التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلق به
الكلمة لفظ مستقل دال بالوضع تحقيقًا أو تقديرًا أو منوي معه كذلك. وهي اسم وفعل وحرف.]-
ش: ذكر المصنف باب شرح الكلمة، ولم يذكر باب حد الكلمة؛ لأن الحد للشيء عسير الوجود، فعدل عن لفظ "حد" إلى لفظ "شرح"، وكلاهما يشترك في كشف المحدود وبيانه، وكان ينبغي أن يبدأ أولًا بشرح "النحو" وبيانه، وحينئذٍ يشرع في شرح ما ذكر؛ لأن الناظر في علم من العلوم لابد له أولًا من معرفته على سبيل الإجمال، ثم بعد ذلك يتعرف ما احتوى عليه ذلك الفن على سبيل التفصيل. وقد كثر ما صنف الناس من الكتب في هذا العلم، وما تعرض أحد منهم لحده إلا القليل، قال صاحب "المستوفي": "النحو صناعة علمية ينظر بها صاحبها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم ليعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى، فيتوصل بإحداهما إلى الأخرى". وقال صاحب "البسيط":

"النحو هو علم بالتغييرات اللاحقة للكلم ومدلولاتها". وقال/ ابن هشام: "النحو علم بأقيسة تغير ذوات الكلم وأواخرها بالنسبة إلى لغة لسان العرب". وقال صاحب "المباحث": "النحو علم يبحث فيه عن أحوال الكلم العربية إفرادًا وتركيبًا فقط". وقال صاحب "المقرب": "النحو علم مستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها". وقال صاحب "البديع": " النحو معرفة أوضاع كلام العرب ذاتًا وحكمًا واصطلاح ألفاظ حدًا ورسمًا".
قوله الكلمة لفظ شرع المصنف -رحمه الله- في حد "الكلمة" المصطلح عليها في النحو؛ إذ في اللغة تنطلق على أحد أقسامها من الاسم

والفعل والحرف، وتنطلق على الكلام، نحو ما روى "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل .......................... "
وكقوله تعالى: {وكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا}، وكقوله -عليه السلام- "الكلمة الطيبة صدقة".
ولغة الحجاز "كلمة" على وزن نبقة، ويجوز في "الكلمة" تسكين اللام مع فتح الكاف وكسرها، قيل: وهي لغة تميم.
فقوله لفظ جنس يشمل المحدود وغير المحدود، وهكذا شأن الحدود، تبدأ أولًا بالجنس، ثم تأتي بالفصل، لكن المصنف أخذ جنسًا أبعد، وترك جنسًا أقرب، وهو "القول" إذ اللفظ ينطلق على المهمل كـ"ديز" مقلوب "زيد"، و"رفعج" مقلوب "جعفر"، وينطلق على الموضوع، فلو أخذ الجنس الأقرب كان أحسن، فكان ينبغي أن يقول: الكلمة قول.
وقال المصنف -رحمه الله- في شرح كلام نفسه: "تصديره بـ"اللفظ"

مخرج للخط ونحوه مما هو كاللفظ في تأدية المعاني" انتهى.
وهذا ليس بجيد لأن الجنس في الحد لا يؤتى به للاحتراز، لا يقال في قولهم: "الإنسان حيوان ناطق" إنه احترز بـ"حيوان" مما ليس بحيوان. ولم يتقدم شيء يشمل الخط واللفظ فيحترز بـ"اللفظ" عنه إلا إن اعتقد أن "الكلمة" التي هي المحدود تشمل الخط واللفظ، فهذا في غاية الفساد لأن المحدود ليس من الحد، ولأن "الكلمة" لا تنطلق على الخط لغة، وإنما ذلك "الكلام" ذكروا أنه ينطلق على الخط على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وقد اتبع المصنف في ذلك -رحمه الله- ابن عصفور، فإنه حين حد "الكلام" فقال: "الكلام هو اللفظ" إلى آخر الحد قال: "قولنا" لفظ "احترز به مما يقال له "كلام" لغةً، وليس بلفظ، كالخط والإشارة وما في النفس وما يفهم من حال الشيء". فجعل ابن عصفور ذكر الجنس محترزًا به، ونقله المصنف -رحمه الله- من حد "الكلام" لابن عصفور إلى حده الذي علمه لـ"الكلمة".
وقال المصنف في الشرح: "واللفظ أولى بالذكر من اللفظة لأن اللفظ يقع على كل ملفوظ حرفًا كان أو أكثر، وحق اللفظة أن لا تقع إلا على حرف واحد لأن نسبتها من اللفظ نسبة الضربة من الضرب، ولأن إطلاق اللفظ على الكلمة إنما هو من باب إطلاق المصدر على المفعول به/ كقولهم للمخلوق خلق والمنسوج نسج، والمعهود في هذا استعمال المصدر غير المحدود بالتاء، ولذلك قلما يوجد في عبارات المتقدمين "لفظة" بل الموجود في عباراتهم "لفظ" كقول "س"، وأورد ن استعماله "لفظًا" في مواضع. انتهى.

وقال بعض أصحابنا: اللفظ جمع لفظة، وأقل الجمع ثلاثة، وإذا كان هذا صحيحًا بطل أن يؤخذ "لفظ" في حد الكلمة لأنه إنما تحد الماهية، فلا يجعل في حدها ما يدل على أقل الجمع، وهو ثلاثة. ونظير ذلك أن يقال في حد "الإنسان": الإنسان حيوانات نواطق. وهذا لا يجوز.
والجواب: أنا لا نسلم أن اللفظ جمع لفظة، ولا أن الضرب جمع ضربة، فيلزم أن يكون أقله ثلاثة، بل الضرب واللفظ ونحوهما مصادر صالحة للقليل والكثير لأنها أسماء أجناس، فيدل ضرب على مطلق الضرب، ولذلك يقول من ضرب مرة واحدة: ضربت ضربًا، فيصدق على المرة الواحدة لفظ ضرب، فإذا أردت التنصيص على المرة الواحدة قلت ضربة بالتاء الدالة على الإفراد نصًا. ولو كان ضرب أو لفظ جمعًا -وأقل ما يقع عليه ثلاثة- لامتنع أن يقول من ضرب مرة واحدة: ضربت ضربًا؛ للتناقض، وإنما يقال ذلك فيما ليس بمصدر، نحو كلمة وكلم ولبنة ولبن ونخلة ونخل وجوزة وجوز. ذكر المصنف -رحمه الله- في هذا أن تجريده من التاء يستغنى به عن تكسير واحده الممتاز بالتاء في الكثرة، فتقول كلم ولبن ونخل وجوز، وجمعه بالألف والتاء استغني به عن تكسيره في القلة، فتقول: كلمات ولبنات ونبقات ونخلات وجوزات.
ثم ناقض هذا الكلام، فقال: "الكلم اسم جنس جمعي كالنبق والضرف

واللبن، وأقل ما يتناول ثلاث كلمات". وتبع في ذلك ابن جني، زعم أن اسم الجنس أقل ما يقع على ثلاثة، فلذلك أطلق النحويون الكلم على الاسم والفعل والحرف، قال س: "هذا باب علم ما الكلم من العربية، فالكلم اسم وفعل وحرف"، وقال أبو علي: "ما يأتلف من هذه الكلم الثلاث كان كاملًا مستقلًا" ومن رأى أن اسم الجنس إذا كان بغير تاء كان للكثير، وبالألف والتاء كان للقليل، استعذر على إطلاق الكلم على الاسم والفعل والحرف، وسيأتي ذلك.
وقوله مستقل احترز به من بعض اسم نحو الياء من زيدي وتاء مسلمة، وبعض فعل كهمزة أعلم ألف ضارب، فكل منها لفظ دال بالوضع، وليس بكلمة لأنه غير مستقل. هذا شرح المصنف كلامه.
واحتيج إلى أن يتحرز بـ"مستقل" من بعض اسم وبعض فعل لأنه أخذ جنسًا بعيدًا، وهو اللفظ، فلو أخذ أقرب منه -وهو القول- لم يحتج إلى التحرز بقوله: "مستقل" لأن بعض اسم وبعض فعل لا يقال له "قول".
ولقائل أن يقول: لا أسلم أن الياء في زيدي والهمزة في أعلم ونحوهما لفظ دال بالوضع كما زعم المصنف، بل مجموع اللفظة دل على أن الشخص منسوب لزيد، وكذلك لفظ أعلم أتى معدى؛ لأنه لو كان كل واحد من هذه الأبعاض لفظًا/ دل بالوضع على معنى -وهو النسب والتعدية- لكان باقي اللفظ إما أن يدل على معنى أو لا يدل، لا جائز أن لا يدل لأنه يكون من المهملات، ولا جائز أن يدل لأنه إذا دل فإما أن يكون مدلوله مدلول ذلك البعض أو غيره، لا جائز أن يكون مدلول ذلك البعض لأنه كان يستغنى

بأحدهما عن الآخر، والأمر ليس كذلك، ولا جائز أن يكون غيره لأنه يلزم من ذلك أن تكون الكلمة يدل جزء من أجزائها على جزء من أجزاء معناها، وذلك من خصائص المركبات، ولا يكون ذلك من المفردات، فبطل أن يكون بعض الكلمة لفظًا دالًا بالوضع على معنى، وإذا كان كذلك دل "زيدي" على شيء منسوب لـ"زيد"، ودل "أضحك" على فعل ماضٍ صادر من فاعل ذلك لشخص، ويلزم من هذا الفعل اتصاف المفعول بالضحك فيما مضى، وكذلك تقول في جميع ما ذكره المصنف.
وقوله دال بالوضع قال المصنف: "احتراز من اللفظ المهمل كـ"ديز" مقلوب "زيد"، فإنه يدل سامعه على حضور الناطق به غير ذلك دلالة عقلية لا وضعية" انتهى.
وهذا الذي ذكر أنه احترز به من المهمل ليس بجيد لن قبل هذا الفصل فصل الاستقلال، واللفظ المهمل لا يدخل تحت قوله: "مستقل" فيحتاج أن يحترز عنه بقوله: "دال بالوضع".
وقال غيره: احترز بالوضع مما يدل بالطبع كقول النائم إخ، فإنه يدل على استغراقه في النوم، وعند السعال إح إح، فيفهم منه أذى الصدر، واللفظ المصحف إذا فهم منه معنى، فكل هذا لا يسمى كلمة لأن دلالتها على ذلك المعنى لم تكن بالتواضع.
قيل: ودخل تحت قوله: "الوضع" الجمل المسماة بها نحو برق نحره وتأبط شرًا، فبعد التسمية بالجملة هي كلمة لأن جزأها لا يدل على جزء معناها، فكانت مفردة بالوضع.

ويدخل في هذا الحد "الكلام" عند من يرى أن دلالته على معناه وضعية، فإن الكلام لفظ مستقل دال بالوضع.
ويخرج عن هذا الحد ما استعمل في غير موضوعه على سبيل المجاز أو النقل، كـ"أسد" المراد به الشجاع، وكـ"أسد" المراد به شخص، فإنه منقول من الحيوان الموضوع له لفظ "أسد"، فإذا استعمل في أحد هذين المعنيين فلا يكون كلمة إذ ذاك لأنه نقص منه قيد الدلالة بالوضع، إذ يصدق عليه -والحالة هذه- أنه لفظ مستقل غير دال بالوضع.
وقوله تحقيقًا وتقديرًا مثال التحقيق رجل، فهذا دال على مسماه تحقيقًا، ومثال التقدير أحد جزأي العلم المضاف كامرئ القيس، فمن حيث المدلول هو كلمة واحدة، ومن حيث التركيب هو كلمتان لأن المضاف والمضاف إليه لا يكونان إلا اسمين أو في تقدير اسمين، وتسمية أحد جزأي العلم كلمة هو على طريق المجاز. ولو استغنى عن هذا التقسيم في الدلالة بالوضع إلى التحقيق والتقدير لكان حسنًا، وكان تقل به ألفاظ الحد.
وقوله أو منوي معه هذا قسيم لقوله: "لفظ" لأن الكلمة على/ قسمين: ملفوظ لها، ومنوية مع اللفظ، كالفاعل في أفعل، وأفعل، ونفعل، فلو لم يذكر هذا لكان بعض المحدود -وهو ما لا يلفظ به- قد خرج عن الحد، والمعنى: أو غير لفظ منوي مع اللفظ.
وقوله كذلك قال المصنف: "أشير بـ"كذلك" إلى الدلالة والاستقلال المنبه عليهما" أي: معنى هذا المنوي مع اللفظ المستقل الدال بالوضع.

وادعاء التركيب في نحو افعل؛ مشكل، وادعاء الإفراد فيه مشكل. أما الأول فلان التركب من عوارض الألفاظ، ويستدعي تقدم وجود ولا وجود، فلو كان وجد تم قرض له حذف لم يشكل. وأما الثاني فلأن افعل مفيد إفادةً المركب، الذي هو الكلام، فلا يمكن دعوى الإفراد فيه.
قال المصنف - رحمه الله-: ((واحترز به من الإعراب المنوفي في نحو فتى، فإنه يصدق عليه أنه منوي مع اللفظ المفيد، ولكنه غير مستقل ولا منزل منزلة المستقل، فإن الإعراب بعض الكلمة المعربةً، وإذا لفظ به لم يدخل في مدلولات الكلمةً، فهو بأن لا يدخل حين لا يلفظ به أحق وأولى)) انتهى.
وفى قوله: ((فإن الإعراب بعض الكلمة المعربةً، فيه نظر، وذلك أن الإعراب على ما اختاره أكثر متأخري أصحابنا هو معنوي لا لفظي، واللفظ يدل عليه، فإذا كان معنويًا فلا يكون بعض الكلمة المعربةً، وأما على ما اختاره المصنف من أنه لفظي فإنه زائد على ماهية الكلمة، وإذا كان زائدًا على ماهية الكلمة فلا يكون بعض الكلمة لأن بعض الشيء جزء من الشيء، ومحال وجود الماهيةً مع فقد جزء من أجزائها، وقد وجدنا ماهية الكلمة دون إعراب، فدل على أنه ليس بعضًا منها.
وجاء في هذا الحد ذكر "أو" مرتين، وقالوا إن الحدود لا يكون فيها ترديد، فلا يؤتي فيها بـ "أو".
وقوله وهي اسم وفعل وحرن ذكر النحويون دلائل لحصر الكلمةً في الاسم والفعل والحرف:
أحدها: دليل الاستقراء، وهو أن أئمة النحويين المستقرئين علم النحو

تتبعوا ألفاظ العرب، فلم يجدوا غير هذه الثلاثة.
الدليل الثاني: أن الكلمةً إما أن تدل على معناها بانفرادها، أو تدل على معناها لا بانفرادها بل بذكر متعلق، وهذا الثاني هو الحرف، والأول إما أن تتعرض ببنيتها لزمان ذلك المعنى، أو لا تتعرض، والثاني هو الاسم، والذي قبله هو الفعل، فلا رابع.
الدليل الثالث: قالوا ت المعاني ثلاثة: ذات، وحدث، ورابطة بين الذات والحدث، فالأول الاسم، والثاني الفعل، والثالث، الحرف.
وفي هذه الدلائل بحث ونظر، وأجودها الثاني.
وذكر المصنف - رحمه الله - دليلًا رابعًا، وهو أن الكلمة إن لم تكن ركنًا للإسناد فهي حرف، وإذ كانت ركنًا فإن قبلت الإسناد بطرفيه فهي اسم، وإلا فهي فعل.
وهذا الدليل الذي ذكره راجع إلى الاستقراء، وأيضًا فهو استدلال بالعوارض لا بالذاتيات لأن الإسناد إنما يكون حالة التركب، وإذا ذكرًا دليل الحصر فإنما يكون التردد فيما يكون ذاتيًا لا فيما يكون عارضًا.
وأجمع النحويون على أن أقسام الكلمة ثلاثة: اسم بفعل وحرف. وحكي لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن

صابر، أنه كان يذهب إلى أن ثم رابعًا، وهو الذي نسميه نحن " اسم فعل"، وكان يسميه "خالفة" إذ ليس هو عنده واحدًا من الثلاثةً. حكي لنا ذلك عنه أستاذنا أبو جعفر على سبيل الاستغراب والاستندار لهذه المقالة.
وتكلم النحويون على أفراد الاسم والفعل والحرف، وعلى تسمية كل واحد منها بما سمي به، وعلى اشتقاق الاسم، وعلى تقديمه، وتوسيط الفعل، وتأخير الحرف، ولم يتعرض لذلك المصنف.

-[ص: والكلام ما تضمن من الكلم إسنادًا مفيدًا مقصودًا بذاته.]-
ش: الكلام ينطلق على "المعاني التي تكون في النفس" التي يعبر عنها بالكلام الصناعي، وأنشدوا للأخطل - قيل؛ ولم يثبت في ديوان شعره -:
إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
وعلى "التكليم" بخلاف، أهو مصدر كلم على حذف الزوائد أم هو اسم مصدر، وهو قول الأكثرين، قال الشاعر:
فإذ تمس ابنة السهمي منا بعيدًا، ما تكلمنا كلامًا

وقال آخر:
ألا هل إلى ريا سبيل وساعة تكلمني فيها من الدهر خاليا
فأشفي نفسي من تباريح ما بها فإن كلاميها شفاء لما بيا
واحتج بما حكي أبو علي: عجبت من كلامك عبد الله، وقل به س في باب الاستثناء، ويعمل الفعل فيه نحو كلمته كلامًا. قالوا وقد جاءت منه مثل، نحو عذبته عذابًا، وسلمت عليه سلامًا، وجوزته جوازًا، وشورته شوارًا: أخجلته. ف "س" والجماعة لا يرون هذه المثل إلا أسماء للمصادر لا أنفسها.
قال ابن هشام: وأصل ما جاء من الثلاثي الأصل على مثال دحرج أن يكون مكسور الأول بألف قبل آخره نحو أكرم إكرامًا وضارب ضرابًا وكلم كلامًا، وما جاء على غير هذا فبتعويض، وأصل فعل الفعال نحو كلم كلامًا، وكما قال تعالى: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً}، فيجوز في كلها الفعال والتفعيل، الياء عوض من الحرف المضاعف، ولا حجةً في النصب بعده، فقد يكون به حملًا على المعنى، أو بإضمار ما يدل عليه.

وأما عمل الفعل فيه فلأنه في معنى المصدر كما تقول ضربت كل الضرب وبعض ضرت، وأيما ضرب، وضربته سوطًا وسوطين.
وعلى " الخط"، يقولون للرسوم التي بين الدفتين: هذا كلام الله.
وعلى "الإشارة" قال بعض الهذليين:
أرادت كلامًا، فاتقت من رقيبها فلم يك إلا ومأها بالحواجب
أي/: فلم يك الكلام إلا ومأها، أي: إشارتها.
وعلى "ما يفهم عن حال الشيء" وإن كان لا يلفظ. وعلى " اللفظ المركب الذي لا يفيده" قالوا: تكلم ساهيًا. وعلى "اللفظ المركب المفيد بغير القصد"، قالوا: تكلم ساهيًا. وعلى "ما" اصطلح عليه النحويون أن يسموه كلامًا".
وقد اضطرب كلام ابن عصفور في دلالة "الكلام" على هذه المعاني، فزعم مرةً أن الكلام بالنظر إلى اللغةً لفظ مشترك بين هذه المعاني، وزعم مرةً أن الكلام في أصل اللغةً اسم بما يكلم به عن الجمل، سواء أكانت مفيدةً أو غير مفيدةً، وقد تخرجه العرب عن ذلك، قال: فتستعمله مصدرًا لكلم، وذكر أن المعاني السابقةً يطلق عليها الكلام على جهة المجاز.

وقد اختلف النحويون في إطلاق "الكلام" على الكلام النفساني وعلى ما يعبر به من الجمل، أذلك حقيقةً فيهما على جهة الاشتراك أم حقيقةً في النفساني مجاز في اللساني أم مجاز في اللساني حقيقة في اللساني؟ ثلاثة مذاهب:
وظاهر كلام س - رحمه الله - أن الكلام لا يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة. وذكر المصنف حين ذكر قول س "واعلم أن (قلت) في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها ما كان كلامًا لا قولا" قال: عني بالكلام الجمل، وبالقول المفردات، ولا يريد أن القول مخصوص بالمفردات، فإن إطلاقه على الجمل سائغ باتفاق. وقد يمسى الاعتقاد قولًا لأن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره، والقول قد لا يتم معناه إلا بغيره، بخلاف الكلام، فإنه تام المعنى بنفسه، ولذلك أطلق على القرآن "كلام الله"، ولم يطلق عليه "قول الله". وقد شاع إطلاق القول على ما لا يطلق عليه كلام، كقول أبي النجم:
قالت له الطير: تقدم راشدًا إنك لا ترجع إلا حامدا
وقال آخر:
وقالت له العينان: سمعا وطاعة وحدرتا كالدر لما يثقب
انتهى كلام المصنف، رحمه الله.
وما ذكر من أن "القول" لا يطلق على كلام الله - تعالى - فيه نظر.
وما أنشده من قول الشاعر "وقالت له العينان" أنه نسب القول إلى العينين، ولا

يحسن نسبة الكلام للعيون، مخالف، لما نص الناس عليه من آن الإشارة بالعيون تسمى كلامًا كما تسمى قولًا، وقد أنشدنا شاهدًا على ذلك:
أرادت كلام ...................... ...........................
البيت. وأنشدوا أيضًا:
إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر
ولاشتهار إطلاق الكلام على الإشارة استعمل ذلك المولدون، قال. حبيب:
كلمته بجفون غير ناطقةٍ فكان من رده ما قال حاجبه
وأما ما أنشده المصنف - رحمه الله - من قول الشاعر:
أشارت بطرف العين خشيه أهلها إشارة محزون، ولم تتكلم
/فإنما نفي الشاعر التكلم حقيقة لا الكلام المجازي، فلا تناقض بين قوله: "أشارت" وبين قوله: "ولم تتكلم".
وقال بعض أصحابنا: من قال إنه حقيقة في المعنى القائم بالنفس قال: سمعت اللفظ كلامًا لدلالته عليه، كما تقول: سمعت العلم، ونطق بالعلم، وإنما سمع وينطق باللفظ الدال على العلم. ومن قال هو حقيقة في اللفظ وإنما سمي العلم به لأن المعنى أصله، كما سموا العنب خمرا، والشحم طرقًا، وأصل الطرق القوة، لأن القوة تكون عنه، وكما سموا النبات غيثًا. ومن قال بالاشتراك احتج بتكافؤ هذين الاحتمالين، فلم يكن أحدهما أولى، فوجب القول عنده بالاشتراك.

فأما وقوعه على ما تدل عليه الآثار والرسوم والكتابة وغير ذلك فمجاز، لا خلاف فيه، لقول الشاعر:
وعظتك أجداث صمت ونعتك ألسنة خفت
وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور شتت
وأرتك قبرك في القبو ... ر، وأنت حي لم تمت
قوله الكلام ما تضمن من الكلم هذا جنس يشمل سائر المركبات من الكلام وغيره، ويشمل ما تألف من كلمتين فأكثر. قال المصنف: "فلذلك لم يقل "الكلم المتضمن" لأن الكلم اسم جنس جمعي كالنبق، وأقل ما يتناول ثلاث كلمات" انتهى. وقد قدمناه اختلاف الناس في ذلك.
ومن قال إن اسم الجنس إذا كان بغير الهاء كان للكثير استعذر عن إطلاق الكلم على الاسم والفعل والحرف. فقال الأستاذ أبو علي الشلويبن: "أرادوا بها الأجناس، والأجناس لا تنحصر أفرادها". ورد عليه بأن اسم الجنس إنما يقع على ما فوق العشرة من آحاده، وآحاد "الكلمة" هنا إنما هي "الكلمة" التي يراد بها جنس الأسماء، "والكلمة" التي يراد بها جنس الأفعال، و "الكلمة" التي يراد بها جنس الحروف، فـ "الكلم" إذآ لم يقع مما يقع عليه واحده إلا على ثلاثة خاصة.

وقال الأستاذ أبو الحسن ين عصفور: "إنما أوقعت العرب اسم الجنس على ما فوق العشرة، والجمع بالألف والتاء على ما دون ذلك، تفرقةً بين القليل والكثير حتى لا يلبس أحدهما بالآخر، وهذه التفرقة لا تتصور هنا لأن النجم إذا كان جمعًا للكلمة الواقعةً على كل واحد من الأجناس الثلاثة لم يكن لها جمع قليل ولا كثير فيفرق بينهما؛ ألا ترى أنه ليس لـ "الكلم" الذي هو اسم جنس ولا لـ "كلمات" ما يقعان عليه إلا الأجناس الثلاثة خاصة، فلما لم تتصور التفرقة ساغ وقوع اسم الجنس موقع الجمع بالألف والتاء لأن اللبس إذ ذاك قد آمن، وأيضًا فإنك إن جمعت بالألف والتاء فلأن الثلاثة قليل، وإن أتيت باسم الجنس فلان هذه الثلاثة هي جمعت ما يقع عليه "كلم"، كما أنك تقول: التمر أطيب من الزبيب، فتوقع التمر على جميع ما يقع عليه تمر" انتهى كلامه.
قال المصنف- رحمه الله -: "وإنما قيل "ما تضمن من الكلم" فصدر الحد بـ "ما" لصلاحيتها للواحد فما فوقه، ثم خرج الواحد بذكر تضمن الإسناد المفيد، فبقي الاثنان فصاعدًا، وهو المراد" انتهى.
وتصديره الحد بـ "ما" ليس بجيد لأن "ما" لفظ مشترك، والحدود تصان عن الألفاظ المشتركة، ولو قال "الكلام المتضمن من الكلم" لخلص من لفظ "ما"، ودل على ما أراد من المعنى. ومعنى التضمن هنا الدلالة لا التضمن الذي هو قسيم المطابقة والالتزام.
وقوله من الكلم يريد بذلك الكلم الذي هو جمع "كلمة" المصطلح عليه، وهو الاسم والفعل والحرف؛ لأن "الكلم" يطلق في لغة العرب على

"الكلام" قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وقال تعالى: {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} , وقال الشاعر:
أخشى عذابك إن قدرت ولم ... أعذر, فيؤثر بيننا الكلم
وقال آخر:
غراء أكمل من يمشي على قدم ... حسنا, وأملح من حاورته الكلما
وقال آخر:
أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ ... وكنت أخشى عليها من أذى الكلم
قوله إسنادًا احتراز من المفرد نحو "زيد" ومن مركب لا إسناد فيه نحو: عندك، وخير منك، وغلام زيد، وزيد الخياط إذا كان الخياط صفة، فهذا كله مركب بغير إسناد، فلا يسمى كلامًا.
وزعم بعض النحويين أن اللفظة المفردة وجودًا وتقديرًا قد تكون كلامًا إذا قامت تقام الكلام، وبعل عن ذلك "نعم" و "لا"، فإنهما كلامان، وليسا بمركبين.
ورد هذا المذهب بأنهما مركبان تقديرًا، والأصل إذا قال: "نعم" في جواب: هل خرج زيد؟ نعم خرج زيد، وفي الجواب ب "لا" لا لم يخرج زيد، وكذلك حيث يجاب بـ "بلى" نحو: ألم تضربي زيدًا؟ فتقول: بلى أي: بلى ضربت زيدًا. والدليل على أن هذا هو الأصل تصريح العرب بذلك

بعد هذه الحروف، قال ذو الرمة:
على بابها منْ عندِ رحلي وغاديا تقولُ عجوزٌ مدرجي متروِّحاً
أراكَ لها بالبصرة ِ العامَ ثاويا أذو زوجة ٍ بالمصرِ أمْ ذو خصومة
لأَكْثِبَة ِ الدَّهْنَا جَمِيعاً وَمَالِيَا فقلتُ لها: لا إنَّ أهلي لجيرة ٌ
أُرَاجِعُ فِيهَا يَا ابْنَة َ الْقَوْمِ قَاضِيَا وَمَا كُنْتُ مُذْ أَبْصَرْتِنِي فِي خُصُومَةٍ
فقوله بعد " لا " "إن أهلي جيرةً" إلى آخر البيت بمنزلة أن يقول: لست ذا زوجةً بالمصر. وقوله بعد "لا" أيضًا "وما كنت مذ أبصرتني في خصومةً" بمنزلة أن يقول: لا لست ذا خصومة بالمصر.
وما ذكروه أن مثل هذا تصرح بالجملة المحذوفة بعد "لا" و "نعم" ليس بتصريح حقيقةً، إنما / ذلك من حيث المعنى لأنه لم يصرح بالجملتين المقدرتين بعد "لا" و "نعم" إنما أتي بما يدل على انتفاء كونه ذا زوجةً وذا خصومةً.
ومما يدل على تقدير الجملةً بعد حروف الجواب عمل فعل تلك الجملةً المحذوفةً في تابع وفي حال، نحو قولك: ألم تخرب زيدًا؟ فقول: بلى وعمرًا، فقولك "وعمرًا" معطوف على المحذوف من قولك: بلى ضربت زيدًا وعمرًا، وكذلك قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ}، أي: بلى ئجمعها قادرين على أن نسوي بنائه. وكذلك؛ أضربت زيدًا؟ تقول: نعم وعمرًا، التقدير: نعم ضربت زيدًا وعمرًا.
وقد حد المصنف الإسناد، فقال: " الإسناد عبارةً عن تعليق خبر بمخبر

عنه، أو طلب بمطلوب منه. وليس بحاصر لأنواع الإسناد لأنه يخرج منه الإنشاء كالنداء والقسم وألفاظ العقود وغير ذلك، فإن ذلك ليس تعليق خبر بمخبر عنه ولا طلب بمطلوب، وقد قسم المصنف الجملة في باب الموصول إلى خيرية وطنية وإنشائية.
وقال بعض أصحابنا: الإسناد في اصطلاح النحويين ضم شيء إلى شيء على جهة أن يقع بمجموعهما استقلال فائدةً، آو يكون أصله ذلك.
وقد قسم النحويون الكلام إلى خبر وغير خبر، فالخبر جائز ومحال، فالجائز مستقيم وخطأ. وغير الخبر اختلفوا فيه فذهب أبو الحسن إلى أنه الاستخبار، والتمني، والطلب، وهما الأمر والنهي، وهما واحد

عند س والكسائي والفراء وجماعة. وزاد الفراء وابن كيسان الدعاء - وهو النداء - والطلب، وهو المسألة. وزاد قطرب التعجب والعرض والتحضيض.
وفي كتاب "الضروري": "الأقاويل المركبة من المفردات تام كاف بنفسه، وهو المسمى كلامًا، وغير تام هو بمنزلة الاسم المفرد نحو: غلام زيد، وزيد العاقل، وهو إنما يقع جزءًا من قول تام أو من تمام قول تام، ويسمى عند قوم تركيب تقييد.
والتام جملة خيرية، وهو ما يمكن فيه الصدق والكذب، وجملة لا يمكن ذلك فيها، وهو النداء وطلب الفعل وطلب الترك، فإن كان من رئيس إلى مرؤوس قيل له: آمر أو نهي، أو من مرؤوس إلى رئس قيل له: رغبة، وإن كان إلى الله قيل له: دعاء، كان من مساو إلى مساو خص باسم الطلب، والعرض والتمني والترجي والتحضيض داخلةً في هذا النوع لأنها طلب، والاستفهام بوجه ما داخل أيضًا في الطلب إلا أنه طلب قول لا فعل، وقد جعله قوم على حدته جنسًا داخلًا تحت القول التام الذي لا يصدق ولا يكذب. وكذلك التعجب، جعله قوم أيضًا جنسًا على حدته داخلًا تحت القول الذي لا يصدق ولا يكذب، وجعله قوم داخلًا تحت الخبر لأنه خبر متعجب منها؛ انتهى، وفيه بعض تلخيص. وسنتكلم على ذلك عند ذكر أقسام الكلام إن شاء الله.

وقوله مفيدًا قالوا احترز بالمفيد من المتضمن إسنادًا؛ لكنه غير مفيد، نحو قولهم: النار حارةً، والسماء فوق الأرض، وتكلم/ رجل، فإن هذا - وإن شمي كلامًا في اللغة - لا يسمى كلامًا في اصطلاح النحويين.
قال المصنف - رحمه الله -: "وقد صرح س وغيره من أئمة العربية بأن الكلام لا يطلق حقيقةً إلا على الجمل المفيدةً. قال: قال س - رحمه الله - وقد مثل بـ "هذا عبد الله معروفًا": "فـ"هذا" اسم مبتدأ يبنى عليه ما بعده، وهو عبد الله، ولم يكن يكون "هذا" كلامًا حتى يبنى عليه أو على ما قبله". انتهى كلام س - رحمه الله - ولا دليل فيه على دعوى المصنف رحمه الله. والتمثيل بالمفيد لا يدل على اشتراط الإفادة في الكلام، بل ظاهر كلام س - رحمه الله - أنه لا يشترط الإفادة لأنه قال: "ولم يكن ليكون كلامًا حتى يبنى عليه أو يبني على ما قبله " أي: حتى يحصل بينهما إسناد، فيكون مبتدأ وخبرًا، والإسناد أعم من أن يكون مفيدًا أو غير مفيد، وإنما ذكر ذلك س - رحمه الله - احترازًا من المفرد، فإنه لا يسمى كلامًا لأنه لا بناء شيء فيه على شيء ولا إسناد.
وكان بعض من عاصرناه يقول: العجب لهؤلاء النحاة، يجيئون لأصدق القضايا، فيجعلونها ليست بكلام، كقولنا: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان لا يجتمعان وقد يرتفعان، والكل أكثر من الجزء، والواحد نصف الاثنين، ويلزمهم لما شرحوا المفيد إنه الذي يفيد السامع علم ما لم يكن يعلم أن الكلام إذا طرق سمع الإنسان فاستفاد منه شيئًا، نم طرقه ثانيًا، وهو قد علم مضمونه أولًا، أنه لا يكون كلامًا باعتبار المرة الثانيةً

لأنه لم يفده علم ما لم يكن يعلم، فيكون الشيء الواحد كلامًا غير كلام بحسب إفادته السامع، هذا خلف.
قال المصنف - رحمه الله - وقد ذكر أن س - رحمه الله - صرح بأن الكلام لا يطلق حقيقةً إلا على الجمل المفيدة: "ومن ذلك قوله - يعني س -: "واعلم أن "قلت" في كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها ما كان كلاما لا قولًا "، عنى بالكلام الجمل وبالقول المفردات" انتهى.
ولا دليل في ذلك على دعوى المصنف على س لأنه أطلق الكلام على الجمل، والجمل أعم من أن تتضمن إسنادًا مفيدًا أو غير مفيد، وما أظن أحدًا يمنع: قال زيد النار حارة، ولا: قال زيد الجزء أقل من الكل.
وقوله مقصودًا قال المصنف في شرحه: "احترز بـ "مقصود" من حديث النائم ومحاكاةٍ بعض الطيور للإنسان ومراجعةً الصدى في بعض الأمكنة الخاليةً)) انتهى.
اعتبر المصنف - رحمه الله - في حد الكلام هذا الفصل، وهو أن يكون مقصودًا للمتكلم، وكذلك اعتبره الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، رحمه الله، ومنه أخذه المصنف لأن من قال في حد الكلام "المفيد بالوضع" اختلفوا في مراده بالوضع، فقال ابن عصفور: "معنى بالوضع بالقصد"، قال: يقال: تكلم ساهيًا ونائمًا، ومعلوم أن الساهي والنائم لم يضعا لفظهما للإفادة، ولا قصداها" فهذا مفيد بغير الوضع.
وكان شيخنا الإمام أبو الحسن علي بن محمد بن علي الكتامي

المعروف بابن الضائع - رحمه الله تعالى - يقول: "قول/: المتأخرين إن كلام الساهي والنائم والمجنون مفيد إلا أنه بغير الوضع لا ينبغي أن يقال لأن مثل هذا لا يفيد بوجه، فإذا قال النائم مثلًا: زيد قادم، ووافق ذلك قدوم زيد، فالفائدة لم تحصل من إخباره بوجه، وإنما حملتا من مشاهدة قدوم زيد لا من نفس الإخبار، فهو غلط من قائله، ولا بد، وإنما يمكن هنا أنه تحرز بـ "المفيد بالوضع" مما لا يفيد إلا بالعرض لا بالوضع، وذلك أنك إذا قلت؛ قام غلام زيد، أفاد هذا الكلام مفهومين: أحدهما الإخبار عن غلام زيد بالقيام، وهو هو المعنى الذي وضع له اللفظ. والثاني تملك زيد للغلام، وليس اللفظ موضوعًا له، فإذا م مفيد له بغير وضح، فمن هنا تحرز القائل بالوضع" انتهى.
وفهم من كلام الأستاذ أبي الحسن بن الضائع أنه لا يشترط في الإفادة قصد المتكلم إياها، وإنما يشترط فيها أن تكون على هيئة التركيب الموضوع في لسان العرب. وكثير من النحويين لم يعتبروا في حد الكلام سوى التركيب ألإسنادي فقط، ولم يشترطوا الإفادة ولا القصد.
وقول المصنف - رحمه الله - "ومحاكاة بعض الطيور للإنسان" ليس بشيء لأنه قد قال في أول الحد "ما تضمن من الكلم إسنادًا مفيدًا" والذي يسمع من محاكاة الطير لم يتضمن من الكلم، فليس الطائر ناطقًا بكلم أصلًا فضلًا عن أن يضمن إسنادا مفيدًا، وإنما هي محاكاة أصوات لا نطق بكلم.

وأما مراجعة الصدى فإنما هو سماع كلامك أنت لا أن ثم كلامًا غير كلامك ولا متكلمًا غيرك، فلا يحتاج أن يحرز منه.
وقوله لذاته قال المصنف - رحمه الله - في شرحه؛ "احترز بأن قيل مقصودًا لذاته" عن المقصود لغيره كإسناد الجملة الموصول بها أو المضاف إليها، فإنه إسناد لم يقصد هو ولا ما تضمنه لذاته، بل قصد لغيره، فليس كلامًا، بل هو جزء كلام، وذلك نحو قاموا من قولك: رأيت الذين قاموا، وقمت حين قاموا" انتهى كلامه في شرحه، ولم أر هذا القيد لأحد عن النحويين غيره.
ويمكن أن ينازع فيه من وجهين:
أحدهما: هذا كلام، ويدل على إطلاق هذا أنه كلام أنهم شرطوا في الصلة أن تكون جملة خبرية، واحترزوا بقولهم: "خبرية" من غير الخبرية كالأمر والنهي والاستفهام والترجي وغير ذلك مما ليس بخبر. وشرحوا الخبرية بأنها التي تحتمل الصدق والكذب، والخبر أحد أقسام الكلام، فثبت بذلك أنها كلام، ولاسيما على مذهب من لا يشترط في الكلام سوى التركيب ألإسنادي.
والوجه الثاني: ينازع في أن هذه الجملة تضمنت عن الكلم إسنادًا مفيدًا مقصودًا حتى يحترز بقوله: "لذاته" منها لأن هذه الجملة في الجملة هي كجزء عن الاسم، ولم تنتهض أن تكون عن قبيل الكلمة، بل هي والموصول قبلها كلمة، فإذا قلت: "جاءني الذي قام" فمعناه: جاءني القائم، فهي جزء من المفرد، وأما الجملة المضاف إليها فإنها في تقدير المفرد، فقولك: قمت حين قاموا، معناه: حين قيامهم، فصورتها صورة ما فيه/ إسناد، والمعنى على التركيب التقييدي

وقد حد أصحابنا الكلام بحدود, قال أبو بكر بن طاهر "الكلام مفيد مؤلف عن الكلم". وقال أبو إسحاق بن ملكون: "الكلام ألف من مفرد الكلم"، وأفاد معنى من المعاني التي ألفت الكلم إليها. وقال ابن هشام: الكلام ما قام عن مسند ومسند إليه واستقو بمعناه. وحده الجزولي وتبعه ابن عصفور - بأنه اللفظ المركب المفيد بالوضع" وهذا من أجود ما حذوه به. وقد أورد على كل قيد منها، ولنا الآن نشرح هذا الحد، إلا أنا نذكر ما ذهب إليه الأستاذ أبو بكر بن طلحة من أن هذا الحد الذي حده أصحابنا بالنظر إلى

الاصطلاح فاسد، قال: لأنه غير مانع, إذ قد يدخل تحته ما ليس بكلامك كـ"بعلبك" فإنه لفظ مركب مفيد لمسماه، وإفادته له بالقصد، وهو مع ذلك ليس بكلام. وإصلاح الحد عنده بأن يزاد فيه "الذي يدل جزء من أجزائه على جزء من أجزاء معناه" ليخلص بذلك من "بعلبك" وأمثاله؛ ألا ترى أن قولك "قام زيد" معناه الإخبار بقيام ماضٍ عن شخص معين اسمه زيد، و"قام" الذي هو جزء منه يدل على جزء من ذلك المعنى، وهو القيام الماضي، والجزء الآخر، الذي هو "زيد" يدل على ذلك الشخص المعين الذي اخبر عنه بالقيام الماضي، وليس كذلك " بعلبك"، فإن بعلا على انفراده وبكا على انفراده لا يدل واحد منهما على جزء من معنى بعلبك.
قال ابن عصفور: "وهذه الزيادة التي زادها في الحد غير محتاج إليها لأن "بعلبك" وأمثاله غير داخلةً تحته لأنها ليست مفيدةً كما توهم؛ لأن الإفادة لا يعنى بها دلالة اللفظ على معناه، إذ لو عنى بها ذلك لكان "الاثنان أكثر من الواحد" مفيدًا لأن هذه الألفاظ لها معان تدل عليها، وإنما المفيد الذي يحصل منه للمخاطب علم ما لم يكن يعلمه قبل، وذلك لا يصور في "بعلبك" وأمثاله؛ ألا ترى أن المخاطب إذ كان يجهل ما يقع عليه "بعلبك"، لم يعلم إذا سعه منك ما تريد به، وإن كان قد علم ما يقع عليه قبل سماعه منك بقي على علمه، ولم يستجد أمرًا زائدًا، انتهى رد ابن عصفور على ابن طلحة.
قال المصنف في شرح هذا الكتاب: "وزاد بعض العلماء في حد الكلام "من ناطق واحد" احترازًا من أن يصطلح رجلان على أن يذكر أحدهما فعلًا أو مبتدأ، ويذكر الآخر فاعل ذلك الفعل أو خبر المبتدأ، فإن مجموع

النطقين مشتمل على ما اشتمل عليه مثله إذا نطق به واحد، وليس بكلام لعدم اتحاد الناطق، لأن الكلام، عمل واحد، فلا يكون عامله إلا واحدًا.
ورد ذلك بأن اتحاد الناطق لا يعتبر، كما لا يعتبر اتحاد الكاتب، لو كتب واحد "قام" وآخر "زيد" لسميت تلك كتابةً وخطًا، فكذلك الكلام.
ولا يعترض على هذا بعدم ترتب أثر الإقرار في نحو لو قال واحد "لزيد" وقال الآخر: "عندي درهم"؛ لأن ذلك أمر شرعي لا يترتب الأثر إلا على من نطق بجملة الإقرار، فليس من صرح الكلام بالنسبةً إلى كل واحدًا منهما وإن كان كلامًا بالنسبةً إلى تركبه منهما.
ورد ذلك أيضًا بأن كل واحد من الناطقين إنما اقتصر على أحد الجزأين اتكالًا على نطق الآخر، فمعناها مستحضر في ذهنه, فمجموع ذلك المعنى والكلمة التي نطق بها كلام، كما يكون كلامًا قول من رأى شبحًا فقال: زيد، أي: هذا زيد.
ومما يدل على أن هذا كلام قصة امرئ القيس والتوأم اليشكري "قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس ينازع من يدعي الشعر، فنازع التوأم اليشكري، فقال: إن كنت شاعرًا فملط أنصاف ما أقول وأجزها، قال: نعم"

وذكر ما نظمه كل واحد، ومنها: قال امرؤ القيس:
كأن هزيزة بوراء غيب ....................
فقال التوأم:
................ عشار وله لاقت عشارًا
فقال امرؤ القيس:
فلما أن دنا بقفا أضاخ .....................
فقال التوأم:
............... ... وهت أعجاز ريقه، فحارا
فهذان البيتان كل واحد منهما كلام، وهما من ناطقين، وكل نصف مفتقر إلى الآخر بحيث إنه لا يستقل النصف كلامًا لأن خبر "كان" من قول امرئ القيس هو "عشار" من قول التوأم، وجواب "لما" من قول امرئ القيس هو "وهت" من قول الثوأم.
وكذلك قصه جرير والفرزدق حين أنشد عدي بن الرقاع بعض

الملوك قول:
تزجي أغن، كأن إبرة روقه .................................
واشتغل ذلك الملك عن سماع بقية البيت، فأمسك عدي عن الإنشاد حتى يسمع الملك، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول عدي؟ فقال جرير: يقول:
................................ ... قلم أصاب من الدواة مدادها
ثم استمع الملك، فقال عدي:
تزجي أغن، كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
فتعجب الفرزدق من إتمام جرير البيت على ما أنشده عدي، وما ذلك لا لأن المعنى مستحضر في الذهن.
وكذلك قصة زهير مع ابنه كعب في استخباره كعبًا: هل تجيد الشعر؟ فصار زهير يقول بيتًا، ويقول لكعب: أجز، فيأتي ببيت متعلق بالأول مناسب له، حتى نظما أبياتًا.
ومثل هذا كله لا يكاد أحد يقول إن هذا ليس بكلام لكونه من ناطقين.
وإنما قال المصنف "بعض العلماء" ولم يقل "وزاد بعض النحويين" لأن هذا القول لم ينقل عن نحوي فيما نعلم، وإنما قاله بعض من تكلم في علم الأصول، فلذلك قال: "بعض العلماء" ولم يقل "بعض النحويين"

والمؤتلف كلامًا فعل وفاعل، وفعل ومفعول ما لم يسم فاعله، واسمان مبتدأ وخبر، واسمان ليسا مبتدأ وخبرًا، وذلك تزال وشبهها، واسمان مع حرف نحو: أقائم الزيدان؟ واسمان دون حرف نحو: قائم الزيدان، على مذهب أبي الحسن. واسم وحرف على مذهب أبي علي في النداء، نحو: يا زيد. وحرف وما هو في تقدير الاسم، وهو أما أنك منطلق، بفتح أن، وزعم ابن خروف أنه عن باب "يا زيد" على مذهب أبي علي. ورد عليه بأن "أن" وإن كانت في تقدير مفرد - فإن في الكلام مسندا ومسندًا إليه، وتقع "أن" موقع المفعولين. ومن فعل واسمين في مذهبا جماعة من النحويين، نحو: كان زيد قائمًا؛ لآن/ الاسم لا يستغني عن الخبر: هنا، و"كان" لا تستغني عنهما. ورد بأن "كان" تحذف، ويبقى الكلام تامًا، فهي في هذا كـ "إن"، وكل ما يجوز حذفه ويبقى الكلام مستقلًا بعده لا يعاد من التأليف، ولو ذهبنا إلى هذا لم تنحصر وجوه التأليفات.

-[ص: والاسم كلمةً يسند ما لمعناها إلى نفسها أو نظيرها.]-
ش: في الاسم لغات: اسم بكسر همزة الوصل وضمها، وسم بكسر السين وضمها، وسما كهدى، فإن كانت هذه مستدلًا عليها بقوله

والله أسماك سما مباركًا
فلا حجةً فيه لجواز أن لا يكون مقصورًا، يل تكون حركة الميم حركة إعراب.
ومذهب البصريين أنه مشتق من السمو، فالمحذوف منه اللام. ومذهب الكوفيين أنه من الوسم، وهو العلامةً، فالمحذوف منه الفاء. والأول أرجح لقولهم أسميت وسميت وسمي وأسماء، ولو كان على مذهب الكوفيين لقالوا أوسمت ووسمت ووسيم وأوسام وادعاء أن هذه التصاريف كلها من باب القلب لا ضرورةً تدعو إلى ذلك.
وحد المصنف الإسناد إنه "عبارة عن تعليق خبر بمخبر عنه، أو طلب بمطلوب منه. وهذا حد ناقص لأنه غير جامع؛ ألا ترى أنه نقصه بعض الإنشاءات، كقولك: بعتك هذا بدرهم، وقول المشتري: اشتريته بدرهم. وكذلك قول القائل لعبده: أنت حر، وقولك: أقسم أو أقسمت لآخرين زيدًا. فهذه كلها ليست تعليق خبر بمخبر عنه ولا طلب بمطلوب منه، وقد تضمنت الإسناد، فليس الإسناد محصورًا فيما ذكره، وإنما حد الإسناد بما حده ليخرج بذلك الإسناد اللفظي، فإنه لا يخص بالاسم، بل يوجد في الفعل، نحو "ضرب: فعل ماضي"، وفي الحرف نحو "في: حرف جر" وفي الجملة نحو "زيد قائم: مبتدأ وخبر".
وقوله كلمه جنس يشمل الاسم والفعل والحرف، وهكذا سائر

الحدود، يبدأ أولا بالجنس. قال المصنف: "واحترز بـ "كلمة" من واقع موقع اسم مثل أن ومعموليها"،. وقد رددنا، عليه مثل هذا في قوله في حد الكلمة: "لفظ" أن الأجناس لا تذكر للاحتراز، وأنه اتبع ابن عصفور في ذلك.
وقوله: يسند ما لمعناها إلى نفسها معناه سند الحكم الذي هو لمدلول الكلمةً إلى لفظ الكلمة، مثال ذلك: زيد عاقل، أسندت العقل الذي هو لمدلول زيد إلى لفظ زيد، وأجريته عليه، وهو من حيث المعنى لمدلوله؛ لأن المسند إليه العقل إنما هو مدلول زيد لا لفظ زيد. وقيد الإسناد باعتبار المعنى لأنه الخاص بالأسماء، بخلاف الإسناد باعتبار مجرد اللفظ، فإنه عام، واحترز بذلك من الفعل والحرف، فإنه لا يسند ما لمعناهما إلى أنفسهما، فهذا فصل خرج به الفعل والحرف.
وقوله: أو نظيرها مثال ذلك صة وفل وسبحان، فهذه لا يصح إسناد ما لمعناها إلى نفسها، وهي أسماء، لكن نظيرها يصح ذلك فيه، ويعني بالنظير ما وافق معنى ونوعًا، فـ "صة" موافق للسكوت، و "فل" قال المصنف: موافق لفلان". وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النداء/ أنه ليس موافقًا له، وأنه موافق لـ "رجل" و "سبحان" موافق لـ "براءةً"، وهذه النظائر يصح أن يسند ما لمعناها إلى أنفسها.
وقد عدل المصنف في حد الاسم عما حده به النحويون إلى هذا الحد الذي ذكره، وهذا الذي اختاره غير مختار؛ لأن النحويين حدوا الاسم بالأمور الذاتيات التي هي فيه قبل التركيب، والمصنف حده بأمر عارض له حالة التركيب، وهو خاصةً من خواصه حالة التركيب، وهو الإسناد

المعنوي، وليس هذا شأن الحدود، مع ما في حده من غموض اللفظ والإبهام والترديد والمجاز الذي هو مناف للحد؛ إذ الحد إنما يؤتي به لإيضاح المحدود وبيانه، وصار كل قيد في حده يحتاج إلى شرح طويل، فيحتاج أن يشرح الإسناد والمعنى والنظير، وهذه أمور فيها غموض لا يناسب الحدود والإبهام في قوله: "ما لمعناها"، والترديد في قوله: "أو نظيرها"، والمجاز في قوله: "إلى نفسها"، والكلمة لا يقال لها "نفس" إلا بمجاز.
وأحسن ما حد به الاسم أن يقال: "الاسم كلمة دالةً بانفرادها على معنى غير متعرضةً ببنيتها للزمان". فقولنا: "كلمة" جنس يشمل الاسم والفعل والحرف. وقولنا: "دالةً بانفرادها على معنى" احتراز من الحرف، فإنه لا يدل على معناه إلا بضميم: غير متعرضة إلى آخره" احتراز من الفعل.

-[ص: والفعل كلمه تسند أبدًا، قابلة لعلامة فرعية المسند إليه.]-
ش: ثبت في بعض نسخ هذا الكتاب، وفي بعض نسخ شرحه للمصنف: "الفعل كل كلمة" وهكذا قاله أبو موسى الجزولي في حد الاسم، وفي حد الفعل، وفي حد الحرف. وسمعت الأستاذ الحافظ أبا الحسن علي بن محمد بن محمد الخشني الأبدي؛ يقول ما معناه: "إدخال "كل" في الحدود لا ينبغي لأن كلا إنما تدخل لاختبار الحد هل يطرد وينعكس، فتقول في حد الإنسان: الإنسان حيوان ناطق، فإذا اختبرناه هل يطرد: كل إنسان حيوان ناطق؟ وهل ينعكس: كل حيوان ناطق إنسان؟ فيعلم

بذلك صحة الحد انتهى. ونقول: لا يصح إدخال " كل" في الحد بوجه، وذلك أن كلا هي موضوعةً للعموم، فتدل على أفراد، والمحدود إنما هو شيء واحد متعقل في الذهن لا يصح تكثره ولا تعدده، فناقض هذا المعني معنى "كل".
قوله كلمة جنس يشمل الاسم والفعل والحرف.
وقوله تسند خرج بذلك الحرف وبعض الأسماء، كياء الضمير في نحو غلامي، والأسماء الملازمة للنداء نحو فل ومكرمان.
وقوله أبدًا احتراز من بعض الأسماء التي تسند وقتًا دون وقت، نحو قولك: زيد القائم، ثم تقول: القائم زيد، فزيد قد أسندته في هذا التركب، وأما في التركيب الأول فأسندت إليه القائم.
وقوله قابله لعلامة فرعية المسند إليه شرح هذا المصنف بأن هذه العلامة هي تاء التأنيث، وياء المخاطبة، والألف، والواو، والنون. واحترز بقوله: "قابلةً لكذا" من اسم الفعل؛ لأنه يصدق عليه أنه كلمة تسند أبدًا، لكنها لا تقبل تاء التأنيث، في نحو شتان، ويقبلها افترق، ولا يقبل ياء المخاطبة/ في نحو دراك، ويقبلها أدرك، ولا تقل الألف والواو والنون في نحو دراك، ويقبلها أدرك وقد حكم س بفعلية هلم عند من ألحقها الضمائر البارزة بها، وبكونها اسم فعل عند من لم يلحقها.
وقد عدل المصنف في حد الفعل عما حد به النحويون إلى هذا

الحد الذي ذكره، كما عمل ذلك في حد الاسم، وحده بأمر عارض للفعل حالة التركيب لا بما هو ذاتي للماهية، مع غموض قوله: "قابله لعلامة فرعية المسند إليه".
واختار المصنف في اصطلاح المسند والمسند إليه ما هو جار على أكثر ألسنة النحاة من أن المسند إليه هو المحكوم عليه، والمسند هو المحكوم به. وهذا أحد الاصطلاحات الأربعة. وثانيها أن كلا منهما مسند ومسند إليه، لأن كلا قد أسند إلى الآخر، والآخر أسند إليه. وثالثها أن المسند هو الأول مبتدأ كان أو غيره، والمسند إليه هو الثاني، فقام من قولك: قام زيد، وزيد من قولك: زيد قائم، هو المسند، وزيد وقائم هما مسند إليهما. والرابع عكس هذا، فزيد وقائم في التركيبين هما مسندان، وقام في جملة الفعل، وزيد في جملة المبتدأ، مسند إليهما. وإنما ذكرت هذه الاصطلاحات لأن المصنف ذكر أحد المصطلحات، فيتوهم أنه مصطلح النحويين أجمعين، ولئلا يقف أحد في كلام بعض النحويين على استعماله بعض هذه المصطلحات فيتوهم أنه أخطأ في ذلك. ولكل من هذه الاصطلاحات وجه؛ لأن الإسناد هو الإلصاق والإضافة، تقول: أسندت ظهري إلى الحائط، إذا ألصقته به وأضفته إليه، وهذا المعنى موجود في كل واحد منها؛ لأن كلا منهما قد أسند إلى صاحبه، فقد صار بينهما تساند، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وأحسن ما حد به الفعل أن يقال: "الفعل كلمة معترضةً ببنيتها لزمان معناها". فقولنا: "كلمة"، جنس يشمل الاسم والفعل والحرف. وقولنا: "متعرضة إلى آخره،" فصل يخرج الاسم والحرف. وقد ذكر خلاف في

دلالة الفعل على الزمان، فقيل: بالذات، واستدل بتغيير البنية بتغيير الزمان. ومنهم من قال: البنية لا تدل على الزمان بذاتها، وإنما تدل على أن الحدث ماضٍ أو غير ماضٍ، فينجر الزمان الماضي مع الحدث الماضي، والزمان غير الماضي مع الحدث غير الماضي. وإلى هذا ذهب أبو الحسين بن الطراوة، وزعم انه مذهب س، واختاره ابن عصفور في بعض تصانيفه، قال: "وهو المرضي عند كثير من النحويين المحققين، انتهى كلامه. والاستدلال في هذه المسألة يطول، ولم يتعرض لذلك المصنف رحمه الله، فيذكر دلائل القولين فيها، وقد أمعن الكلام فيها صاحب كتاب "المباحث" فيطالع في ذلك الكتاب.

-[ص: والحرف كلمه لا تقبل إسنادًا وضعيًا بنفسها ولا بنظير.]-
ش: كلمة جنس يشمل الاسم والفعل والحرف.
وقوله: لا تقبل إسنادًا فصل يخرج الاسم والفعل. ومعنى قوله: "لا تقبل إسنادًا أي: لا تسند ولا يسند إليها، فنفى قبول الإسناد/ بطرفيه.
وقوله: وضعيًا احتراز من الإسناد غير الوضعي، فإنه يصلح لكل لفظ.
وقوله: لا بنفسها ولا بنظير احتراز من الأسماء اللازمة للنداء، فإنها لا يسند إليها ولا يسند، لكن تقبله بنظير.
وهذا الحد الذي ذكره فيه صيغة النفي، وهو قوله: "لا تقبل" فهو عدمي، والعدمي لا يكون في الحد؛ لأن الحد إنما يكون بما تقومت منه

الماهية، والأعدام لا تتقوم منها الماهية؛ لأنها سلوب.
وفي هذا الحد تجوز لأنه قال: "ولا بنظير احتراز من الأسماء اللازمة للنداء، فإنها تقبل الإسناد بنظير" وهذا مجاز، لم تقبل هي إسنادًا لا بنفسها ولا بنظير، إنما نظيرها هو الذي قبل الإسناد، فلا ينسب الإسناد إليها يوجه، إنما ينسب إلى نظيرها وقد عدل المصنف في حد الحرف عما حده به النحويون إلى هذا الذي اختاره، كما فعل في حد الاسم وحد الفعل.
وأحسن ما قيل في حد الحرف: "الحرف كلمة دالةً على معنى في غيرها فقط". فقولنا: " كلمه" جنس يشمل الاسم والفعل والحرف, وقولنا: "دالةً على معنى في غيرها" احتراز من الاسم والفعل. وقولنا: "فقط" احتراز من أسماء الشرط والاستفهام، فإنها تدل على معنى في غيرها، لكنها مع ذلك تدل على معنى في نفسها.
وقد اختلف النحويون في تفسير معنى قولهم: "إن الحرف يدل على معنى في غيره". ويحتاج ذلك إلى دقيق فكر ونظر، فإن قولك كأن ولعل، كل منهما إذا ذكر للعالم بالوضع فهم من كأن التشبيه، ومنس لعل الترجي. وكذلك هل، يفهم منه الاستفهام، وذلك كفهمه من ضرب الفعل الماضي، ومن الكشح أن معناه الحصر، فيحتاج إلى مميز واضح يميز دلالة الحرف من دلالة الاسم والفعل. وحصر المتأخرون، معاني الحروف، فإن منها ما يدل على معنى في الاسم خاصةً، كلام التعريف وحرف النداء، أو في الفعل خاصةً كالسين ونون التوكيد، أو للربط بين اسمين كحرف العطف، أو بين فعلين كحرف العطف وإن الشرطيةً، أو بين جملتين كحرف العطف، أو بين

فعل واسم كحرف الجر، أو لقلب معني جملة تامة ك ((ما)) النافية وهل وهلا، أو لتأكيده نحو إن، أو لزيادة معني في آخر الاسم كألف الندبة والتعجب، أو للإنكار، أو علي آخر الكلمة للتذكر، أو للزيادة المحضة كما في قوله: (فبما رحمة)، أو للجواب ك ((نعم)) و ((لا))، أو لاستفتاح نحو ألا وأما، وللتنبيه نحو ((ها))، وللجواب نحو الفاء في جواب الشرط، ولا واللام في جواب القسم، وللتفسير نحو أي، وللخطاب كالكاف في ذلك وأرأيتك.

-[ص: ويعتبر الاسم بندائه، وتنوينه في غير روى، وبتعريفه، وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه، أو إضافة إليه، أو عود ضمير عليه، أو إبدال اسم صريح منه، وبالإخبار به مع مباشرة الفعل، وبموافقة ثابت الاسمية في لفظ أو معني دون معارض.]-
ش: لما بين الاسم والفعل بالحد أراد أن يزيد في البيان، فأخذ يذكر أشياء مما لا يكون إلا في الاسم، وسيذكر ما لا يكون إلا في الفعل. فذكر مما يعتبر به الاسم النداء، وهو أجود من قولهم حرف النداء، لأن ((يا)) قد / تدخل علي الفعل والحرف، نحو: يا حبذا زيد، {يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ}، والنداء يكون فيما لا دليل له علي أسمية إلا النداء نحو يا مكرمان، ويا فل، لأن هذين يختصان بالنداء.
قال المصنف: ((واعتبار صحة النداء بأيا وهيا وأي أولي من اعتبارها ب ((يا))، لأن ((يا)) قد كثرت مباشرتها الفعل والحرف نحو: يا حبذا، ويا

ليتني. وإنما اختص الاسم بالنداء لأن المنادي مفعول في المعني، والمفعولية لا يليق إلا بالاسم انتهي.
أما ما ذكر من اعتبار صحة النداء بأيا وهيا وأي فليس بجيد، لأن هذه الحروف يقل النداء بها، حتي إنها لم يجئ شئ منها في القرآن ولا في كلام الفصحاء، إلا إن كان بعضها ورد، وإلا في الشعر، فالأولي اعتبار النداء بحرفه المشهور الذي هو ((يا)). وأما دخول ((يا)) علي الفعل والحرف فليست للنداء علي أصح القولين، وإنما هي للتنبيه، ف ((يا)) لفظ يكون للنداء ويكون لمجرد التنبيه.
وأما قوله: ((لأن المنادي مفعول في المعني)) فهذا سبقه إليه الجزولي في قوله: ((المنادي مفعول في المعني، والفعل لا يكون مفعولا، فلا يكون منادي)). وظاهر هذا الكلام أن المنادي ليس بمفعول صحيح من جهة اللفظ والمعني.
وهذه مسألة خلاف: ذهب الكوفيون - وتبعهم السيرافي وابن كيسان وابن الطراوة - إلي أن المنادي مفعول من جهة المعني فقط. وذهب س والجمهور من البصريين إلي أنه مفعول صحيح من جهة للفظ والمعني. وسيأتي الاستدلال علي ذلك إن شاء الله في باب النداء.

فإن كان المصنف - رحمه - الله وافق الكوفيين هنا فهو فاسد علي ما يبين في النداء إن شاء الله. وأيضا يكون قد ناقض كلامه في باب النداء، قال: (المنادي منصوب لفظا أو تقديرًا بأنادي لازم الإضمار) انتهي.
وما سبيله هكذا فهو مفعول صحيح من جهة اللفظ والمعني. وإن كان المصنف هنا وافق س فيكون قد أساء العبارة حيث خصص جانب المفعولية بالمعني دون اللفظ. وقول من قال: ((يختص بالنداء)) أو ((يعتبر بالنداء)) ليس بجيد، لأن المنادي نوع ما من المفعول، فلو قيل: ((يختص أو يعتبر بكونه مفعولا)) لكان أعم، إذ يدخل تحته المنادي وغيره، والمفعولية من خصائص الأسماء.
وقوله: وتنوينه قد تكلم المصنف عن التنوين وعلي أقسامه في فصل آخر باب نوني التوكيد، فأغني ذلك عن ذكره وذكر أقسامه هنا.
وقوله في غير روى احتزاز من أن يكون التنوين في روى، فإنه إذ ذاك لا يعتبر به الاسم لوجوده في الاسم والفعل والحرف، وقد تكلمنا علي ذلك في مكانه من فصل التنوين، فلا حاجة لذكره هنا.
وقوله: وبتعريفه يشمل أنواع التعريف، سواء أكان بأداة كالألف واللام، أو بإضافة نحو معاذ الله، وويح زيد، وكذلك تعريف الإضمار والعلمية والإشارة. وهذا أحسن من قول من قال: ((ينفرد الاسم بدخول الألف واللام عليه)) وكان ينبغي إذ عمم التعريف هنا أن يعمم المفعولية عوض ذكره

النداء، فكان يقول: ويعتبر الاسم بكونه مفعولاً.
وقوله: وصلاحيته/ بلا تأويل لإخبارٍ عنه أو إضافة إليه مثال ذلك: زيد قائم، وغلام زيد. واحترز بقوله: ((بلا تأويل)) مما صلح لإخبار ولإضافة وليس باسم, لكنه في تأويل الاسم، نحو قوله تعالي: {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ} وقوله: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وقوله: {وَيَومَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ}، تقديره: سواء عليكم دعاؤكم، وصومكم خير لكم، ويوم تسيير الجبال، فقال: ((بلا تأويل)) لأن ذلك مختص بالاسم، وأما إذا كان بتأويل فيوجد في غير الاسم. وكذلك قولهم: ((تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)) أي: أن تسمع، بمعنى: سمعُك بالمعيدي.
وذهب بعض النحويين إلى أن الفعل قد يجوز الإخبار عنه، واستدل على ذلك بقول بعض العرب ((تسمع بالمعيدي خير من أن تراه))، فأخبر بقوله: ((خير)) عن «تسمع» وهو فعل. وبقوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَارَأَوُا الأَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} ففاعل (بدا) (ليسجننه) وهو فعل. وبقوله

تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ}، فـ ((من آياته)) خبر لـ ((يريكم))، وهو فعل، قالوا: لأن المعنى: ومن آياته رؤيتكم البرق. وبقول الشاعر:
وما راعني إلا يسير بشرطة ... وعهدي به قينا يفش بكير
والصحيح أن الفعل لا يخبر عنه، وظاهر ما استدلوا به الإخبار عن الجملة لا عن الفعل وحده. وظاهر كلام المصنف - رحمه الله - أن الإخبار إذا كان بتأويل يجوز في غير الاسم. وقد مَثَّل هو بما هو في تأويل الاسم مما هو مقرون بحرف مصدري نحو {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، ومما هو جملة نحو {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوُهُمْ}.
أما ما كان بحرف مصدري فلا نزاع فيه. وأما الإخبار عن الجملة فثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لا يجوز ذلك، وإليه ذهب المبرد والفارسي وجمهور البصريين، وصححه بعض أصحابنا.

الثاني: أنه يجوز، وإليه ذهب هشام وثعلب وجماعة من الكوفيين، وأجازوا: يعجبني يقوم زيد، وظهر لي أقام زيد أم عمر. واستدلوا بتلك الدلائل التي سبقت.
والثالث: مذهب الفراء وجماعة من النحويين، وهو التفصيل فأجازوا ذلك إذا كانت الجملة في موضع فاعل أو مفعول لم يسم فاعله لفعل من أفعال القلوب والفعل معلق عنها، نحو: ظهر لي أقام زيد أم عمرو، وعلم أقام عبد الله أم بكر. ولا يجيزون: يسرني يخرج عبد الله، فإن جاء ما ظاهره ذلك تأولوه. وقد نسب هذا القول إلي س، وكلام س محتمل.
وتأول من منع الإخبار عن الجملة ما ورد مما ظاهره ذلك، فتأولوا (تسمع بالمعيدي)، (وما راعني إلا يسير) علي إرادة أن، التقدير: أن تسمع، وأن تسير، فلما حذف ارتفع الفعل، كقوله:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغي .............. في رواية من رفع.
وأولوا (ثم بدا لهم) علي أن الفاعل ضمير يعود علي المصدر المفهوم من الفعل، أي: البداء، كما قال:

لعلك - والموعود حق لقاؤه - بدا لك في تلك القلوص بداء.
ونظير ذلك قوله:
إذا اكتحلت عيني بعينك مسها ... بخير، وجلي غمرة من فؤاديا
/أي: مسها الاكتحال. ويكون (ليسجننه) إذ ذاك جملة مفسرة لذلك الضمير، فلا موضع لها من الإعراب، والعرب قد تفسر المفرد بالجملة، كقوله تعالي: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}. أو في موضع المفعول بفعل مضمر، تقديره: قالوا ليسجننه. أو جوابا لـ (بدا)، لأن أفعال القلوب تضمنها العرب معني القسم، فتتلقي بما يتلقي به القسم.
والأحسن عندي أن يكون فاعل (بدا) ضميرا يعود علي المصدر المنسبك من قوله: (إلا أن يسجن)، أو علي المصدر المفهوم من قوله: (لَيُسْجَنَنَّ) ن أو علي المصدر الدال عليه السجن في قوله: {قَالَ رَبِّ السِجْنُ أَحَبَُ إِلَيَّ}، فالتقدير علي هذه الاحتمالات: ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات هو، أي: سجنه مقسمين ليسجننه.
وأما {ومِن آياتِهِ يُريكُمُ البَرْقَ} فالجار والمجرور متعلق بـ (يريكم)، أي: يريكم البرق من آياته.
وقوله: أو عود ضمير عليه مثال ذلك قوله تعالي {وقَالُوا مَهْمَا تَأتِنَا بِهِ

مِنْ آيَةٍ}، وقولهم: ما أحسن زيدًا! فـ ((مهما)) اسم، و (ما) اسم، يعود الضمير في (به) علي (مهما)، وفي أحسن علي (ما)، وقد ذكرنا خلاف بعض النحويين في (مهما) وزعمه أنها حرف في باب عوامل الجزم.
وقوله: أو إبدال اسم صريح منه مثال ذلك: كيف أنت أصحيح أم سقيم؟ ف (كيف) اسم لإبدال اسم منها، وهو بدل علي سبيل التفصيل، ولا يبدل اسم إلا من اسم.
وذكر المصنف - رحمه الله - هنا أنه إذا أبدل اسم من اسم الاستفهام وجب أن يقترن بالاسم همزة الاستفهام، وكثر المثل في ذلك. ولا حاجة لذكر هذا هنا، إذ قد ذكر ذلك في باب البدل، قال فيه: (ويقرن البدل بهمزة الاستفهام إن تضمن متبوعه معناها).
وقوله: وبالإخبار به مع مباشرة الفعل مثال ذلك: كيف كنت؟ والقيام إذا خرجت، ف (كيف) و (إذا) اسمان لأن الإخبار بهما ينفي أن يكون حرفين، لأن الحرف لا يخبر به، و (مباشرة الفعل) تنفي أن يكونا فعلين، فتعينا أن يكونا اسمين.
وقوله: وبموافقة ثابت الاسمية في لفظ يعني بذلك أن يوافق في وزن يخص الاسم، نحو وشكان وبطان، إذ لا يوجد فعل علي هذا الوزن. قال المصنف - رحمه الله - في الشرح: ((وانتفت الحرفية بكونهما عمدتين، والحرف لا يكون إلا فضلة)) انتهي. ولا أدري ما معني قوله في وشكان وبطان إنهما عمدتان، وقد تقرر أن العمدة في الاصطلاح هو ما كان مرفوعا كالمبتدأ والفاعل، ولا يصح ذلك في وشكان وبطان لأنه لم يذهب أحد إلى

أنهما في موضع رفع، ومن ذهب إلي أن لأسماء الأفعال موضعا من الإعراب فإنما ذهب إلي أنه نصب، وهذا الذي ذكره من اسمية وشكان وبطان ونحوهما من أسماء الأفعال هو علي مذهب البصريين، وأما الكوفيون فإن ذلك عندهم من قبيل الأفعال، وإن خالفت أوزان الأفعال سواها. وهذا مذكور في شرح باب أسماء الأفعال والأصوات من هذا الكتاب. وإن عني المصنف بالعمدة هنا أنها أحد ركني الإسناد فهو محتمل، لكنه ليس المصطلح، ويلزم منه أن يسمي (قام) من قولك: (قام زيد) عمدة. ويبين أنه أراد هذا - والله أعلم -/ قوله: (والحرف لا يكون إلا فضلة).
وقوله: أو معني مثاله (قد) بمعني (حسب)، تقول: قدك درهم، وقط زيد درهم، فهذه قد وافقت حسبا في المعني، وحسب ثابت الاسمية، ف (قد) اسم لذلك، ألا تري أنها أضيفت لما بعدها، والإضافة أيضا بلا تأويل من خواص الاسم.
وقوله: بلا معارض احتراز من واو المصاحبة، فإنها بمعني مع، ولا يقال فيها إنها اسم. وكذلك (من) التبعيضية، تقع في بعض المواضع موقع (بعض). لكن واو المصاحبة وقعت صدرا، والاسم الذي هو على حرف

واحد لا يقع صدرا، إنما يكون متصلا بآخر كلمة كتاء الضمير في نحو قمت ويائه في نحو غلامي، وإنما يقع صدرا مما هو علي حرف واحد الحروف كلام الجر وبائه وواو العطف، فلو حكمنا علي واو المصاحبة بالاسمية لخرجت بذلك عن النظير. وكذلك (من) التبعيضية إذا وقعت بعد (إن) كانت هي ومجرورها في موضع خبر (إن)، وما بعدها ينتصب علي أنه اسم (إن)، وإذا وقعت (بعض) كانت هي اسم (إن)، وما بعد (بعض) هو الخبر، فهذا الذي عارض في من، وهو أنه ينعكس الإسناد فيها مع (بعض)، ففي واو المصاحبة عارض عدم النظير, وفي (من) عارض انعكاس الإسناد، فلذلك كانا حرفين، لأنهما - وإن وافقا من حيث المعني ما ثبتت أسميته - فلم يسلما من هذا المعارض الذي ذكرناه.
قال المصنف رحمه الله: ((والعلامات اللفظية مرجحة علي العلامات المعنوية، ولذلك حكم علي وشكان وبطآن بالاسمية مع موافقتها في المعني لوشك وبطؤ، وحكم علي (عسي) بالفعلية لاتصالها بضمير الرفع البارز وتاء التأنيث الساكنة، مع موافقتها لعل في المعني)) انتهي كلامه.

-[ص: وهو لعين أو معني، اسما أو وصفا.]-
ش: الضمير في وهو عائد علي الاسم. ولما فرغ من علاماته التي اختار ذكرها قسمه إلي عين وإلي معني. ويعني بالعين ما كان اسما لذات من الذوات، ولا يدل علي قيد نحو رجل وفرس. ويعني بالمعني ما دل علي غير ذات بلا قيد فيه نحو علم وقيام. فإن دل علي قيد في الذات أو في المعني فهو وصف كعالم وغامض، فعالم وصف لذات، وغامض وصف للمعني، وقد يكون الوصف صالحا للذات وللمعني نحو نافع وضار،

فإنك تقول: رجل نافع, وعلم نافع. ويصلح للعين وللمعني بعض أسماء الضمائر وبعض أسماء الإشارة وبعض الموصولات, نحو: هو وهذا والذي, وبعضها قد يختص بالعين, نحو: هم وهنا والذين.
وهذا التقسيم في الاسم إلي العين والمعني هو تقسيم أبي علي في ((الإيضاح)) , وقد اعترضه ابن ملكون بأن العين تطلق علي المعني, قال تعالي: {عِلْمَ اليَقِينِ} , وقال عليه السلام: ((فذلك عين الربا)) , وقال الشاعر:
هذا - لعمركم - الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
وهذا ليس بشيء لأن العين مشترك يقع علي الشخص وبمعني الحقيقة, فيكون للشخص وغيره, وهو الواقع في التوكيد نحو عرفت زيدا عينه, وعرفت الحق عينه, وهذا كوقوعه علي ينبوع الماء,/ وعلي الدينار, وعلي السحاب والمطر, وغير ذلك, فمراد المصنف هنا إنما هو الشخص, ولذلك

جعل قسيمه المعنى.
وقوله: اسما أو صفة أطلق الاسم ويريد به قسيم الصفة, والاسم المقسم هو قسيم الفعل والحرف, فهما معنيان مختلفان, ولولا الاختلاف في المدلول لما صح أن يقول: الاسم ينقسم إلي اسم وصفة, وقد أطلق النحويون حين حدوا الاسم أنه يدل علي معني في نفسه, فهذا اصطلاح آخر؛ إذ تحت قولهم: ((علي معني في نفسه)) أنه يدل علي عين ومعني, فالمعني الذي في الحد أعم من المعني الذي هو قسيم العين, إذ يطلق علي العين وقسيمه الذي هو المعني, فقد صار في ((المعني)) اصطلاحان كما صار في ((الاسم)) اصطلاحان.
وقد قسم بعضهم الاسم إلي فاروق ومفارق ومضاف ومقتض ومشتق, فالفارق نحو رجل وفرس, والمفارق نحو طفل, والمضاف نحو كل وبعض, والمقتضي نحو الشريك والخصم, والمشتق قسمه إلي قسمين: مبني علي فعل نحو كاتب, وغير مبني عليه نحو قولنا الرحمن, هو مشتق من الرحمة, وليس مبنيا عليه.
وقال أيضا: ((يسمي الشيئان المختلفان بالاسمين المختلفين, والأشياء الكثيرة بالاسم الواحد, والشيء الواحد بالأسماء المختلفة, نحو السيف والمهند والحسام)). قال: ((والذي نقوله في هذا أن الاسم واحد, وهو ((السيف)) , وما بعده من الألقاب صفات. وقد خالف في ذلك قوم,

فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها فإنها ترجع إلي معني واحد. وقال آخرون: ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غير معني آخر. قالوا: وكذلك الأفعال نحو مضي وذهب وانطلق. وهو مذهب أبي العباس ثعلب. ويسمي المتضادان باسم واحد نحو الجون للأسود والجنون للأبيض. وأنكر ناس هذا المذهب)) انتهي ما لخص من كلامه.
وهذا الذي قاله هو المصطلح عليه في علم المنطق وغيره بالمتباين والمترادف والمشترك, وقد ذكر هذه س رحمه الله في أوائل كتابه في ((هذا باب اللفظ للمعاني)).
وزعم بعض النحويين أنه ليس في كلام العرب لفظ مشترك لا يعبر عن معناه إلا به, بل ما وجد من المشترك وجد لكل معني من معانيه لفظ يخصه, فالجون يخص أحد معنييه الأسود, والآخر يخصه الأبيض. قال: إلا رائحة, فهي لفظ مشترك, ولا يخص أحد معانيها إلا بالإضافة, نحو رائحة المسك ورائحة البول.
وهذا الذي إليه في ((رائحة)) علي تسليم الاشتراك غير صحيح لأن الروائح تنقسم إلي قسمين: طيبة, وغير طيبة, فالطيبة عبرت العرب عنها بالأرج والعرف والتضوع, وغير الطيبة عبر عنها بالنتن والدفر, فقد صار لهذين المعنيين ألفاظ تخصها, وأما ((رائحة)) فإنها في الحقيقة لفظ متواطئ وضع لمطلق ما يشم من طيب وغير طيب, فإذا قلت شممت رائحة لم يدل علي التقييد, وهكذا شأن شأن المطلقات, فلا تدل علي التقييد إلا بما وضع للتقييد كالإضافة, نحو رائحة المسك ورائحة البول, أو بالصفة نحو: رائحة مسكية, أو بالألف واللام/ إن دلت على

معهود, فليست ((رائحة)) علي هذا من المشترك, بل هي من المتواطئ. وإنما أوردنا الكلام في هذا النوع لنبين أن النحويين تكلموا في وضع الألفاظ للمعاني قبل ظهور علم المنطق في الملة الإسلامية وتقسيمهم ما قسموا, وأن علم النحو ليس خاصا بعلم الألفاظ, بل هو نظر في الألفاظ وفي المعاني التي دلت عليها الألفاظ حالة إفرادها وحالة تركيبها, لا كما يظن بعض الجهلة باللسان من أن علم النحو مختص بالألفاظ, حتى حكي لي عن بعض من له اشتغال بالتعليقات أنه قال: النحاة فلاحو أهل علم الأصول. ولو كان له اطلاع وبصيرة بعلم النحو لعلم أن معظم علم الأصول بعض من علم النحو.
وقد قسم النحويين الاسم بحسب معناه إلي جوهر كالحيوان, وعرض كالحركة, ومحسوس كالأرض والسواد, ومعقول كالعلم, ومفيد كالإنسان, ولقب كزيد, وتام كالجسم, وناقص كالذي وإذ.

-[ص: ويعتبر الفعل بتاء التأنيث الساكنة, ونون التوكيد الشائع, ولزومه مع باء المتكلم نون الوقاية, وباتصاله بضمير الرفع البارز.]-
ش: الفعل يشمل المتصرف نحو: قامت هند, والجامد نحو: ليست هند قائمة. وسواء أكانت التاء تلحق لتأنيث الفاعل الشخصي أو الجنسي نحو: نعمت المرأة هند, أو المجازي نحو: بئست المدينة هذه. وقال المصنف في الشرح: ((إنها تميز الفعل متصرفا كان أو غير متصرف ما لم يكن أفعل التعجب)) وهذه عبارة قاصرة, وكان ينبغي أن يقول: ((ما لم يلزم تذكير فاعله)) لتدخل فيه أفعال الاستثناء نحو ما عدا وما خلا وحاشا وليس.

وقوله: ونون التوكيد الشائع تلحق المضارع والأمر علي ما أحكم في بابه. وقد تلحق الماضي اللفظ المستقبل المعني, نحو قول الشاعر:
دامن سعدك إن رحمت متيما لولاك لم يك للصبابة جانحا
ونحو ما روي في الحديث ((فإنما أدركن واحد منكم الدجال)).
فـ ((دامن)) دعاء, والدعاء مستقبل, و ((أدركن)) دخلت عليه إن الشرطية, وهي تخلص الماضي للاستقبال.
وقد لحقت أفعل في التعجب, أنشد يعقوب في كتاب ((الألفاظ)) له:
ومستبدل من بعد غضبي صريمة فأحر به بطول فقر وأحريا
غضبي: علم لمائة من الإبل.
واحترز بقوله: الشائع من لحاقها اسم الفاعل علي جهة الشذوذ, نحو قوله أنشده أبو الفتح:
أريت إن جاءت به أملودا مرجلا ويلبس البرودا

أقائلن أحضروا الشهودا
وقوله: ولزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية مثال ذلك ضربني يضربني اضربني.
قال المصنف في الشرح: ((فإن كان اتصالها غير لازم لم يستدل به علي الفعلية؛ لأنها تلحق علي سبيل الجواز فعلا وغير فعل, ولا تلحق علي سبيل اللزوم إلا فعلا, وسيأتي بيان ذلك في المضمرات)) انتهي كلامه. وهو مدخول/ لأنا قد وجدنا نون الوقاية تلزم في غير الفعل مع ياء المتكلم, ووجدنا فعلا تتصل به ياء المتكلم, ولا تلزم معه النون, فمثال الأول قولهم: عليكي, ولا يجوز: عليكي, فهذه النون لزمت اسم الفعل في هذا ونحوه. ومثال الثاني فعل التعجب, فإنه نقل أنه لا تلزم نون الوقاية فيه, فتقول: ما أحسنني! وما أكرمني! وهو الأكثر, وما أحسني! وما أكرمي! وعلي هذا الوجه بني بعض الأدباء, فقال:
يا حسنة إذ قال ما أحسني ويا لذاك اللفظ ما أعذبه
وقوله: وباتصاله بضمير الرفع البارز مثال ذلك ضربت واضربا ويضربون. وبهذا وتاء التأنيث يتميز الفعل من اسم الفعل. وخض ضمير الرفع لأن ضمير النصب يوجد في غير الفعل, وخص البارز لأن المستكن يوجد في غير الفعل, نحو الصفة واسم الفعل.

-[ص: وأقسامه: ماض, وأمر, ومضارع.]-
ش: أما تسمية الماضي ماضيا والأمر أمرا فواضحة, وأما المضارع فهو في اللغة المشابه, يقال: فلان يضارع الأسد, أي: يشابهه, ولما شابه الاسم سمي مضارعا, كأنه رضع معه ضرعا واحدا, فالمضارعة من لفظ الضرع. وزعم ابن عصفور أن المضارعة مقلوبة من المضارعة. ولا ضرورة تدعو إلي دعوي القلب لأن اللفظ إذا وجد كامل التصرف فلا يدعي فيه القلب, وأنت تقول: ضارع يضارع مضارعة وهو مضارع ومضارع.
وهذه القسمة بالنظر إلي الصيغ لا بالنظر إلي الزمان, وهي قسمته الأولي, لأن بها تميز المبني من المعرب, والمبهم والخاص, وهذه القسمة تقتضي أن كل واحد قسم من فعل, ونسبة كل واحد منها إلي الفعل نسبة واحدة.
وعند الكوفيين أن الأمر مقتطع من المضارع, فإذا تكون القسمة ثنائية. وقد زعم بعضهم أن الأصل في الأفعال هو الماضي؛ لأن المضارع تلحقه زوائد علي الماضي,، والأمر قد تلحقه في بعض، فدل ذلك علي أن الماضي هو الأصل.
واتبع المصنف س في البداءة بالماضي ثم الأمر ثم المضارع، حيث قال: ((فبنيت لما مضي، ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع)). وذكر المصنف في شرحه محسنات لترتيب ذكر س لهذا الأفعال على ما ذكر، يوقف عليها منه.
والذي يقتضيه الترتيب الوجودي أن يبدأ بالأمر الدال بوضعه على

الاستقبال، ثم بالمضارع لأنه علي ما يقرر يكون للحال ويكون للاستقبال، ثم بالماضي لأنه منتهي الفعل، إذ الفعل يكون معدوما غير مسبوق بوجود، ثم يصير موجودا، ثم يصير معدوما مسبوقا بوجود، ولذلك كان الأمر في كثير من اللغات غير العربية هو الأصل، إذ هو المجرد في تلك اللغات وغيره مزيد فيه علي ما يدل علي كونه ماضيا أو حالًا.
والفعل ينقسم بانقسامات غير هذا، منها انقسامه إلي الزمان، وإلي التعدي واللزوم, وإلي التصرف والجمود، وإلي التمام والنقصان، وإلي الخاص والمشترك/، وإلي المفرد والمركب. وفي علم التصريف إلي صحيح ومهموز ومثال وأجوف ولفيف ومنقوص ومضاعف، وغير ذلك من الانقسامات.
وقال بعض المصنفين: ((إنه ينقسم إلي معلم وساذج)). قال: ((أما المعلم فالماضي إذا كان مصوغا للمؤنث الغائب مفردا أو مثني، وجميع أصناف المستقبل وما يجري مجراه، أعني النهي. فالعلامات هي التاء في آخر الماضي للمؤنث، وفي أول المستقبل لمن يتوجه إليه الخطاب، سواء أكان واحدا أم كثيرا، مذكرا أم مؤنثا، وللغائب المؤنث مفردا أو مثني. والياء للغيبة مع التذكير كيف اجتمعا، ومع التأنيث مع الجمع، ومع الهمزة للمتكلم. والنون له مع غيره. ثم ما سوى هذه الحروف التي يبني معها الفعل فضمائر إن ميزت فبالعرض، وأما قولهم أكلوني البراغيث فالوجه فيه الإبدال)) انتهي كلامه.
ص: فيميز الماضي التاء المذكورة، والأمر معناه ونون التوكيد، والمضارع افتتاحه بهمزة للمتكلم مفردا، أو بنون له عظيما أو مشاركا، أو بتاء

للمخاطب مطلقا، وللغائبة والغائبتين، أو للمذكر الغائب مطلقا والغائبات.
ش: لما قسم الفعل بالنسبة إلي تباين الصيغ، وذكر ما يعتبر به الفعل، أخذ يذكر ما تتميز به كل صيغة منها، فبدأ بخاصة الصيغة التي بدأ بها أولا، وهي صيغة الماضي، وتلك الخاصة هي تاء التأنيث الساكنة، وأحال بقوله: ((المذكورة)) عليها، إذ لو لم يقل ((المذكورة)) لورد عليه مثل تاء ((قائمة))، فإنه يصدق عليها أنها تاء التأنيث، لكنها تتحرك بحركة الإعراب، ولا يعترض بها في حالة الوقف علي لغة من يقف عليها ((قائمت)) بالتاء ساكنة لأن الوقف أمر عارض، فلا يعتد به، وتلك لغة لا تعادل الوقوف عليها بالهاء، فلا يعتد بها أيضا.
وقوله الماضي يشمل المتصرف والجامد, نحو: ضربت ونعمت وبئست. وعلل المصنف في شرعه كونها لم تدخل فعل الأمر ولا المضارع, فقال: ((للاستغناء عنها بياء المخاطبة, نحو: افعلي, وللاستغناء عنها بتاء المضارعة نحو: هي تفعل, ولأنها ساكنة, فالمضارع يسكن في الجزم, فلو لحقته التقي فيه ساكنان)). وهذه التعاليل هي تعاليل لخصوصيات وضعية, فلا حاجة إليها.
وقال في فتح ما قبل التاء: ((إنه لما كان ذلك في الاسم نحو قائمة, كان ذلك في الفعل, وبلحاق هذه التاء يتميز الفعل الماضي من اسم فعله نحو افترق وشتان)).
وقوله: والأمر معناه ونون التوكيد أي: ويميز الأمر. ولما كان معني الأمر مشتركا بين فعل الأمر والاسم بمعناه, وكانت نون التوكيد مشتركة بين فعل الأمر والمضارع, وكان مجموع الأمرين خاصا بفعل الأمر, ذكر أنه يتميز به.

وقوله: والمضارع افتتاحه بهمزة للمتكلم مفردا مثاله أضرب, واحترز بقوله: ((للمتكلم)) من نحو أكرم ماضيا, فإنه مفتتح بهمزة, لكنها ليست للمتكلم.
وفي عبارة المصنف إبهام وعدم إفصاح بالمعني, وذلك أن قوله: ((للمتكلم)) إما أن يكون متعلقا بقوله: ((افتتاحه)) , أي: افتتاح/ المضارع للمتكلم بهمزة, والمصدر الذي هو ((افتتاحه)) إما أن يكون فاعله المحذوف المتكلم أو غيره, فإن كان المتكلم صار المعني: ويميز المضارع أن يفتتحه المتكلم لمن تكلم بهمزة, وهذا تركيب لا يؤدي معني المضارع الذي هو أضرب. وإن كان غير المتكلم صار المعني: ويميز المضارع أن يفتتحه غير المتكلم لمن تكلم بهمزة, وهذا غير صحيح. وإن كان ((للمتكلم)) متعلقا بغير ((افتتاحه)) فلم يبق إلا أن يكون في موضع الصفة لـ ((همزة)) , فيتعلق بمحذوف, أي: بهمزة كائنة للمتكلم, فالهمزة لا تكون للمتكلم إلا بمجاز فيه بعد, وهو أنه يدل عليه, ولا تدل وحدها عليه في الحقيقة, بل الفعل الذي هي فيه هو الذي يدل, وذلك أنها حرف زائد أدرج في التركيب، فصار غير متميز وحده بالدلالة علي التكلم، وباقي التركيب يدل علي شئ آخر، بل مجموع التركيب دل علي أن الفعل للمتكلم، وهذا فيه غموض، فإن النحويين يقولون في نحو الميم من مدحرج إنها تدل علي اسم الفاعل، وإذا حقق ذلك فالصحيح أن الدلالة إنما هي لمجموع الصيغة. وتحرير العبارة فيه أن يقال: ويميز المضارع أن يفتتحه المتكلم بهمزة يدل الفعل الذي هي فيه علي أن المتكلم أسنده إلي نفسه وحدة ملتبسا به، أو علي أنه سيحدثه.
وقوله: مفردا احتراز من المتكلم الذي يشركه غيره في الفعل، وكان ينبغي أن يقول: ((مفردا غير معظم نفسه))، لأنه إن كان المتكلم معظما نفسه

كان مكان الهمزة النون, ولا يغني عن مراعاة هذا القيد الذي زدناه قوله بعد " أو بنون له" عظيماً أو مشاركاً" لأنه يجوز أن يكون للمعظم نفسه حالتان: حالة الهمزة, وحالة بالنون ولم ينقلوا في حالة من يعظم نفسه إلا النون, فمتى لم يعظم نفسه فالهمزة.
قوله: أو بنون له عظيماً مثالا قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ}. وانتصب "عظيماً" عل ى الحال كما انتصب "مفرداً" وهما حالان من الضمير الذي في المتكلم, والتقدير: بهمزة تكون لمن تكلم في حال الإفراد, أو بنون لمن تكلم في حال عظمته.
قال بعض أصحابنا: "إنما يستعملها المعظم نفسه في الغالب لأن له أتباعاً يذهبون إلى مذهبه, ولذلك أكثر ما توجد في كلام الملوك والعلماء, هي في الحقيقة للمتكلم ومعه غيره, وقد يستعملها وحده من حيث أنزل نفسه منزلة الجماعة تعظيماً لها, فكأنها استعملت للجماعة، إلا أن ذلك مجاز, ويقل" فيها" انتهى. فعلى هذا لا يكون قول المصنف:" عظيما" قسيماً لقوه: "أو مشاركاً".
وقوله: أو مشاركاً يعني به المتكلم الذي شاركه غيره في الفعل, فيقول: أنا وزيد نصنع كذا, يعني أنه هو وزيد يشتركان في هذا الفعل ويصح أن يضبط " مشاركاً" بكسر الراء وبفتحها, لأن من شاركك في شيء فقد شاركته فيه. ولا يريد بالمتكلم خصوصية المذكر, بل المؤنث في ذلك كالمذكر فتقول المرأة: أقوم وتقول: أنا وهند نصنع كذا ولا يريد بالمشارك أن يكون مفرداً بل لو شاركه أكثر من واحد كان كما شاركه واحد/ فيقول زيد: أنا والزيدون نفعل كذا, وتقول المرأة: أنا

والهندات نفعل كذا, وكذلك إذا كان المشارك مثنى
وقوله: أو بتاء للمخاطب مطلقاً يعني بقوله: "مطلقا" سواء أكان مذكراً أم مؤنثاً مفردا أم مثنى أم مجموعاً نحو: أنت تقوم أنت تقومين أنتما تقومان، أنتم تقومون, أنتن تقمن, وقد يعامل جمع التكسير من المؤنث معاملة المؤنثة المفردة فتقول: يا نساء تقومين كما يقال: يا هند تقومين.
وقوله: للغائبة يشمل ظاهرها ومضمرها ما كان تأنيثه حقيقة ومجازاً مثاله: هند تقوم, وهي تقوم, وتنفطر السماء, وهي تنفطر.
وقوله: للغائبتين هذا على إطلاقه أيضاً فتقول: الهندان تخرجان كما قال تعالى: {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} وكذلك في الغائبتين اللتين تأنيثهما مجازي, نحو العينان تدمعان, فإن كان ضميرا لغائبتين نحو: الهندان هما تخرجان، والعينان هما تدمعان فهل يكون ذلك بالتاء حملاً على ظاهرهما, أو بالياء حملاً على ضمير الغائبين المذكرين للاشتراك في الضمير الذي هو "هما"؟ في ذلك خلاف, وقد دارت هذه المسألة في الأندلس وسئل عنها عبد الله محمد بن أبي العافية أحد أجلاء

أصحاب الأعلم, والأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد بن الباش واختلف قولهما، فأجاب ابن أبي العافية بما نصه:" علامة التأنيث ثابتة في المضارع الواقع خبراً عن المبتدأ ضميراً المؤنث, كما كانت تثبت في المظهر لأنه عقيبه, فيجري على ما عاقبه, فمن حيث تقول: الهندان تقومان، فمنه تقول/ هما تقومان كما أنك إذا قلت: هند تقوم, تقول: هي تقوم, ومن حيث تقول: الهندات يقمن فمنه تقول عن يقمن, فالمثنى لقربه من الواحد يحمل عليه, ويرجع حكمه إليه, فغلب فيه معنى التأنيث على لفظ الغيبة, والمجموع لما كان بعيدا عن الواحد حيث كان فيه التكسير الذي لا يسلم بناء الواحد فيه، وللاسم جموع لا تجري على آحاده, غلب لفظ الغيبة فيه على معنى التأنيث, فذكر " انتهى كلامه.
وأجاب ابن الباش بما نصه:" لا أعلم في هذه المسألة سماعا من العرب ولا نصا عن أحد من النحويين, والذي يقتضيه القياس عندي أن يقال في الاثنين مع المضارع: هما يقومان, حملا على اللفظ كما يقال في

المذكرين, وفي الماضي: هما قامتا, حملاً على المعنى ودليل ذلك أن حرف المضارعة زائد للمعنى تبنى الكلمة عليه وحرف التأنيث زائد للمعنى مضموم إلى الصدر كما قاله إنه بمنزلة اسم ضم إلى اسم, فالواجب أن يجري حرف المضارعة مجرى سائر ما كان مزيداً في البناء كسائر أخواته, وكالتاء في افتعل والألف في فاعل ونحوهما, فكما يشترك المؤنث مع المذكر في قولك: أنا أفعل ونحن نفعل, وأنتما تفعلان, كذلك يشتركان في قولك: هما يفعلان، وإنما اشتركا في الضمير ليتصل المرتفع بالفعل, كما اشتركا في الضمير المنفصل العائد إليه/ ذلك الضمير المتصل وهو قولك: أنا ونحن وأنتما, فهما في الاشتراك بمنزله أنتما وما ذكر معه. وكذلك يجري الماضي مجرى المضارع إذا اتصلت به علامة الإضمار في قولك: أنا قمت, ونحن قمنا, وأنتما قمتما, لأن س قد شبه هذه العلامات بتاء افتعل, ألا ترى أن بناء قام متغير في قمت وأخواته كما تغير بناء كسب في اكتسب ولذا قال بعضهم:
وفي كل حي قد خبط بنعمة .........................
كما تقول أطلب, وفحصت برجلي, كما تقول: اصطلح وفزد في فزت كما تقول ازدجر وازدان. أما التاء في قامت فبمنزلتها في قائمة فيما

ذكرنا, وبمنزلة الألف بعدها في قامتا, لأن الألف هنا لم تغير البناء كالتاء, فيجب أن يقال: هما قامتا, كما يقال: هما قائمتان وتزيد" قائمة" على " قامت" أنه يقال فيها: أنا قائمة, ونحن قائمتان ونحن قائمات وأنتما قائمتان, فيمتنع فيها الحمل على المعنى لامتناع اتصال الضمائر بها التي يتأتى اتصالها بالفعل فإنما يكون الإضمار في اسم الفاعل على حد واحد, وهو ضمير الغائب فأما قولهم في المظهر: الهندان تقومانه, فلك شبهة فيه لأن المظهر اسم مؤنث، وليس بمذكر يشترك معه المؤنث كما تقدم ذكره من الأسماء المضمرة وإذا كان المضمر للمؤنث فهو أيضاً بمنزلة المظهر, تثبت العلامات في فعله متصلة ومنفصلة, لأنه ليس له لفظ مذكر يحمل عليه, فتقول: أنتن تقمن، و؟ أنتن قمتن وهي قامت, وهن قمن, كما تقول: هند قامت والهندات قمن, وقوله تعالى: {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ}. هما مثال: الهندان تقومان، ولو ثنى ضميرهما لم يكن إلا: فوجدهما يذودان، على ما قررنا وللكلام على هذه المسألة مجال أوسع من هذا وإنما اعتمدنا النكت" انتهى كلامه.
والصحيح ما ذهب إليه أبو عبد الله بن أبي العافية من أن الضمير يجري في ذلك مجرى ظاهره, فكما تقول: الهندان تخرجان بالتاء من فوق فكذلك تقول: هما تخرجان وذلك لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها, وقد وجد السماع عن العرب في ذلك بالتاء, قال عمر بن أبي ربيعة:
أقص على أختي بدء حديثنا وما لي من أن تعلما متأخر
لعلهما أن تبغيا لك حاجة وأن ترحبا سربا بما كنت أحصر

فقال: أن تبغيا, وأن ترحبا, بالتاء وقد تقدم لفظ "هما" وهو ضمير الأختين.
وكان ينبغي للمصنف أن يزيد:" وللغائب إن حمل على مؤنث" نحو: تجيء كتابي, على معنى الصحيفة, " أو أضيف إلى مؤنث أن تلفظ بذلك المؤنث وأنت تريد المذكر" نحو: تجتمع أهل اليمامة وتذهب بعض أصابعه وقرئ {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} , وتنكسر صدر القناة " أو كان فيه علامة تأنيث" نحو تقدم طلحة وتعدل الخليفة وهذا قليل" أو أسند إلى ظاهر الجمع المذكر غير السالم وأردت معنى الجماعة أو إلى ضميرهم أو ضمير غائبات"، نحو: تقوم الزيود وتنكسر/ الأجذاع وتنكسر الجذوع وتخرج الرجال والرجال تخرج والنساء تخرج.
فإن كان الظاهر جمع سلامة في المذكر أو ضميراً يعود عليه فمذهب البصريين أنه ولا يجوز إلا بالياء فتقول: يقوم لزيدون، والزيدون يقومون. وأجار الكوفيون: تقوم لزيدون والزيدون تقوم قياسا على جمع التكسير أما قول النابغة:
قالت بنو عامر: خالوا بني أسد ... يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام
فخرج على الضرورة أو على تأويل حذف مضاف, وروعي, التقدير: قالت جماعة بني عامرا. ومحسن ذلك أن " بنون" شبيه بجمع التكسير حيث

هو جمع لم يسلم فيه بناء الواحد، إذ لو سلم لكان ابنون، فلما أشبه جمع التكسير في ذلك عومل معاملته.
وإصلاح كلام المصنف أن يقول:" وللغائبة لفظاً أو بتأويل"ليشمل هذه المواضع التي ذكرنا لأن تأنيثها إنما كان بتأويل الغائبة وأنها أجريت في ذلك مجرى الغائبة.
وقوله: أو بباء للمذكر الغائب مطلقاً يعني بقوله:"مطلقاً" سواء أكان مفردا أم مثنى أم مجموعا ظاهرا أم مضمرا, نحو: يقوم زيد ويقوم لزيدان ويقوم لزيدون, وزيد يقوم ولزيدان يقومان والزيدون يقومون وقد يقال: لزيدون يقوم, كما يقال: زيد يقوم, وهو قليل جداً فإن كان الجمع لغير عاقل جاز فيه ذلك أيضاً فتقول: الجذوع ينكسر.
وقوله: والغائبات أطلق, ويقتضي ذلك أن الياء تكون في المضارع أسند إلى ظاهر أو مضمر عاقل أو غير عاقل, مسلم أو مكسر فتقول: يقوم الهنود {يَكَادُ السَّمَوَاتِ} ويسرع الجمال والهنود يقمن و {السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} والجمال يسرعن والهندات يخرجن.
فإن كان الظاهر جمع سلامة في المؤنث لعاقل نحو الهندات, فمذهب البصريين أنه لا يجوز إلا التاء فتقول: تقوم الهندات ولا يجوز يقوم الهندات كما لا يجوز يقوم هند قاسوا هذا الجمع على مفرده بجامع ما اشتركا فيه من سلامة الواحد فأما {يَكَادُ السَّمَوَاتِ} ونحوه فإن ذلك جائز في مفرده لكون تأنيثه مجازاً فكان ذلك في جمعه وأجاز الكوفيون يقوم الهندات قياساً لجمع السلامة على جمع التكسير. فأما

قوله:
فقلت لها: فيئي, فما يستفزني ذوات العيون والبنان المخضب
في رواية من رواه بالياء, فخرج على الضرورة أو رعي الموصوف المحذوف أي: فما يستفزني النساء ذوات العيون فيكون إذ ذاك قد أسند إلى جمع التكسير المؤنث نحو يقوم الهنود.
وكان ينبغي للمصنف أن يزيد:" وللغائبة إن كانت مضافة إلى مذكر هي بعضه, ويجوز أن تلفظ بالمذكر وأنت تريد المؤنث" نحو: يقطع يد زيد, لأنك تقول: يقطع زيد, وأنت تريد: يد زيد. " أو كانت فصل بينها وبين الفعل بشيء" نحو: يحضر القاضي اليوم امرأة وينفعك اليوم الموعظة وسيأتي/ الكلام على هذا الفصل وإذا كان بـ"إلا" مشبعاً حيث يعرض له المصنف في باب الفاعل إن شاء الله. " أو كانت غير عاقلة إذا حملت على معنى المذكر" نحو ينفع الموعظة لأن الموعظة وعظ في المعنى.
واعلم أن حركات هذه الحروف- أعني حروف المضارعة - مع الرباعي الضم, سواء أكان مجرداً نحو يدحرج أم مزيداً يضارب ومع الثلاثي وما زاد على الرباعي الفتح نحو يضرب وينطلق يستخرج, إذا كان مبنياً للفاعل وكان في هذين الفتح لأن الثلاثي كثير في كلامهم وما زاد على الرباعي ثقيل, فاختاروا الفتح للكثير والثقيل لخفة الفتح، واختاروا الضم للقليل لئلا يكثر استعمال القليل لو خففوه قاله أبو سعيد.

وقال المصنف في شرحه ما معناه: إنه ميز المضارع بافتتاحه ببعض حروف " نأتي" وإن كان له ما يتميز به كالسين وسوف ولم لن وكي لأن أحد تلك الحروف لازم لكل مضارع بخلاف السين وما ذكر, ألا ترى أن أهاء وأهلم مضارعان، ولا يقعان في كلام العرب غالباً إلا بعد لا أو لم، والهمزة لازمة لهما, نحو جواب من قيل له: هاء هلم، فيقوم: لا أهاء ولم أهاء ولا أهلم ولم أهلم, ولا تدخل السين وما ذكر معها على هذين المضارعين. وقيد تلك الحروف بما تشعر به احتراز من نحو أكرم وتكرم ونرجس الدواء ويرنا لحيته, فالهمزة والتاء والنون والياء فيها حروف زوائد لكنها لا تدل على معاني حروف المضارعة.

-[ص: والأمر مستقبل أبداً والمضارع صالح له وللحال ولو نفى ب"لا" خلافاً لمن خصها بالمستقبل.]-
ش: يعني أن صيغة افعل ونحوها مما هو أمر لا تستعمل إلا في الاستقبال فإذا قلت لمن هو ملتبس بالأكل: كل فإنما طلبت منه أن يستديم الأكل, ولم تطلب الأكل لأنه حاصل، الحاصل لا يطلب واستدامة الأكل مستقبلة.
وقال المصنف في الشرح:" لما كان الأمر مطلوباً به حصول ما لم يحصل لزم استقباله وأيضا فالفعل يدل على الحدث والزمان المعين وكونه

أمراً أو خبراً زائد على ذلك مطلوب بقاءه إذ لا يمتاز أحد النوعين من الآخر إلا به, والاستقبال لازم للأمرية فلو انتفى بتبدله انتفت الأمرية، بخلاف الخبرية المستفادة من الماضي والمضارع فإنها لا تنتفي بتبدل المضي باستقبال ولا الاستقبال بمضي" انتهى كلامه.
وقد وجدنا الفعل الدال على الخبر خرج عن الخبرية إلى غير الخبرية, ألا ترى إلى قولهم في {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} و {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} إنه أمر في المعنى فكذلك كان يكون الأمر يخرج من الأمرية إلى معنى الخبرية وقد خرج على ذلك قوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً} أي: فيمد وقول الشاعر:
وكوني بالمكارم ذكريني .................
أي تذكريني ومقتضى تعليله أن كلا من الأمر والخبر لا يخرج عن بابه, إذ لا يتميز أحدهما من الآخر إلا بكونه أمراً أو خبراً وقد بينا أن كلا منهما/ خرج عن بابه, والمرجوع في هذا إلى وضع العرب واستعمالها، فلو استعملت صيغة الأمر في الخبر الذي صيغته ليست مستقبلة بقرينة تدل على ذلك لصاغ لها, كما استعملت صيغة الخبر الماضي في غير الخبر وغير زمانه, وذلك في الدعاء في نحو: غفر الله لك, إنه خرج عن الخبر وعن الزمان الماضي بقرينة استعماله في الدعاء فكذلك كان يسوغ استعمال صيغة الأمر في غير الأمر وفي غير زمانه, وهو الاستقبال لقرينة تدل على ذلك

وقوله: "بخلاف الخبرية المستفادة من الماضي" إلى آخر كلامه، قد بينا أن الخبرية انتفت بتبدل المضي بالاستقبال في الدعاء، ففسد تعليله.
وقال قاضي الجماعة أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد بن رشد: "وأما الأمر والنهي فالنحويون يقولون فيه إنه فعل مستقبل نحو اضرب، اذهب، ولا تضرب، ولا تذهب، ويقولون إنه مبني السكون. وليس هو في الحقيقة فعلاً؛ لأن الأمر إنما هو استدعاء فعل، والنهي استدعاء ترك فعل، واستدعاء الفعل ليس هو فعلاً إلا مجازاً، كما أن استدعاء الخبر - وهو الاستفهام - ليس خبراً، ولكن لما اشتقوا لفظه من لفظ الفعل سموه فعلاً، ويظهر لك هذا ظهوراً بيناً في أن النهي استدعاء ترك، وترك الفعل ليس بفعل" انتهى.
وقوله: والمضارع صالح له وللحال أي: صالح للاستقبال وللحال. وفي المضارع خلاف، ذهب الزجاج إلى أنه مستقبل، وأنكر أن يكون للحال صيغة؛ لأنه لقصره لا يمكن أن يعبر عنه؛ لأنك بقدر ما تنطق بحرف من حروف الفعل صار ماضياً، ولأنه لو عبر عنه في اللغة لكان له صيغة تخصه؛ لأنه ليس من موجود في كلامهم إلا وله لفظ يخصه، وقد يكون له مع ذلك لفظ يشترك فيه مع غيره" وأما أنه لا يكون لشيء لفظ يقع عليه إلا

المشترك فلا يوجد في كلامهم ذلك.
ورد الأول بأن النحويين لم يعنوا بالحال الآن الفاصل بين الماضي والمستقبل، وإنما يعنون الماضي غير المنقطع، ففعل الحال ما قارن التعبير عنه وجود جزء من معناه، نحو زيد يكتب، فقارن وجود لفظه لوجود بعض الكتابة لا كلها، وعبر بلفظ يكتب لاتصال الكتابة بعضها ببعض. وقال س في المضارع المراد به الحال: "ولما هو كائن لم ينقطع".
ورد الثاني بأنه قد وجد ذلك في كلامهم، وهو لفظ "رائحة"، فإنها تقع على جميع الروائح، ولا اسم لها إلا ذلك اللفظ المشترك.
وما رد به ليس بشيء لأنا قد بينا قبل هذا أن "رائحة" ليست من قبيل المشترك، وإنما هي من باب المطلق، فأغنى ذلك عن إعادته.
وقد استدلوا على أن يفعل للحال بأنك تقول: يقوم زيد الآن، وذلك في فصيح الكلام، ولا يجوز "سيقوم الآن" إلا قليلاً جداً على سبيل المجاز وتقريب المستقبل من الحال، كقول الشاعر.
فإني لست خاذلكم، ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت إناها
/ فلو كانت "يفعل" للمستقبل ما صلح معها الآن، كما لا يصلح مع "سيفعل".
وذهب ابن الطراوة إلى أن المضارع لا يكون إلا للحال حيث وقع

وقد استدل على ذلك بأن العرب لا تخبر بالمستقبل عن المبتدأ إلا إذا كان عاما أو مؤكداً بإن، نحو قوله:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} وإذا عري من عموم أو تأكيد لم يجز ذلك، لا تقول: زيد سيقوم، ويجوز: زيد يفعل، فدل على أنه حال. قال: وإذا وجد في كلامهم: زيد يقوم غداً، فمعناه: زيد ينوي أو يريد الآن قيامه غداً، كقوله: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ} أي: أردت القراءة. قال: وإنما لم تدخل العرب السين أو سوف على يفعل وتخبر به لأن الإنسان بما هو عاقل لا ينطق إلا بما يتحقق وقوعه، فإذا قال سيفعل زيد كذا فإنه لا يتحقق، فلا تقوله العرب، ولا ورد منه شيء إلا إن كان المخبر لا يخلف وعده ولا كلامه كقول الله تعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لتحقق ما أخبر به.
ورد عليه بأن العرب قالت: زيد سيفعل، والمبتدأ بغير عموم ولا توكيد بإن قال:
فلما رأته أمنا هان وجدها ... وقالت: أبونا هكذا سوف يفعل
وقال:

قضوا آجالهم، ومضوا، وكانوا ... على وجه، وأنت ستلحقينا
وقالت العرب: زيد يقوم غداً، وليس على معنى: ينوي الآن قيامه غداً، قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً}، المعنى على أن النفس ليست تدري ما كسبها غداً؛ ألا ترى أنها تدري ما تنوي كسبه، فإذا المنفي الآن دراية الشيء الذي تكسبه غداً.
وذهب الجمهور إلى أن المضارع يكون للحال وللاستقبال، ثم اختلفوا، فقال بعضهم: وضعه لهما هو وضع المشترك كوضع "عين"، وهذا ظاهر مذهب س أنه قال: "وأما الفعل فأمثله أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع"، ثم أكد ذلك بقوله بعد "فأما بناء ما لم يقع فقولك آمراً اذهب وخبراً نذهب"، ثم قال: "وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت". فكونه ذكر أنه يبنى لهذا ولهذا دليل على الاشتراك. وكذلك قال المصنف في شرحه، قال: "ولما كان بعض مدلول المضارع المسمى حالاً مستأنف الوجود أشبه المستقبل المحض في استئناف الوجود، فاشتركا في صيغة المضارع اشتراكاً وضعياً؛ لأن إطلاقه على كل واحد منهما لا يتوقف على مسوغ من خارج، بخلاف إطلاق المضارع مراداً به المضي، وإطلاق الماضي مراداً به الاستقبال، فإن ذلك يتوقف على مسوغ من خارج، نحو: لو تقوم أمس لقمت، وإن قمت غداً قمت، فلولا "لو" و "إن" ما ساغ إعمال "تقوم" في

"أمس"، / ولا "قمت" في "غد". انتهى كلامه. وقد ناقضه بما ذكر بعد، وسنين مناقضته إن شاء الله.
والقول بالاشتراك مذهب الأكثرين، وقال أبو الوليد بن رشد: "فعل المستقبل والحاضر واحد في لسان العرب، فإذا أرادوا تخليصه للاستقبال أدخلوا عليه السين أو سوف، وإذا أرادوا الحاضر قالوا: يفعل الآن، وهو اسم مبني على افتح، أعني "الآن"، وهو فصل بين الماضي والمستقبل، وليس هناك حاضر إلا بالوضع؛ لأن كل زمان منقسم، و "الآن" ليس بزمان لأنه غير منقسم، لكن الحاضر عند الجمهور هو زمان يحيط به زمان مستقبل وماض قريبان من الحاضر، فسمي ذلك الزمان باسمه لتنزله في الحس منزلة الآن في العقل" انتهى.
وقال بعضهم: إنه إذا وقع على الحال كان بحق الأصلية، وإذا وقع على الاستقبال كان بحق الفرعية، وهو مذهب الفارسي، وبه قال أبو بكر بن مسعود أبو ركب من أصحابنا، ولذلك كان عند الفارسي حمله على الحال إذا عدمت القرائن أولى من حمله على الاستقبال. وقد استدل على ذلك في تذكرته بما تقرر في كلام العرب من أن اللفظ إذا صلح للقريب وللبعيد كان القريب أحق به؛ ألا ترى أن العرب تقول: زيد وأنت قمتما، فتغلب المخاطب على الغائب لأنه أقرب إلى المتكلم

منه، وتقول: أنا وأنت قمنا، فتغلب المتكلم على المخاطب لأنه أقرب، فكذلك ينبغي أن يكون "يفعل" بالحال أحق منه بالمستقبل؛ لأنه الحال أقرب من المستقبل.
واستدل غيره على ذلك بأنه يخلص للاستقبال بالسين وسوف، والحروف الدالة على المعاني إنما تلحق الفروع لا الأصول، كعلامة التأنيث والتثنية والجمع والتصغير والتعريف وغير ذلك من حروف المعاني.
قيل: وهذا ليس بشيء لأن "يفعل" أيضا قد يتخصص بالحرف للحال، نحو إن زيداً ليفعل، فاللام خلصته للحال كما خلصته سوف للاستقبال.
وذهب بعضهم إلى عكس هذا المذهب، وهو أنه أصله المستقبل؛ لأنه أسبق الفعلين، فهو أحق بالمثال، وبنت العرب الحال على لفظه لقربه به، وأنه لم ينقض، وهو مذهب الأستاذ أبي بكر بن طاهر.
ورد بأنه لا يلزم من سبق المعنى سبقية المثال، وأصل أحوال الفعل أن يكون منتظراً لم يقع، ثم يكون حاصلاً لم يمض، ثم يكون ماضياً منقطعاً.
وقد ذكر أبو إسحاق أن أسبق الأمثلة مثال الماضي. واحتج باعتلال المضارع والأمر باعتلال الماضي وهذا - وإن احتمل - لا يلزم لوجود الماضي يعتل باعتلال المضارع، نحو أعديت واستعديت، ولا يشك في أن مضي الفعل آخر أحواله.
وقوله: ولو نفي بلا أي: إن المضارع إذا نفي بـ "لا" صلح مع وجودها للحال وللاستقبال.
وقوله: خلافاً لمن خصها بالمستقبل يعني أن "لا" إذا دخلت على

المضارع تعين أن يكون مستقبلاً. وهذا الذي اختاره المصنف هو مذهب الأخفش وأبي العباس. وذهب معظم المتأخرين - منهم الزمخشري - إلى أن "لا" تخلص المضارع للاستقبال، وهو ظاهر مذهب س، قال س: "وأما "ما"/ فهي نفي لقوله هو يفعل إذا كان في حال الفعل، فتقول: ما يفعل"، ثم قال: "وتكون "لا" نفياً لقوله يفعل ولم يقع الفعل، فتقول: لا يفعل ". ذكر ذلك في باب عدة ما يكون عليه الكلم. وقال المصنف في شرحه: "والذي غر الزمخشري وغيره من المتأخرين قول س في نفي الفعل: وإذا قال هو يفعل، أي: هو في حال فعل، فإن نفيه ما يفعل، وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعاً فإن نفيه لا يفعل ". قال: "فاستعمل "ما" في نفي الحال، و "لا" في نفي المستقبل، وهذا لا خلاف في جوازه". انتهى نقله عن س. قال المصنف: "وليس في عبارته - يعني س - ما يمنع من إيقاع غير "ما" موقع "ما"، ولا من إيقاع غير "لا" موقع "لا"، فقد بين في موضع آخر أن "إن" النافية مساوية لـ "ما"، فيلزم من ذلك أن تستعمل لنفي الحال كما تستعمل "ما". وبين أيضاً أن

"لن" لنفي سيفعل، فيلزم من ذلك موافقتها لـ "لا"، ولم يتعرض لذلك في باب نفي الفعل، فلا يوجب ذلك عدم جوازه، فكذلك لا يجب من تخصيص "ما" بنفي الحال امتناع نفيه بغيرها، ولكنه قصد في باب نفي الفعل التنبيه على الأولى في رأيه، والأكثر في الاستعمال". ثم قال: وقد قال س في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وتكون لا ضدًا لنعم". وهذا إشعار بعدم تقييدها في النفي بزمانٍ دون زمان، كما لا تتقيد نَعَمْ، لأن نعم تصديق لما قبلها ماضياً كان أو حاضراً أو مستقبلاً " انتهى كلامه. وقال المصنف أيضاً: "وهو لازم"، يعني كون المضارع إذا نفي بـ "لا" لم يتعين الحكم باستقباله. قال: "وهو لازم لـ "س" وغيره من القدماء لإجماعهم على صحة قول القائل: قاموا لا يكون زيداً، بمعنى إلا زيداً، ومعلوم أن المستثني منشاء للاستثناء، والإنشاء لابد من مقارنة معناه للفظه، ولا يكون هنا استثناء، فمعناه مقارن للفظه، فلو كان النفي بـ "لا" مخَلِّصاً لاستقبال المضارع لم تستعمل العرب "لا يكون" في الاستثناء لمباينته الاستقبال.
ومثل هذا الإجماع إجماعهم على إيقاع المضارع المنفي بـ "لا" في مواضع تنافي الاستقبال، نحو: أَتَظُنُّ ذلك كائناً أم لا تظنه؟ ومالك لا تقبل؟ وأراك لا تبالي، وما شأنُك لا تُوافق؟ ومنه قول الشاعر:
يرى الحاضر الشاهد المطمئنُّ ... من الأمر ما لا يرى الغائب
وقال آخر:
إذا حاجة ولتك لا تستطيعها ... فخذ طرفاً من غيرها حين تسبق

وقال آخر:
كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق، ولكن لا إخال تلاقيا"
انتهى ما أورده المصنف مما ذكر أنه نفي بـ "لا" وليس مستقبلاً.
ولا حجة في شيء منه، وذلك أن المدعى هو أن ما صلح للحال والاستقبال، ولا مرجح لأحدهما، إذا نفي بـ "لا" يتخلص للاستقبال، وهذه المواضع التي ذكرها المصنف لم يكن الفعل قبل ذلك صالحاً لهما. أما في الاستثناء فإن قوله: "لا يكون زيداً"أجري مجرى "إلا زيداً"، فجرى هذا الفعل المنفي بـ "لا" مجرى إداة الاستثناء / التي هي إلا، ولذلك أضمر في يكون اسمها مفرداً حتى لا تكثر المخالفة، فهو فعل جرى مجرى إلا، ولم يكن قبل دخول "لا" صالحاً للحال والاستقبال، فلا يورد دليلاً على المخالف.
وأما "أتظن ذلك كائناً أم لا تظنه" فقد تقدم قوله: "أتظن"، وهو فعل حال، فجاء قوله: "أم لا تظنه" معادلاً لفعل الحال، فهذه قرينة صرفته عن الاستقبال إلى الحال، فلم يكن صالحاً للحال والاستقبال.
وأما قوله: " ما لك لا تقبل؟ " فإن الاستفهام هو في الحال، و "لا تقبل" قيد فيه، وقيد الحال حال. وكذلك "أراك لا تبالي"، فإن "أراك" فعل حال، و "لا تبالي" قيد فيه. وكذلك "يرى الحاضر" فعل حال عامل في "ما لا يرى الغائب"، فكانت صلة "ما" حالاً لأن المعنى عليه. وأما قوله: "إذا حاجة" البيت، فحمله على الحال وهم فاحش؛ لأن "إذا" ظرف لما يستقبل، فـ "ولتك" ماض في اللفظ، وهو مستقبل في المعنى، و "لا تستطيعها" جملة

في موضع نصب على الحال، والعامل فيها "ولتك"، وهو مستقبل المعنى كما قلنا، فـ "لا تستطيعها" جملة مستقبلة، والمعنى: إذا تولى حاجة عنك غير مستطيعها - أي: غير قادر عليها - فخذ طرفاً من غيرها. فقد اتضح بهذا الذي ذكرناه أن "لا" لم تدخل على مضارع صالح للحال والاستقبال، والخلاف إنما هو في هذا.
وقال المصنف: "على أن كلام س لو كان صريحاً في أن المضارع المنفي بـ "لا" لا يكون إلا مستقبلاً لم يجز الأخذ به بعد وجود الأدلة القاطعة بخلاف ذلك كما قدمنا" انتهى كلامه. وقد تكلمنا على أدلته القاطعة على زعمه وبينا أنها ليست أدلة. وانظر إلى جسارة هذا الرجل على س، وهو المستقري العربية عن العرب مشافهة أو عمن شافه العرب:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس

-[ص: ويترجح الحال مع التجريد.]-
ش: يقول إنه إذا انتفت عنه القرائن المخلصة للحال والقرائن المخلصة للاستقبال ترجح كونه للحال. وقال المصنف في الشرح: "لما كان للماضي في الوضع صيغة تخصه، وللمستقبل صيغة تخصه، ولم يكن للحال صيغة تخصه، بل أشرك مع المستقبل في المضارع، جعلت دلالته على الحال راجحة عند تجرده من القرائن. ليكون ذلك

جابرًا لما فاته من الاختصاص بصيغة"انتهى كلامه. وكان قد تقدم لنا نقل كلامه أنهما اشتركا في صيغة المضارع اشتراكًا وضعيًا, وذكرنا أنا نبين مناقصيته, وذلك لأن المشترك بالوضع لا يكون إذا تجرد عن القرائن يحمل على أحد محامله بل يبقى مجملًا, فمن حيث ذكر أنه إذا تجرد عن القرائن لا يحمل لا على الحال ولا على الاستقبال, وقد ناقض هذا بقوله:"ويترجح الحال مع التجريد",فإن المشترك لا يترجح إذا تجرد عن القرائن حمله على أحد محامله, لكن المصنف خلط إذا ركب مذهب الفارسي في أنه في الحال أظهر على ظاهر/ مذهب س في أنه مشترك بينهما. ونقص المصنف من المرجحات للحال ما زاد غيره, ويأتي ذكره.

-[ص: ويتعين عند الأكثر بمصاحبة "الآن"ي معناه, وبلام الابتداء, ونفيه بـ"ليس"و"ما"و"إن".]-
ش: "الآن"ظرف زمان, وسيأتي الكلام عليه في باب الظروف, ومن جعله قرينة تخلص المضارع للحال فيعني إذا استعمل على حقيقته, وأما إذا تجوز فيه, واستعمل تقريبًا, فإنه يصلح مع المستقبل والماضي, نحو قول الله تعالى: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ} {الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ} {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} - وفعل الأمر مستقبل- {فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ} , وفعل الشرط مستقبل.
وينبغي أن يتأول كلام المصنف في قوله:"ويتعين عند الأكثر بمصاحبة

"الآن" على أن يحمل إذا عري عما يخلصه للاستقبال, كمجئيه مع فغل الشرط، فـ"الآن"لا تخلصه للحال، وأما في مثال"يقوم زيد الآن" فهي مسألة خلاف، الأكثرون يقولون إنه متعين للحال إذ قرن بظرف الحال، وبعضهم يجيز أن يكون مستقبلًا مع "الآن".
وقوله: وما في معناه هو الحين والساعة وآنفًا، تقول: يخرج زيد الحين أو الساعة، فالألف واللام فيهما للحضور، ويخرج آنفًا، فيتعين حمله على الحال. ومن أجاز أن يراد به الاستقبال مع "الآن" أجازه مع هذه الكلمات.
وقوله: وبلام الابتداء يعني أنه تخلص للحال نحو: إن زيدًا ليقوم. قال المصنف."وأما لام الابتداء فمخلصة للحال عند أكثرهم، وليس كما ظنوا، بل جائز أن يراد الاستقبال بالمقرون بها، كقوله تعالى: {وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ} و {إنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ}، فـ"يحزنن"مقرون بلام الابتداء، وهو مستقبل لأن فاعله الذهاب، والذهاب عند نطق يعقوب-عليه السلام- بيحزن غير موجود، فلو أرد بيحزن الحال لزم سبق معنى الفعل بمعنى الفاعل في الوجود، وهو محال"انتهى كلامه.
وليس ما رد به صحيحًا في الاستدلال: لأن من يقول إن لام الابتداء تخلص للحال إنما هو إذا لم يقترن بالفعل قرينه تخلصه للاستقبال، كعمله في الظرف المستقبل، وهو يوم القيامة المنصوب بقوله: (ليحكم).وقد ذكر المصنف أنه يتخلص للاستقبال إذا عمل في الظرف المستقبل نحو: أجيء

إذا جاء زيٌد، فأجيء مستقبٌل لعمله في إذا، فكذلك (ليحكم) لعمله في (يوم القيامة) إذ هو ظرف مستقبل. وأما قوله تعالى: {لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ} فلا يتعين أن يكون (ليحزنني) مستقبلًا، إذ يحتمل أن يكون في الكلام حذف مضاف، ويكون ذلك المضاف حالًا، فيكون (ليحزنني) حالًا، وتقدير: ليحزنني نيتكم أو قصدكم أن تذهبوا به، فالنية والقصد حال، وهو الفاعل بيحزن، فهو حال رفع ما هو حال، وفعل الحال لا يمتنع أن يعمل في المفعول المستقبل نحو: أنوي الآن أن أجيئك غدًا، ثم حذف المضاف، أقيم المضاف إليه مقامه، ولا يلزم من إعرابه فاعلًا في الصناعة أن لا يكون مفعولًا في المعنى بذلك المحذوف.
وقوله: ونفيه بليس وما/ [وإن] فمن النفي بليس والمراد الحال قول الشاعر"
فلست-وبيت الله-أرضى بمثلها ولكن من يمشي سيرضى بما ركب
وبـ"ما" قوله تعالى: {ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ}. وبـ"إن" {وإنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ}.
قال المصنف في الشرح: "والأكثرون على أن النفيس بليس وما وإن قرينٌة مخلصٌة للحال مانعة من إرادة الاستقبال، وليس ذلك بلازم، بل الأكثر أن يكون المنفي بها حالًا، ولا يمتنع كونه مستقبلًا، قال حسان يصف الزبير رضي الله عنهما:

وما مثله فيهم، ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل
وقال آخر:
والمرء ساٍع لأمٍر ليس يدركه ... والعيش شٌح وإشفاٌق وتأميل
وقال تعالى في استقبال المنفي بـ"ما"و"إن" {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ}، وقال أبو ذؤيب:
أودى بني، وأودعوني حسرة ... عند الرقاد، وعبرٌة ما تقلع
وقال الأعشى الباهلي يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
له نافلاٌت ما يغب نوالها ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا
وقال رجل من طياء:
فإنك إن يعروك من أنت محسٌب ليزداد إلا كان أظفر بالنجح
أي: ما ينزل بك من أحسبته بالعطاء، أي: أعطيته عطاًء كافيًا ليزداد على الكفاية إلا كان أظفر بالنجح. فالمنفي بأن هنا مستقبل لا شك في استقباله"انتهى كلامه.
وحكي س في القسم: "لئن زرته ما يقبل منك"، وهذا موضع"لا".وحكي "لئن فعلا ما فعل"، وتلا {ولَئِنْ أَتَيْتَ} الآية.
والذين قالوا إن هذه الأدوات تخلص للحال إنما هو إذا لم تقترن قرينة

لفظية أو معنوية تخلص للاستقبال، أما إذا اقترنت قرينة تخلصه للاستقبال فلا يقول أحد إنه تخلصه للحال. نص على هذا القيد أصحابنا، وهم الذين يقولون إن هذه تخلص للحال.
وقال الأستاذ أبو علي: "ذكر س أنها لنفي الحال، وهي تنفي الماضي أيضًا، وكأنه-والله أعلم-إنما ذكر الأمر الذي تفارق فيه لم ولن، وتختص به، وهو نفي الحال"انتهى.
وقد نقص المصنف من القرائن التي ذكرها أصحابنا أنها تخلص للحال: أن يعطف على الحال، أو يعطف الحال عليه، نحو: جاء زيٌد يضحك. فلم يستوف المصنف ما يخلص المضارع للحال/.وقد أهمل المصنف ما يعين المضارع للحال، وهو الإنشاء، تقول: أقسُم لأضربن عمرًا، وأحلف ما خرج زيٌد، وإذا كان يصرف الماضي إلي الحال فلأن يصرف المضارع أولى وأحرى. ولا يمكن أن يكون هذا مستقبلًا؛ لأن الإنشاء هو إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود.
ص: ويتخلص للاستقبال بظرٍف مستقبل، وبإسناده إلي متوقع، وباقتضائه طلبًا أو وعدًا، أو بمصاحبة ناصٍب أو أداة ترٍج أو إشفاٍق أو مجازاٍة أو"لو"المصدرية أو نون توكيد، أو حرف تنفيس، وهو السين أو سوف أو سف أو سو أو سي.

ش: يشمل قوله: بظرٍف مستقبٍل أن يكون معمولًا للمضارع، نحو: أكرمك إذا جئت، أو مضافًا إليه، نحو: القتال إذا تقوم. ومثال إسناده إلي متوقع قوله:
يهولك أن تموت، وأنت ملٍغ ... لما فيه النجاة من العذاب
فـ"يهولك"مستقبل لإسناده إلي مستقبل، وهو الموت.
ومثال ما تضمن طلبًا {والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}، أو وعدًا {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشَاءُ}.
ومثال مصاحبة نصاب هو أن ولن وإذن وكي في أحد قسميها، وسواء أكان الناصب ظاهرًا نحو {وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} أو مقدرًا نحو {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}.
وما ذكروه من أن النواصب تخلص للاستقبال هو مذهب س. ويدل على ذلك أنه لا يجوز الجمع بينها وبين السين وسوف إذ أغنى الناصب عنهما.
وذكر أبو زيد السهيلي أن بعض المتأخرين خالف س في ذلك،

وألف كتابًا، وأورد حجاجًا على زعمه.
ومثال أداة الترجي قوله تعالى: {ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ}، وقول الشاعر:
فقلت: أعيراني القدوم لعلني أخط به قبرًا لأبيض ماجد
ومثال أداة الإشفاق قوله:
فأما كيس فنجا، ولكن ... عسى يغتر بي حمٌق لئيم
والفرق بين الترجي والإشفاق مذكوٌر في باب إن.
ومثال المجازاة {إن يَشَا يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ}، وسواء في ذلك ما يجزم كـ"إن"وما لا يجزم نحو"كيف"، تقول: كيف تصنع أصنع، فكيف معناها الجزاء، ولم تجزم بها العرب.
ومثال لو المصدرية {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ}، قال المصنف في الشرح: "وعلامة المصدرية أن يحسن في موضعها "أن"، واحترز بتقييدها من"لو"الدالة على امتناٍع لامتناع، فإن تلك تؤثر ضد ما تؤثر هذه" انتهى

كلامه. وأثبت المصنف لـ"لو"معنى المصدرية، أكثر النحويين لا يعرفون ذلك، وقد أمعنا الكلام على ذلك في فصل"لو"من هذا الكتاب عندما شرحنا كلام المصنف فيه، وبينا هناك أن الصحيح خلاف ما ذهب إليه المصنف.
ومثال حرف التنفيس قوله: {ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ}.وذكر حروف التنفيس، والمشهور أنها سوف والسين، وذكر سو، وحكي الكسائي أن ناسًا من أهل الحجاز يقولون: سو تعملون/، وقال الشاعر:
فإن أخلك فسو تجدون فقدي وإن أسلم يطب لكم المعاش
وزعم بعضهم أن هذا من الحذف الذي جاء في الشعر، وليس بلغة. وذكر سف، وحكاها الكوفيون، وسي، قال: "وهي أغربهن، حكاه صاحب المحكم"، ولا يعرف البصريون إلا سوف والسين، لغتان ليست إحداهما من الأخرى.
قال المصنف: "واتفقوا على أن أصل سف وسو وسي سوف،

وزعموا أن السين أصل برأسها غير مفرعة على سوف، لكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون التوكيد الثقيلة".قال: "وهذا عندي تكلف ودعوى مجردة عن الدليل، وليس كذلك القول بأن نون التوكيد الخفيفة أصل برأسها؛ لأن الذي حمل على ذلك أنا رأينا الخفيفة تنفرد بمعاملة لا تعامل بها الثقيلة، كحذفها عند ملاقاة ساكن، نحو أن تصل قومن باليوم"، تقول: قوم اليوم، وكإبدالها ألفًا في الوقف إذا انفتح ما قبلها نحو (لنسفعًا). ولو كانت مخففة من الثقيلة لكان حذفها بعد الحذف منها إجحافًا، ولما جاز أن تبدل ألفًا؛ لأن إبدال الباقي بعد الحذف تغيير ثان، وذلك إجحاف أيضًا. فلما كان هذا القول مفضيًا إلي هذا المحذور وجب اطراحه، والقول بأن السين فرع سوف لا يفضي إلي مثل ذلك، فوجب قبوله.
وأيضًا فقد أجمعنا على أن سف وسو وسي عند من أقبتها فروع سوف، فلتكن السين أيضًا فرعها؛ لأن التخصيص دون مخصص مردود. وهذا التصرف في سوف شبيٌه بالتصرف في أيمن الله، وفي حاشا، وفي أف". انتهى ما لخص من كلام المصنف في شرحه.
ومحصوله أنه لم يستدل على الفرعية بشيء، واستطرد من ذلك إلي ادعاء أن النون الخفيفة ليست فرعًا عن الثقيلة، واستدل على ذلك بما ذكر من أنه ثبتت لها أحكام لليست للمثقلة. وهذا لا دليل فيه؛ ألا ترى أن "إن" المخففة من الثقيلة هي فرع عنها بلا خلاف نعمله في ذلك، وقد انفرد بأحكام، منها الإلغاء، ومنها دخول اللام في ثاني جزأي الكلام لزومًا، ومنها دخولها على الأفعال النواسخ، وهذا على ما يقرر في باب إن، ولا يجوز

شيء من ذلك في الثقيلة. وكذلك أن وكأن، هما مخففان من التشديد، ولهما أحكام لا تكون لهما حالة التشديد، وأما أن يكون الحذف في نحو: قوم اليوم، والإبدال في (لنسفعا) إجحافًا فليس كذلك؛ لأن هذا أمر عارض، فاحتمل ذلك فيه كما احتمل حذفها بعد الضمة والكسرة في الوقف في مثل اضرب واضربن، فصار اضربوا واضربي.
وقال بعضهم: لو كانت السين فرع سوف كـ "سف" و "سو" لكانت أقل استعمالًا منها؛ لأنها أبعد من الأصل إذ حذفت الواو والفاء، وهما أقرب لقلة الحذف، والأصل أحق بكثرة الاستعمال من الفرع، والفرع الأقرب أحق من الأبعد. ورد هذا التعليل بأنه قد يفوق/ الفرع الأصل كنعم وبئس، إذ أصلهما نعم وبئس، وكأٍب وأٍخ، فاق النقص فيهما القصر، وهو الأصل، فلأن يفوق فرٌع فرعًا أولى.
وقال بعضهم: لو كانت السين فرعًا لتساوت مدة التسويف، وهي بسوف أطول، فكل واحدة أصل برأسها. ورد هذا المصنف في الشرح بالسماع والقياس: فالسماع تعاقبهما على المعنى الواحد في وقت واحد في قوله: {وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}، وقوله: {أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا}، {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}، {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}، وقال:

وما حالٌة إلا ستصرف حالها إلي حالٍة أخرى، وسوف تزول
وأما القياس فالماضي والمستقبل متقابلان، فكما أن الماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب أو بعد، فكذلك المستقبل. انتهى ملخصًا.
وذكر أبو موسى في ملخصات المضارع لاستقبال لام الأمر والدعاء، و"لا" في النهي والدعاء. وذلك مندرج تحت قول المصنف: "وباقتضائه طلبًا".
وذكر أيضًا أبو موسى لام القسم نحو: والله ليقوم زيٌد، إلا أن هذا لا يكون في الكلام إلا بنون التوكيد، فأما في الشعر فتجيء اللام وحدها، كما قال:
تألي ابن أوٍس حلفه ليردني ... إلي نسوٍة كأنهن مفائد
وهذا على مذهب البصريين، وأجاز الكوفيون في الكلام تعاقب اللام والنون.
وهذا الذي ذهب إليه أبو موسى في اللام هو مذهب أكثر النحويين. ومنهم من ذهب إلي أنك تقول إذا أقسمت على قيام في الحال: والله ليقوم زيٌد.

ونقص المصنف من القرائن التي تخلص المضارع للاستقبال عطفه على المستقبل، وعطف المستقبل عليه، نحو قولك: سيأكل زيٌد ويشرب، أو يأكل زيٌد وسيشرب.

-[ص: وينصرف إلي المضي بلم ولما الجازمة ولو الشرطية غالبًا، وبإذ وربما، وقد في بعض المواضع.]-
ش: ظاهر كلام المصنف أن لم ولما يصرفان معنى المضارع إلي لمضي، وهذا مذهب المبرد والأستاذ أبي علي، وأكثر المتأخرين، ذكروا لم ولمّا في القرائن الصارفة معنى المبهم إلي المضي دون لفظه، وأن الأصل يفعل، فدخلتا عليه، وصرفتا معناه إلي المضي، وبقي اللفظ على ما كان عليه.
وذهب أبو موسى وغيره إلي أنهما تصرفان لفظه إلي المبهم دون معناه، ونسب هذا المذهب إلي س لأنه جعل"لم" نفسي"فعل"، و"لما"نفي"قد فعل"، "قالوا": "والدليل على ذلك أنك إذا ناقضت من أوجب قيام زيد، فقال: قام زيٌد، قلت: لم يقم زيٌد، وإن قال: قد قام زيٌد، قلت: لما يقم زيٌد، والمناقضة إنما تكون بإدخال أداة النفي على ما أوجبه الذي قصدت مناقضة كلامه. ألا ترى أنه لو قال: زيٌد قائمٌ، فأردت مناقضته،

لقلت: ما زيٌد قائمٌ، فدل ذلك على أن لم ولما دخلتا على الماضي، وغيرتا لفظه، ولما كانت "لما" لنفي قد فعل أجازوا الوقف على لما، فقالوا: قاربت المدينة ولما، أي: لم أدخلها، كما قالوا: لم يقم زيد/ وكأن قد، يريدون: كأن قد قام، قال النابغة:
أفد الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا، وكأن قد
وأيضًا فإن صرف التغيير في لم يقم ولما يقم إلي جانب اللفظ أولى من صرفه إلي المعنى؛ لأن المحافظة على المعنى أول، وليست الألفاظ كذلك لأنها خديمٌة للمعاني".
وقد أشار المصنف في الشرح إلي الخلاف في هذه المسألة، وصحح ما اختاره بأن له نظيرًا، وهو ما أجمعوا عليه في المضارع الواقع بعد "لو"، والقول الآخر لا نظير له. وقال المصنف في الشرح: "وقيدت لما بنسبة الجزم إليها لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل مضارع، بل ماضي اللفظ والمعنى إن كانت بمعنى حين، أو ماضي اللفظ مستقبل المعنى إن كانت بمعنى إلا، كقول الشاعر:
قالت له: بالله يا ذا البردين لما غنثت نفسًا أو اثنين
وأطلقت "لم" تنبيهًا على أنها صارفة إلي المضي أبدًا، ولو لم يكن الفعل بعدها مجزومًا، كقول الشاعر:

لولا فوارس من نعٍم وأسرتهم يوم الصليفاء لو يوفون بالجار
فرفع الفعل بعد لم، وهي لغة لقوم"انتهى ما ذكره. ولا يحتاج إلي تقييد لما بقوله: "الجازمة"لأنها لا تدخل على المضارع إلا وهي جازمة، فلو كانت تدخل على المضارع جازمة وغير جازمة، وتكون تصرفه إلي المضي إذا كانت جازمة، لكان ذلك محتاجًا إلي أن تقيد بالجازمة، وأما أن يحترز بذلك من دخولها على الفعل الماضي فلا يصح ذلك؛ إذ التقييد إنما يكون في شيء مشترك، فتأتي به احترازًا من أحد معنيي المشترك.
وقوله: ولو الشرطية مثاله قوله تعالى: {ولَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ}، وقول بعضهم: "لو لك أعوي ما عويت"، وقول الشاعر:
لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعًا وسجودا
وقول الآخر:
لو يقوم الفيل أو فياله زل عن مثل مقامي وزحل
قال المصنف في الشرح: "وقيدت لو بالشرطة احترازًا من المصدرية"

انتهى. وتقدم لما التنبيه على أن الأصح أن "لو" لا تكون مصدرية، والمصنف يسمى "لو" الامتناعية شرطية، وكذلك سماها أبو موسى في الكراسة. ورد عليه بأنها لو كانت شرطًا خلصته للاستقبال، فدخلت تحت أدوات الجزاء، وإن كانت الامتناعية صرفت معناه إلي المضي كما قال، فليست شرطًا لا في اللفظ لأنها لا تجزم، ولا في المعنى لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلي الاستقبال. وهذا قول أصحابنا في "لو"، ولا يسمونها شرطًا لأن الشرط عندهم لا يكون إلا في الاستقبال.
وقوله: غالبًا احتراز من ورود "لو" الشرطية بمعنى "إن" نحو قوله:
لا يلفك الراجيك إلا مظهرًا ... خلق الكرام ولو تكون عديما
/وإذا كانت تقلب معنى الماضي للمستقبل في نحو {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا} فلأن تقلب معنى المضارع أولى. ويعني بقوله: "غالبًا" أنها إذا دخلت على المضارع كان في الاستعمال صرفه إلي المضي أكثر من صرفه إلي الاستقبال.
وقوله: وبإذ مثاله {وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ}.

وقوله: وربما مثاله قول الشاعر:
ربما تكره النفوس من الأمـ ــر له فرجٌة كحلٌ العقال
أي: ربما كرهت.
وإنما صرفت معنى المضارع إلي المضي لأنها قبل اقترانها بـ"ما" مستعملة في المضي، فقد استصحب لها ذلك بعد الاقتران، و"ما" للتوكيد، وليست بناقلة من معنى إلي معنى، بخلاف"ما" في "إذما"، فإنها فارقها المضي، وحدث فيها بـ"ما" المجازاة. وهذا الذي ذكرناه من التعليل ملخص من كلام المصنف في الشرح، وهذا الذي ذكره هو الغالب، أعني أنها قبل اقتران "ما" تستعمل في المضي. وقد جاء الفعل مفتتحًا بخرف التنفيس، نحو قوله:
فإن أهلك فرب فتى سيبكي علي، مهذٍب، رخص البنان
فعلى هذا يجيء بعدها الاستقبال قليلًا، فلا يتعين حمل المضارع بعد "ما" على المضي، بل يكون ذلك راجحًا.
فأما قوله تعالى: {رٌبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} فظاهره أن الفعل الذي بعد (ربما) مستقبل؛ لأن ودادتهم ذلك لا تكون إلا في الآخرة. وخرجه أصحابنا على أن يكون التقدير: ربما ود الذين كفروا، جعل فيه

المستقبل بمنزلة الماضي لصدق الموعود به، ولقصد التقريب لوقوعه، فجعل-وإن كان غير واقع-كأنه واقع مجازًا. والأحسن حمله على القليل من أن"رب"قد يكون الفعل بعدها مستقبلًا؛ لأن في هذا التخريج تكلفًا ظاهرًا؛ إذ مآله إلي أنه عبر بالمستقبل عن ماض، وذلك الماضي مجاز عن المستقبل.
وقوله: "وقد"في بعض المواضع قال س في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وأما قد فجواٌب لقوله لما يفعل، فتقول قد فعل". ثم قال: "وتكون قد بمنزلة ربما، قال الهذلي:
قد أترك القرن مصفرًا أنامله كأن أثوابه مجت بفرصاد
كأنه قال: ربما"هذا نصه.
قال المصنف في الشرح: "فإطلاقه- يعني س- القول بأنها منزلة ربما موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلي المضي"انتهى. ولو يبين س الجهة التي فيها قد بمنزلة ربما، وعدم التبيين لا يدل على التسوية في الأحكام، بل يستدل بكلام س على نقيض ما فهم منه المصنف، وهو أن"قد"تكون بمنزلة"ربما"في التكثير فقط، ويدل عليه إنشاد البيت؛ لأن الإنسان لا يفخر بشيء يقع منه على سبيل التقليل والندرة، وإنما يفخر بما يقع منه على سبيل الكثرة، فتكون "قد" هنا بمنزلة "ربما" في التكثير، كقول امرئ

القيس:
/ويا رب يوم قد لهوت وليلٍة بآنسٍة، كأنها خط تمثال
وسيأتي ذكر الخلاف في معنى رب في حروف الجر إن شاء الله.
وقد تدخل على المضارع وتخلو من التقليل، وتكون للتحقيق، نحو قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ}، وقول الشاعر:
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
وقد يكون المضارع بعد خاليًا من التقليل، فتصرفه لمعنى المضي، كقوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}. وفي شرح الخفاف لكتاب س ما نصه: "قال الأستاذ أبو علي: إذا كانت بمنزلة ربما فما بعدها ماضٍ من جهة المعنى؛ لأنها إنما تستعمل حينئذ في الافتخار، والافتخار إنما يكون بما قد وقع، وعلى هذا بيت الهذلي، كأنه قال: قد تركت القرن، فوضع المستقبل موضع الماضي"انتهى. وأنشد الأصمعي:
أحبب حبيبك حبًا رويدًا فقد لا يعولك أن تصرما
أدخل"قد"على المنفي كما أدخلها على الموجب، وإنما يجوز هذا في التي في معنى ربما، ولا تدخل على الماضي، نحو: قد لا قام.
ونقص المصنف من القرائن التي تصرف المضارع إلي المضي عطفه

على الماضي، نحو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} أي: فأصبحت: وعطف الماضي على المضارع، نحو قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت، ثمت قلت: لا يعنيني
أي: ولقد مررت. ووقوع المضارع خبرًا لكان وأخواتها، نحو كان زيٌد يقوم، وأصبح زيٌد يقوم، وأصبح زيٌد يضحك. وإهماله في الظرف الماضي نحو قوله:
يجزيه رب العالمين إد جزي جنات عدٍن في العلالي العلا
كأنه قال: جزاه رب العالمين إذ جزي، وجعل الوعد بالجزاء جزاًء. وهذا أولى من أن يعتقد في إذا أنها بمنزلة إذا؛ لأن صرف معنى المبهم إلي الماضي لقرينه قد ثبت من كلامهم، ولم يثبت وضع إذ موضع إذا بقاطع.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن من القرائن الصارفة معنى المضارع إلي المضي"لما" المحتاجة إلي الجواب، قال: "نحو قولهم: لما قوم زيٌد قام عمرٌو، وقال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}، أي جادلنا "انتهى.

ولا دليل في هذه الآية على مدعاه؛ لأن لما في الآية اتصل بها الماضي، فليست مطابقة للمثال الذي ذكره من قوله: لما يقوم زيٌد قام عمرٌو، إنما جاء مضارعًا الجواب لا الذي اتصل بلما. على أنه يحتمل أن يكون الجواب محذوفًا، أي: شرع يجادلنا، أو أخذ يجادلنا، وحذف لدلالة المعنى عليه ولطول الكلام.
وقد ذكر المصنف فيما تقدم أن"لما"التي لا تجزم لا يليها إلا الماضي لفظًا ومعنى إن/كانت بمعنى حين، أو ماٍض مستقبٌل معنى إن كانت بمعنى إلا. وله اطلاع على اللغة، فإن سمع كلامهم: لما يقوم زيٌد قام عمرٌو، كان ذلك حجة للأستاذ أبي الحسن، وإلا فلا نقيس ما يلي "لما"على جوابها، فنقول: كما جاء جوابها بالمضارع، والمراد به المضي، فكذلك نقول فيما يليها، وقد ذكرنا احتمال حذف الجواب في الآية.

-[ص: وينصرف الماضي إلي الحال بالإنشاء، وإلي الاستقبال بالطلب وبالوعد وبالعطف على ما علم استقباله وبالنفي بـ"لا"و"إن"بعد القسم.]-
ش: مثال انصراف الماضي إلي الحال بالإنشاء ألفاظ العقود، نحو: زوجتكها، وقبلت، بعتك، واشتريت، وأقسمت لأضربن زيدًا، وخلفت ما زيٌد قائٌم.
ومثال الطلب: غفر الله لك، و"اتقى الله امرٌؤ فعل خيرا يثبت عليه"، وعزمت عليك إلا فعلت، ولما فعلت. و"غفر الله"دعاءٌ، و"إلا فعلت"و"لما فعلت"معناه: إلا أن تفعل، ومعنى اتقى: ليتق، فهو طلب بصيغة

الماضي، ولذلك جزم"يثب عليه".
ومثال الوعد {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ}، {وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}.
ومثال العطف على معلوم الاستقبال قوله تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ}، {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ}، أي فيوردهم، وفيفزع.
ومثال النفي بـ"لا"بعد القسم مثله المصنف في الشرح بقوله:
ردوا، فوالله لا ذدناكم أبدًا ... ما دام في مائنا ورٌد لنزال
ولا حجة فيه على أن النفي بـ"لا" بعد القسم يصرفه إلى الاستقبال، وإنما انصرف هنا إلى الاستقبال بإعماله في الظرف المستقبل، وهو قوله "أبدًا"، فلو جاء: والله لا قام زيدٌ، كان ذلك الفعل ماضيًا لفظًا ومعنى؛ لأن "لا" ينفى بها الماضي قليلًا.
ومثال النفي بـ"إن"بعد القسم قال المصنف في الشرح" قوله تعالى: {إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ أَن تَزُولا ولَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} أي: والله لئن زالتا ما يمسكهما" انتهى كلامه. وليس انصراف الماضي إلي المستقبل بانتفائه بإن بعد القسم؛ ألا ترى أنك لو قلت: واللهِ إن

قام زيدٌ، بمعنى: ما قام، لم تصرفه إن إلى الاستقبال، بل هو ماضٍ لفظًا ومعنى، وإنما انصرف إلى الاستقبال في الآية لأنه في المعنى معلقٌ على مستقبل، وهو الشرط، لأن (إن أمسكهما) جوابٌ للقسم المحذوف، وجواب الشرط محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، وجواب الشرط المحذوف مستقبلٌ قطعًا، فكذلك ما دل عليه، وهو جواب القسم.

-[ص: ويحتمل المضي والاستقبال بعد همزة التسوية، وحرف التحضيض، وكلما، وحيث، وبكونه صلة، أو صفةً لنكرةٍ عامة.]-
ش: مثال ذلك بعد همزة التسوية: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، فيحتمل أن يكون المعنى على المضي، ويحتمل أن يكون على الاستقبال، وسواء أكان للفعل معادل بـ "أم" كما مثلنا أم لم يكن، كقولك، سواءٌ علي أي وقت جئتني؛ لأن أيا فيه/ عموم
أوقات. فإن كان معادل الماضي بعد"أم"مقرونًا بـ"لم" تعين المضي، نحو قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ}؛ لأن المعادل المنفي ماٍض من حيث المعنى، فوجب مضي الأول. فإن كان المعادل جملة اسمية بقي الاحتمال، كقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ}.
ومثال التخضيض: هلا ضربت زيدًا، إن أردت المضي كان المراد التوبيخ، أو الاستقبال كان المراد الأمر، كقوله: {فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ}، استدل به على وجوب العمل بخبر الواحد؛ إذ هو بمنزلة لينفر.
ومثاله بعد "كلما" {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ}، فهذا ماض،

وقوله: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ}، فهذا مستقبل.
ومثاله بعد "حيث" {ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} المراد به الاستقبال، {فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} المراد به المضي.
ومثال الصلة {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} المراد به المضي، {إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} المراد به الاستقبال، وقال الشاعر:
وإني لآتيكم تذكر ما مضى من الأمر، واستيجاب ما كان في غد
فـ"مضى"ماضٍ لفظًا ومعنى، و"ما كان في غد"ماٍض لفظًا مستقبٌل معني.
ومثال الواقع صفة لنكرة عامة قوله:
رب رفٍد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشٍر أقتال
بهذا للمضي مثله المصنف في الشرح. وهذا ليس بجيد لأن رفدًا ليس بنكرة عامة؛ إذ"رب"على ما ينسب لـ"س"للتقليل، والتقليل ينافي

العموم، ولم يرد الشاعر أن كل رفد هرقه ذلك اليوم، ولا يتعين أن يكون"هرقته"صفة لـ"رفد"؛ إذ يجوز أن يكون هو الجواب العامل في موضع"رب رفٍد"على مذهب من لا يشترط وصف مخفوض رب، وهو الصحيح، وفي الحديث"نضر الله أمرًأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها"، بهذا مثله المصنف، فـ"نضر"دعاء لترغيب من أدرك حياته في حفظ ما سمعه منه، فالمعنى: يسمع مقالتي فيؤديها كما يسمعها.
وهذه المثل التي مثلنا بها هذه المسائل الست معظم الكلام فيها هو من كلام المنصف في الشرح، وظاهر كلام المصنف أن الاحتمال في هذه المسائل الست هو على سبيل التسوية، والذي يظهر الحمل على المضي لإبقاء اللفظ على موضوعه، وإنما فهم الاستقبال فيما مثل به من خارج، فإذا ورد شيء من هذه المسائل وقفنا فيه مع الظاهر حتى يقوم دليل على أنه ماٍض أريد به الاستقبال.

الصفحات [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] [63] [64] [65] [66] [67] [68] [69] [70] [71] [72] [73] [74] [75] [76] [77] [78] [79] [80] [81] [82] [83] [84] [85] [86] [87] [88] [89] [90] [91] [92] [93] [94] [95] [96] [97] [98] [99] [100] [101] [102] [103] [104] [105] [106] [107] [108] [109] [110] [111] [112] [113] [114]  المجلد[1]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : مقدمة الشارح

العنوان الحالي : باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلق به

العنوان التالي : باب إعراب الصحيح الآخر  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة