تضمر فيها مرفوعاً، وتنصب الحين لأنه مفعول به، ولم تمكن تمكنها، ولم تستعمل إلا مضمراً فيها". فقول س "كما شبهوا بليس لات في بعض المواضع" ظاهر في أنها لا يلزمها الإعمال دائماً، بل إعمالها إنما جاء في بعض المواضع، وكأنه يشير إلى أنها جاء بعدها غير ما ذكر. وقوله "وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين" نص على أنها لا تعمل عمل "ليس" في غير الحين، وظاهر في اختصاصها بلفظه.
وفي البسيط: "اختصت بأن جعلت عاملة في الظرف المخبر به عن الظرف، وخصصوا من أنواع الظروف الحين كما تقول: اليوم يوم السبت، وكذلك في الحين، ورب شيء يختص في العمل بنوع ما لا لسبب، كما أعملوا لدن مع غدوة ليس إلا، والتاء في القسم، ثم التزموا في إعمالها

حذف الاسم، شبهوها بليس ولا يكون في الاستثناء، فإنه لابد هنا من اسم لازم التقدير، قال تعالى {فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ}، معناه: فنادوا ولات حين تناديهم حين مناص لهم، أي: خلاص، لكنه في "لات" محذوف لا يصح إضماره لكونه حرفاً. وقيل: قد ورد شاذاً إظهار المرفوع، وقد قرئ (ولات حين مناص) وحذف الخبر" انتهى.
وقول س "تضمر فيها مرفوعاً" لا يريد الإضمار حقيقة لأن الحرف لا يضمر فيه، وإنما يريد: يحذف المرفوع معها، وسماء إضماراً بجامع ما اشتركا فيه من أن كل واحد منهما لا يكون ملفوظاً به، ويبين أن مراده بالإضمار الحذف قوله بعد ذلك: "وليست لات كليس في المخاطبة والإخبار عن غائب، تقول: لست وليسوا، وعبد الله ليس ذاهباً، فتبني على المبتدأ، وتضمر فيه، ولا يكون هذا في لات، لا تقول: عبد الله لات منطلقاً، ولا: قومك لأتوا منطلقين". فهذا كله نص على أنه يريد بالإضمار الحذف.
وقوله "وتنصب الحين لأنه مفعول به" أي: مشبه بما شبه بالمفعول به؛ لأن لات شبهت بليس، وليس شبهت بضرب، ومنصوب ضرب هو المفعول به حقيقة.
والذين ذهبوا إلى أنها تعمل عمل "ليس" اختلفوا: فمنهم من قصر إعمالها على لفظ الحين خاصة، وهو ظاهر كلام س ومذهب الفراء.

ومنهم من أجاز ذلك في الحين/ وما رادفه وسواء أكان معرفة أم نكرة, وهو اختيار ابن عصفور , قال:" ومن إعماله فيه معرفة قول الأعشى:
لات هنا ذكرى جبيرة أو من جاء منها بطائف الأهوال
فـ "هنا" اسم زمان مرفوع بـ"لات" وذكرى جبيرة: في موضع نصب على أنه خبر "لات" والتقدير: لات هنا حين ذكرى جبيرة أي: لات هذا الحين حين ذكرى جبيرة" انتهى.
وقال ابن الأعرابي: لات أني أنسى ذكرها. وقال الأصمعي: ليس ذكرى جبيرة. وجعل الفارسي من إعمالها فيما رادف الحين قول الشاعر:
حنت نوار, ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت
أي: ليس هذا أوان حنين. وقال الأصمعي في لات هنا: تأويله ليس الأمر حيث ذهبت أي: ليس حين ذلك, وهو في قوله , أنشده الأصمعي:
أفي أثر الإظعان قلبك يلمح ... نعم, لات هنا إن قلبك متيح

أي: يذهب ويجيء في ضيقه, والمتيح والتيجان: الذي يتعرض في كل شيء.
ومثال عملها في الحين مقتصراً على منصوبها قوله تعالى: {فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} وقول الشاعر:
غافلا تعرض المنية للمرء, فيدعى ولات حين إباء
ومثال عملها فر مرادف الحين مقتصراً على منصوبها قوله:
ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
ومثال عملها في الحين مقتصراً على مرفوعها قراءة من قرأ " ولات حين مناص" بالرفع. فأما ورد من رفع غير الحين بعدها فشاذ نحو قوله:
................. ... يبغي جوارك حين لات مجبر
وتؤول على حذف كأنه قال: حين لات حين مجير فهو على الرفع, فحذف وأقام المضاف إليه مقامه.
ولا يحفظ من كلام العرب مجيء الاسم بعدها مرفوعاً والخبر منصوباً مثبتين معاً, بل إن ذكر المنصوب لم يذكر المرفوع وإن ذكر المرفوع لم يذكر المنصوب.

وذهب الأخفش في قوله {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} إلى أنها لا تعمل عمل ليس بل جعل {حِينَ} اسم {لاتَ} وهي للنفي العام نحو, لا غلام سفر, والخبر محذوف تقديره. ولات حين مناص لهم. وجوز أيضا فيه وجهاً آخران وهو أن يكون {حِينَ مَنَاصٍ} خبر مبتدأ محذوف أي: ولات الحين حين مناص ووجها /آخر وهو أن يكون مفعولاً بفعل محذوف أي: ولات أرى حين مناص. وهذا كله محتمل.
ونقل ابن عصفور أن مذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئاً بل الاسم الذب بعدها إن كان مرفوعاً مبتدأ , وخبره محذوف, أو خبر ابتدأ مضمر. وإن كان منصوباً فنصبه بإضمار فعل. انتهى.
وما ذهب إليه الأخفش من النصب على إضمار الفعل ليس بشيء لأن "لات" لا يحفظ في الفعل بها في موضع من المواضع, وإنما نقول إن الحين إذا كان منصوباً كان في موضع خبر مبتدأ محذوف, إذ الأولى عندي أن لات لا تعمل شيئاً, وإن كان معناها معنى "لا", لأنها كما ذكرنا لا يحفظ الإتيان بعدها باسم وخبر مثبتين.
ونحن نقول في قراءة {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} على قول من ادعى أن اسمها لم يلفظ به, وإن {وحِينَ مَنَاصٍ} انتصب خبراً: لا يخلو هذا

الاسم المُدَّعى أنه مرفوع بها ولم يلفظ به من أمرين: إما أن يكون مضمراً, أو يكون محذوفاً لا جائز أن يكون مضمراً في "لات" لأن الحروف لا يضمر فيها, ولا جائز محذوفاً لأنها عندهم أجريت مجرى "ليس"
في العمل و"ليس" هي الأصل, واسم "ليس" لا يجوز حذفه, فكذلك اسم "لات" لا يجوز حذفه إذ لو جاز حذف اسم "لات" لكانوا قد تصرفوا في الفرع ما لم يتصرفوا في الأصل, و"لات" على زعم من أعملها مقصورة في إعمالها على الحين, بخلاف "ليس" فإنها تعمل في المعارف والنكرات. وإنما لم يجز حذف اسم"ليس" لأنها مشبهة في عملها بالفعل المتعدى إلى واحد في رفع أحد الاسمين ونصب الآخر, كما أن الفعل المتعدي كذلك, فمرفوعها مشبه بالفاعل, ومنصوبها مشبه بالمفعول , فكما أن الفاعل لا يحذف وحده, فكذلك اسمها لا يحذف. وهذا الذي اخترناه من أن "لات" لا تعمل شيئاً هو مروي عن الأخفش,
ونقل صاحب البسيط عن السيرافي أنه قال في {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ}: هو على الفعل, أي: ولات أراه حين مناص, ونحوه. ورد لأنه يخرج عن الاختصاص بالحين المتفق عليه, ولأن حذف الفعل ومفعوله من غير دلالة عليه لا يكون. انتهى.
وزعم الفراء أن"لات" قد يخفض بها أسماء الزمان وأنشد قول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
وقول الآخر:

فلتعرفن شمائلاً محمودة ... ولتندمن ولات ساعة مندم
ولا يعرف ذلك البصريون.
وقد قرئ {وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} بالخفض ووجه على وجهين:
أحدهما: أن "لات" بمعنى "غير" وصف لمحذوف كأنه قيل: فنادوا حيناً غير حين مناص.
ورد هذا التأويل بلزوم زيادة الواو, فلا فائدة لهل حينئذ وبأنه لو كانت بمعنى "لا" صفة لزم تكرارها, نحو: مررت رجل لا قائم ولا قاعد.
الثاني: أن الكسرة كسرة بناء مقطوعة عن مضاف, وما بعد"لات" يقطع عن الإضافة فيبنى والتقدير: ولات حين مناصهم, والإضافة إلى المناص كأنها إضافة إلى الحين لأنه معه كشيء واحد, فكأنه قال: ولات حينهم, ثم حذف الضمير من "مناص" فكأنه حذفه من الحين, فتضمنه الحين. وهذا بعيد جداً وقد علل به الزمخشري.
وتأولوا ما ورد من ذلك في الشعر. وتأولوا "ولات أوان" على أن الأصل فيه: ولات أوان صلح, فقطع أواناً عن الإضافة ونواها وبني أواناً على الكسر بفعال, وهذا تأويل أبي العباس, والتنوين عنده ليس للتمكين بل هو في أوان كهو في "إذا" لأن أواناً يضاف إلى الجمل, نحو قولك: جئت أوان زيد قائم , وأوان قام زيد فحذف المضاف وعوض منه التنوين والنون ساكنة كسكون ذال"إذ" وكسرت لالتقائها مع التنوين.

قال صاحب البسيط:" وقول أبي العباس هنا غير مرضي لأن أواناً قد يضاف إلى الآحاد نحو قوله:
هذا أوان الشد, فاشتدي زيم
وقوله:
وهذا أوان العرض حتى ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
وأما الجماعة ف"أوان" عندهم مجرور ب"لات" وذلك لغة شاذة" انتهى.
وقوله وقد يضاف إليها "حين" لفظاً قال:
لعل حلومكم تأوي إليكم ... إذا شمرت, واضطرمت شذاتي
وذلك حين لات أوان حلم ... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي
وقوله أو تقديراً مثاله قول الآخر:
تذكر حب ليلى لات حينا وأمسى الشيب قد قطع القرينا
التقدير: حين لات حين تذكر. ولا تضطر إلى هذا التقدير كما

زعم المصنف, إذ يصح المعنى بقوله: تذكر حب ليلى لا ت حين تذكر, أي: ليس الحين حين تذكر.
وقوله وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء أشار المصنف إلى قوله:
العاطفون ت حين ما من عاطف والمنعمون يداً إذا ما أنعموا
قال المصنف:"أراد: هم العاطفون حين لات حين ما من عاطف, فحذف حين مع لا. وهذا أولى من قول من قال: إنه أراد العاطفونه بهاء السكت ثم أثبتها/ وأبدلها تاء" انتهى.
وتخريج المصنف هذا البيت على ذكر لا يتعقل لأنه يكون المعنى: هم العاطفون وقت ليس الحين حين ليس ثم عاطف.
وأحسن من التخريج الثاني زعم من زعم أن التاء زيدت على "حين" في هذا البيت, والمعنى على أن هؤلاء العاطفون وقت انتفاء العاطف, وهذا هو المعنى الذي يمدح به. وإذا احتمل هذا البيت هذا التخريج والتخريج الذي قبله, ولم يتعقل تخريج المصنف له, فكيف يستنبط منه حكم أنه ربما استغني مع التقدير عن "لا" بالتاء؟ وذلك شيء لا يتعقل.
وقوله وتهمل"لات" على الأصح إن وليها هنا تقدم إنشادنا:
حنت نوار, ولات هنا حنت ..............

قال المصنف:" لا عمل للات في هذا وأشباهه, ولكنها مهملة و"هنا" في موضع نصب على الظرفية والفعل بعدها صلة لأن محذوفة, وأن وصلتها في موضع رفع بالابتداء, والخبر هنا كأنه قال: ولات هنا لك حنين, هكذا قال أبو علي" انتهى.
وقد ذكرنا قبل عن أبي علي أن "لات" عاملة في "هنا" فيمكن أن يكون لأبي علي القولان.
وكونها عاملة في "هنا" هو قول الأستاذ أبي علي وتلميذه الأستاذ أبي الحسن بن عصفور. ورد عليهما المصنف بكون "هنا" ظرفاً غير متصرف فلا يخلو من معنى "في" إلا بأن تدخل عليه "من" أو" إلى" وهو رد صحيح.
ومن مع إعمالها في قوله:
لات هنا ذكرى خبيرة ............. ..............
تأوله على أن ذكرى مبتدأ وهنا ظرف في موضع الخبر, وهي ظرف مكان مثل"هنا" يستعمل زماناً ومكاناً والجملة في المبتدأ والخبر منفية بلا, وقد جاءت "لات" غير مضاف إليها "حين" ولا مذكور بعدها "حين", ولا ما رادفه في قول الأفوه الأودي:

ترك الناس لنا أكنافهم ... وتولوا لات لم يغن الفرار
وهذا يدل على أن"لات" لا تعمل وإنما هي في هذا البيت حرف نفي مؤكد بحرف النفي الذي هو قوله"لم يغن الفرار" ولو كانت عاملة لم يجز حذف الجزأين بعدها, ألا ترى أنه لا يجوز حذفهما بعد"لا" ولا "ما" العاملتين عمل ليس.
والعطف على خبر لات عند من أجاز إعمالها إعمال "ما" الحجازية كالعطف على خبر "ما" منصوباً نحو: لات حين جزع وحين طيش, ويجوز: ولا حين طيش, كما تقول: ما زيد شريفاً وكريماً ويجوز: ولا كريماً فإن كان الحرف يقتضي الإيجاب رفعت ما بعده على خبر ابتداء مضمر, نحو: لات حين قلق بل حين صبر, أو: لكن حين صبر, التقدير: بل الحين حين صبر.
وقوله ورفع ما بعد"إلا" في نحو" ليس الطيب إلا المسك" لغة تميم هذه المسألة هي من باب "كان" وكان ذك رها في باب "كان" أليق/ من ذكرها في باب "ما" إلا أن المحسن لذكرها هنا هو أن مذهب الحجاز إعمال "ما" إعمال ليس بالشروط السابقة , ومذهب تميم الإهمال فكما أن أهل الحجاز أعملوا"ما" إعمال"ليس" إذا لم ينتقض النفي, فكذلك تميم أهملت"ليس" إذا انتقض النفي حملاً على "ما".
وقول العرب "ليس الطيب إلا المسك" حكاه س عنهم ولا يكون ذلك إلا على اعتقاد حرفيتها وقد جوز ذلك س في قولهم: ليس

خلق الله أشعر منه, وجوز فيها هنا أن يكون فيها ضمير الأمر, أي: ليس الأمر خلق الله أشعر منه. وقد ذكرنا عن أبي علي قولين في ليس: أحدهما أنها فعل كقول الجماعة. والآخر أنها حرف وذكرنا عن ابن شقير أنها حرف قولا واحداً.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن ذلك لغة تميم صحيح, ذكر ذلك ونقله عنهم أبو عمرو بن العلاء وذكر أن لغة الحجاز النصب, وهذه المسألة جرت بين أبي عمر عيسى بن عمر الثقفي وأبي عمرو بن العلاء , كان عيسى ينكر الرفع, وأبو عمرو يجيزه فاجتمعا, فقال له عيسى في ذلك, فقال له أبو عمرو: نمت يا أبا عمر, وأدلج الناس, ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب ولا تميمي إلا وهو يرفع. ثم وجه أبو عمرو خلفاً الأحمر وأبا محمد اليزيدي إلى بعض الحجازيين وجهدا أن يلقناه الرفع, فلم يفعل وإلى بعض التميميين , وجهدا أن يلقناه النصب فلم يفعل ثم رجعا وأخبرا بذلك عيسى وأبا عمرو فأخرج عيسى خاتمه من أصبعه ورمى به إلى أبي عمرو, قال: هو لك , بهذا فقت الناس.
وقوله ولا ضمير في "ليس" خلافاً لأبي علي إذا ثبت أن ذلك لغة فلا يمكن التأويل لأن التأويل لا يكون إلا إذا كانت الجادة على شيء ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول أما إذا كانت لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها فلا تأول.

وأما أبو علي فتأول قولهم" ليس الطيب إلا المسك" وذلك أنه لم يبلغه- والله أعلم- نقل أبي عمرو ذلك أنها لغة تميم, وزعم أنه يحتمل وجوهاً:
أحدها أن يكون في "لبس" ضمير الأمر والشأن والطيب مبتدأ والمسك خبره, وقال مثله السيرافي.
فألزم أبو علي أنه لو كان كذلك للزم دخول إلا على الجملة من المبتدأ والخبر التي هي خبر لضمير الأمر لا على جزئها الثاني, فكان يكون التركيب, ليس إلا الطيب المسك, كما تقول: ليس كلامي إلا زيد منطلق, كما قال الشاعر:
ألا ليس إلا ما قضى الله كائن وما يستطيع المرء نفعاً ولا ضراً
فأجاب أبو علي عن هذا الإلزام بأن"إلا" كان أصلها أن تدخل على الجملة, لكنها دخلت في غير موضعها. ونظير دخول"إلا" في غير موضعها قوله تعالى: {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً} وقول الشاعر:
أحل به الشيب أثقاله ... وما اغتره الشيب إلا اغترارا
فهذا لو حمل على ظاهره كان فاسداً لأنه معلوم أنه لا يظن غير الظن, ولا يغتر الشيب إلا اغتراراً والمعنى: إن نحن إلا الظن ظناً, ما اغتره إلا الشيب اغتراراً.
وهذا لا حجة فيه على أن "إلا" دخلت في غير موضعها لأن ذلك لم

يثبت, والآية والبيت يتخرجان على حذف الصفة لفهم المعنى, وتبقى "إلا" في موضعها, وحذف الصفة لفهم المعنى سائغ في كلام العرب, والتقدير: إن نظن إلا ضعيفاً وما اغتره الشيب اغتراراً بيناً
قال أبو علي: والوجه الثاني أن يكون الطيب اسم ليس, والخبر محذوف وإلا المسك بدل منه, كأنه قيل: ليس الطيب في الوجود إلا المسك.
وقال بهذا التأويل المصنف إتباعا لأبي علي, قال:" ويكون الاستغناء هنا بالبدل عن الخبر كالاستغناء به في نحو: لا فتى إلا علي, ولا سيف إلا ذو الفقار". والعجب له إتباع أبي علي في هذا التأويل مع اعتقاده أن ذلك لغة.
ثم قال أبو علي: والوجه الثالث أن يكون "الطيب" اسم ليس, و"إلا المسك" نعت له, والخبر محذوف كأنه قال: ليس الطيب الذي هو غير المسك طيباً في الوجود, وحذف خبر "ليس" لفهم المعنى قد يجيء قليلاً نحو قوله:
................. ... تبغي جوارك حين ليس مجير
قال: فإذا احتمل قولهم"ليس الطيب إلا المسك" لم يقس عليه.

انتهى. ويبطل هذه التأويلات كلها أن ذلك لغة بني تميم.
وفي الإفصاح:" وهذا الذي ذكره - بعنب الفارسي- غفلة منه عما ذكره س. قال:" إلا أن بعضهم قال: ليس الطيب إلا المسك, وما كان الطيب إلا المسك". فلو أن من رفع في "ليس" يكون رفعه على ما تأول أبو علي جاز ذلك في "كان" لأن الحكم واحد والعامل واحد, وكأنه أدري عليهم في "كان" فنصبوا فلما روى س عنهم النصب في "كان" علم أنهم لم يتأولوا ذلك التأويل" انتهى.
ولأبي نزار الحسين بن صافي بن عبد الله الملقب بملك النحاة تخريج غريب في قولهم: ليس الطيب إلا المسك, وهو أنه زعم أن "الطيب" اسم "ليس" والمسك: مبتدأ, وخبره محذوف وتقديره: إلا المسك أفخره, والجملة من قولك "إلا المسك أفخره" في موضع نصب على أنها خبر"ليس" كما تقول: ليس زيد إلا عمرو ضاربه قال: وقد تخبط س والسيرافي في هذا, وما أتيا بطائل. وقد رد عليه ابن الجباب الجليس المصري.
ونقل أبي عمرو أن تلك لغة تميم مبطل لما تأوله الفارسي وأبو نزار, لأن التميمي يقول: ما كان الطيب إلا المسك وينصب وليس الطيب إلا المسك, ويرفع, والحجازي ينصب فيهما, فدل على فرقان اللغتين, وأن التميمي جعلها ك"ما" في لغته وأنه أراد حصر الخبر كما

أراد الحجازي. ولذلك قيل للمنتجع التميمي: ليس ملاك/ الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, فرفع, ولقن النصب, فلم يقبله. وقيل لأبي المهدي- وهو بأهلي- ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, بالرفع, فنصب, وقيل له بالرفع, فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي. والدليل على أنهم أرادوا حصر الخبر أنهم قالوا لأبي مهدي: ليس الطيب إلا المسك, قال لخلف واليزيدي: أتأمراني بالكذب على كبرة سني فأين الجادي, وحكي ابن الأعرابي: فأين بنة الإبل الصادرة, وهي الرائحة الطيبة. وقيل له: ليس الشراب إلا العسل, قال: فما يصنع سودان هجر؟ مالهم شراب إلا هذا التمر. ففهم من هذا الكلام الحصر, ولذلك اعترض عليه, ولم ينطق به, إذ لا يتأتى عنده الحصر لأنه كذب, فلم يفعل أن يوافق عليه. ثم قيل له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, قال: هذا كلام لا دخل فيه, ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, فنصب ونطق بهذا لأنه كلام صادق الإسناد.
وقوله ولا تلزم حالية المنفي ب"ليس" و"ما" على الأصح هذه المسألة قد ذكر طرفاً منها في أول الكتاب, وذكر عن الأكثرين أنه يتعين الحال في المضارع إذا نفي بليس وما وإن وذكر الدلائل له على صحة دعواه, وناقشناه هناك فيما أمكن فيه المناقشة, والمدعى هنا أعم من المدعى

أول الكتاب. وقال في الشرح:" زعم قوم أن ليس وما مخصوصتان بنفي الحال, والصحيح أنهما تنفيان الحال والماضي والمستقبل. وقد تنبه لذلك أبو موسى الجزولي , فقال:" وليس لانتفاء الصفة عن الموصوف مطلقاً" لأن س حكي: ليس خلق الله مثله. وأجاز الأستاذ أبو علي ل"س" ما زيد ضربنه, على أن تكون "ما" حجازية, وبين أن النفي في الحال إنما هو إذا لم يكن الخبر مخصوصاً بزمان فيحمل إذ ذاك على الحال كما يحمل الإيجاب عليه.
ومن استقبال المنفي بليس {أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} {وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ} , {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} , وقال حسان:
وما مثله ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذيل
وقال زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
ومثله:

ولست لما لم يقضه الله واجداً ... ولا عادماً ما الله حم, وقدرا
ومثله:
إني على العهد لست أنقضه ... ما اخضر في رأس نخلة سعف
ومثله:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
ومثله:
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
ومن استقبال المنفي بـ"ما" {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} , {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} {وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا} {وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} , {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} ,وقال الشاعر:
وما الدنيا بباقاة لحي ولا أحد على الدنيا بباق
وقال:

وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل

-[ص: وتزاد الباء كثيراً في الخبر المنفي بليس و"ما" أختها وقد تزاد بعد فعل ناسخ للابتداء, وبعد {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ} وشبهه, وبعد"لا" التبرئة و"هل" و"ما" المكفوفة بأن, والتميمية خلافاً لأبي علي والزمخشري وربما زيدت في الحال المنفية وخبر إن ولكن.]-
ش: مثال الزيادة في خبر ليس وما أختها المنفي {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} , {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ}. واحترز ب"المنفي" من الخبر الموجب فإنه لا يجوز: ليس زيد إلا بقائم ولا: ما زيد إلا بخارج.
فلو زيدت "كان" بين اسم "ما" وخبرها "ما زيد كان بقائم" لم يجز دخول الباء عند الفراء وأجازه البصريون والكسائي.
ولو كان الخبر ظرفاً أو كاف تشبيه أو مثلاً أجاز البصريون نصب مثل, فتقول: ما زيد مثلك, ودخول الباء وأجازوا دخول الباء على الظرف الذي يجوز أن يستعمل اسماً, ومنع هشام دخول الباء على الكاف وعلى مثل. وهذا جائز على مذهب ألكسائي حكي: ليس بكذلك وأجاز هشام دخولها على الظروف, فأجاز: ما عبد الله بحيث تحب.
واضطرب الفراء فقال مرة: لا تدخل الباء على مثل لأنها بمعنى الكاف, وقال مرة: تدخل الباء على الكاف, ولا تدخل على شيء من الصفات غيرها لأنها في معنى مثل.

وأطلق المصنف في خبر "ليس" وكان ينبغي أن يقيد فيقول: إلا الواقع في الاستثناء نحو: قام القوم ليس زيداً فلا يجوز: ليس بزيد.
ومثال ذلك بعد الفعل الناسخ قوله:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وقال آخر:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بمقعدد
وذكر في الرشح أن الخبر المنفي ب"لا" أخت ليس تزاد الباء فيه, وأنشد قول/ سواد بن قارب:
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
وقول الآخر:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذالك لا خير ولا شر على أحد بدائم
ولا حجة في هذا كما ذكرناه قبل في بيت سواد, إذ يحتمل أن يكون ما بعد "لا" مبتدأ ولم تكرر"لا" وقد ورد ذلك عن العرب فيكون هذا

منه, وإن كان قليلاً أو شاذاً. وقال ابن هشام:" لم يسمع في خبر"لا" فلا يقاس على خبر "ما" لأن الزمان مجاز".
وقوله وبعد {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ} مثاله قوله تعالى: {َوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ}. وهذا من إجراء الشيء على ما هو معناه كأن المعنى: أوليس الله بقادر فزاد الباء في خبر أن على هذا المعنى.
ولا تقاس الزيادة فيما ذكر من هذه المنفيات إلا في خبر ليس وما, وأحسنه ما كان النفي متوجهاً عليه في المعنى كهذه الآية.
وقوله وشبهه.
ومثال زيادتها بعد"لا" التبرئة قول العرب " لا خير بخير بعده النار" إذا لم تجعل الباء بمعنى "في" هكذا قاله المصنف.
وقال أبو علي:" تكون زائدة في خبر"لا" وهو مرفوع وذلك إذا جعلت " بعده النار" وصفاً للخبر المنفي" انتهى. كأنه قال: لا خير بعده النار, كما تقول: لست بزيد. وإذا كانت الباء بمعنى "في" فالمجرور في موضع الخبر, و"بعده النار" صفة ل"خير" المجرور. قيل: ويجوز أن تجعل"بعده النار" صفة للاسم المنفي مع إبقاء "بخير" خبراً ويجوز أن تجعل "بعده النار" صفة للخبر المنفي , والباء زائدة. وقد أجاز أبو علي هذا

كله في "التذكرة" وقد منع في موضع آخر من "التذكرة" أن تكون الباء زائدة.
وجماعة من النحويين لا يجيزون في هذه المسألة إلا الوجهين الأولين. ومن منع زيادة الباء من هؤلاء لم يجزوا إلا وجهاً واحداً وبه كان يأخذ أبو القاسم بن القاسم, وهو أن تكون الباء محلاً لا غير.
وعلى ما قاله أبو علي هنا من زيادة الباء أبو بكر بن طاهر وابن خروف. وقد قال/ أبو علي في التذكرة:" لا تكون الباء هنا زائدة لأنها لا تزاد في المرفوع".
قال بعض أصحابنا: وهذا لا يقاس لا يقال: لا رجل بقائم ولا إنسان بورع, لأنه لم يأت به سماع صحيح غير متأول.
وقد منع قوم أن تجعل الجملة صفة ل"خير" المنفي لأنه يختص بالصفة, فلا يبقى على العموم كقولك: لا حيوان حيوان عاقل, ولا رجل كاتب, لأن المنفي هو الخبر, وحين وصفته ونوعته من الأول صرت كأنك قلت: لا حيوان عاقل في الحيوان, ولا رجل كاتب في الرجال, فالحيوان العاقل بعض الحيوان, والرجل الكاتب بعض الرجال, ومحال نفي النوع عن الكل.
وأجاز هؤلاء: لا خير بعده النار خير, لأن الأول خاص والثاني عام. وهذا لا يصح لأن الصفة تخصص الموصوف, فلا يصح أن ينفى عنه عمومه لاسيما إذا كان اللفظ المخصص هو الخبر بعينه, فهذا يبطل لأن من وصفته بصفة فقد أخرجته عن تناوله اسمه بتلك الصفة, فإذا قلت "لا رجل كاتب رجل" لم يستقم لأن الرجل الكاتب رجل, فكيف ينفي عنه أن يكون رجلاً؟ والنفي في الحقيقة إنما هو للخبر, ولا يصح أن ينفي عنه أن يكون بعض الرجال, وقد أوجبت له ذلك إذ جعلته مبتدأ معلوماً عند المخاطب كما هو معلوم عندك وإذا علم أنه رجل كاتب فكيف يجهل أنه رجل, ولا بد للرجل الكاتب أن يكون رجلاً.

وبعد "هل" قوله:
يقول إذا اقلولى عليها، وأقردت ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
وبعد "ما" المكفوفة ب"إن" قوله:
لعمرك ما إن أبو مالك ... بواه، ولا بضعيف قواه
وقوله خلافاً لأبي علي والزمخشري عزاه في "البسيط" إلى أبي بكر وأبي علي في أحد قوليه، والصحيح خلاف ما ذهبا إليه للسماع والقياس والإجماع:
أما السماع فكثرة وجود ذلك في أشعار بني تميم ونثرهم، ونص على ذلك س والفراء، ونص الفراء أيضاً على أن أهل نجد كثيراً ما يجرون الخبر بالباء، فإذا أسقطوا الباء رفعوا. انتهى. حتى إنهم إذا عطفوا على المجرور بالباء في هذه اللغة رفعوا المعطوف على الموضع، كما أنهم في اللغة الحجازية يعطفون على الموضع نصباً، قال الشاعر:
لعمرك ما سعد بخلة آثم ... ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر
يروى برفع "نأنأ" على موضع "بخلة" وبخفضه على اللفظ.

وقد اضطرب أبو علي في ذلك، فمرة قال ما حكي عنه المصنف. وشبهته في ذلك أن ما بعد "ما" مرفوع بالابتداء / والخبر، فكما أنه لا يجوز في الموجب: زيد بقائم، فكذلك في النفي، وإنما دخلت في الحجازية تشبيهاً بدخولها في خبر ليس. ومرة قال: يجوز ذلك، وتدخل في كل خبر منفي.
وأما القياس فلأن "إن" إذا كفت "ما" ومنعتها العمل تدخل في خبر المبتدأ، وكذلك في الخبر بعد "هل"، وكلاهما مرفوع، فكذلك تدخل في خبر "ما" التميمة.
وأما الإجماع فنقله أبو جعفر الصفار، قال: أجمعوا على أن الباء تدخل على المرفوع والمنصوب، فتقول: ما زيد بمنطلق.
واختلف في فائدة المجيء بالباء، فقال البصريون: فائدتها أنه يجوز أن لا يسمع المخاطب "ما" فيتوهم أن الكلام موجب، فإذا جئت بالباء صح المعنى. وقال الكوفيون: هذا نفي لقول القائل: إن زيداً لمنطلق، والباء بمنزلة اللام.
ولو قدمت الخبر أو معموله، نحو: ما بقائم زيد، وما طعامك بآكل زيد، فذهب قوم إلى أنه لا تجوز زيادة الباء في الخبر.
وذهب الفراء إلى جواز ذلك فيهما، وفصل قوم، فأجازوا دخول الباء مع تقديم معمول الخبر، ومنعوا ذلك مع تقديم الخبر نفسه.

وأجاز الفراء: ما هو بذاهب زيد، فإن ألقيت الباء نصبت، فقلت: ما هو ذاهباً زيد، وهذا خطأ عند البصريين في "ما" إذا جاءت في خبرها الباء مع الجمل، ولا يجيزون: ما هو قائماً زيد؛ لأن هاء الإضمار إنما تفسره جملة قائمة بنفسها، والباء لا تدخل على جملة، فأما قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} فلا حجة فيه للفراء، وفيه وجوه من التأويل:
أحدها أن يكون {هُوَ} عائداً على (أحد) من قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}، و {أَن يُعَمَّرَ} فاعل بـ"مزحزحه" أو بدل من {هُوَ}
والثاني: أن يكون {هُوَ} عائداً على التعمير المفهوم من قوله {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} ثم جاء بقوله
{أَن يُعَمَّرَ} تبييناً.
والثالث: أن يكون {هُوَ} كناية عن التعمير، و {أَن يُعَمَّرَ} بدل منه، وليس {هُوَ} عائداً على المصدر المفهوم من {أَن يُعَمَّرَ} بل يفسره البدل.
وقوله وربما زيدت في الحال المنفية مثاله قوله:
فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها
وقوله:
كائن دعيت إلى بأساء داهمة ... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل

التقدير عنده: فما رجعت خائبة ركاب، وفما انبعثت مزؤوداً ولا وكلاً.
وما ذهب إليه المصنف في هذين البيتين من زيادة الباء في الحال لا يتعين؛ إذ يحتمل أن تكون الباء للحال لا زائدة في الحال، أي: فما رجعت بحاجة خائبة، أي: متلبسة / بحاجة خائبة، وكذلك: فما انبعثت بمزؤود، ويعني بذلك نفيه، والمتكلم قد يسند الفعل إلى اسم ظاهر، ويريد بذلك نفسه، نحو قولك: لقد صحبك مني رجل صالح، ولو جئتهم بي لجئت بفارس بطل، أي: لجئت متلبساً بفارس بطل، وهو يريد نفسه.
وقوله وخبر إن أنشد المصنف شاهداً على ذلك قول الشاعر:
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب
يريد: فإنك المجرب مما أحدثت.
ولا يتعين أن يكون "بالمجرب" خبراً لأن لجواز تعلق "بالمجرب" بقوله: "مما أحدثت"، وخبر إن هو قوله: "مما أحدثت"، ويكون قوله "فإنك" على حذف مضاف، أي: فإن نأيك وعدم ملاقاتك مما أحدثت، أي: بسبب ما أحدثت بالمجرب.
وقوله ولكن مثاله قول الشاعر:
ولكن أجراً لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر
وقد سمع دخولها في خبر "ليت"، قال الفرزدق:
يقول إذا اقلولى عليها، وأقردت ... ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم

أقرد: لصق بالأرض. وقال الجوهري: "أقرد: سكن وتماوت"، وأنشد البيت، لكنه أنشد عجزه "ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم". واقلولى: ارتفع.
وأجاز الأخفش زيادتها في الواجب، نحو: زيد بقائم، واحتج بقوله تعالى: {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}، ويدل على زيادتها قوله تعالى. {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}
وتؤول على أن يكون الخبر عاملاً في الجار، أي: واقع بمثلها أو على أن يكون {ِمِثْلِهَا} متعلقاً بقوله {وَجَزَاءُ}، والخبر محذوف.
ومما جاء فيه دخول الباء في الخبر الموجب قول الشاعر:
فلا تطمع - أبيت اللعن - فيها ... فمنعكها بشيء يستطاع

-[ص: وقد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها، وينذر ذلك بعد غير "ليس" و"ما". وقد يفعل ذلك في العطف على منصوب اسم الفاعل المتصل.]-
ش: مثال ذلك ما أنشده س:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها

وما أنشده المصنف:
ما الحازم الشهم مقداماً ولا بطل ... إن لم يكن للهوى بالعقل غلابا
فقوله: "ولا ناعب" معطوف على "مصلحين" على توهم الباء، وكذلك "ولا بطل" معطوف على "مقداماً" على توهم الباء.
وقول المصنف: "الخبر الصالح للباء" يشمل خبر "ليس" وخبر "ما" كما ذكرناه، ويظهر من المصنف جواز ذلك وأنه يطرد، وهي مسألة مختلف فيها:
فذهب عامة النحويين إلى أنه لا يجوز ذلك، وما ورد منه فهو محمول على التوهم، والعطف على النوهم عندهم لا يقاس.
وحكي أبو جعفر النحاس عن سيبويه إجازته، قال أبو جعفر: أجاز س خفض المعطوف على خبر "ما" نحو: ما زيد منطلقاً ولا خارج، وأنشد: مشائيم. البيت. قال: لأنه يجوز أن تقع في الأول الباء، وهذا عند أصحابه خطأ لأن حروف الخفض لا يستعمل فيها هذا، وقد حكي عن ألكسائي أنه أجاز ذلك. انتهى ما قاله أبو جعفر.
قال إبراهيم بن أصبغ الأزدي: "لا أعلمه من قول س إلا في ليس دون ما". ووجدت بخط أستاذنا أبي جعفر بن الزبير ما نصه: "إذا عطفت على الخبر، وكان حرف العطف غير موجب، والخبر منصوب، نصبت، وحكي س الخفض على التوهم، وجعله الفراء قياساً" انتهى.
واحترز المصنف بقوله: "الصالح للباء" من خبر لا يصلح للباء،

نحو: ليس زيد إلا قائماً وذاهب، وليس زيد يقوم ولا خارج، وما زيد يركب ولا ذاهب، فإنه لا يجوز الجر في ذاهب ولا خارج لأن قائماً ويقوم ويركب لا يصلح شيء منها لدخول الباء.
وقوله ويندر ذلك بعد غير "ليس" و"ما" قال المصنف: "عومل بهذه المعاملة المعطوف على منصوب كان المنفية، كقول الشاعر:
وما كنت ذا نيرب فيهم ... ولا منمش منهم منمل
جر منمشاً، كأنه قيل: وما كنت بذي نيرب ولا منمش، والنيرب: النميمة، والمنمش: المفسد ذات البين، والمنمل: الكثير النميمة".
ومما جاء من عطف المجرور على التوهم قول الشاعر:
أجدك لن ترى بثعيلبات ... ولا بيداء ناجية ذمولا
ولا متدارك والليل طفل ... ببعض نواشغ الوادي حمولا
وقول الآخر:
تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي قربى ولا بحقلد

توهم أنه قال مكان لن ترى: لست براء، ومكان لم يكثر: ليس بمكثر غنيمة، فعطف "ولا متدارك" على توهم: لست براء، وعطف "ولا بحقلد" على: ليس بمكثر.
وقوله وقد يفعل ذلك في العطف إلى آخر المسألة أنشد المصنف:
وظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
وقال: "لأن المنصوب باسم الفاعل يجر كثيراً بإضافته إليه، فكأنه إذا انتصب مجرور، وجواز جر المعطوف على منصوب اسم الفاعل مشروط بالاتصال كاتصال منضج بالمنصوب، فلو كان منفصلا لم يجز الجر، نحو أن يقال: من بين منضج بالنهار صفيف شواء؛ لأن الانفصال يزيل تصور الإضافة المقتضية للجر، فلذلك لا يجوز جر المعطوف مع انفصال اسم الفاعل من معموله".
وهذا الذي ذكره من جر المعطوف فيما ذكر لا يجيزه أصحابنا، لا يجيزون: هذا ضارب زيداً وعمرو، وهي مسألة ليست من الباب الذي نحن فيه، وإنما ذكرها على سبيل الاستطراد.
وأما البيت فلا شاهد فيه، وإذا جعل معطوفاً على مراعاة جر "صفيف" فسد المعنى لأنه يصير التقدير: من بين منضج صفيف أو قدير، فكأنه قال: من بين منضج أحد هذين، فيكون قد قسم الطهاة - وهم الطباخون -إلى قسمين: أحدهما منضج صفيف أو قدير، والآخر لم يذكره؛ لأن "بين" تقتضي وقوعها بين شيئين أو أشياء، ولا تدخل على شيء واحد.

وإنما تأوله شيوخنا على أن يكون "أو قدير" معطوفاً على قوله: "منضج" لا على محل "صفيف"، ويكون على حذف مضاف، و"أو" بمعنى الواو، والتقدير: من بين منضج صفيف شواء أو طابخ قدير، ثم حذف "طابخ"، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتكون إذ ذاك "بين" قد وقعت بين شيئين، وهما: منضج صفيف شواء، وطابخ قدير معجل، ويكون التقسيم صحيحاً، وقد جاءت "أو" مكان الواو في "بين"، قال الشاعر:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهره أو سافع

-[ص: وإن ولي العاطف بعد خبر "ليس" أو "ما" وصف يتلوه سببي أعطي الوصف ما له مفرداً، ورفع به السببي، أو جعلا مبتدأ وخبراً. وإن تلاه أجنبي عطف بعد "ليس" على اسمها، والوصف على خبرها. وإن جر بالباء جاز على الأصح جر الوصف المذكور، ويتعين رفعه بعد "ما".]-
ش: مثال المسألة الأولى: ليس زيد قائماً ولا ذاهباً أخوه، وما زيد قائماً ولا ذاهباً أخوه. قال: فهذا يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعل الوصف المعطوف كأنه لم يذكر بعده سببي، وحكمه إذ ذاك حكم المفرد، ويجوز إذ ذاك فيه - على ما قرر المصنف - النصب والجر على توهم أن يكون الخبر المعطوف عليه مجروراً، وتقدم

ذكر الخلاف / فيه، وأن عامة النحويين لا يجيزون الجر في المعطوف على توهم الجر في المعطوف عليه.
والوجه الثاني: أن يكون مبتدأ وخبراً، فترفع الوصف، فتقول: ولا ذاهب أخوه، وتكون قد قدمت خبر المبتدأ عليه، والتقدير: ولا أخوه ذاهب، ويطابق الخبر المبتدأ.
ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يعرب الوصف مبتدأ، والسببي فاعل به أغنى عن الخبر لأنه قد اعتمد الوصف على حرف النفي. والاختيار أن لا يطابق الوصف مرفوعه، ويجوز أن يطابق، وذلك في لغة: أكلوني البراغيث.
وقوله وإن تلاه أجنبي مثاله: ليس زيد قائماً ولا ذاهباً عمرو، ف"عمرو"معطوف على اسم "ليس" و"ذاهباً" معطوف على الخبر.
وتقدم لنا أن من قدماء النحويين من لا يجيز فيها النصب لأن "ليس" لا تتقدر بعد "لا" فيوجبون الرفع
وقد رد س عليهم مذهبهم في كتابه بقول العرب: ليس زيد ولا أخوه قاعدين.
ويجوز جعلهما مبتدأ وخبراً، فتقول: ولا ذاهب عمرو.
وقوله وإن جر بالباء جاز على الأصح جر الوصف المذكور مثاله: ليس زيد بقائم ولا ذاهب عمرو، قال المصنف: "الجر بباء مقدرة مدلول

عليها بالمتقدمة، وهو كثير في الكلام، ومنه قول الشاعر:
وليس بمدن حتفه ذو تقدم لحرب، ولا مستنسيء العمر محجم
ومنه قول الآخر:
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها
ونه قول الآخر:
وليس بمعروف لنا أن نردها صحاحًا، ولا مستنكر أن تعقرا"
قال: "وليس هذا من العطف على عاملين، بل من حذف عامل لدلالة مثله عليه، وحذف حرف الجر من المعطوف لدلالة مثله عليه كثير". ثم ذكر من ذلك مثلًا وردت في كلام العرب.
وقوله ويتعين رفعه بعد "ما" أي: رفع الوصف إذا تلاه الأجنبي، سواء أنصب خبر "ما" أو جر بالباء، فتقول: ما زيد قائمًا ولا ذاهب عمرو، وما زيد بقائم ولا ذاهب عمرو. قال المصنف: "لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل، فبطلانه بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل أحق وأولى، ومثال ذلك قول الشاعر:

لعمرك ما معن بتارك حقه ولا منسئ معن ولا متيسر"
انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف من تعيين الرفع في الأجنبي بعد "ما" هو مذهب البصريين، والرفع إجماع من النحويين، فلو نصبت الوصف عطفًا على خبر ما المنصوب، فقلت: ما زيد قائمًا ولا ذاهبًا عمرو، فمنعه الخليل وس وأصحابهما، وأجازه الكسائي والفراء.
حجة المانع أنه بغير عائد، فمحال أن يعطف على ما كان/ للأول ولم يعد عليه منه شيء. وحجة المجيز ما حكاه الكوفيون من قول العرب: ما زيد قائمًا فمتخلفًا أحد، أي: إذا قام لم يتخلف أحد.
فإن عطفت على خبر "ما" المجرور، فقلت: ما زيد بمنطلق ولا خارج عمرو، بالجر، فأجازه الكوفيون، ومنعه البصريون. فإن حذفت "لا"، فقلت: ما زيد بمنطلق، وخارج عمرو، بجر "خارج" عطفًا على "بمنطلق"، لم يجز ذلك عند البصريين والفراء، وأجازه هشام كما أجاز الذي قبله لأن إعادة الحرف عنده لا تغير شيئًا إذا كان توكيدًا. وحجة الفراء في منعه أنه إذا أعاد الحرف زال معنى الجزاء، وليس فيه عائد، فلم يجز.
ولم يتعرض المصنف للعطف بتأخير الوصف، والتقسيم يقتضي أن يقال فيه: لا يخلو أن تعطف على الاسم أو على الخبر أو عليهما: فإن عطفت على الاسم رفعت، فقلت: ما زيد قائمًا ولا عمرو خارج. وإن عطفت على الخبر فقد تعرض المصنف له، وتكلمنا على تقاسيمه. وإن

عطفت عليهما فإما أن يكون حرف العطف موجبًا أو غير موجب: إن كان موجبًا رفعت، نحو: ما زيد قائمًا بل عمرو خارج. وإن كان غير موجب فإن كان الخبر مرفوعًا رفعت، نحو: ما زيد قائمًا ولا عمرو خارج. وإن كان منصوبًا فأجمع النحويون على إجازة الرفع، نحو: ما زيد قائمًا ولا عمرو هارج. وزعم الجرمي أنهم رووا أن أكثر العرب يرفع. واختلفوا في النصب: فأجازه س والخليل والكسائي والفراء وهشام، ومنعه النحويون القدماء الذي رد عليهم س في كتابه، وأجمعوا على أنه لا يجوز أن تقول: ولا ليس، ولا ما، ورد عليهم س بقولهم: ما عمرو ولا خالد منطلقين، ولا تقول: ولا ما خالد.
وإما لم تعد "ما" عند البصريين لأن "لا" قامت مقامها، فهما جميعًا للنفي، ولذلك لا يجوز: ما زيد خارجًا ولا منطلقًا، اكتفوا ب"لا" لأنها قد تقع موقع اسم واحد في قولك: قام زيد لا عمرو، وتأتي وحدها إذا كانت جوابًا، و"ما" تحتاج إلى شيئين بعدها.
وقال الفراء: خلقة "ما" الابتداء، ولا تكون كالمتصلة بما قبلها. وقال س: "وتقول: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة، وإن شئت نصبت بيضاء، و"بيضاء" في موضع جر". ولا يجيز المبرد في "بيضاء" إلا الرفع لئلا يعطف على عاملين. والتقدير عند غيره: ولا كل

بيضاء، ثم حذف كلا.
وإن كان خبر "ما" مجرورًا فإن عطفت على اللفظ أدخلت الباء، فقلت: ما زيد بقائم ولا عمرو بذاهب. وإن عطفت على الموضع نصبت الخبر، فقلت: ما زيد بقائم ولا عمرو قاعدًا إن كانت حجازية، ويجئ فيه الخلاف السابق، ورفعت إن كانت تميمية، فقلت/: ما زيد بقائم ولا عمرو قاعد.
مسألة: زعم الأخفش أنك تقول: ما نعم الرجل عبد الله ولا قريب من ذلك، وأجاز غيره نصب "قريب" على الظرف.
مسألة: أجاز الكسائي إضمار "ما"، وأنشد:
فقلت لها: والله يدري مسافر إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
فأضمر "ما". قال الفراء: فسألته عن: والله أخوك قائمًا، قال: فرأيته كالمرتاب من إدخال الباء.
وأجاز الكسائي والفراء: من قائم، وألا قائم، وأنشد الكسائي قول الشاعر:
ألا رجل جزاه الله خيرًا يدل على محصلة تبيت
والبصريون ينشدونه: ألا رجلًا، وفيه عندهم قولان: أحدهما أن

التقدير: ألا ترونني رجلًا. والثاني أن رجلًا منصوب على التبرئة، ونون اضطرارًا كما نون ما لا ينصرف.
وزعم الكسائي أنه إذا خفض ما بعد "ألا" وبعد "من" فهو على تأويل: أما من رجل يتصدق، وألا من رجل، ولا يقولون: أما رجل، ولا: ما رجل. ولا يجوز عند البصريين من هذا شيء.
مسألة: إذا أخرت الاسم موجبًا ب"إلا"، وقدمت معمول الخبر على الخبر، نحو: ما طعامك آكل إلا زيد، لم يجز ذلك عند الكسائي والفراء، وأجازها البصريون.
مسألة: أجاز أكثر النحويين: اليوم ما زيد إياه منطلقًا، ومنعها بعضهم.
مسألة: يجوز حذف الخبر بعد "ما" المكفوفة ب"إن" داخلًا على المبتدأ النكرة "من"، قال الشاعر:
حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا، فما إن من حديث ولا صال
التقدير: فما حديث ولا صال منتبه، وهو على حذف مضاف، أي: فما إن من ذي حديث ولا صال، وقال آخر:
العاطفون تحين ما من عاطف .........................
شبهت في ذلك "ما" بـ"لا".
مسألة: شذ بناء النكرة مع "ما" تشبيهًا لها بـ"لا"، روي من كلامهم: ما بأس عليك، كما قالوا: لا بأس عليك، وأنشد الأخفش:

وما بأس لو رَدَّت علينا تحية قليلًا على من يعرف الحق عابها
مسألة: لا يجوز حذف اسم "ما"، لو قلت: زيد ما منطلقًا، تريد: ما هو منطلقًا، لم يجز لأن ما مشبهة في العمل بليس، فكما لا يجوز حذف اسم "ليس" وأخواتها، فكذلك لا يجوز حذف اسم "ما".
مسألة: ما هو طعامك/ زيد بآكل، هو: ضمير الشأن، فإن كانت "ما" حجازية لم تجز هذه المسألة، وإن كانت تميمية جازت.
مسألة: يجوز دخول همزة الاستفهام على "ما" الحجازية فتعمل، تقول: أما زيد قائمًا؟ كما تقول: ألست بقائم؟

الصفحات [115] [116] [117] [118] [119] [120] [121] [122] [123] [124] [125] [126] [127] [128] [129] [130] [131] [132] [133] [134] [135] [136] [137] [138] [139] [140] [141] [142] [143] [144] [145] [146] [147] [148] [149] [150] [151] [152] [153] [154] [155] [156] [157] [158] [159] [160] [161] [162] [163] [164] [165] [166] [167] [168] [169] [170] [171] [172] [173] [174] [175] [176] [177] [178] [179] [180] [181] [182] [183] [184] [185] [186] [187] [188] [189] [190] [191] [192] [193] [194] [195] [196] [197] [198] [199] [200] [201] [202] [203] [204] [205] [206] [207] [208] [209] [210] [211] [212] [213] [214] [215] [216] [217] [218] [219] [220] [221] [222] [223] [224] [225] [226] [227] [228] [229] [230] [231] [232] [233] [234] [235] [236] [237] [238] [239] [240] [241] [242] [243] [244] [245] [246] [247] [248] [249] [250] [251] [252] [253] [254] [255] [256] [257] [258] [259] [260] [261] [262] [263] [264] [265] [266] [267] [268] [269] [270] [271] [272] [273] [274] [275] [276] [277] [278] [279] [280] [281] [282] [283] [284] [285] [286] [287] [288] [289] [290] [291] [292] [293] [294] [295] [296] [297] [298] [299] [300] [301] [302] [303] [304] [305] [306] [307] [308] [309] [310] [311] [312] [313] [314] [315] [316] [317] [318] [319] [320] [321] [322] [323] [324] [325] [326]  المجلد[4]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب إعراب الصحيح الآخر

العنوان الحالي : باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر

العنوان التالي : باب أفعال المقاربة  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة