التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر
الداخل عليهما (كان) والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام، فتنصبهما مفعولين. ولا يحذفان معًا أو أحدهما إلا بدليل. ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين. ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر كان، فإن وقع موقعهما ظرف أو شبهه أو ضمير أو اسم إشارة امتنع الاقتصار عليه إن كان أحدهما، لا إن لم يكنه ولم يعلم المحذوف.]-
ش: ما ذكره من أن هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر هو مذهب جمهور النحويين.
وزعم أبو زيد السهيلي أن ذلك باطل، بل هذه الأفعال بمنزلة أعطيت في أنها استعملت مع مفعوليها ابتداء، قال: " والذي حمل النحويين على ذلك هو أنهم رأوا أن هذه الأفعال يجوز ألا تذكر، فيكون من مفعوليها مبتدأ وخبر". قال: "وهذا باطل بدليل أنك تقول: ظننت زيدًا عمرًا، ولا يجوز أن تقول: زيد عمروٌ، إلا على وجهة التشبيه، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت؛ ألا ترى أنك لم ترد أن تقول إنك ظننت زيدًا شبه عمرو بل عمرًا نفسه".
والصحيح ما ذهب إليه النحويون، وليس دليلهم على مذهبهم ما توهمه، بل دليلهم رجوع المفعولين إلى المبتدأ والخبر إذا ألغيت هذه الأفعال، وكان ينبغي ألا تؤثر في المبتدأ والخبر لأن العوامل الداخلة على الجمل لا تؤثر فيها، إلا أنهم شبهوها بأعطيت، فنصبت الاسمين.

وزعم الفراء أن هذه الأفعال لما طلبت اسمين شبهت من الأفعال بما يطلب اسمين، أحدهما مفعول به، والآخر حال، نحو: أتيت زيدًا ضاحكًا. واستدل على ذلك بوقوع الجمل والظروف والمجرورات موقع المنصوب الثاني في باب ظننت كما تقع موقع الحال، ولا يقع شيء من ذلك موقع المفعول به، فدل ذلك على أنه انتصابه على التشبيه بالحال لا على التشبيه بالمفعول به، ولا يقدح في ذلك كون الحال يتم الكلام دونها، والمنصوب الثاني في هذا الباب لا يتم الكلام دونه، لأنه ليس بحال حقيقي، بل مشبه بها، كما لا يقدح فيما ذهبنا إليه من أن انتصابه على التشبيه بالمفعول الثاني في باب أعطيت كونه لا يجوز الاقتصار عليه، والثاني في باب أعطيت يجوز الاقتصار عليه من جهة أنه ليس بمفعول حقيقي، بل مشبه به، والمشبه/ بالشيء لا يجري مجرى الشيء في جميع أحكامه.
وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح بدليل أن المفعول الثاني في هذا الباب يكون معرفة، ومضمرًا، واسمًا جامدًا، كالمفعول به، ولا يكون شيء من ذلك حالًا، ولا يقدح في ذلك وقوع الجمل والظروف والمجرورات موقعه لأن الظروف قد تنتصب على التشبيه بالمفعول به؛ وكذلك المجرور يكون في موضع المفعول، نحو: مررت بزيد، بدليل أنك إذا اضطررت إلى حذف حرف الجر نصبت الاسم، فقلت: مررت زيدًا. وكذلك أيضًا قد تقع الجمل موقع المفعول به في نحو: قال زيدٌ عمروٌ منطلقٌ.

فإن قلت: تشبيه ظننت وأخواتها بأعطيت مبنيٌّ على أن أعطيت وأشباهها متعدية إلى اثنين، ويزعم الكوفيون أن أعطيت وأمثالها تتعدى إلى واحد، والثاني منصوب بفعل مضمر.
فالجواب: أن ما ذهبوا إليه فاسد، وسيأتي ذكر هذه المسألة في باب ما لم يسم فاعله، إن شاء الله.
وما تقدم ذكره من أن عمل ظننت وأخواتها إنما هو للتشبيه بأعطيت ذكر ابن هشام أنه قول لبعض المتأخرين، قال: وذلك أن كل عامل يدخل على جملة فإنه لا يعمل فيها، نحو قلت وكنت إذا كانت الجملة في موضع خبرها، وكذلك أسماء الزمان إذا أضفتها إلى جملة المبتدأ والخبر، وكذلك المبتدأ إذا كان خبره جملة، وكان الواجب في هذه الأفعال أن تكون كذلك لولا هذا التشبيه، وقد أولع أبو علي الشلوبين بهذا المذهب، وهو لا يصح إذا حقق النظر فيه.
ومذهب س أن ما دخل على الجملة مما شأنه وأصله أن يدخل على المفرد فالجملة تبقى على حالها حكاية لأنها بجملتها تنزلت منزلة المفرد، فالاسم فيها أو الفعل أحد جزئيها، فيتنزل منزلة بعض الكلمة، والعامل لا يعمل في بعض الكلمة، فبقيت على إعرابها حكاية. والذي ليس من شأنه أن يدخل على مفرد، مثل كان وأخواتها، وإن وأخواتها، وظننت وأخواتها، يصير مثل الفعل الداخل على اثنين، فما كان فعلًا جرى مجرى الأفعال لأجل التشبيه به، وما كان غير فعل عمل بالتشبيه، أو لم يعمل بحكم أصله، هذا مذهب س والنحويين المتقدمين.
وقد رأينا العامل اللفظي يزيل الابتداء، نحو: زيدٌ قام، إذا قدمت

الفعل رفعت الاسم به، ولم تشغله بضميره كما يعمل إذا تأخر، وكذلك ما يدخل عليه طالبًا له من جهة وللخبر من جهة يخلع الابتداء، ويستأثر بالعمل لأنه/ أقوى منه، وإذا علمت الحروف، نحو: إن وأخواتها، وما، ولات، ولا، في هذه الجملة بما أدت معانيها فيها- فالفعل أولى بالعمل وأوجب أن يجوز فيه ذلك. انتهى.
وقوله الداخل عليهما كان أحال على كان، وقد تقدم بيان ذلك في باب كان.
وقوله والممتنع دخولها- أي: دخول كان -عليهما- أي: على المبتدأ والخبر -لاشتمال المبتدأ على استفهام، مثاله: أيهم أفضل؟ وغلام من عندك؟ فهذه لا تدخل عليها كان، وتدخل عليها ظننت، فتقول: أيهم ظننت أفضل؟ وغلام من ظننت عندك؟ ولا تدخل على هذه كان لأنها لا تتأخر؛ إذ هي -أعني أسماء الاستفهام- لها صدر الكلام.
وقوله فتنصبهما مفعولين تقدم مذهب الفراء أن الاسم الثاني ينتصب على التشبيه بالحال والرد عليه.
وقوله ولا يحذفان معًا أو أحدهما إلا بدليل الحذف يكون اقتصارًا واختصارًا، فحذف الاقتصار حذف الشيء لغير دليل، وحذف الاختصار حذف

الشيء لدليل. فإن حذفت المفعولين هنا اختصارًا جاز، ومنه قول الكميت:
بأي كتابٍ أم بأية سنةٍ ترى حبهم عارًا علي وتحسب
يريد: وتحسب حبهم عارًا علي.
وإن حذفتها اقتصارًا فأربعة مذاهب:
أحدها: مذهب الأخفش، وهو المنع. وحجته أن هذه الأفعال [تجري مجرى القسم، ومفعولاتها] تجري مجرى جواب القسم، والدليل على ذلك أن العرب تتلقاها بما يتلقى به القسم، قال تعالى {وظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ}، فكما أن القسم لا يبقى دون جواب، فكذلك هذه الأفعال، لا تستغني عن مفعولاتها. فأما قول الأخفش في كتابه المسمى بالمسائل الصغرى: "تقول: ضرب عبد الله، وظن عبد الله، وأعلم عبد الله، إذا كنت تخبر عن الفعل" انتهى- فظاهره مخالفة هذا النقل.
وأول على أنه لم يقصد جواز الاقتصار مطلقًا، بل مع قرينة محصلة للفائدة، كقولك لمن قال: من ظنني ذاهبًا؟ ظن عبد الله، [ولمن قال]:

من أعلمك أني ذاهب؟ أعلم عبد الله، ولذلك قال "إذا كنت تخبر"، فإن الناطق بما لا فائدة فيه ليس بمخبر.
قالوا: وما استدل به الأخفش لا حجة فيه لأن العرب لا تضمنها معنى القسم على اللزوم، فإذا امتنع حذف مفعوليها إذا دخلها معنى القسم لما ذكر فما المانع من حذفهما إذا لم تتضمن معنى القسم.
وزعم المصنف في الشرح أن هذا الذي هو مذهب الأخفش هو مذهب س والمحققين ممن تدبر، كلامه كابن/ طاهر وابن خروف والأستاذ أبي علي الشلوبين، قال: "فلو لم يقارن الحذف قرينة تحصل بسببها فائدة، كاقتصارك على أظن من قولك: أظن زيدًا منطلقًا- فإنه غير جائز، فإن غرضك الإعلام بأن إدراكك لمضمون الجملة بظنٍّ لا يقين، فتنزل أظن من جزأي الحديث منزلة: في ظني، فكما لا يجوز لمن قال زيدٌ منطلقٌ في ظني أن يقتصر على في ظني، كذا لا يجوز لمن قال أظن زيدًا منطلقًا أن يقتصر على أظن، ولأن قائل أظن أو أعلم دون قرينة تدل على تجدد ظنٍ أو علمٍ بمنزلة قائل: النار حارة؛ إذ لا يخلو الإنسان من ظن ما ولا علم ما".
"ومما يدل على ذلك من كلام س قوله [في] باب إضمار المفعولين اللذين يتعدى إليهما فعل الفاعل: (وذلك أن حسبت بمنزلة كان، إنما يدخلان على المبتدأ والمبني عليه، فيكونان في الاحتياج على حال؛ ألا ترى أنك لا

تقتصر على الاسم الذي بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ. فالمنصوبان بعد حسبت بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد ليس وكان. وكذلك الحروف التي بمنزلة حسبت وكان)، هذا نصه، فصرح بأن حسب مع مرفوعها في الاحتياج إلى المنصوبين بمنزلة ليس وكان في احتياجهما إلى المرفوع والمنصوب، فكما لا يقتصر على ليس وكان دون المرفوع والمنصوب لا يقتصر على حسب ومرفوعها دون المنصوبين، وهذا واضح.
وقال في الباب الذي يلي هذا الباب: (فلما صارت حسبت وأخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إن وأخواتها إذا قلت إني ولعلي؛ لأن إن وأخواتها لا تقتصر على الاسم الذي بعدها)، فجعل افتقار حسب وأخواتها مع فاعلها [إلى الجزأين] كافتقار إن ولعل مع منصوبيهما إلى الخبر، وهذا أيضًا واضح.
وفي هذا الكلام تسوية بين حسبت وأخواتها، فعلم أنه حين قال: (لأنك قد تقول ظننت فتقتصر) لم يقصد الإطلاق ولا الاختصاص، بل قصد التنبيه على أن بعض المواضع قد يقتصر فيه على الفعل ومرفوعه لقرينة تحصل بها الفائدة، واكتفى بـ (ظننت) اختصارًا واتكالًا على العلم بمساواة غير ظننت لظننت".
وقال عبد العزيز بن جمعة: "منع الجرمي حذفهما محتجًا بأنه لا يكون حينئذ في الإخبار بهذه الأفعال فائدة إذ كل عاقل لا يخلو من علم أو ظن.
وأجيب بأنا لا نسلم عدم الفائدة مطلقًا، وإنما يلزم إن لو لم تفد بإسنادها إلى الفاعل علمًا قطعيًا أو ظنيًا، ولأن ما ورد من الآيات والمثل يبطل ما ذهب

إليه"، وكان قد قدم/ جواز ذلك قياسًا على غيرها من الأفعال لأنها أفعال حقيقة تستقل بمرفوعها كلامًا، وبدليل قوله تعالى {وإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ}، {وظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ}، وفي المثل: من يسمع يخل". انتهى.
المذهب الثاني: مذهب الأعلم ومن أخذ بمذهبه، وهو التفصيل، فأجاز ذلك في ظننت وما في معناها، ومنع في علمت وما في معناها. وحجتهم أن كل كلام مبني على الفائدة، فإن لم توجد فيه فائدة لم يجز التكلم به، فإذا قلت ظننت كان مفيدًا لأن الإنسان قد يخلو من الظن، فيفيد بقوله ظننت أنه قد وقع منه ظن، وإذا قال علمت كان غير مفيد لأنه معلوم أن الإنسان لا يخلو من علم؛ إذ له أشياء يعلمها ضرورة، كعلمه أن الاثنين أكثر من الواحد.
ورد هذا المذهب بأنه يجوز: علمت، وتحذف المفعولين اقتصارًا لأن الكلام إذا أمكن حمله على ما فيه الفائدة كان أولى، فإذا قال قائل علمت علمنا أنه أراد: وقع منه علم ما لم يكن يعلم؛ إذ حمله على خلاف ذلك غير مفيد.
المذهب الثالث: مذهب أكثر النحويين، منهم ابن السراج والسيرافي، وهو جواز حذفهما مطلقًا.

قال الأستاذ أبو الحسن: "والصحيح أنه يجوز حذف المفعولين في علمت وظننت وما في معناهما حذف اقتصار، وقد جاء ذلك في كلامهم، حكي س أنهم يقولون: من يسمع يخل، أي: يقع منه خيلة، وقال تعالى {أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى}، أي: يعلم، وليس في الكتاب جلاء عن مذهب س".
المذهب الرابع: المنع قياسًا، والجواز في بعضها سماعًا، وهو اختيار أبي العلا إدريس، ويزعم أنه رأي س، فلا يتعدى الحذف في ظننت وخلت وحسبت. ويحتج على ذلك بأنها أفعال أتى بها لتفيد معنى في الجملة، فتركها دون الجملة رجوع عن المقصود، ولا يجوز كما لا يجوز حذف ما أتى به لمعنى؛ ألا تراهم لم يحذفوا التنوين من غازٍ، وحذفوا اللام، لكنه سمع في ظننت على ما حكاه س، وكذلك في خلت وحسبت. قيل: منه قوله تعالى

{وظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ}، و"ظننت ذاك" بنصب المصدر.
قال صاحب البسيط: "وأما خلت فيظهر اطراد الخلاف فيها بالمنع وعدمه، فالمنع حملًا على ظننت، والجواز لما فيها في نفسها".
وأما حذف أحدهما فإما اقتصارًا أو اختصارًا:
إن حذفته اقتصارًا لم يجز، لا خلاف في ذلك. وسبب ذلك أنها داخلة على المبتدأ والخبر، فكما لا يجوز حذف المبتدأ ولا الخبر اقتصارًا، فكذلك لا يجوز حذف أحدهما اقتصارًا.
/وإن حذفته اختصارًا جاز ذلك على قلة عند الجمهور.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق بن ملكون إلى أنه لا يجوز حذف أحدهما اختصارًا كما لا يجوز اقتصارًا. واستدل على ذلك بأنها أفعال دخلت على المبتدأ والخبر، فهي بمنزلة كان وأخواتها، ولا يقتصر في باب كان على اسمها ولا على خبرها، فكذلك هذه.
ورد بأن مرفوع كان كالفاعل، فلا يحذف، ولأن خبرها كالحدث لها، فصار عوضًا منه، فامتنع حذفه إذ صار كالجزء من الفعل.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الحذف، وقد ورد به السماع، قال الشاعر:
ولقد نزلت، فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم

أنشده أبو علي، وقدره: فلا تظني غير هذا حقًا، وقال: حذفه عزيزٌ، كما أن حذف خبر كان كذلك وإن اختلفت جهتا القبح. وقال آخر:
تلذ لطعمه، وتخال فيه إذا نبهتها بعد المنام
وقبله:
كأن مشعشعًا من خمر بصري نمته البخت مشدود الختام
ثم أتى بخبر كأن بعد بيتين وصف فيهما المشعشعة، فقال:
على أنيابها بغريض مزنٍ تقبله الجباة من الغمام
ثم وصف المزن ببيت، وبعده: تلذ لطعمه، فالتقدير: وتخال ما ذكرت فيه من المشعشعة الموصوفة. وقال آخر:
من را مثل معدان بن يحيي إذا ما النسع جال على المطية
التقدير: من را مثل معدان بن يحيي في الوجود. و"را" بمعنى علم، كذا قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وصاحب البسيط؛ لأن العرب لا تحذف همزة "را" إلا إذا كانت بمعنى علم. انتهى. وذكر ابن سيده في المحكم

أنها تحذفها بمعنى أبصر، فلا يكون في البيت حجة؛ إذ يحتمل أن تكون "را" بمعنى أبصر.
وقال آخر:
كأن لم يكن بينٌ إذا كان بعده تلاقٍ، ولكن لا إخال تلاقيا
التقدير: لا إخال الكائن تلاقيًا، أو لا إخال تلاقيًا بعد البين.
وقال آخر:
وأنت غريمٌ، لا أظن قضاءه ولا العنزي القارظ الدهر جائيا
التقدير: لا أظن قضاءه واقعًا، أي: قضاء دينه واقعًا.
وقال ابن عصفور: / "حذف أحد المفعولين للدلالة عليه قليل، فلا ينبغي أن يقاس عليه". وهذا منه جنوح إلى مذهب ابن ملكون.
وفي الإفصاح: "زيدًا ظننته قائمًا، هذا مما يحذف منه أحد مفعولي ظننت لأنك تقدر: ظننت زيدًا قائمًا، فتحذف ظننت استغناءً بظننت هذه الظاهرة، وتحذف قائمًا استغناءً بقائم هذي الظاهرة. هذا كلام النحويين.
وقد رأيت من قال: تقديره هنا خلاف ظننت مما يتعدى إلى واحد؛ لأن ظننت وأخواتها لا تستغني عن مفعوليها متى ما ذكرت أحدهما، فتقدر اتهمت،

أو تخيلت، وما أشبه ذلك. وإذا قال زيدًا علمته قائمًا قدر: عرفت زيدًا، ولك أن تقول: لابست. وهذه مخالفة للجمهور بلا دليل لأن العرب والنحويين إنما منعوا عن الاقتصار لا عن الاختصار.
وتقول: أقائمًا ظننت زيدًا إياه؟ فتحذف الأول لأنك أظهرته هنا، والتقدير: أظننت زيدًا قائمًا ظننت زيدًا إياه؟ وهذا الفعل لا يجوز إظهاره ولا إظهار فاعله ومفعوله الأول لدلالة ما أثبت على ما أضمرت ونيابته عنه.
ويقول لك القائل: ما ظننت زيدًا؟ فتقول: قائمًا، تريد: ظننته قائمًا، فتحذف للعلم، وإن شئت أظهرت هذا. وإذا قال: من ظننت قائمًا؟ قلت: زيدًا، ويجوز الإظهار هنا، فتقول: ظننت زيدًا قائمًا"، انتهى.
وما ذكرناه من أن مذهب الجمهور جواز حذف أحدهما إذا دل الدليل عليه قد خالف فيه بعض معاصرينا؛ فقال: "وأما حذف أحدهما دون الآخر دون الآخر فمنعه الجمهور لأنهما متلازمان؛ لافتقار كل منهما إلى صاحبه؛ لأنهما مبتدأ وخبر في الأصل. ولا يقال: فهلا جاز حذف أحدهما كما جاز حذف المبتدأ والخبر عند وجود القرينة؛ لأنا نقول: إنما لم يجز حذف أحد مفعوليها لئلا يلتبس المتعدي منها إلى مفعولين بما يتعدى إلى مفعول واحد، بخلاف خبر المبتدأ، فأما قول الشاعر:
وما أعرف الأطلال ............... ................... ، لكن إخالها
فإخال هنا بمعنى أتوهم.

واعلم أنه لو ذهب ذاهب إلى جواز حذف أحد المفعولين عند وجود قرينة دالة عليه لما امتنع، كقوله تعالى {ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم}؛ لأن من قرأ بالياء فالمفعول الأول محذوف لدلالة الفعل عليه، والتقدير: البخل هو خيرًا لهم، ومن قرأ بالتاء فعلى حذف مضاف من الأول، أي: بخل الذين". انتهى من كلام/ ابن جمعة.
وقوله ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين يعني أن الأصل تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني، وقد يعرض موجب البقاء على الأصل، نحو: ظننت زيدًا صديقك، وعلمت خيرًا منك فقيرًا إليك، وما يوجب الخروج عن الأصل، نحو: ما ظننت زيدًا إلا بخيلًا، وأسباب البقاء والخروج مستوفاة في باب الابتداء، فأغنى ذلك عن ذكرها هنا. فإن لم يعرض موجب جاز التقديم والتأخير.
وقوله ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر كان أحال على خبر كان، وذلك مستوفى في باب كان، فأغنى عن إعادته هنا.
وقوله فإن وقع موقعهما -أي موقع المفعولين- ظرف -نحو ظننت عندك- أو شبهه -نحو ظننت لك- أو ضمير - ظننته- أو اسم إشارة - ظننت ذاك-

امتنع الاقتصار عليه إن كان أحدهما -أي: أحد المفعولين؛ لأنه كما بيناه لا يجوز حذف أحدهما اقتصارًا- لا إن لم يكنه أي: إن لم يكن أحدهما، كأن تريد بالظرف مكان حصول الظن، وبـ"لك" القلة، وبالضمير ضمير المصدر، وباسم الإشارة الإشارة إلى المصدر.
وقوله ولم يعلم المحذوف لأنه إن علم المحذوف جاز أن يكون الظرف أو المجرور أو الضمير أو اسم الإشارة أحدهما، ويكون الآخر حذف للعلم به.
قال المصنف في الشرح: "وقال الفراء: ظننت ذاك، إشارة إلى الحديث، أجرته العرب مجرى المفعولين، يقول القائل: كان من الأمر كذا وكذا، فيقول المخبر: قد ظننت ذاك. قال ابن خروف: وهو قول لا بأس به. وقال أبو زيد في مصادره: خلت ذاك إخاله خالًا. والأظهر أن يكون إشارةً إلى الحديث لذكره المصدر بعد" انتهى.
وقال ابن دستورية: يقول القائل: زيد فعل كذا، فتقول: علمت ذاك، تشير به إلى جميغ الخبر، فيستغني.
وقال أبو علي: "وإذا قلت ظننت ذاك كان ذاك إشارة إلى المصدر المفهوم من الفعل، كأنك قلت: ظننت ذاك الظن". يعني أن العرب قد

تشير إلى المصدر المفهوم من الفعل كما تعيد عليه الضمير، ومن الإشارة إلى المصدر قوله تعالى {ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} أي: إن صبره. وهذا مذهب س في: ظننت ذلك.
وذهب الفراء والمازني إلى أن ذاك إشارة إلى المفعولين في نحو قولك: زيدٌ منطلقٌ ظننت ذاك؛ لأن العرب قد تشير بـ"ذاك" إلى اثنين، قال تعالى {لاَّ فَارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}، أي: بين الفارض والبكر. وجاز اكتفاء "ظننت" بـ"ذاك" وهو مفرد في اللفظ من حيث كان المراد به/ الاسمين اللذين هما خبر ومخبر عنه في الأصل.
قال بعض أصحابنا: والصحيح ما ذهب إليه س وأبو علي. ومما يبين صحة ذلك أن اسم الإشارة المفرد لا تجوز الإشارة به إلى اثنين بالنظر إلى اللفظ؛ بل بالنظر إلى المعنى، فقوله تعالى {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} محمول على المعنى، كأنه قال: عوان بين ما ذكر، فعلى هذا لا تجوز الإشارة بـ"ذاك" إلى الاسمين اللذين هنا خبر ومخبر عنه في الأصل إلا بالنظر إلى المعنى؛ فكأنك قلت: ظننت الحديث، فكما لا يجوز اكتفاء ظننت بـ"الحديث" -وإن كان المراد الخبر والمخبر عنه في المعنى- فكذلك لا يجوز اكتفاؤها بـ"ذاك"، وإنما جاز: ظننت أن زيدًا منطلقٌ -وإن كانت أن وصلتها بتقدير اسم مفرد -للطول ولجريان الخبر والمخبر عنه بالذكر في الصلة، وليس شيء من ذلك موجودًا في اسم الإشارة ولا في الحديث.

والمخبر عنه في المعنى -فكذلك لا يجوز اكتفاؤها بـ"ذاك"، وإنما جاز: ظننت أن زيدًا منطلقٌ- وإن كانت أن وصلتها بتقدير اسم مفرد- للطول ولجريان الخبر والمخبر عنه بالذكر في الصلة، وليس شيء من ذلك موجودًا في اسم الإشارة ولا في الحديث.

-[ص: وفائدة هذه الأفعال في الخبر ظنٌ، أو يقينٌ، أو كلاهما، أو تحويلٌ: فللأول حجا يحجو، لا لغلبة، ولا قصد، ولا ردٍّ، ولا سوقٍ، ولا كتمٍ، ولا حفظٍ، ولا إقامةٍ، ولا بخلٍ. وعد، لا لحسبان. وزعم، لا لكفالة، ولا رياسة، ولا سمنٍ، ولا هزالٍ. وجعل، لا تصييرٍ، ولا إيجادٍ، ولا إيجابٍ، ولا ترتيبٍ، ولا مقاربةٍ. وهب غير متصرف.]-
ش: الفعل الذي يفتقر مفعوله إلى ثانٍ مخبر به صالح للتعريف والتنكير، أو جملةٍ تقوم مقامه -هو من باب ظن، ويميزه وقوع الفصل بينهما ودخول اللام الفارقة. وأفعال هذا الباب نوع مختص بالظن، ونوع مختص باليقين، ونوع صالح لهما، ونوع للتحويل من وصف إلى وصف.
وقوله فللأول -يعني النوع الذي هو مختص بالظن- حجا يحجو، قال:
قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقةٍ حتى ألمت بنا يومًا ملمات
وقوله لا لغلبة إلى قوله ولا بخل حجا مشترك بين ظن - ويتعدى إلى مفعولين- وبين غلب في المحاجاة، وقصد، ورد، وساق، وكتم، وحفظ، وهي في هذه متعدية إلى واحد، وبين أقام، وبخل، ولا يتعدى.

وقوله وعد لا لحسبان قال في الشرح: "ومن أخوات حجا الظنية عد، لا بمعنى حسب، كقول الشاعر:
فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ولكنما المولى شريكك في العدم
وكقول الآخر:
/لا أعد الإقتار عدمًا ولكن فقد من قد فقدته الإعدام"
انتهى.
وفي عد "عد" من أفعال هذا الباب خلاف: مذهب الكوفيين أنها من أفعال هذا الباب. وقال بعض أصحابنا: وزاد فيها بعض النحويين عد، وجعل من ذلك قوله:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطري، لولا الكمي المقنعا
ولا حجة في ذلك لاحتمال أن يكون "أفضل مجدكم" بدلًا من: عقر النيب، و"تعدون" من العد الذي يراد به إحصاء المعدود، كما يقال: فلان يعد لنفسه آباء كرامًا.

وقال أيضًا: يجوز أن تجعل "تعدون" في البيت بمعنى: تحسبون، على طريق التضمين؛ لأنه إذا حسب عقر النيب في مآثره ومجده فقد حسب ذلك مجدًا، فضمن "وعد" التي للعدد معنى حسب التي للظن، فيكون "أفضل مجدكم" مفعولًا ثانيًا على التضمين، وهو جائز في الشعر.
وقال أيضًا: "أفضل مجدكم" نعت لـ"عقر النيب"، وعد بمعنى حسب، كأنه قال: تحسبون عقر النيب الذي هو أفضل مجدكم مما تفخرون به.
واختيار أبي الحسين بن أبي الربيع أن "عد" من أفعال هذا الباب كاختيار المصنف.
وقوله وزعم، لا لكفالةٍ، ولا رياسةٍ، ولا سمنٍ، ولا هزالٍ قال المصنف في الشرح: "ومن أخوات حجا الظنية زعم الاعتقادية، كقول الشاعر:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
ومصدر زعم هذه زَعْمٌ وزُعْمٌ. ويقال زعم - بمعنى كفل- زعامة، ومنه قوله عليه السلام: (الزعيم غارمٌ)، وبهذا المعنى قال الشاعر:
تقول هلكنا إن هلكت، وإنما على الله أرزاق العباد كما زعم

وبمعنى رأس، فتعدى إلى مفعول واحد مرة، وبحرف جر أخرى. ويقال زعمت الشاة، بمعنى سمنت، وبمعنى هزلت، ولا يتعدى" انتهى.
ويقال: الزعم - بضم الزاي- هو الاسم لا مصدر.
وذكر صاحب العين أن الأحسن في زعم أن توقع على أن، قال: "وقد توقع في الشعر على الاسم، وأنشد بيت أبي ذؤيب:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ....................................
وقول الآخر:
زعمتني شيخًا، ولست بشيخٍ إنما الشيخ من يدب دبيبا"
/انتهى. ولهذا لم يجئ في القرآن متعديًا إلى اثنين، وإنما جاء بعده أنَّ وأنْ.
وقال السيرافي: "الزعم قول يقترن به اعتقاد صح أو لم يصح". وقال ابن عطية المفسر: "قول لا دليل على فس 7 اده لا صحته ودركه على قائله". وقال ابن دريد: "أكثر ما يقع على الباطل". والدليل على أنه قد يقع على ما ليس بباطل قول كثير:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي، والخليقة كالتي عهدت، ولم يخبر بسرك مخبر

وفي الحديث (بئس مطية الرجل زعموا). وإذا قال س في كتابه "وزعم الخليل" قيل: فإنما يستعمله فيما انفرد به الخليل، وكان قويًا.
وفي الإفصاح: و (زعم) قد قلنا إنها قد تكون بمعنى علم، وهو قول س. وقال غيره: تكون بمعنى اعتقد، فقد تكون علمًا، وقد تكون تقليدًا، وتكون أيضًا ظنًا غالبًا. وقيل: تكون بمعنى الكذب، كقوله تعالى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا}، وقوله {هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ}.
وقوله وجعل لا لتصيير قال المصنف في الشرح: "ومن أخوات حجا الظنية جعل الاعتقادية، كقوله تعالى {وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا} أي: اعتقدوهم. وهذه غير التي للتصيير - وسيأتي ذكرها- وغير التي بمعنى أوجد، كقوله تعالى {وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ}، وغير التي بمعنى أوجب، كقولهم: جعلت للعامل كذا، وغير التي بمعنى ألقى، كجعلت بعض متاعي على بعض، وغير التي للمقاربة، وقد ذكرت في بابها".
وقوله وهب غير متصرف هذا أيضًا فيه خلاف: فذهب المصنف إلى أن

هب من أفعال هذا الباب، وأنها بمعنى حجا الظنية، وأنشد:
فقلت: أجرني أبا خالدٍ وإلا فهبني امرأً هالكا
وهو مذهب الكوفيين.
واضطرب فيها الأستاذ أبو الحسن، فمرة قال: لا تتعدى إلا إلى واحد، والدليل على ذلك تنكير الثاني وأنه لا يأتي معرفة. ومرة قال: تتعدى إلى اثنين، ومن ذلك قوله:
فهبها أمةً هلكت ضياعًا يزيد أميرها وأبو زيد
قال: والدليل على أن الاسم الثاني مفعول مجيئه معرفة ونكرة، والدليل على أنه إذا كان معرفة ليس بدلًا من الأول مجيء الجملة في موضعه، نحو قوله:
هبني أسأت ....................... .....................................

ومن ذلك قوله:
/هبيني -يا معذبتي- أسأت وبالهجران قبلكم بدأت
إلا أن ابن عصفور لم يجعلها بمعنى ظن، وإنما جعلها بمعنى اجعل التي بمعنى صير.
وهي أمر من: وهبني الله فداك، أي: جعلني الله فداك، وإنما قال "غير متصرف" لأنه لم يستعمل منها غير فعل الأمر، لا ماضٍ ولا مضارع ولا اسم فاعل، ولا يكون فعل الأمر إلا بصيغة هب، ويتصل به الضمير لمؤنث ومثنى ومجموع، ولا يكون أمرًا باللام.

-[ص: وللثاني علم لا لعلمةٍ ولا عرفان، ووجد لا لإصابةٍ ولا استغناءٍ ولا حزنٍ ولا حقدٍ، وألفى مرادفتها، ودرى لا لختل، وتعلم بمعنى أعلم غير متصرف.]-
ش: يعني بـ"الثاني" النوع الذي يختص باليقين. واحترز بقوله لا لعلمةٍ من علم علمة فهو أعلم، أي: مشقوق الشفة العليا، قال الشاعر:
وحليل غانيةٍ تركت مجدلًا تمكو فريصته كشدق الأعلم

وبقوله ولا عرفان من علم الموافق في التعدي عرف، نحو قوله {لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا}. وإذا تعدت علم إلى واحد فأردت الماهية جاز وقوع الجامد مفعولًا لها، قال الفراء: لا تقول: قد سألت فعلمت عبد الله، إلا أن تريد: علمت ما هو، فلا بد من مشعر بالمعنى، كقولك: إنما سألت لأعرف عبد الله من زيد.
وأما قوله تعالى {ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، و {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ} -فقيل: لا يطلق العلم على الله بمعنى المعرفة. وأول قائل ذلك ما ورد من ذلك منسوبًا إلى الله تعالى على تقدير حال أو صفة، أي: وليعلمهم متميزين عن غيرهم بالإيمان أو بما ظهر من صبرهم.
وقال السهيلي: المعرفة تقتضي التمييز وانحياز كل معلوم بتمييز يخصه، وعلم الله لا يكون كذلك. وتأول الآية على العلم بالخبر، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قال: لا تعلمهم منافقين، الله يعلمهم.
وقوله ووجد كقوله {تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا}، {وإن وجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}، وقال:

فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع
ومصدرها وجدان عن الأخفش، ووجود عن السيرافي.
واحترز بقوله لا لإصابة من نحو: وجد فلان ضالته وجدانًا ووجودًا. وبقوله ولا استغناء من وجد بمعنى استغنى، ومصدرها وَجْد ووُجْد وجِدَة. وبقوله ولا حزن/ من وجد بمعنى حزن، ومصدرها وَجْدٌ. وبقوله ولا حقد من قولهم: وجد على الرجل، ومصدرها موجدة.
وقوله وألفى مرادفتها أي: مرادفة وجد التي تتعدى إلى اثنين. وهذه فيها خلاف: فمن النحويين من زعم أنها تتعدى إلى واحد، والثاني هو منصوب على الحال، فيكون ألفى بمعنى أصاب وصادف. وذكر أن الدليل على ذلك التزام العرب التنكير فيه، فلا تقول: ألفيت زيدًا الضاحك، بل: ضاحكًا، فدل على أنه حال، وإلى هذا ذهب ابن عصفور.
وذهب غيره إلى أنها تتعدى إلى اثنين، وإياه اختار المصنف، وأنشد قول الشاعر:
قد جربوه، فألفوه المغيث إذا ما الروع عم، فلا يلوى على أحد
وقول الآخر:
إذا أنت أعطيت الغنى، ثم لم تجد بفضل الغنى، ألفيت ما لك حامد

وقد ينازع في هذا الدليل من يرى أنها تتعدى إلى واحد، فيجعل الألف واللام في المغيث زائدة، وينصبه على الحال. وكذلك الجملة من قوله: ما لك حامد، يجعلها حالًا. وأما الذي يقطع بكونها تتعدى إلى اثنين فأن يجيء الثاني ضميرًا، أو يقع فصل بين المنصوبين، أو تدخل على أحدهما اللام الفارقة. وإلى إدخالها في هذا الباب ذهب الكوفيون.
وقوله ودرى لا لختلٍ قال المصنف: "ومن ذوات المفعولين درى بمعنى علم، كقول الشاعر:
دريت الوفي العهد، يا عرو، فاغتبط فإن اغتباطًا بالوفاء حميد
وأكثر ما تستعمل معداةً بالباء، كقولك: دريت به، فإذا دخلت عليها همزة النقل تعدت إلى واحد بنفسها وإلى ثانٍ بالباء، قال تعالى {قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أَدْرَاكُم بِهِ}، ويقال: درى الذئب الصيد: إذا استخفى له ليفترسه، فيتعدى إلى واحد، وإليه أشرت بقولي: لا لختلٍ"، انتهى كلامه.
ولم يذكر أصحابنا درى فيما يتعدى إلى اثنين. ولعل قوله "دريت الوفي العهد" من باب التضمين، ضمن ذلك معنى علمت، والتضمين لا ينقاس، ولا ينبغي أن يجعل أصلًا حتى يكثر ذلك، ولا يثبت ذلك ببيت نادر محتمل للتضمين.
وقوله وتعلم بمعنى أعلم غير متصرف تعلم يكون أمرًا من تعلم يتعلم،

فيتعدى إلى واحد، تقول: تعلم الحساب، وهو فعل متصرف. ويكون/ أمرًا بمعنى أعلم المتعدية إلى اثنين، ولا يُستعمل منه ماض ولا مضارع ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا مصدر، قال الشاعر:
تعلم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطق في التحيل والمكر
والمشهور إعمالها في أن، قال:
تعمل أنه لا طير إلا على مُتطير، وهي الثبور
وقال:
تعلم أن شر الناس حي ينادى في شعارهم: يسار
وقال آخر:
فقلت: تعلم أن للصيد غرة وإلا تضيعها فإنك قاتله

وقال:
تعلمن ها - لعمر الله - ذا قسمًا فاقدر بذرعك، وانظر أين تنسلك
لئن حللت بجو، في بني أسد في دين عمرو، وحالت بيننا فدك
ليأتينك مني منطقٌ قذعٌ باق، كما دنس القبطية الودك علق "تعلمن" بالقسم.
وما ذهب إليه المصنف من أن تعلم بمعنى أعلم غير متصرف، وكرره في تصانيفه - هو شيء ذهب إليه الأعلم، وليس بصحيح لأن يعقوب حكي، وقال: "تعلمت أن فلانًا خارج، بمعنى علمت".

-[ص: وللثالث "ظن" لا لتهمة، و "حسب" لا للون، و "خال يخال" لا لعجب ولا ظلع، و "رأى" لا لإبصار ولا رأي ولا ضرب.]-
ش: يعني بالثالث النوع الصالح لليقين وللظن، فأما ظن فالمشهور استعمالها في غير مُتيقن، قال تعالى {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}، وقال الشاعر:
ظننتك إن شبت لظى الحرب صاليًا فعردت فيمن كان عنها معردا

وتستعمل ظن في المتيقن كثيرًا، قال تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ}. والظن ترجيح أحد الجائزين.
وزعم بعض النحويين أن وقوع الظن بمعنى اليقين مجاز، كما يقال: قال الحائط. قال: ولا يجوز أن تقول: ظننت زيدًا منطلقًا ظنًا، إذا كان بمعنى اليقين كما لا يجوز أن تقول: قال الحائط قولًا، ومن ذلك قوله تعالى: {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً}، فقوله {ظَنّاً} يدل على أنه ليس بمعنى اليقين.
ويعبر أكثر البصريين عن ظن أنها تكون شكًا ويقينًا، ويعنون بالشك ترجيح أحد الجائزين.
وفرق بعضهم بين الظن والشك واليقين،/ قال: فالشك أن يستوي الأمران عندك، فلا تدري أن شيئًا منهما كان، فإن وقع عندك دليل من أحدهما فذلك مظنون. واليقين اعتقاد شيء بدليل. انتهى.
وزعم الأستاذ أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون العبدري - وهو صاحب كتاب "نفع الغلل" - أن الظن بمعنى العلم غير مشهور في لسان العرب، ولا معول عليه في حكاية من حكي ذلك عن العرب، وقال: كما

تباينا حكمًا واحدًا كذلك تباينا إطلاقًا وتعبيرًا. فأما {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ} فالمؤمنون لما كانوا وجلين خائفين على إيمانهم حتى كان الصديقون يحذرون النفاق على أنفسهم حتى تمدحوا بذلك، فقال القائل: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا كافر"، وقال تعالى {والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ}، فمدحهم بالوجل والإشفاق. وأما {فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا} فالظن هنا على بابه؛ لأن الكفار لما شاهدوا سعة رحمة الله وتغمده للذنوب والجرائم رجوا مع معاينة النار النجاة منها، فلم يقطعوا بمواقعتها، لكنهم ظنوا ظنًا، ساقه رجاؤهم لله وطمعهم في إجارته إياهم من النار.
وكذلك {وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ}؛ لأن هؤلاء المخلفين كان لهم تعلق نفوس للنبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره الله لهم، فبالتفاتهم إلى جهة الرسول عبر عن اعتقادهم ذلك بالظن. وكذلك قول الشاعر:

فقلت لهم: ظنوا بالفي مدجج سراتهم في السابري المسرد
أمرهم بالظن لأنه أهول على النفوس، والمحذور المخوف أشد على مرتقبه ومتوقعه من وقوعه؛ لأن الخطوب إذا وقعت عيي لها الصبر، ووظنت لها النفس.
وزعم الفراء أن الظن يكون شكًا ويقينًا وكذبًا. وأكثر البصريين لا يقولون إن الظن يكون كذبًا، إنما يكون عندهم شكًا ويقينًا. وعند الفراء أن قولهم فيما حكي الله عنهم {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً} من الظن الذي هو بمعنى الكذب، وعند البصريين من الشك.
واحترز بقوله لا لتهمة من ظن بمعنى أتهم، فإنها تتعدى إلى واحد، تقول: ظننت زيدًا.
وقوله وحسب لا للون أكثر استعمال حسب في غير المتيقن، قال تعالى {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ}، وقال الشاعر:
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ليالي لاقينا جذام وحميرا
/ والمصدر من حسب حسبان.
ويقل استعمال حسب في المتيقن، كقول الشاعر:

حسبت التقى والحمد خير تجارة رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
قول الآخر:
شهدت، وفاتوني، وكنت حسبتني فقيرًا إلى أن يشهدوا وتغيبي
واحترز بقوله لا للون من حسب الرجل: إذا أحمر لونه وأبيض كالبرص، وكذا إذا كان ذا شقرة، وهذا فعل لازم.
وقوله وخال يخال أكثر استعمالها في غير المتيقن، كقول الشاعر:
إخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى يسومك ما لا يستطاع من الوجد
ومصدره خال خيلًا وخالًا وخيلة ومخالة وخيلانًا ومخيلة وخيلولة. واشتقاقها من الخيال، وهو الذي لا يتحقق.
وتستعمل أيضًا بمعنى علمت، قال الشاعر:
دعاني العذارى عمهن، وخلتني لي اسم، ولا ادعى به، وهو أول
وقال آخر:
ما - خلتني - زلت بعدكم ضمنًا أشكو إليكم حموة الألم
أي: ما زلت بعدكم ضمنًا، حلتني كذلك. وقال:
إذا الناس قالوا من فتى خلت أنني عنيت، فلم أكسل، ولم أتبلد

وقال:
لو كان في الألف منا واحد، فدعوا من فارس؟ خالهم إياه يعنونا
واحترز بقوله لا لعجب من خال بمعنى تكبر، وبقوله ولا ظلع من خال الفرس: ظلع، والمضارع منهما يخال، كالمتعدي إلى اثنين. وقيل: يأتي بمعنى نظر، كقوله:
فبت لدى البيت العتيق أخيله ..............................
فأما خال يخول - بمعنى عهد - فمن ذوات الواو.
وقوله ورأى لا لإبصار ولا رأى ولا ضرب مثال ذلك قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً} أي: يظنونه بعيدًا، ونعلمه قريبًا، وأنشد أبو زيد:
تقوه أيها الفتيان، أني رأيت الله قد غلب الجدودا
رأيت الله أكبر كل شيء محاولة، وأكثرهم جنودا
واحترز بقوله لا لإبصار من رأيته بمعنى أبصرته. وبقوله ولا رأي من رأيته بمعنى اعتقدته. وبقوله ولا ضربٍ من رأيت الطائر: إذا أصبته في رئته./ فهي في هذه المعاني الثلاثة متعدية إلى واحد.

وما ذهب إليه المصنف من أن "رأى" إذا كان بمعنى اعتقد يتعدى إلى واحد هو مذهب الفارسي. وذهب غيره إلى أنها تتعدى إلى اثنين، وجاء في كلام العرب ما يدل على ذلك، قال الشاعر:
رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه خوارج تراكين قصد المخارج

-[ص: وللرابع "صير" و "أصار" وما رادفها من "جعل"، و "وهب" غير متصرف، و "رد" و "ترك" و "تخذ" و "اتخذ" و "أكان".
وألحقوا بـ "رأى" العلمية الحلمية، و"سمع" المعلقة بعين، ولا يخبر بعدها إلا بفعل دال على صوت. ولا تلحق "ضرب" مع المثل على الأصح، ولا "عرف" و "أبصر"، خلافًا لهشام، ولا "أصاب" و "صادف" و" غادر"، خلافًا لابن درستويه.]-
ش: يعني بالرابع النوع للتحويل. فأما صير وأصار فمنقولان من صار التي هي من أخوات كان، نقلت صير بالتضعيف، وأصار بالهمزة.
وفي البسيط: إن كانت بمعنى انتقل ورجع تعدت بالتضعيف إلى اثنين، أحدهما، بحرف الجر، نحو: صيرتك إلى موضعك، أي: نقلتك إليه. وإن كانت بمعنى التغيير إلى وصف - كما هي في أخوات كان - تعدت إلى اثنين، أحدهما هو المبتدأ، ويصير مفعولًا به، نحو: صار زيد عالمًا، وصيرته عالمًا. وهذا دليل على أنها حين كونها ناقصة فيها معنى المصدر إلا أنه متروك استغناء بالخبر

لأنه هو التغيير في المعنى. ولم يُضعف من أخواتها سواها على هذا المعنى - وأما بيتناه وصبحناه ومسيناه فمعناه: أتيناه بياتًا وصباحًا ومساءً - إما لمانع لفظي كأصبح وأمسى، أو معنوي كالبواقي. ومن التعدية بالتضعيف قوله:
فصيروا مثل كعصفٍ مأكول
وقوله في أصار سقط أصار من نسخة بخط المصنف.
ومثال جعل بمعنى صير {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً}. وقال في البسيط: وهذه إما تصيير لما له نسبه إليه، أو إلى ما يكون له ذاتًا أو كالذات، فالأول لابد فيه من أحد حروف النسبة، كقوله تعالى {وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ}، وقد يقال: هو مجاز من الوضع والإلقاء. والثاني إما تصيير في الفعل بالذات، نحو: جعلت الطين خزفًا، وقد تدخل فيه "من" لأنه بمنزلة: خاتم من حديد، كقوله تعالى {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ}، أو بالصفة، نحو:

جعلته عالمًا، ولا تدخل في هذا إلا على تأويل الأول قليلًا، وإما في الاعتقاد {وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً}. وإما في النيابة عن الشيء، جعلت/ البصرة بغداد، والكتان خزا. وإما في التسمية: جعلت حسني قبيحًا؛ إذ لا يكون في الاعتقاد ولا في الفعل، فرجع إلى اللفظ. وهي إذا كانت بهذه المعاني لم تؤثر إلا في المفعول الأول لأنه وقع به ذلك، ولا تستغني عن الثاني لأنه كالابتداء والخبر في الأصل أو ما هو منزل منزلته، لكنه قوي معنى الفعل، صار الأول مفعولًا، بخلاف ما تقدم، وكذلك في أخواتها.
و"وهب"، حكي ابن الأعرابي: وهبني الله فداك، أي: صيرني، وهي لا تتصرف؛ إذ لم يُستعمل فيها بمعنى صير إلا الماضي فقط.
ومثال "رد" {لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً}، وقال الشاعر:
رمى الحدثان نسوة آل سعد بمقدار، سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضًا ورد وجوههن، البيض سودا
و"ترك"، قال الشاعر:
وربيته، حتى إذا ما تركته أخا القوم، واستغني عن المسح شاربه

وفي "ترك" خلاف: منهم من يجعلها تتعدى إلى واحد فقط، والثاني منصوب على الحال إن وجد. ومنهم من يجعلها بمعنى صير، فتتعدى إلى اثنين، وهو اختيار المصنف. وأنشد عليه البيت المتقدم.
و"تخذ" و "اتخذ" الخلاف فيهما كالخلاف في ترك: فمنهم من قال: إنها تتعدى إلى واحد، كقولك: اتخذت عدة للسفر، وإلى اثنين بمعنى صير، كقوله تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}، {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}، وهذا مذهب أبي علي. ومن تعديها إلى واحد قوله تعالى {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً}، و {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً}.
وذهب ابن برهان إلى أنها تتعدى إلى اثنين دائمًا، قال ابن برهان: "يقال لأبي علي: ألم تقل في قوله تعالى {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ}: إن التقدير: اتخذوه إلهًا، فحذف المفعول الثاني للدليل، فكذا التقدير في {اتَّخَذَتْ بَيْتاً}: اتخذت من نسجها بيتًا، وفي {أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً}: أن تتخذ من شيء لهوًا". قال ابن برهان: " ولا أعلم اتخذ إلا يتعدى إلى مفعولين،

الثاني منهما بمعنى الأول".
و"تخذ" قال تعالى {لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} في قراءة من قرأ كذلك وقال الشاعر:
تخذت غران إثرهم دليلًا وفروا في الحجاز ليعجزوني
غران: اسم جبل.
وفي البسيط: اتخذ يتعدى إلى واحد بمعان: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ}، و {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً}، واتخذت خاتمًا: لبسته، واتخذت مالًا: كسبته، ويجمع ذلك كله معنى الملابسة من جهة الفاعل القاصد لذلك. وبمعنى جعل المصيرة/ {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}.
والفرق بينها وبين تصيير جعل أنه يعود من ذلك [لنفسك من قبله شيء بحيث] لا يتغير المفعول به تغييرًا في نفسه، بخلاف جعل، فإنه لا يلزم أن يكون فيه ذلك، نحو: جعلت الرجل عالمًا، فإنه لا يتعدى لنفسك منه شيء، وإذا قلت اتخذته حبيبًا وصاحبًا عاد عليك؛ ألا ترى أنك لا تقول: اتخذت الطين خزفًا، ولأن المفعول في جعل يتغير بشيء من جهته، بخلاف هذا. وقد تدخل فيه "من"

كما في جعل، كقوله تعالى {أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً}، {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، فيكون من هذا النوع.
وقد قال النحويون إنها من باب أعطى، ولذلك يقتصر فيها، فيقال: اتخذت أولياء، و {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ} أي: من شيء ولدًا، وقال تعالى {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} أي: اتخذتم العجل إلهًا.
والصحيح الأول لأنا نقول: لو كان منه لصح كون أحدهما موقعًا بالآخر فعلًا، ولا يكون لأنه هو، ولو كان الاقتصار على الباقي، ولم يكن، وما ذكروه حذف اختصارًا.
وقوله أكان قال المصنف في الشرح: "ألحق ابن أفلح بـ (أصار) أكان المنقولة من كان بمعنى صار، وما حكم به جائز قياسًا، لكني لا أعلمه مسموعًا" انتهى.
ولا أعلم أحدًا من النحاة يقال له ابن افلح، لكن في شيوخ الأعلم رجل اسمه مسلم بن أحمد بن أفلح الأديب، يكنى أبا بكر، أخذ كتاب سيبويه عن أبي عمر بن أبي الحباب.

وقول المصنف "وما حكم به جائز قياسًا" ليس متفقًا عليه، بل الظاهر من مذهب س أن النقل بالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي، وكان بمعنى صار تجري مجرى المتعدي، فلا يكون النقل فيها بالهمزة قياسًا على ظاهر مذهب س.
وزعم جماعة من المتأخرين -منهم خطاب الماردي - أنه قد يجوز أن يضمن الفعل المتعدي إلى واحد معنى صير، ويجعل من هذا الباب، فأجاز أن يقال: حفرت وسط الدار بئرًا، بمعنى: صيرت وسط الدار. قال خطاب: ولا يكون بئرًا تمييزًا لأنه لا تحسن فيه من. وكذلك أجاز: بنيت الدار مسجدًا، وقطعت الثوب قميصًا، وقطعت الجلد نعلًا، وصبغت الثوب غرابًا؛ لأن المعنى فيها صيرت، وجعل من ذلك قول أبي الطيب:
فمضت، وقد صبغ الحياء بياضها لوني، كما صبغ اللجين العسجد
قال: لأن المعنى: صير الحياء بياضها لوني، أي: مثل لوني.
والصحيح أن هذا كله من باب التضمين، والتضمين لا يجوز بقياس في الكلام، وإنما يجئ في الشعر للضرورة، وإن جاء شيء منه في الكلام حفظ، ولم يقس عليه لقلة ما جاء منه.
وقوله وألحقوا/ بـ "رأي" العلمية الحلمية أي: وألحقوا، يعني العرب، كذا قال في الشرح، قال: "فأدخلتها على المبتدأ والخبر، ونصبتهما مفعولين،

ومنه قول الشاعر:
يؤرقني أبو حنش وطلق وعمار، وآونة أثالا
أراهم رفقني، حتى إذا ما تفرى الليل، فانخزل انخزالا
إذا أنا كالذي أجرى لورد إلى آل، فلم يدرك بلالا
نصب بها أسمين معرفتين، هما مبتدأ وخبر في الأصل، كما يفعل بـ "رأى" بمعنى علم وبمعنى ظن. ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً}، فأعمل مضارع رأى الحلمية في ضمرين متصلين لمسمى واحد، وذلك مما تختص به علم ذات المفعولين وما جرى مجراها" انتهى.
ولا حجة فيما ذكره: أما "أراهم رفقتي" فإنه يحتمل أن تكون أرى تعدت إلى واحد، وهو الضمير، و "رفقتي" في موضع الحال وإن كان ظاهره التعريف، فهو نكرة من حيث المعنى؛ لأن معنى الرفقة: الرفقاء، وهم المخالطون، فرفيق بمعنى مرافق، فهو بمعنى اسم الفاعل، فإضافته غير محضة كجليس وخليط.
وأما {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} فلا يلزم مما ذكر أن يتعدى إلى مفعولين، بل يكون ذلك مما جاء في غير ما تعدى إلى مفعولين، نحو فقد، وعدم، ووجد بمعنى أصاب لا بمعنى علم، فإنك تقول فيها: فقدتني، ووجدتني، وعدمتني، فكذلك هذا، ويكون {أَعْصِرُ} في موضع نصب على الحال لا في موضع مفعول ثان

وقوله وسمع المعلقة بعين، ولا يخبر بعدها إلا فعل دال على صوت مثاله: سمعت زيدًا يتكلم. واحترز بقوله المعلقة بعين من المعلقة بمسموع، فإنها لا تتعدى إلا إليه فقط، نحو: سمعت كلامًا، وسمعت خطبة، قال تعالى {إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ}، {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ}.
سمعت "الناس ينتجعون غيثًا" ....................................
أراد: سمعت هذا الكلام.
وعطف المصنف "وسمع" على "الحلمية"، يعني: رأي الحلمية وسمع، وجعل الضمير في "ألحقوا" ضمير العرب، فدل كلامه على أن العرب هم الذين ألحقوا، والعربي إنما ينطق بجملة، فيقهم منها النحوي ما يفهم، وينسب ذلك إلى العرب لأنه فهمه عنهم.
وفي هذه المسألة خلاف: ذهب الجمهور إلى أن سمعت لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، فإن كان مما يسمع فهو ذاك، وإن كان عينًا فهو المفعول، والفعل بعده في موضع نصب على الحال، وهو على حذف مضاف، أي: سمعت صوت زيد في حال أنه يتكلم، وهذه الحال مبينة، وهو اختيار الأستاذ أبي الحسن بن عصفور في شرح الجمل.
/ وذهب الأخفش، والفارسي، وابن بابشاذ إلى ما ذهب إليه المصنف،

وهو اختيار شيخينا أبي الحسن بن الضائع، وأبي الحسين بن أبي الربيع، وابن عصفور في شرح الإيضاح. وحجة هذا المذهب أن سمع لما دخلت على غير مسموع أتي لها بمفعول ثاني يدل على المسموع، كما أن ظن لما دخلت على غير مظنون في المعنى أتى بعد ذلك بمفعول ثان يدل على المظنون.
وقد استدل لهذا المذهب بما ذكره الأخفش في (الأوسط) له، والنحاس في (صنعة الكتاب) من أن العرب تقول: سمع أذني زيدًا يتكلم حق، فيأتون بخبر المصدر، ولا يقولون: سمع أذني زيدًا يتكلم، على أن يسد "يتكلم" مسد الخبر، فدل على أنه مفعول ثان لا حال؛ إذا لو كان حالًا لسد مسده، كما سد في: ضربي زيدًا قائمًا.
وهذا الذي ذكراه مخالف لما نقل س من قولهم: سمع أذني زيدًا يقول ذلك، فلم يأت بخبر لـ"سمع". وأجيب بأنه ليس في كلام س ما يدل على أنه كلام تام، بل لعله أراد أنه جزء كلام، فيكون موافقًا لما ذكره الأخفش والنحاس.
وقال هذا المستدل: من جعلها تتعدى إلى اثنين ضمنها معنى عملت، فإذا قلت "سمعت زيدًا قارئًا" فكأنك قلت: علمت زيدًا قارئًا بسماع قراءته، كما أن نبأ تعدت إلى ثلاثة بالتضمين، وهي في الأصل تتعدى إلى واحد بنفسها، وإلى الثاني بـ "عن" وإلى الثالث بالباء، هذه المضمنة غير التي تتعدى إلى واحد، نحو: سمعت كلام زيد، ولم تلغ لأن ذلك ملبس بالحكاية؛ لأنك لو قلت "زيد

متكلم سمعت" لم يدر أنك سمعت هذا اللفظ أو أردت معنى: سمعت زيدًا يتكلم، ولهذه العلة لم تعلق؛ لأنك لو قلت "سمعت أزيد قرأ أم أنشد" تريد: علمت أزيد قرأ أم أنشد بسماع ذلك منه، لم يدر أأردت هذا المعنى أو أردت أنك سمعت هذا الكلام.
وقال شيخنا أبو الحسن بن الضائع محتجًا لهذا المذهب: "لا يجوز أن تكون سمعت مما يتعدى إلى واحد؛ لأن حكمه جواز السكوت عليه، ولا يجوز: سمعت زيدًا، وفيما يتعدى إلى اثنين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر ما يتعدى إلى واحد، هذه علم، تتعدى إلى اثنين على صفة، وتتعدى إلى واحد على صفة أخرى، وكذلك سمعت. وأيضًا فلو كان (يقول) من "سمعت زيدًا يقول كذا" حالًا لكان "زيد" هو المسموع حقيقة. وأيضًا فالحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام، و"سمعت زيدًا" غير تام، وليس كونه غير تام مما عرض له هنا، كقوله:
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ................................
بل هو كقوله: إن اليوم زيدًا راحلًا، وهو لا يجوز، فأما قولهم: سمعت زيدًا، أي: سمعت كلام زيد يتكلم، فبعيد جدًا،/ ويلزم أن تكون الحال عنه مؤكدة؛ لأنه معلوم أن "سمعت زيدًا" في تقدير: سمعت كلام زيد" انتهى ما احتج به.

فأما قوله "لأن حكمه جواز السكوت عليه، ولا يجوز: سمعت زيدًا" فالجواب أنه جائز، قال تعالى {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ}، تقديره: هل يسمعونكم تدعون؟ ويحتمل أن يكون سمعت زيدًا على تقدير حذف مضاف، فيكون إذ ذاك متعلق السمع، فيقدر في سمعت زيدًا: سمعت كلام زيد، وحذف المضاف لفهم المعنى جائز.
وأما قوله "وفيما يتعدى إلى اثنين" إلى آخره، ومثل ذلك بعلمت - فـ "سمع" لا يجوز أن يكون مثل علمت لما سيتبين بعد إن شاء الله.
وأما قوله " إنه يلزم أن يكون زيد هـ المسموع حقيقة" فلا يلزم؛ لأنا قد بينا أن ذلك على حذف مضاف، وذلك المضاف هو المسموع حقيقة.
وأما قوله "وسمعت زيدًا غير تام" فهذا غير مسلم، بل هو تام لأنه على حذف مضاف.
وأما إلزامه أن يكون حالًا مؤكدة فلأنه قدر أن المحذوف في نحو "سمعت زيدًا يتكلم" هو الكلام، أي: سمعت كلام زيد في حال تكلمه، فتكون إذ ذاك حالًا مؤكدة.
وأما غيره فإنه جعل المحذوف أعم من الكلام، وهو صوت، فعلى هذا لا تكون (يتكلم) حالًا مؤكدة، بل هي حال مبينة؛ لأن الصوت يكون كلامًا وغير كلام مما يتعلق به السمع.
وقد احتج للمذهب الأول أبو بكر بن طاهر بأنه حكي: سمع أذني زيدًا يقول ذلك، فـ "يقول ذلك" يتعين أن يكون حالًا لأنه سد مسد الخبر، ولا

يجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا: لأن المفعول الثاني لا يسد مسد الخبر، لو قلت ظني زيدًا عالمًا لم يستقل لأنه معمول المصدر، كما لا يستقل: ضربي زيدًا.
واحتج له أيضًا أبو محمد بن السيد، وتبعه ابن عصفور، بأن سمع من أفعال الحواس، وأفعال الحواس كلها تتعدى إلى مفعول واحد، تقول: ذقت طعامًا، وشممت مسكًا، ولمست حريرًا، وأبصرت زيدًا، فينبغي أن تكون سمع مثلها، فإذا دخلت على غير مسموع أول على أنه على حذف مضاف. قال: "وأيضًا لا تخلو إذا كانت مما يتعدى إلى مفعولين من أن تكون من باب ظن أو من باب أعطى، فباطل أن تكون من باب أعطى لأن الثاني فعل، والفعل لا يكون في موضع المفعول الثاني في باب أعطى، وباطل أن تكون من باب ظن لأن ظن وأخواتها يجوز إلغاؤها وإعمالها، ولا يجوز إلغاء سمعت، فثبت أنها مما يتعدى إلى مفعول واحد. فأما قوله:
سمعت: الناس ينتجعون غيثًا فقلت لصيدح: انتجعي بلالًا
فهذا ليس بإلغاء، بل هو حكاية؛ إذ معناه: سمعت هذا الكلام، فهو نحو: سمعت/ زيد يتكلم، وإذا نصبت فالمسموع ليس هذا اللفظ الذي هو: زيد يتكلم، ولو أنه كان إلغاء كان المعنى واحدًا، كما أن قولك: زيدًا ظننت قائمًا، وزيد ظننت قائم، واحد". ويدل أيضًا على أنها تتعدى إلى واحد كونها لا تقع موقع الفعل معرفة.

قال الأخفش: تقولك سمعت زيدًا يتكلم، وسمعت زيدًا متكلمًا، ولا تقول: المتكلم. وأجيب عن هذا بأنه لعل الأخفش لم يسمعه، وسمعه غيره، ولا يلزم سماع كل لفظة إذا صححها القياس.
وقد تضمن سمع معنى أصغى، فتتعدى بإلي، نحو قوله {لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى}، ومعنى استجاب باللام، نحو: سمع الله لمن حمده أجريت في ذلك مجرى ما ضمنته.
وقوله ولا تلحق ضرب مع المثل على الأصح ذهب قوم إلى أن "ضرب" المعلقة بالمثل تكون من أفعال هذا الباب، وتكون بمعنى صير، قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}، وقال تعالى {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ}، و {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً}، {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ}، فظاهر هذه الآيات أن "ضرب" بمعنى صير تتعدى إلى اثنين، ويكون (مثلًا) فيما يظهر هو المفعول الثاني، وما بعده هو المفعول الأول؛ لأن مثلًا نكرة لا مسوغ لها لجواز الابتداء بالنكرة، وما بعده إما معرفة وإما نكرة لها مسوغ للابتداء بالنكرة، وقد صرح بتقديمه على مثل أبو تمام، فقال:

لا تنكروا ضربي له من دونه مثلًا شرودًا في الندى والباس
قال المصنف في الشرح: "والصواب ألا يلحق به لقوله تعالى {ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ}، فبني ضرب المذكورة لما لم يسم فاعله، واكتفت بمرفوعها، ولا يفعل ذلك بشيء من أفعال هذا الباب" انتهى.
وهذا استدلال ظاهر، ويمكن تأويله على أن يكون المفعول حذف لدلالة الكلام عليه، أي: ضرب مثل ما يذكر، ويدل عليه {فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ} الآية.
وقد يقال إن ضرب تكون بمعنى صير لا مع المثل خاصة، بل هو نحو: ضربت الفضة خاتمًا، وضربت الطين لبنًا؛ إذ المعنى: صيرت، إلا أنه ينبغي أن يستثبت في هذا الباب، أهو من كلام العرب أم من كلام المولدين. وقد ذهب إلى أن ضرب بمعنى صير فيتعدى إلى اثنين أبو الحسين بن أبي الربيع، قاله في: ضربت الفضة خلخالًا.
وقوله ولا عرف وأبصر، خلافًا لهشام، ولا أصاب وصادف وغادر، خلافًا لابن درستويه ثبت أن هذه الأفعال تتعدى إلى واحد، فإذا جاء بعده اسم

منصوب حمل على أنه حال، والدليل على أنه حال التزام تنكيره. وكون هذه الأفعال من أفعال هذا الباب لا حجة على ذلك.
وأدخل س وأبو علي الفارسي في أفعال هذا الباب أرى، ولم يذكرا فيه ما بني للمفعول من الأفعال التي تتعدى/ إلى ثلاثة نحو أعلمت. وسبب ذلك أن جميع ذلك استعمل مبينًا للفاعل؛ إلا أرى هذه، فإنها لم تستعمل إلا مبنية للمفعول؛ ألا ترى أن أرى بمعنى أظن، ولا يقال: أريت زيدًا عمرًا خير الناس، بمعنى: جعلته يظن ذلك، بل بمعنى: أعلمته ذلك، فلما لم تستعمل بمعنى الظن إلا مبنية للمفعول جعلاها من هذا الباب؛ لأنها لا يكون لها أبدًا إلا منصوبان، كما أن سائر أفعال هذا الباب كذلك.
وقال بعض الناس: "يصح أن تكون خلق بمعنى جعل، فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، ويكون قوله {ضَعِيفاً} من قوله {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} مفعولًا ثانيًا" انتهى.
ولا أعلم أحدًا من النحويين ذهب إلى ذلك، بل الذي ذكر الناس أن من أقسام جعل أن تكون بمعنى خلق، فتتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}، أما العكس فلم يذهب إلى ذلك أحد من النحويين فيما علمناه. والمتأخرون من النحاة الذين تتبعوا هذه الأفعال لم يذكروا ذلك.

-[ص: وتسمى المتقدمة على صير قلبية. وتختص متصرفاتها بقبح الإلغاء في نحو: ظننت زيد قائم، وبضعفه في نحو: متى ظننت زيد قائم، وزيد أظن أبوه قائمٌ، وبجوازه بلا قبح ولا ضعف في نحو: زيد قائم ظننت، وزيد ظننت قائم. وتقدير ضمير الشأن أو اللام المعلقة في نحو ظننت زيد قائم أولى من الألغاء. وقد يقع الملغي بين معمولي إن، وبين سوف ومصحوبها، وبين معطوف ومعطوف عليه. وإلغاء ما بين الفعل ومرفوعه جائز لا واجب، خلافًا للكوفيين. وتوكيد الملغي بمصدر منصوب قبيح، وبمضاف إلى الياء ضعيف، وبضمير أو اسم إشارة أقل ضعفًا.
وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلًا من لفظه منصوبًا، فيلغي وجوبًا، ويقبح تقديمه، ويقل القبح في نحو: متى ظنك زيد ذاهب؟ وإن جعل متى خبرًا لـ"ظن" رفع، وعمل وجوبًا. وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام.]-
ش: الإلغاء هو ترك العمل لغير مانع. وحيث يكون الإلغاء والإعمال اختلفوا: فذهب الجمهور إلى أنك مخير بين الأعمال والإلغاء، وهو اختيار الأستاذ أبي الحسن بن عصفور.
وذهب أبو الحسن إلى أنه ليس على التخيير، وإنما هو لازم، إذا ابتدأت لتخبر بالشك أعملت الفعل على كل حال، سواء قدمته أم وسطته أم أخرته، وإذا بدأت وأنت تريد اليقين، ثم أدركك الشك بعد ما مضى كلامك على اليقين، رفعت وابتدأت، والمبتدأ مع الخبر كالفعل مع الفاعل، فلابد من الخبر، وتلغي

ظننت. وهو اختيار الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع، قال: "جواز الإلغاء/ والإعمال بمقصدين مختلفين، فإذا قصدت أن تبني الكلام على الظن ثم توسطه اتساعًا، أعملت، وإن قصدت إلى البناء على الابتداء، وحدث لك الإخبار بما أنبنى الكلام عليه - ألغيت".
وفي الإفصاح: به - أي بمذهب أبي الحسن - أخذ شيخنا أبو القاسم ابن القاسم، وقال: إنه مذهب س.
وذهب ابن درستويه وابن كيسان إلى ما ذهب إليه أبو الحسن، لكن إذا وسطت، فإن قدمت الاسم لم تلغ، وأعملت الفعل في ضميره، ونصبت ما بعده، فقلت: زيد ظننته منطلقًا. وإن قدمت الخبر، وظهر فيه الرفع، ألغيت أيضًا لأنه فائت لا يسترجع، والخبر المبتدأ كما يطلب المبتدأ الخبر، نحو: قائم ظننت زيد. فإن كان مجرورًا أو جملة أعملت، ونويت في موضع الجملة والمجرور نصبًا، نحو: في الدار ظننت زيدًا، وأخوه منطلق ظننت زيدًا، لا يجوز عنده الرفع هنا، وقوله:
......................... وفي الأراجيز - خلت - اللؤم والخور

عنده من أقبح الضرورات. وغيره يرى أن التقدم الفائت كاللفظ الفائت، وأنه يطلب ما يطلبه اللفظ، وهو القياس.
وذهب بعض النحويين إلى أنك إذا ابتدأت باليقين ألغيت على كل حال، سواء أوسطت أم أخرت، وإن ابتدأت على الشك، ولم تقدم الفعل، كنت مخيرًا. انتهى.
ولا يعنون بذلك الاختصاص بفعل الشك؛ لأن من الأفعال التي تلغى ما هو لليقين، نحو علم، وإنما يعنون أنك تبني كلامك أولًا على سبيل الإخبار عن المبتدأ بالخبر، ثم يدركك أن تجعل ذلك في علم أو ظن أو حسبان أو خيلة، أو تبني كلامك أولًا على سبيل الإخبار بالفعل، وتذكر متعلقيه. ويدل على أن هذا المراد قول س في باب الاشتغال: "فإذا بنيت الاسم عليه قلت: ضربت زيدًا"، ولا معنى لـ" بنيت الاسم عليه" إلا: أعملته فيه. وقال بعد هذا: "فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: زيد ضربته"، ومعنى ذلك: أخبرت به عنه.
وقوله وتسمى المتقدمة على صير قلبية يعني أنها تسمى أفعال القلوب؛ لأن العلم والظن إنما هما من أفعال القلب، ليس فيهما علاج، بخلاف صير فإنها فعل علاج. ولا تختص هذه التسمية بهذه الأفعال التي ذكر، بل أفعال القلوب أعم، تنطلق على ما يتعدى بحرف جر، نحو فكر، تقول: فكرت في الأمر. وعلى ما يتعدى إلى واحد، نحو عرف، تقول: عرفت زيدًا. وعلى ما يتعدى إلى اثنين، نحو ظن وعلم.
وقوله وتختص متصرفاتها بقبح الإلغاء في نحو: ظننت زيد قائم متصرفات

هذه الأفعال هي أربعة عشر فعلًا. وأحترز بها مما لا يتصرف، وهو هب وتعلم. وهذا الاحتراز/ الذي ذكره المصنف لم يتعرض لذكره أصحابنا، فيمكن أن أهملوه لأن ما لا يتصرف منها يجوز في الإلغاء كالمتصرف، فيكون ذلك مخالفًا لما ذكره المصنف، ويمكن أن أهملوه لأن أكثرهم لم يعد فيها غير المتصرف، وإنما ذكروا تعلم في غضون كلامهم، وأهملوا ذكرها حين عدوا هذه الأفعال. ويقال: لما لم يتصرف هذان الفعلان في أنفسهما لم يتصرف فيهما بالإلغاء، بل أقر على أصل الأفعال من العمل.
وقوله في نحو ظننت زيد قائم أي: في مثل ظننت زيد قائم. وكثيرًا ما يأتي هذا المصنف في كلامه بضبط قانون كلي بلفظة "نحو"، وهو في غاية الإبهام؛ لأن المثلية تكون بأدنى شبه، فلا ينبغي أن يضبط ذلك الحكم إلا بقانون كلي، وهو أن يقول في هذا في ظننت وأخواتها: إنها إذا وقعت صدر كلام فالإلغاء - هذا عند المصنف - قبيح، أعني أن تلغى متصدرة.
وهذه مسألة فيها خلاف: ذهب البصريون إلى أنه لا يجوز فيها إذا تصدرت إلا الأعمال. وذهب الكوفيون والأخفش ومحمد بن الوليد وابن الطراوة إلى جواز ذلك، وإن كان الإعمال عندهم أحسن. هكذا أطلق أصحابنا النقل عن الكوفيين. والنقل عن الفراء أنه قال: لا يجوز تقديم الظن وأنت تريد به الاعتراض، يعني أنه لا يلغى متقدمًا.

قال البصريون: إنما لم يجز ذلك لأن تصديرك بالفعل دليل على الاعتماد عليه، وأنك جعلت ما بعده في حيز ما قدمت من علم أو ظن، فلا يسوغ إلغاؤها لذلك. قالوا: ويدل على ذلك أنه لا يحفظ إلغاء ظننت أو شيء من أخواتها إذا وقعت صدر كلام.
وأما الكوفيون فاستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب
برفع مفعولي وجدت.
قال ابن عصفور: "ولا حجة فيه؛ لأن وجدت متوسطة بين اسم أن وخبرها، وهي الجملة من قولك: ملاك الشيمة الأدب، ولم يعن بالتوسط إلا أن تجيء وسطًا لكلام لا صدره، وإن كان توسطها بين المفعولين أقوى" انتهى.
فقول ابن عصفور "لأن وجدت متوسطة بين اسم أن وخبرها" لا يظهر؛ لأن الخبر في الظاهر هو وجدت، فلو قال " لأنها لم تتصدر أول الكلام" لكان أجود. ويمكن تصحيح كلامه على أن يكون "ملاك الشيمة الأدب" خبرًا كما زعم، لكن يحتاج إلى رابط، فيحتمل أن يكون ضميرًا محذوفًا، أي: ملاك الشيمة مني، أو تكون الألف واللام نابت عن الضمير على رأي الكوفيين.

ويحتمل أن يكون هذان التقديران في الأدب، أي: ملاك الشيمة الأدب مني، أو أدبي.
قال ابن عصفور: "ومما يبين لك بطلان هذا المذهب/ أنه لا يحفظ إلغاء ظننت أو شيء من أخواتها إذا وقعت صدر كلام".
وقال ابن هشام الخضرواي: "رأي بعض المتأخرين إلغاء الفعل متقدمًا لأنه جاء عنهم مثل: علمت زيد منطلق، وقد علمت إن زيدًا ذاهب، يعني بالكسر. وقال بعض المتأخرين: الأصل في ظننت ألا تعمل، فجعل هذا مما جاء على الأصل" انتهى. وما حكاه ابن هشام مخالف لقول ابن عصفور.
وقد اختلف من هذا الأصل - وهو أن تتصدر أول الكلام - في مسائل:
الأولى: ظننت يقوم زيدًا، وظننت قام زيدًا: ذهب الكوفيون والأخفش إلى أنه لا يجوز النصب في زيد، وأجاز ذلك سائر البصريين لأن النية بالفعل التأخير.
الثانية: أظن نعم الرجل زيدًا، ووجدت نعم الرجل زيدًا: ذهب الفراء إلى جواز ذلك، وهو مقتضى مذهب البصريين، ولم يجز الكسائي ذلك في أظن، وأجاز ذلك في وجدت.
الثالثة: ظننت قائمًا زيدًا: ذهب البصريون إلى جوازها، ومنعها الكوفيون إن أردت بقائم الفعل، وإن أردت الخلف جازت عندهم أكثرهم. قال ابن كيسان: هي قبيحة لأن الخبر يكون الاسم، فقبحت لأن الخبر مخالف للاسم، لأنه يقع موقع الجملة، ويلزم من أجازها أن يقول: ظننت يقوم زيدًا، فيولي الظن

الفعل، فيحل الفعل محل المفعول الأول، والفعل لا يكني عنه بالهاء كما يكنى عن المفعول، وكذلك الجمل. وذلك كله جائز عند البصريين على التقديم والتأخير كما جاز في كان.
الرابعة: أظن آكلًا زيدًا طعامك، أجازها البصريون، ومنعها الكوفيون.
الخامسة: طعامك أظن أكلًا زيدًا، أجاز ذلك البصريون والكسائي. وقال الكسائي: النية فيه: أظن زيدًا آكلًا طعامك. وقال الفراء: لا يجوز لأنك أوقعت الظن على فاعل الظن على فاعل لم يكن عنده معنى لفعل، فصار لا يتقدم عليه، و"طعامك" صلته، فلا يفرق بينهما بشيء.
وقوله وبضعفه في نحو: متى ظننت زيد قائم يعني أنها إذا لم تتصدر وتقدمت على المفعولين. قال المصنف في الشرح: "وعدم تصدرها بكونها سبقها معمول لها، نحو: متى ظننت زيد منطلق، أو "ما" النافية، نحو قوله:
......................... وما - إخال - لدينا منك تنويل
ألغى إخال وإن كانت متقدمة على المبتدأ والخبر لما لم تقع صدرًا، بل جاءت بعد "ما"، كأنه أراد أن يقول: وما لدينا منك تنويل، فاعترض بـ "إخال" بين "ما" والجملة المنفية بها، أو بـ "أن" نحو قوله:
....................... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب"
انتهى.

ولم يذكر س في «أين تظن زيدًا منطلقًا» إلا الإعمال، ويجوز الإلغاء على قلة، فإن كان المتقدم حرفًا/ لم يجز الإلغاء أصلاً، وذلك: أتظن زيدًا منطلقًا؛ لأنه لم يتقدم معمول أصلاً.
وقول المصنف «وبضعه في نحو: متى ظننت زيد قائم» إبهام في التشبيه، وكان ينبغي أن يأتي بقانون كلي، وهو: ألا تتصدر، وأن تتقدم على المفعولين. وكلامه دائمًا كثير الإجمال والإبهام والتلفيف، هذا المثال الذي مثله أفهم أنه يضعف فيه الإلغاء، وهذا فيه تفصيل، ذكره النحويون، وهو أنه لا يخلو أن تجعل «متى» معمولة للخبر، أو معمولة لظننت، فإن كانت معمولة للخبر جاز إلغاؤها وإعمالها لأنها لم تقع صدر كلام، فإن اعملت فلبنائك على الظن، وإن ألغيت فلأنك أردت أن تقول: متى زيد منطلق، ثم اعترضت بظننت بين «متى» وبين «زيد منطلق». وإن كانت معمولة لظننت لم يجز إلا الإعمال؛ لأن الظن إذ ذاك لا يكون معترضًا به بين أجزاء الجملة، بل داخلاً على الجملة من المبتدأ والخبر واقعًا صدر كلام. ولم يذكر س في «أين تظن زيدًا منطلقًا» إلا الإعمال، وذكر غيره الإلغاء على قلة على ما فصل. فإن كان المتقدم حرفًا لم يجز الإلغاء، وذلك: أتظن زيدًا منطلقًا؛ لأنه لم يتقدم معمول أصلاً.
ومن صور هذه المسألة- وهي ألا تتصدر ظننت، وأن تتقدم على المفعولين-

صورة لا يجوز فيها إلا الإلغاء، ولا يجوز الإعمال، وهي مقابلة المسألة المتأخرة قبل هذه المسألة، وتلك الصورة هي ما حكاه الأخفش: إن زيدًا لظننت أخوه منطلق، ألغى ظننت لما توسطت بين لام إن والجملة التي في موضع الخبر. ولا يجوز إعمالها هنا لأن لام إن إذ ذاك داخلة على ظننت، وهو ماضٍ متصرف، ولام إن لا يجوز دخولها على الماضي المتصرف إذا وقع خبرًا، فإذا لام الابتداء داخلة على الجملة الواقعة خبرًا لـ «إن»، وأعترض بظننت بينهما.
وقوله وبجوازه بلا قبح ولا ضعف في نحو: زيد قائم ظننت، وزيد- ظننت- قائم يعني أنه يجوز الإلغاء والإعمال إذا تأخرت عن المفعولين، أو توسطت بينهما. قال ابن عصفور: والسبب في جواز إلغائها متأخرة ومتوسطة أنك إذا ابتدأت بغيرها تكون قد بنيت كلامك على الإخبار من غير أن تقصد جعل ذلك الخبر مما تعلمه أو تظنه، ثم تريد بعد أن يتبين أن ذلك في علمك أو في ظنك، فتأتي بالفعل معترضًا بين أجزاء الكلام، أو ملحقًا له آخر الكلام لتبين ما قصدت من ذلك.
وأجاز الأستاذ أبو علي أن يكون السبب في إلغائها متوسطة أو متأخرة كونها ضعيفة العمل لما تقدم ذكره من أن عملها إنما هو بحق الشبه بأعطيت وأخواتها، والعامل إذا تقدم معموله/ عليه يضعف عمله، ولذلك يجوز أن تقول: لزيد ضربت، فتوصل ضربت إلى زيد باللام لما ضعفت بتأخيرها عنه، ولو كانت متقدمة عليه لم يحسن ذلك. قال: فلما كانت ظننت وأخواتها ضعيفة في العمل، وازدادت ضعفًا بتأخرها عن المعمول- جاز لذلك ألا يراعى شبهها بأعطيت، فتلغى عن العمل.

وقال ابن عصفور: هذا التوجيه باطل عندي، بل سبب الإلغاء ما قدمناه من أنه يجوز إلغاؤها مع تقدمها على المفعولين إذا وقعت حشوًا؛ ولو كان السبب ما ذكر لما جاز الإلغاء في مثل هذا؛ لأن المعمول فيه متأخر عن الفعل. ومن إلغاء الفعل متأخرًا قول الشاعر:
هما سيدانا يزعمان، وإنما ... يسوداننا إن يسرت غنماهما
وقول الآخر:
آت الموت، تعلمون، فلا ير ... هبكم من لظى الحروب اضطرام
وقول الآخر:
القوم في أثري، ظننت، فإن يكن ... ما قد ظننت فقد ظفرت وخابوا
ومن إلغائها متوسطة قول الشاعر:
أبالأراجيز- يا بن اللؤم- توعدني ... وفي الأراجيز- خلت- اللؤم والخور
هكذا أنشده س على أن القصيدة رائية، وأنشده الجاحظ:
................................. ... ........ خلت اللؤم والفشل

وهو للعين المنقري، وقبله:
إني أنا ابن جلا إن كنت تنكرني ... يا رؤب، والحية الصماء والجبل

وروي أيضًا: وفي الأراجيز رأس النوك والفشل. والذي قبله: الصماء في الحبل. وبعد هذا البيت:

ما في الدوابر من رجلي من عنت ... عند الرهان، ولا أكوى من الفعل

وهذا الذي ذكره المصنف من جواز الإلغاء مع التأخر والتوسط له شرطان، أهملهما:
أحدهما: ألا تدخل لام الإبتداء على الإسم، فإن دخلت فلا يجوز إلا الإلغاء، نحو: لزيد قائم ظننت، ونحو: لزيد- ظننت- قائم.

الشرط الثاني: ألا تكون منفية، فإن كانت منفية فلا يجوز إلا الإعمال، نحو: زيدًا منطلقًا لم أظن، وزيدًا لم أظن منطلقًا؛ لأنه لا يجوز لك إذ ذاك أن تبني كلامك على المبتدأ والخبر، ثم تعترض بالظن المنفي؛ ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول «زيد منطلق» إلا وأنت عالم بصحة ذلك أو ظان له، وهذا المعنى لا

يتصور مع قولك لم أظن أو لم أعلم، فلم يبق إلا أن يكون الكلام مبنيًا على الظن المنفي أو العلم المنفي، ولا يبطل هذا الذي/ ذكرناه بقول الشاعر:
..................................... ... وما- إخال- لدينا منك تنويل

بإلغاء «إحال» مع دخول أداة النفي عليها ظاهرًا؛ لأن أداة النفي إنما هي داخلة في المعنى على ما بعد «إخال» لا على «إخال»، كما تقدم تبيينه.
ومن صور هذا الذي ذكرناه أن يكون الخبر جملة شرطية أو جملة اسمية، فتقدمه مع المبتدأ على الفعل، أو توسط الفعل بينهما، نحو: زيد أبوه منطلق ظننت، وإن تكرمه يكرمك خلت عمرو، فيجوز فيه الإلغاء والإعمال. وإذا جاز الإعمال والإلغاء وتوسطت اختلفوا: فقيل: الأرجح الإعمال؛ لأن الفعل أقوى من الإبتداء؛ لأنه عامل لفظي، والإبتداء عامل معنوي. وقيل: هما سواء؛ لأنه عادل قوتها تأخرها، فضعفت لذلك، فقاومها الإبتداء بالتقديم؛ ألا ترى حسن: لزيد ضربت، وقبح: ضربت لزيد. وإن تأخرت فالإلغاء أقوى عند الجميع؛ لأن المبتدأ قد وليه الخبر، فأزداد الفعل ضعفًا بالتأخير، بخلاف ما إذا توسطت.
وقال س: «فإن أردت الإلغاء فالتأخير فيه أقوى»، أي: عبد الله ذاهب أظن، أقوى من قولك: عبد الله أظن ذاهب. ثم اعتل س، فقال: «لأنه إنما يجئ بالشك بعد ما يمضي كلامه على اليقين».
وقال الفراء: إذا وقعت ظننت بين اسم وخبره بطلت مذاهبها، وكذلك

هي إذا تأخرت بعد الخبر. قال: وإنما بطلت مذاهبها إذا توسطت أو تأخرت لأنها في الأصل حكاية، والحكاية لا تنفرد بخبرٍ ولا بأسمٍ لأن الخبر والإسم كلمة، فلا تقع الحكاية على كلمة.
وقول ابن سعدان قريب من كلام الفراء. ثم إن الفراء أجاز بعد أن يعمل الظن متوسطًا، فقال: وتقول: عبد الله أظنه قائم، فيسنح لك فيها أربعة معان: إن جعلت الهاء لعبد الله رفعته بعودتها عليه، ونصبت قائمًا لأنه حال للهاء. وإن شئت جعلت الهاء أنها لعبد الله، وألغيتها، ورفعت عبد الله وفعله، كأنك قلت: عبد الله قائم أظنه. وإن شئت جعلت الهاء كناية عن مصدر، فرفعت عبد الله وفعله، كأنك قلت: عبد الله أظن ذاك قائم. وإن شئت جعلت الهاء لرجل قد جرى له ذكر، فتنصب عبد الله لأنه خبر الهاء، وتنصب قائماً على القطع. انتهى.
وتلخص من هذا الكلام أنها إذا توسطت أو تأخرت بطل الإعمال، إلا أن الفراء أجاز الإعمال مع التوسط، وهو في الوجه الرابع الذي ذكره أخرًا في هذه المسألة. وينبغي أنها إذا تأخرت أن تلغى، ولا يقدم على الإعمال إلا بسماع، وإن كان القياس يقتضيه.
فرع: زيد ظننت ماله كثير، يجوز فيه الإلغاء والإعمال: فإن الغيت رفعت/ زيدًا، و «ماله كثير» خبر عنه لأن الظن متوسط. وإن أعلمت نصبت زيدًا، وكانت الجملة من قوله «ماله كثير» في موضع نصب على أنها المفعول الثاني.
وزعم الفراء أن الإلغاء هنا قبيح، قال: لأن بعد الظن حرفين، فكأنها مبتدأة. يعني أن بعد «ظن» ما يمكن أن يعمل فيه، وهما جزأ الجملة، فكأنك هيأتها للعمل، ثم ألغيتها.

وقوله وتقدير ضمير الشأن أو اللام المعلقة في نحو ظننت زيد قائم أولى من الإلغاء وكان المصنف قد قدم أن حمل هذا على الإلغاء قبيح، ورأى هنا أن تأويله على إبقاء الفعل على عمله لأجل تقدمه أولى من حمله على إبطال عمله وهو متقدم، ويكون أصله: ظننته زيد قائم، فالمفعول الأول ضمير الشأن، والثاني الجملة، وهي في موضع نصب، كما حذفوه في قولهم: إن بك زيد مأخوذ، التقدير: إنه، أو يكون أصله: ظننت لزيد قائم، فحذف لام الإبتداء، وهي مرادة، فكان ظننت إذ ذاك معلقة، والجملة من قولك «لزيد قائم» في موضع معموليها، وعلى هذا الوجه خرجه س، وحمل عليه قول الشاعر:
............................... ... وإخال إني لاحق مستتبع
بالكسر على تقدير: إني للاحق.
وإنما كان هذان التاويلان أولى من تأويل الإلغاء فيه إبطال العمل لـ «ظن»، وهي متقدمة، وفي هذين إبقاؤها عاملة، إما في اللفظ إذا أضمرت ضمير الأمر، وإما في المعنى إذا علقت.
فإن قلت: أي التأويلين أرجح؟
قلت: يظهر في باي الراي ترجيح الأول لأن ظننت فيه عاملة في اللفظ، وأما الثاني فهي عاملة في الموضع لا في اللفظ.

والذي يقتضيه النظر ترجيح ما ذهب إليه س لأنه كثيرًا ما يلحظ المعنى، ففي ما أختاره حذف حرف مؤكد لا عمل لـ «ظن» فيه، ولا موضع له من الإعراب، ولم يخل الفعل من العمل في الموضع. وفيما ذكره المصنف حذف اسم معمول لـ «ظن»، وحذف غير المعمول أولى من حذف المعمول. وأيضًا فإنه مبهم يفسره ما بعده، فالقياس يقتضي ألا يجوز حذفه، كما لم يجز بعد رب، ولا بعد نعم وبئس، ولا في باب التنازع. وأيضًا فحذف مفعولي ظن لدلالة المعنى على الحذف في غاية الندور. وأيضًا فكما لا يجوز حذف المفسر وإبقاء تفسيره فكذلك لا يجوز هذا.
قال المصنف: «ومما ينبغي أن يحمل على هذا قول كعب بن زهير، رضي الله عنه:
أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل

التقدير: وما إخاله لدينا منك تنويل» انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف محتمل، وتقدم التأويل فيه، وهو أن حرف النفي دخل على الجملة، ثم اعترض الفعل بين الحرف/ والجملة، ولا إضمار إذ ذاك في الفعل لأنه ملغى.

وهذا الترتيب -أعني: ظننت زيد قائم- قد ذكرنا تنازع ابن هشام وابن عصفور في سماع مثل هذا عن العرب، وقد أجازه س في كتابه على التأويل الذي ذكرناه من حذف لام الإبتداء، وجوازه لا يدل على سماعه؛ إذ يمكن أن أجازه بالقياس.
وقوله وقد يقع الملغى بين معمولي إن، وبين سوف ومصحوبها، وبين معطوف ومعطوف عليه مثال الأولى قوله:
إن المحب- علمت- مصطبر ... ولديه ذنب الحب مغتفر
ومثال الثانية قوله:
وما أدري وسوف- إخال- أدري ... قوم آل حصن أم نساء
ومثال الثالثة قوله:
فما جنة الفردوس اقبلت تبتغي ... ولكن دعاك الخبز- أحسب- والتمر
والمسألة الأولى دخلت فيها بين ما أصله المبتدأ والخبر، بخلاف المسألتين الأخريين.

وقوله وإلغاء ما بين الفعل ومرفوعه جائز لا واجب، خلافًا للكوفيين مثال ذلك: قام أظن زيد، ويقوم أظن زيد. منع الكوفيون غعمال هذا، ووجوب الإلغاء جار على مذهبهم في منع إعمال مثل: ظننت يقوم زيد، وظننت قام زيد، وقد تقدمت هذه المسألة.
قالوا: والصحيح مذهب البصريين في أنه يجوز في ذلك الإلغاء والإعمال، وبذلك ورد السماع، قال الشاعر:
شجاك- أظن- ربع الظاعنينا ... ولم تبعأ بعذل العاذلينا
ينشد برفع «ربع» ونصبه.
والذي يقتضيه القياس أنه لا يجوز إلا الإلغاء؛ لأن الإعمال مترتب على كون الجزأين كانا مبتدأ وخبرًا، والجزآن هنا لا يكونان مبتدأ وخبرًا البتة؛ لأن النحويين منعوا من تقديم الخبر إذا كان رافعًا ضمير المبتدا المستكن أو البارز المتصل على المبتدأ، والإعمال يؤدي إلى ذلك، فلا يجوز.
ومن الإلغاء قول الأفوه الأودي:
ألا عللاني، وأعلما أنني غرر ... وما- خلت- يجديني الشفاق ولا الحذر
هكذا روي برفع الشفاق.

وفي البسيط: وأما إن يكون الخبر فعلا وتقدم،
نحو: يقوم ظننت زيد-فالبصريون على جواز الإلغاء والإعمال، لكن عند الإلغاء يجب على مذهبهم ان يرتفع الاسم بالفعل كما كان في الابتداء.
وينبغي أن يقبح للفصل بالأجنبي؛ لأنه/ليس معمولا للفعل ولا مؤكدا لمعناه، والأحسن التأخير.
وقال الكوفيون: لا يكون إلا إلغاء ظننت في هذا؛ لأن الأول يطلب فاعله، والاسم فاعل له في المعنى، فلا يمنع عنه؛ لأنه يكون إلغاء لما لا يجوز إلغاؤه.
وقال بعض المتأخرين: إن صورة هذه المسألة تكون من باب إعمال الفعلين، فينبغي أن تجري على الخلاف فيه.
وهذا الي ذكره لا يصح؛ لأنها لا تدخل في باب الإعمال إلا بتقدير أن تعمل ولا تلغى، وأما بتقدير الإلغاء فلا تدخل؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار فيها ولا حذف، فليست هذه الصورة داخلة في الإعمال مطلقا.
وفي الإفصاح: منع الكوفيون: قام ظننت زيدا، أو يقوم خلت محمداً، وأجازوا الرفع على الفاعل لا على الابتداء
وقالو: لا ينصب إلا ما كان مبتدأ قبل طننت، ولا يبتدأ بالاسم إذا تقدمه الفعل.
والبصريون: أجازوا النصب لأن العامل الآن فعل، فلا يكون فعل أقوى منه.
والمسألة عندي من إعمال الفعلين، فأما الرفع فاختلفوا فيه، والصحيح ما رآه الكوفيون؛ لأن الظن كلا شيء، والفعل قد تفرغ لما بعده.
وقوله وتوكيد الملغى بمصدر منصوب قبيح مثاله: زيد ظننت ظنا منطلق.

والسبب عند س وحذاق النحويين في قبح إلغائه إذا عمل في صريح المصدر أن العرب قد تقيم المصدر إذا توسط مقام الظن، وتلغيه مع ذلك، وتجعله بدلا منه.
فتقول: زيد ظنا بـ"ظننت"مضمرا، وجاز إضمار الفعل لدلالة الكلام عليه من جهة أنك إذا قلت زيد ظنا منطلق علم من ذلك أنك لم تقل هذا الكلام إلا بعد أن ظننته كذلك، فلما كانوا يجعلون المصدر إذا توسط ورفعوا الاسمين عوضا من ظننت كرهوا أن يجمعوا بينهما؛ لأن الجمع بين العوض والمعوض منه قبيح؛ ولذلك لم يظهرا الناصب لـ"سقيا لك"فلم يقولوا سقى الله سقيا لك لما جعلوا المصدر عوضا من ذلك الفعل الناصب له.
وزعم ابن خروف أنه إنما قبح ذلك من جهة أنك تكون قد ألغيت الظن وأعملته، والإلغاء والإعمال متدافعان.
وهذا الذي ذهب إليه باطل بدليل أنك تقول: زيد ظننت اليوم قائم، فتعمل ظننت في الطرف، وتلغيه عن المفعولين، ولا يستقبح ذلك، فلو كانت العلة ما ذكر لم يستقبح هذا.
وقوله وبمضاف إلى الياء ضعيف مثاله: زيد ظننت ظني قائم.
وقوله وبضمير أو اسم إشارة أقل ضعفا مثال الضمير: زيد ظننته منطلق.
ولما قبح الجمع بين الفعل وصريح مصدره قبح أيضا بين الفعل وضمير المصدر

إجراء لضمير المصدر مجرى المصدر من حيث كان إياه في المعنى؛ إلا أن قبح الإلغاء مع المصدر أشد من قبحه مع ضمير/المصدر؛ لأن المجعول عوضا من الفعل إنما هو المصدر لا ضميره.
وقال ابن خروف: زيد ظننته منطلق أحسن من قولك زيد ظننت ظنا منطلق من جهة ان الضمير مبني، لا يظهر لظننت فيه عمل.
وهذا الذي ذكره ابن خروف هو على ما قدم من السبب في الأعمال في صريح المصدر وإلغاء ظن.
وضمير المصدر يكون بلفظ المذكر المفرد كما مثلناه.
وأجاز هشام وأصحاب س: عبدالله أظنها ذاهب، بمعنى: أظن الظنة، ونظيره
قول الشاعر:
فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني، أرى أم جندب
أي: تنفعني النظرة.
وأجازوا: عبد الله أظنها ذاهب، أي: أظن الظنتين.
وأجازوا: أظنهن، كناية عن الظنات.
ولا يجيز الفراء التأنيث فيقوا"أظنها"إلا مع المؤنث.
وهذا التخصيص لا معنى له؛ لأن القصد إنما هو إلى المصدر، والمصدر للمذكر والمؤنث واحد.
وأجاز هشام: زيد ظان أنا قائم.
وكذا: زيد أنا ظان قائم، يلغي الظن-يعني: وإن كان في جملة اسمية-كما يلغيه في جملة فعلية.
قال: فإن أراد المصدر جاء بالهاء،
فقال: زيد ظانه أنا قائم،
وإن شاء قال: أنا ظانها، يريد: الظنة، وظانهن، يريد: الظنات.

وقال الفراء: كلام العرب: زيد ظانا أنا قائم، بالنصب لأن الظن معلق بالجملة.
قال النحاس: جعل الفراء ظانا مصدرا مثل"اللهم عائذا بك من النار"،أي: عوذا.
وهذا كله خطأ عند البصريين، و"فاعل"مصدرا لا يقاس عليه.
والذي أجازه هشام لا يحسن إلا أن يكون من كلامين، فتقول: زيد ظان أنا قائم، أي: زيد قائم أنا ظان ذلك.
ومثال اسم الإشارة: زيد ظننت ذاك منطلق.
ولم يذكر الفارسي في"الإيضاح" "ذاك"إذا أردت به المصدر، وذكره س.
وباتفاق هو أحسن في الإلغاء من لفظ المصدر عند من يجيز إلغاءه.
واختلفوا أهو أحسن في الإلغاء من الضمير أو الضمير أحسن منه أو هما في ذلك سواء: فظاهر كلام س أنه أضعف في الإلغاء من الضمير لأنه اسم ظاهر منفصل، فهو أشبه بلفظ المصدر.
وقال الزجاج: الهاء أضعف لأنه يتوهم منها أنها راجعة إلى زيد.
وما قاله الزجاج لا يظهر لأن"ذلك"يمكن أن يكون إشارة إلى"زيد"أيضا.
وقوله وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلا من لفظ منصوبا، فيلغى وجوبا
مثاله: زيد منطلق ظنك،
أو: زيد ظنك منطلق، ناب ظنك مناب ظننت، ونصبه نصب المصدر المؤكد للجمل، فإلغاؤه واجب،/
فلا يجوز أن تقول: زيد أظنك منطلقا؛ لأن المفعولين إذ ذاك من صلة المصدر، وإذا كانا من صلته لم يكن

للفعل المضمر ما يدل عليه.
وقوله يقبح تقديمه قال المصنف في الشرح:"لأن ناصبه فعل تدل عليه الجمله، فقبح تقديمه كما قبح تقديم حقا.
من قولك: زيد قائم حقا، ولذلك لم يعمل؛ لأنه لو عمل وهو مؤكد لاستحق التقديم بالعمل، والتأخير بالتوكيد، واستحقاق شيء واحد تقديما وتأخيرا في حال واحد محال"انتهى.
وهذا القبح الذي هنا هو بمعنى أنه لا يجوز.
وأجاز ذلك الأخفش، قال: وتقول"ظنك عبد الله حسن"إذا ألغيت الظن، ونصبت ظنك بالفعل، كأنك قلت: عبد الله حسن تظن ظنك، أو: ظننت ظنك.
ورد النحاس هذا على الأخفش بوجهين:
أحدهما: أنه ألغى الظن في أول الكلام.
ولا يلزمه ذلك لأن مذهبه أن تلغى ظننت متقدمة جوازا وإن لم يكن حسنا عنده، ولأنه النية به عنده التأخير، فليس مثل: ظننت زيد قائم؛ لأن ظننت هنا وقعت موقعها، ولا ينوى بها التأخير.
والوجه الآخر: هو أنه لا يجوز إضمار مالا يعرف معناه.
وهذا يجوز أن يكون المعنى على المضي وعلى الاستقبال؛ ألا ترى أنه قدر: تظن ظنك، أو: ظننت ظنك، وهذا لازم في حالة التوسط والتأخر، إذا قلت: زيد ظنك قائم، أو: زيد قائم ظنك-فينبغي ألا يجوز لعدم تعين الفعل المحذوف العامل في المصدر؛ إذ يحتمل أن يكون ماضيا ومتقبلا.
وملخص هذا الكلام في المصدر أنه لا يخلو أن تأتي بالفعل معه أو لا تأتي

بالفعل: فإن أتيت بالفعل كان مؤكدا للفعل، ثم الفعل غما أن يكون متقدما فالإعمال، نحو: ظننت ظنا زيدا قائما، وسواء اتيت بالمصدر صريحا أم بضميره أم باسم إشارة إليه، أو متأخرا، فالفصيح الإعمال، ويجوز الإلغاء، وهو قليل جدا، فإن أتيت بصريح المصدر كان جائزا على قبح، أو بالضمير أو اسم الإشارة كان دون صريح المصدر في القبح.
وإن لم تأت بالفعل فإما أن يتأخر المصدر أو يتوسط أو يتقدم، ولا يكون إذ ذاك إلا صريح المصدر، لا ضميره ولا اسم إشارة [إليه]:فإن تأخر أو توسط فالإلغاء، وهو إذ ذاك بدل من الفعل الملغى، فلا يجتمع معه، وإنما يجتمع مع الفعل العامل، ولا يكون بدلا من الفعل العامل فيعمل لكونه بدلا منه.
وذهب أبو العباس والزجاج وأبو بكر على جواز إعماله، فعلى مذهبهم
تقول: زيدا ظنك منطلقا، وزيدا منطلقا ظنك، فتعمله لأنه عندهم بدل من الفعل العامل.
وإن تقدم فالصحيح/أنه لا يجوز التقديم.
وأجاز الاخفش وغيره التقديم.
واختلف مجيزوه في جواز إعماله، فمنهم من أجاز ذلك، فيقول: ظنك زيدا قائما.
والصحيح عند أكثر من أجاز التقديم أنه لا يجوز الإعمال، قالو: لأنه لا دليل أذ ذاك على الفعل المحذوف.
وهذا التفريغ كله على مذهب من يرى أنك مجيز في الإلغاء، وتقدم انه قول الجمهور.
وأما على مذهب الأخفش ففيه التفصيل السابق.

وقوله ويقل القبح في: متى ظنك زيد ذاهب.
قال المصنف في الشرح:"وكما قل القبح متى في متى تظن زيد ذاهب يقل في: متى ظنك زيد ذاهب"انتهى.
ومن أجاز النصب في ظنك زيدا ذاهبا كان عنده هنا أجوز،
فيقول: متى ظنك زيدا ذاهبا؛ لأن أدوات الاستفهام طالة للفعل، فجاز إضمار الفعل بعدها لذلك.
وممن ذهب إلى إجازة ذلك ومنعه ظنك زيدا قائما بالإعمال ابن عصفور.
وقوله: وإن جعل متى خبرا لظن رفع، وعمل وجوبا، فتقول: متى ظنك زيدا قائما؛ لأنه إذ ذاك ليس بمصدر مؤكد ولا بدل من اللفظ بالفعل، وإنما هو مقدر بحرف مصدري والفعل، وكما تقول: متى ضربك زيدا.
وقوله وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام
قال المصنف في الشرح:"لأنهما يطلبان الفعل،
نحو: ظنك زيدا منطلقا، ومتى ظنك زيدا منطلقا،
بمعنى: ظن ظنك زيدا منطلقا، ومتى ظننت ظنك زيدا منطلقا"انتهى.
وهذا الذي حكاه المصنف عن الأخفش والفراء هو القياس، فكما جاز ذلك في نحو: ضربا زيدا، أي: اضرب زيدا،
وقوله:
أعلاقة أم الوليد ...................... ...........................

أي: أتعلق أم الوليد، جاز ذلك في باب ظن.
وقال صاحب الملخص:"تقول: ظنا زيدا منطلقا،
كما تقول: ضربا زيدا، وتعمل ظنا كما تعمل ظننت إذا تقدمت، وكذلك لو وسطت ظنها أو أخرته فالإعمال، ولا يجوز الإلغاء لأنها في نية التقديم، ولأن الأمر طالب بالفعل، ومبنى الكلام عليه، فإن جئت بـ"ظنا"بعد ما بنيت الكلام على الإخبار بلا عمل لظن جاز،
كما تقول: زيد منطلق ظن، تريد: ظن هذا موجودا،
وتقول: أظنا زيدا منطلقا، ليس إلا الإعمال لتقدمها، فإن توسط أو تأخرت جاز الإلغاء والإعمال كما يجوز في الخبر".

-[ص: وتختص أيضا القبيلة المتصرفة بتعديها معنى لا لفظا إلى ذي استفهام، أو مضاف إليه، أو تالي لام الابتداء أو القسم/أو (ما) أو (إن) النافيتين أو (لا)،ويسمى تعليقا.]-
ش: التعليق ترك العمل في اللفظ لا في التقدير لمانع.
وإنما قلنا"في اللفظ لا في التقدير"لأن الجملة التي لا يؤثر فيها العامل لفظا لها محل من الإعراب في التقدير.
ويدل على ذلك أنه يجوز العطف على ذلك المحل،
فيجوز أن تقول: علمت لزيد منطلق وعمرا قائما، فتعطف نصبا على محل: لزيد منطلق.
وهذا التعليق هو بخلاف الإلغاء-كما قدمناه-ترك العمل في اللفظ والتقدير لغير مانع.
وقال المصنف في الشرح:"التعليق عبارة عن إبطال العمل لفظا لا محلا على سبيل الوجوب، بخلاف الإلغاء، فهو إبطاله لفظا ومحلا على سبيل الجواز" انتهى.

ويرد عليه أن من التعليق شيئا يكون على سبيل الجواز لا على سبيل الوجوب، وسيأتي بيان ذلك حيث تكلم عليه المصنف.
وقوله وتختص أيضا القبيلة الاختصاص ينافي قوله بعد"ويشاركهن فيه كذا وكذا"، فالاختصاص والمشاركة لا يجتمعان.
وليس كل أفعال القلوب يعلق؛ ألا ترى أن الإرادة والكراهة ونحوهما من أفعال القلوب، ولا تعلق لأنها لا تدخل على الابتداء، ولا لها معنى يدخل على الابتداء بحسب الأصل.
ثم اختلفوا: فقال السيرافي وجماعة: ما كان من هذه يجوز تعليقها مطلقا.
وقالت طائفة: لا يكون منها معلقا بحق الأصل إلا ما جاز إلغاؤه، وهو المتعدي إلى اثنين، وهو رأي ابن السراج وأبي علي وابن الباذش وابن طاهر وجماعه، سواء أكان علما او ضده، وما عداه فبالحمل عليه.
واحتجوا بأنه منع للعمل، وما لا يتعدى إلى اثنين كيف يمنع عنهما، ولأن التعليق لا يكون إلا فيما يستقل بغير الفعل، ومعمول ما يتعدى إلى واحد لا يستقل، فلا بد من تأويله.
وذهب ابن كيسان وثعلب-وحكي عن المبرد-أنه لا يعلق إلا العلم منها،

وأما الظن ونحوه فلا يعلق.
قال الأستاذ أبو العلا: وهو الوجه عندي.
وزعم أنه رأي س على ما فهم عنه؛ لأنه ما مثل به في أبواب التعليق.
قال أبو العلا: والذي يدل عليه أن آلة التعليق بالأصل حرف الاستفهام وحرف التأكيد، أما التحقيق فلا يكون بعد الظن لأنه نقيضه،
ولذلك قال ثعلب: فإذا قلت: ظننت إنك لقائم، تريد ما غل عليك من اليقين، فتكون ظننت بمعنى علمت-فهو جائز، وإن أردت الشك كنت كالكذاب.
وأما الاستفهام فالمراد الإبقاء مع أنك قد زال ترددك، فإذا دخلت ظننت بمعنى التردد فلا فائدة في/التسوية لأنك شاك مثله، فلا تدخلها على الاستفهام.
فإن قيل: فقد قال س: ظننت زيدا أبو من هو، فعلق.
قيل: هو بمعنى العلم إن سلمنا أنه تعليق، وإلا منعنا؛ لأنه إنما دخل على جملة خبرها الاستفهام، فعملت فيما يمكن أن تعمل، وبقي ما كان مستفهما على أصله.
فإن قيل: قد حكى س عن الخليل ويونس أن هذه اللام لا تدخل على كل فعل،
فلا تقول: وعدتك إنك لخارج، وإنما تدخل على العلم والظن وما كان نحوه.

قيل: يحمل الظن على العلم، أو يكون مذهبًا لهما. قال صاحب "البسيط": وهذا تكلف في التأويل، ولو سلمنا ذلك لقلنا: فما المانع من أن يعلق الظن بغير هذه من الحروف كـ (ما) و (لا) مما لا يعدم فيها ذلك.
وقوله المتصرفة احتراز من تعلم بمعنى: اعلم، ومن هب بمعنى: ظن، على زعمه، وتقدم قول ابن عصفور: إن هب بمعنى اجعل التي بمعنى صير.
وقوله إلى ذي استفهام يشمل ما يلي استفهاما، نحو: علمت أزيد في الدار أم عمرو، وعلمت أخرج عبد الله أم قعد، وما ضمن استفهامًا، نحو: علمت أيهم في الدار.
وقوله أو مضاف إليه مثاله: علمت أبو أيهم زيد.
وقال ابن كيسان: الفرق بين الظن والعلم هنا أن العلم يكون بالمسألة والبحث والنظر الذي يقع بعده الاستفهام، كأنك قلت: سألت فعلمت، ونظرت فعلمت، كما تقول، اسأل أيهما قام، أي: سل الناس فقل أيهم قام، والظن إنما هو شيء من نفسك وتمييز برأيك، وليس السؤال من غيرك، ثم يصير معلومًا.
وذهب بعض النحويين إلى أن ذلك حسن في علمت وقبيح في غيرها.
وقوله أو تالي لام الابتداء مثاله {ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ}، وظننت لزيد قائم.

وقوله أو القسم مثاله قول الشاعر:
ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها
وأكثر أصحابنا لا يذكرون في التعليق لام القسم.
وفي "الغرة": ولام القسم لا تعلق، كقوله:
لقد علمت أسد أننا لهم يوم نصر لنعم النصر
فهذه لام القسم، ولا تعلق علمت، كما تقول: علمت أن زيدًا ليقومن، فتفتح ان. وأنشد المصنف عقب إنشاده هذا البيت قول الشاعر:
لقد علم الإخوان لو أن حاتمًا يريد ثراء المال أمسى له وفر
ووجه إنشاده أنه جعل "لو" معلقة للفعل كما علقته لام القسم لأن "لو" تجيء بعد القسم.
قوله أو ما مثاله {وظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ}، {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا

هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ}.
وفي "البسيط": /ذهب الخليل وجماعة إلى أنه يعلق بـ"ما" النافية لأنها لها الصدر كالاستفهام، تقول: علمت ما عبد الله قائم، ولأنها تشبه إن واللام؛ لأنها يتلقى بها القسم، وهل يجوز ما تقدم من العمل في بعض والإلغاء عن بعض، كقولك: علمت زيدًا ما أبوه قائم؟ واختلف المجوزون: فقيل: لا تكون إلا التميمية؛ لأن الحجازية كالفعل، والفعل لا يدخل على الفعل، فلا تقول: علمت ليس زيد قائم. وقيل: يجوز لأنها ليست بفعل.
وقيل إن (لا) بمعنى (ما) يجوز أن تعلق، نحو: علمت لا رجل في الدار ولا امرأة. وهل تكون فيه (لا) التبرئة؟ فيها ما في الحجازية لأنها عاملة، لكنها دونها لأنها محمولة على إن، وإنما تكون كـ (ما) التي بمعنى ليس.
وفي كتاب الصفار: "الذي يعلق به اللام الداخلة على المبتدأ والخبر، واللام المقرونة بإن، واللام الداخلة على الفعل، نحو ليقومن في جواب القسم، و (ما) و (لا) في جوابه، على خلاف في (ما) و (لا).
وهذه المعلقات كلها تكون في جواب القسم، ويحذف القسم، وتبقى دونه إلا (ما) و (لا)، فإنهما لا تبقى واحدة منهما دون القسم؛ لأنه لا يفهم القسم، بخلاف اللام وإن.
والمعلق عن هذه الأشياء قيل: هذه الأشياء في موضع المفعول للفعل. وقيل: لما ضمنت معنى القسم لم تحتج إلى معمول. وقيل: القسم مضمر بعد

الأفعال، وهو وجوابه في موضع المعمول للفعل المعلق.
والصحيح الأول. ورد الثاني بأنه يحتاج الفعل إلى معمول ضرورة، والثالث أنهم علقوا الفعل عما أوله (ما)، وقد قلنا إن القسم لا يحذف مع (ما)، فثبت أن الأفعال مضمنة معنى القسم" انتهى.
وكنت قد ذكرت في "منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك" أنه ظهر لي أن من المعلقات (لعل)، ومنه {ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا}، {ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى}، {وإنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ}، ورأيت مصب الفعل في هذه الآيات على جملة الترجي، فهي في موضع نصب بالفعل المعلق، إلى أن وقفت لأبي علي الفارسي على شيء من هذا، قال وقد ذكر {ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} {ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} ما نصه: والقول في لعل وموضعها إنه يجوز أن تكون في موضع نصب، وأن الفعل لما كان بمعنى العلم علق عما بعده، وجاز تعليقه لأنه مثل الاستفهام؛ ألا ترى أنه بمنزلته في أنه غير خبر، وأن ما بعده منقطع مما قبله، ولا يعمل فيه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يقع موقع المفعول كما يقع الاستفهام موقعه، فعلى هذا تكون لعل وما بعدها بعد هذه الأفعال في موضع نصب.
وقوله أو إن النافيتين مثاله {وتَظُنُّونَ إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً}.
وقوله أو لا من أمثلة ابن السراج: أظن لا يقوم زيد.

ولم يذكر /أصحابنا أن (لا) من المعلقات، وذكرها النحاس. وذكروا إن وفي خبرها اللام، نحو: علمت عن زيدًا لقائم. ويمكن اندراج هذه المسألة تحت قوله "أو تالي لام الابتداء". وكسر إن وفي خبرها اللام بعد علمت وظننت على سبيل التعليق هو قول جميع النحاة، إلا أن أبا العباس حكي عن المازني إجازة الفتح مع اللام في ذلك، وحكي أن سعيد بن جبير قرأ {إلاَّ إنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ} بالفتح.
وأجاز الفراء الفتح إذا طال الكلام، وأنشد لطرفة:
وأن لسان المرء ما لم يكن له حصاة على عوراته لدليل
وزعم أنه قرئ {إنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ}.
وفي هذه الجمل التي هي مصدرة بإن المكسورة وفي خبرها اللام، أو بلام الابتداء، أو بلام القسم، أو بـ (ما) النافية، أو بـ (لا) خلاف: فمذهب س والبصريين وابن كيسان أنها في موضع نصب. والحجة لـ (س) أن الاعتماد على خبر الظن، فصار المعنى إذا قلت ظننت ما زيد منطلقًا: في ظني، قال تعالى {وظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ}. قال ابن كيسان: ما هنا جحد، وهي وما بعدها في موضع مفعول الظن لأنه جملة، والجملة فيها اسم وخبر، فقد أدت عن

مفعولي الظن، كما تقول: ظننت أن يقوم زيد. وقال الكوفيون: أضمر بين الظن وبين هذه الحروف القسم. فعلى قولهم لا يكون لهذه الجمل موضع من الإعراب؛ لأن الجمل المتلقي بها القسم لا موضع لها من الإعراب، فإن كان مسموعًا من لسان العرب: علمت لزيد منطلق وعمرًا مقيمًا، بالنصب كان ذلك حجةً واضحةً على الكوفيين، وإلا فيحتمل ما قالوه.
وقال أصحابنا: إن هذه الأفعال تضمن معنى القسم، فتتلقى بما يتلقى به القسم، وتعلق إذ ذاك عن العمل. وهذا جنوح لمذهب الكوفيين. وإذا ضمنت معنى القسم لم تكن تلك الجمل لها موضع من الإعراب؛ لأنه _وغن كان متعديًا_ ضمن معنى ما لا يتعدى، فلم يتعد، كما أن نبئت في الأصل لا تتعدى، فلما ضمنت معنى ما يتعدى إلى ثلاثة تعدت تعديته.
وهذا الذي صححه ابن عصفور في "شرح الجمل"، وهو ضعيف جدًا؛ لأن هذه الأفعال تحتاج بوضعها إلى معمول، ولا تقول إنها خرجت بالكلية عن معناها حتى لم تبق تطلب معمولًا، وأنت ترى مضمون الجملة مقيدًا بالعلم أو بالظن، فلم تتنزل منزلة جملة القسم من كل جهة.

والصحيح مذهب س، وهو أن الجملة إذ ذاك لها موضع من الإعراب على حسب الفعل في التعدي /إلى واحد أو إلى اثنين. وأما مذهب الكوفيين _وهو إضمار القسم بين هذه الأفعال والحروف_ فلا أنقل عنهم أن تلك الجملة القسمية وجوابها في موضع المعمول.
ونقل بعض أصحابنا أن القسم مضمر بين هذه الأفعال وهذه الحروف، لكنه لم يعزه للكوفيين ولا لمعين، ونقل أن مذهب هذا القائل أن القسم وجوابه في موضع معمول الفعل.
وأبطل هذا المذهب بأنه علق الفعل عن الجواب الذي أوله (ما) و (لا)، والقسم لا يحذف مع (ما) و (لا) البتة؛ لأن القسم لا يفهم مع واحدة منهما إن حذف، بخلاف اللام وإن، فإنهما لا يكونان إلا في القسم، فلذلك ساغ أن يحذف القسم معهما.

-[ص: ويشاركهن فيه مع الاستفهام نظر وأبصر وتفكر وسأل وما وافقهن أو قاربهن لا ما لم يقاربهن، خلافًا ليونس، وقد تعلق نسي.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "علق أيضًا مع الاستفهام نظر بالعين أو القلب"، ومثل بقوله تعالى {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا}، وقوله: {فَانْظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ}. والضمير في "فيه" عائد على التعليق، فظاهر قوله "مع الاستفهام"

أن نظر وما ذكر معها لا تعلق إلا مع الاستفهام، فليس كذلك، بل قد أجاز النحويين في {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ} أن تكون ما نافية، والجملة في موضع نصب، وتفكر ليست من الأفعال التي تتعدى لمفعولين، والذين ذكروا التعليق في أفعال القلوب لم يذكروا أن شيئًا منها يختص بالاستفهام.
وهذا الذي ذكره من أن النظر بالعين يعلق هو قول ابن عصفور، قال: والتعليق يخص أفعال القلوب إلا انظر البصرية وسل، فإنهم قالوا: انظر أبو من زيد، وسل أبو من عمرو، لكونهما سببين للعلم، فأجري السبب مجرى المسبب. وقد نقد شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع ذلك على ابن عصفور.
قال أستاذنا أبو جعفر بن الزبير: لم يذهب أحد إلى تعليق انظر سوى ابن خروف، وتبعه أبو الحسن بن عصفور، وقد ذكر س تعليق انظر، لكن حمل الناس ذلك على النظر بمعنى التفكر، وصرح بذلك ابن عصفور في "شرح الكتاب"، وإنما الذي ذكره النحاة من غير أفعال القلوب "سل"، و"ترى" البصرية في قول المازني. وجعل ابن خروف من تعليق النظر البصري قوله تعالى {أَفَلا

يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} من جهة تعدية النظر بإلى. قال: ولا يعدى بـ (إلى) إلا ما كان بمعنى الإبصار.
وقوله وأبصر مثاله {فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ}. هكذا مثل المصنف، ولا يتعين أن يكون تعليقًا لأبصر؛ إذ يحتمل أن تكون (أيكم) موصولةً لا استفهاميةً، وتكون مفعولًا، والباء زائدة، وصدر الصلة محذوف، التقدير: فستبصر ويبصرون الذي هو المفتون منكم.
وقد جاء تعليق "تبصر" بمعنى: انظر وتأمل، /قال الشاعر:
تبصر خليلي، هل ترى من ضغائن سوالك نقبًا بين حزمي شعبعب
والأظهر أنها هنا من الإبصار بالعين.
وقوله وتفكر مثاله ما أنشد المصنف:
حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهةً تفكر آإياه يعنون أم قردا
وتفكر هي من أفعال القلوب، فلا ينبغي أن تذكر مع نظر وأبصر البصريتين؛ لأنها قد اندرجت في قوله "وتختص أيضًا القلبية المتصرفة" الأفعال التي ذكرها في هذا الباب الذي هو باب ظن من أفعال القلوب، فيمكن أن تكون

"تفكر" من المشارك لها فيما ذكر.
وقوله وسأل مثاله {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ}.
وقوله وما وافقهن قال في الشرح: "أشرت بـ (ما وافقهن) إلى نحو: أما ترى أي برق هنا؟ بمعنى: أما تبصر، حكاه س" انتهى.
وهذا الذي اختاره من كون ترى هنا بصريةً هو مذهب للمازني خاصة، وأما شرح "الكتاب" فحملوا ما حكاه س على أن ترى فيه بمعنى: تعلم، قال ابن عصفور: "ولا يعلق من غير أفعال القلوب إلا سل، نحو: سل زيدًا أبو من هو، وذلك أنه سبب لفعل القلب؛ ألا ترى أن السؤال سبب من أسباب العلم، فأجري السبب مجرى المسبب.
وزعم المازني أنه يجوز أن تعلق رأيت بمعنى أبصرت، وإن لم تكن من أفعال القلوب، فتكون إذ ذاك بمنزلة سل؛ لأنها سبب من أسباب العلم. واستدل على ذلك بقول العرب: أما ترى أي برق ههنا، فإذا أمكن حمله على العلمية كان أولى؛ لأن التعليق بابه أن يكون في أفعال القلوب" انتهى كلام ابن عصفور.

وقول المصنف "بمعنى أما تبصر" من تمثيله لا من تمثيل س، وظاهر كلامه يشعر أنه من تمثيل س. وقال المصنف فى الشرح: "وإلى نحو {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} " يعني أن استنبأ معناها استعلم، فهي طلب للعلم.
وقوله أو قاربهن قال المصنف: "أشرت إلى قوله {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ". ولا يتعين ان يكون هذا تعليقًا، بل يجوز ان تكون {أَيُّكُمْ} موصولة، حذف صدر صلتها، فبنيت، وهي بدل من الخطاب بدل بعض من كل، والعائد محذوف، والتقدير: ليبلوكم الذي هو أحسن عملاً منكم. وقوله لا ما لم يقاربهن، خلافًا ليونس قال في الشرح: "أجاز يونس تعليق ما لم يوافقهن ولم يقاربهن، وجعل من ذلك قوله تعالى {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ}، فضمة (أشد) عنده ضمة إعراب، وعند س ضمة بناء و (أي) موصولة، وقد مضى ذلك" انتهى./ ويعنى أنه مضى في " [3: 22/ب] باب الموصولات" وخلاف الناس في تخريج قوله {أَيُّهُمْ أَشَدُّ}.
وقوله وقد تعلق نسى حملاً على ضدها، وهو الذكر بالقلب. وقال المنصف في الشرح: "وعلق نسى لأنه ضد علم، والضد قد يحمل على

الضد" انتهى. وليس ضد العلم النسيان، ولكن ضده الجهل، وضد النسيان الذكر بالقلب كما قلنا. وأنشد المصنف على تعليق نسي قول الشاعر:
ومن أنتم؟ إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر؟!
قال: "ومثله على أحد الوجهين قول الآخر:
لم أر مثل الفتيان في غبن الأيـ ـام، ينسون ما عواقبها"
ويعني بأحد الوجهين أن تكون (ما) في موضع رفع استفهامًا، وعُلِّقَ ينسون، والجملة في موضع مفعول لينسون.
والوجه الآخر: أن تكون (ما) موصولة مفعولة بينسون، وارتفع (عواقبها) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عواقبها، وهذه الجملة صلة لـ (ما).
وهذا الذي جوزه في هذا البيت يجوز في البيت الذي قبله، إذ يجوز أن يكون التقدير: إنا نسينا من هم أنتم، ولا تخصيص لذلك بالبيت الثاني. وإذا احتمل البيتان هذا التأويل لم يكن في ذلك حجة على تعليق نسي، ولذلك - والله أعلم - لم يذكر أصحابنا تعليق نسي.
ص: ونصب مفعول نحو "علمت زيدًا أبو من هو" أولى من رفعه، ورفعه ممتنع بعد "أرأيت" بمعنى أخبرني. وللاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة.

ش: إذا تقدم على الاستفهام أحد المفعولين نحو ما مثله المصنف جاز أن ينصب باتفاق؛ لأن العامل مسلط عليه، ولا مانع يمنعه من العمل. واختلفوا في رفعه: فأجاز ذلك س، وإن كان المختار عنده النصب؛ وذلك لأنه من حيث المعنى مستفهم عنه، إذ المعنى: قد علمت أبو من زيد، وهو نظير قولك: إن أحدًا لا يقول ذلك؛ ألا ترى أن أحدًا إنما يقع بعد نفي، لكنه لما كان ضميره قد نٌفي عنه الفعل - وهو وضميره واحد - صار كأن النفي دخل عليه.
وذهب ابن كيسان إلى أنه يجوز الرفع، قال: لأنك لا تقول: قد علمت زيد قائم، ولا بد من عمل علمت فيه. قال: ولو جاز هذا فيما خبره استفهام لجاز فيما خبره غير استفهام.
والصحيح ما ذهب إليه س للقياس والسماع، أما القياس فهو ما ذكرناه من أن الشيء تجري عليه أحكام الشيء إذا كان إياه من حيث المعنى، كما ذكرنا في: إن أحدًا لا يقول ذلك. وأما السماع فقول الشاعر:
فوالله ما أدري غريم لويته أيشتد إن قاضاك أم يتضرع
/ هكذا روي برفع غريم وإن كان نصبه أجود، وليس كونه مستفهمًا عنه في المعنى علة موجبة للتعليق، إذ لو كانت موجبة لما كان المختار النصب فيه - وقد نص السيرافي على أن التعليق في هذا أضعف الوجهين - وبه بدأ س، وقواه، وهو الجائز باتفاق، والرفع باختلاف.

وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن الأولى التعليق، قال: لأن الاعتناء بالمعاني أولى وآكد عندهم.
وهذا التعليل الذي ذكره غير محصل أن الأولى التعليق؛ لأن معنى قولهم إن الاعتناء بجهة المعنى آكد أنه إذا كانت رعاية اللفظ تُخِلُّ بالمعنى، وكانت رعاية المعنى تُخِلُّ بجهة اللفظ - غلب رعي المعنى، أما إذا كان رعي اللفظ لا يخل بشيء من جهة المعنى أصلاً كمسألتنا، وكان رعي المعنى يُخِلُّ بجهة اللفظ - فلا ينبغي أن يُراعى المعنى أصلاً ويترك اللفظ، بل في مسألتنا رعاية للفظ والمعنى، فلأي شيء يترك اللفظ، وليس في رعيه إخلال بجهة المعنى بوجه؟
وقوله ورفعه ممتنع بعد أرأيت بمعنى أخبرني قال س: "وتقول: أرأيتك زيدًا أبو من هو، وأرأيتك عَمرًا أعندك هو أم عند فلان، لا يحسن فيه إلا النصب في زيد؛ ألا ترى أنك لو قلت: أرأيت أبو من أنت، أو أرأيت أزيد ثم أم فلان - لم يحسن لأن فيه معنى: أخبرني عن زيد، وهو الفعل الذي لا يستغنى السكوت على مفعوله الأول، فدخول هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة أخبرني في الاستغناء، فعلى هذا أُجري، وصار الاستفهام في موضع المفعول الثاني" انتهى كلام س، ومحصوله أن أرأيتك دخلها معنى أخبرني، ولا يجوز في الاسم بعدها إلا النصب، ولا يجوز التعليق فيه فيرفع، كما جاز في: علمت زيد أبو من هو؛ لأنها في معنى أخبرني، وأخبرني لا تعلق. قال أبو إسحاق: "ولا يجوز الرفع لأن معنى هذه المسألة: أخبرني عن زيد، ففيه معنى الحرف، فلذلك لم يجز إلا النصب" انتهى.
والجملة الاستفهامية بعد الاسم المنصوب في موضع المفعول الثاني، وليس

أرأيتك معلقًا عنها، إذ لو كان معلقًا عنها لجاز أن يعلق عن المفعول الأول كما جاز في علمت، بل هي كالجملة التي ليست استفهامية في نحو: ظننت زيدًا أبوه قائم. واستدل على أنه لا يجوز تعليقها بأنك لو قلت أرأيت أبو من أنت لم يحسن؛ لأنهم لم يجروها مجرى علمت في جواز التعليق ومجيء الجملة الاستفهامية سادة مسد المفعولين، ولوحظ فيه أصله من تعديه إلى اثنين، فلم يقتصر فيه على مفعول واحد، ولم يستغن به - وإن دخله معنى أخبرني - كما يستغني في أخبرني.
وقال: / أبو علي الفارسي في كتابه (التذكرة): "أنبأ ونبأ ضًمنًا معنى أعلم، فيوافقاته، ولا يمتنع مع التضمين تعديتهما بحرف الجر على الأصل، كما لا تمتنع الحكاية بمعنى تقول، وكما لم يمنع أرأيت بمعنى أخبرني عن نصب مفعولين، لكن منع من التعليق، لا تقول: أرأيت زيد أبو من هو؛ لأنه بمعنى أخبرني، فحفظ له من الحكمين أقواهما، وهو الإعمال" انتهى كلام أبي علي.
وقد انتقد كثير من النحاة على س، واعترضوا عليه، وقالوا: كثيرًا ما تعلق أرأيت، والدليل على ذلك السماع، قال تعالى {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ}، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ}، {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ}، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ

إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ}، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ}، َ {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}، {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى}، فهذه مواضع من القرآن تدل على تعليق أرأيت، وهو خلاف قول س: "أرأيت أبو من أنت، وأرأيت أزيد ثم أم عند فلان، لم يحسن"، ولا يجوز أن تكون هذه الجمل الاستفهامية جوابًا للشرط؛ لأنه كان يلزم دخول فاء الجواب على تلك الجمل إلا ما كان منها بهمزة الاستفهام، فلا يجوز دخول الفاء عليها، ولا مجيء الفاء بعدها، ولا وقوعها جوابًا للشرط، بل جواب الشرط محذوف، ولذلك لم يأت فعل الشرط في هذه الآيات إلا ماضي اللفظ، ولم يجيء مضارعًا في موضع من المواضع.
وقد انفصل أبو الحسن بن عصفور وغيره عما اعترض به على س من هذه الآيات بأن جعل المفعول الأول قد حذف حذف اختصار، كما يحذف في علمت حذف اختصار كما تقدم - وقد يحذفان اختصارًا - وتقديره: قل أرأيتكم عذابكم إن أتاكم، أي: أخبروني عنه كيف يكون، لو رديتموه ما جرؤتم هذه

الجرأة. قال: "ولا يمنع س هذا النوع من الحذف، وإلا فما يفعل في قوله تعالى {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}؛ ألا ترى أن المفعول الثاني محذوف، والمعنى: أرأيتك هذا الذي كرمت علىّ ما الذي أوجب له ذلك، فكما يحذف الخبر - وهو المفعول الثاني - كذلك يحذف المبتدأ، وهو المفعول الأول" انتهى كلامه.
ولا يلزم في قوله {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أن يكون المفعول الثاني محذوفًا، بل الظاهر في الآية أنه مذكور، / وهو قوله {لَئِنْ أَخَّرْتَنِي}؛ لأن اللام مؤذنة بجملة قسم محذوف، فهذه الجملة القسمية مع متعلقها هي في موضع المفعول الثاني، ألا ترى انعقاد ما بعد أرأيتك مبتدأ وخبرًا، أي: هذا الذي كرمت عليّ أقسم لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن.
والذي عندي في هذه الآيات أنها تتخرج على الأعمال، وذلك أن فعل الشرط تنازع الاسم بعده، و"أرأيت" تنازعته، فأعمل فعل الشرط إذ هو الثاني، وأضمر في الأول منصوبًا، وحذف لأن الأفصح حذفه لا التصريح به مضمرًا، والتقدير في الآية الأولى: قل أرأيتكموه - أي: العذاب - أغير الله تدعون لكشفه. وفي الثانية: من إله غير الله يردهما عليكم. وفي الثالثة: هل يهلك به إلا القوم الظالمون. وفي الرابعة: الرابط مصرح به. وفي الخامسة: من إله غير الله يأتيكم بضياء بدله. وفي السادسة كذلك. وفي السابعة والثامنة الرابط مصرح به، ويضمر في أرأيت معمول فعل الشرط الذي يمكن تسلط أرأيت عليه. وهذا الذي تأولناه تأويل سهل، يقرر ما ذهب إليه س، وتقدم من قول س إن الجملة الاستفهامية بعد أرأيتك زيدًا في موضع المفعول الثاني لـ "أرأيتك زيدًا".

وقال ابن كيسان: "الذي أذهب إليه أنا أن "ما صنع" بدل من أرأيت زيدًا، فتفهمها، فإن فيها غموضًا، وذلك أنك لو قلت أرأيت زيدًا لم يكن كلامًا إلا أن تريد رؤية العين، ولكنه قال أرأيت زيدًا وهو يريد أن يقول: ما صنع زيد فيما ترى، فابتدأ أولاً بـ (أرأيت) ليعلمه أن سؤاله عن رأيه رأي له، كذا عملها في زيد؛ لأنه أراد: خبرني عن زيد، ثم ترك هذا، واعتمد على ما قصد له من صنعه. ومثله:
........ وحِنْتَ، وما حسبتك أن تحينا فـ "أن" مبدلة من الكاف، ولو اقتصر على الكاف لم يكن كلامًا، ولو قلت أرأيت ما صنع زيد، و (ما) استفهام، لم يكن كلامًا؛ لأنك أوقعت أرأيت على الاستفهام" انتهى كلامه. وتقدم الكلام في كاف أرأيتك هل لها محل من الإعراب أم لا ومذاهب الناس فيها في باس اسم الإشارة.
وأرأيت هذه التي بمعنى أخبرني كثيرة الدور في القرآن، ولها أحكام شاذة، ونحن نذكر منها ما تيسر لنا، فنقول:
من أحكامها أنها يجوز حذف الهمزة منها، فتقول: أريت، وقد قرأ بذلك الكسائي، وقال الشاعر:

أريت إن جاءت به أملودا
وإذا كانت بمعنى أبصرت لم تحذف همزتها، هذا نص عليه الأخفش عن العرب، وكذلك قال الفراء: أريت زيدًا ما صنع، بترك همزتها من رؤية القلب، وما كان من رؤية العين أبقوا فيها الهمزة؛ لأن رأيت القلب مستعملة في الكلام. وقال النحاس: "هما عند البصريين واحد، فإن قلت أرأيت زيدًا ما صنع فهو أجود لأنه الأصل" يعني بالهمز.
ومنها أنها تلزم الخطاب، فلا يقال: أرأى زيد عمرًا ما صنع، ويجوز ذلك على معنى: أعلم. وقد جاءت أرأيت ليس بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بإذ، نحو قوله تعالى {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ}، فزعم أبو الحسن أن (أرأيت) أُخرِجت عن بابها بالكلية، وضمنت معنى أما أو تنبه، فالتأويل: أما إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسبت الحوت، أو: تنبه إذ أوينا، والفاء في (فإني) جواب (أرأيت) على تضمين ما ذكرناه، ولا يجوز أن يكون جوابًا لـ (إذ)؛ لأن إذ لا يصح أن يجازى بها إلا مقرونة بـ (ما) بلا خلاف. وعلى هذا خرج أبو الحسن قوله تعالى (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ)، قال: وقد يخرج لمعنى أما، ويكون أبدًا بعدها الشرط وظروف الزمان، والتقدير: أما إن أتاكم عذابه، والاستفهام جواب أرأيت لا جواب الشرط؛ إذ

لو كان جواب الشرط لما جاز دخول الهمزة على الفاء؛ ألا ترى أن العرب لا تقول: إن قام زيد أفتكرمه، بل إذا جاء الاستفهام جوابًا للشرط لم تأت إلا بما يصح وقوعه بعد الفاء لا قبلها، نحو: إن قام زيد فهل تكرمه، فقولهم: أرأيت إن جاء زيد أفتكرمه، فيدخلون الفاء على الهمزة - دل على أن الجواب لـ (رأيت) لا للشرط.
وهذا الذي ذهب إليه أبو الحسن إخراج لـ (أرأيت) عن بابها بالكلية، ويمكن إقرارها على معنى أخبرني فيما ذكر. أما قوله تعالى {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ} فقد تقدم تخريجه. وأما {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} فيمكن أن يكون مما حُذف منه المفعولان لدلالة المعنى اختصارًا وإيجازًا، والتقدير: أرأيت أمرنا إذ أوينا إلى الصخرة ما عاقبته، فإني نسيت الحوت، وكان يوشع استخبر موسى عن أمرهما وما عاقبته؛ إذ كان قد جعل فقدان الحوت علامة للقي موسى الخضر، عليهما السلام، وحذف مفعولي ظننت وأخواتها اختصارًا جائز، وهو في أرأيت أجوز إذ قد أخرجت عن مدلولها إلى مدلول إلى مدلول أخبرني.
وزعم أبو الحسن أن العرب لا تحذف معمول أرأيتك التي بمعنى أخبرني حتى تؤكد التاء في أرأيتك، فتقول: أرأيتك أنت ما صنعت، وأرأيتك أنت وزيدًا ما صنعتما. وزعم أن هذا التأكيد يقوم مقام المفعول بدليل أنهم يعطفون عليه المنصوب، وزعم أنهم لا يقولون: أرأيتك أنت وزيد، قال: "لأن

المعطوف على الفاعل فاعل، ولا تقول: أرأى زيد؛ لأن فاعلها لا يكون إلا مخاطبا وهذا كله سماع من العرب". وما ذهب إليه خارج جدا عن القواعد.
والأسهل في تخريج هذا أن أنت في قولك" أرأيتك أنت ما صنعت" هوالمفعول الأول، واستعير ضمير الرفع لضمير النصب؛ إذ كان القياس أن تكون الضمائر كلها بصيغة واحدة، ولو أتيت بضمير النصب فإما أن تأتي به متصلاً أو منفصلاً: فإن أتيت به متصلاً قلت أرأيتك، ولا يخفى ما في هذا من اجتماع كلمتي خطاب/ بصورة واحدة. وإن أتيت به منفصلاً قلت: أرأيتك إياك ما صنعت، فيلزم من ذلك بحيء الضمير منفصلاً بعد الفعل، وهو لا يجوز، فلو قلت ضربت إياك لم يصح، فلما كان في مجيئه منصوبًا ما ذكرناه عدلوا إلى وقوع ضمير الرفع موقع ضمير النصب؛ إذ كانوا يؤكدون به المضمر المنصوب والمجرور، فيقولون: ضربتك أنت، ومررت بك أنت، كما يؤكدون به المرفوع، فيقولون: قمت أنت، فلما كان لهم فيه هذا التصرف أوقعوه موقع المفعول ٍالأول. والذي يدل على ذلك عطف المنصوب عليه في قولهم: أرأيتك أنت وزيدًا ما صنعتما، فلو كان توكيدًا للتاء لكان ضرورة في موضع رفع لا في موضع نصب، وجعله كذلك لا يمكن أن يعطف عليه منصوب البتة؛ لأن المنصوب لا يعطف على المرفوع، ولأنه على ما زعم أبو الحسن تأكيد للتاء، فيصير العطف في الحقيقة على التاء لأن التأكيد إنما جيء به تابعًا للأول. وأما في تأويلنا فهو - وإن كان بصيغة المرفوع - في موضع نصب على أنه المفعول الأول، فيصح العطف

عليه، ولهذه العلة امتنع أن تعطف عليه بالرفع، فتقول: أرأيتك أنت وزيد ما صنعتما، لأنه في موضع نصب، فلا يعطف عليه مرفوع، لا لما ذكر أبو الحسن من أنه يلزم أن يكون مرفوع أرأيتك اسمًا ظاهراً، وهو لا يكون إلا مخاطبًا. وأيضًا تأويل أبي الحسن يؤدي إلى ما ذكرناه من مخالفة القواعد، وإلى حذف المفعول، وتأويلنا لا يؤدى إلى حذف المفعول، مع الجريان على أكثر القواعد.
وزعم ابو الحسن أن أرأيتك إذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الأسم المستخبر عنه، ويلزم الجملة التي بعده الأستفهام؛ لأن أخبرنى موافق لمعنى الأستفهام.
ولا يلزم ما قاله أبو الحسن، بل يجوز حذف المفعولين معًا وحذف أحدهما اختصارًا، كما ذكرناه في الآيات السابقة، وهو أسهل من آدعائه إخراجها بالكلية إلى معنى أمّا أو تنبه. ولا يلزم ما ذكر من مجيء الجملة الأستفهامية بعد المفعول الأول، بل يجوز مثل قولك: أرأيت زيدًا لئن جاءني لأكرمنه؛ بدليل قوله {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
وقد قال الأستاذ أبو على: " يمكن أن يكون مراد س بقوله (لأن فيه معنى أخبرني) أنها قد دخلها هذا المعنى بالإنجرار، ولم تخرج عن أصلها، لأن قولك أعلمت زيدًا أبو من هو بمنعى: أعلمني وأخبرني، لكن راعت العرب هذا المقدار الذي دخل الكلام بالانجرار، ولم تعلقه، وتخرج الآيات/ كلها على

هذا ولا تخرج أرأيت عن موضوعها" انتهى كلام أبي علي، وهو شاهد لما ذكرناه في الآيات، وما تأولناه في قول العرب: أرأيتك أنت وزيدًا ما صنعتما، وأرأيتك أنت ما صنعت
وقوله وللاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة يعني أن اسم الاستفهام لا يؤثر فبه ظننت وأخواته، بل يبقى على حاله من الإعراب، فإن كان مرفوعًا بالابتداء بقي كذلك، وإن كان مفعولاً به بقي مفعولاً به، وإن كان مصدرًا بقي مصدرًا، وإن كان ظرفًا بقي ظرفًا، وإن كان حالاً بقي حالاً. مثال المبتدأ والمفعول: علمت أي الناس صديقك، وعلمت أيهم ضربت. ومثال المصدر: علمت أي قيام قمت، ومنه قوله تعالى {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. وأجازوا أن تكون (أي) في الآية موصولة، أي: وسيعلم الذين ظلموا المنقلب الذي ينقلبونه، و (سيعلم) متعدية إذ ذاك غلى واحد. والأقوى من جهة المعنى واللفظ التعليق؛ لأنه ليس في الآية على هذا التقدير الأخير إبهام لفظي، والإبهام أوقع من جهة المعنى وأعظم عليهم، مع أنه لا يحتاج إلى حذف مفعول، ولأن إضافة أي الموصولة إلى النكرة قليل جدا. ومثال الظرف: علمت أين خالد، وعلمت متى قيام زيد، وعلمت اين ضربت زيدًا، وعلمت متى ضربت عمراً. ومثال الحال: علمت كيف ضربت زيدًا. وكذلك المضاف إلى اسم الاستفهام لا تؤثر فيه علمت، فتقول: علمت غلام أيهم ضربت، فـ (غلام) منصوب بضربت لا بعلمت.

-[ص: والجملة بعد المعلق في موضع نصب بإسقاط حرف الجر إن تعدى به، وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد، وسادة مسد مفعولين أن تعدى إلى اثنين، وبل من المتوسط بينه وبينها إن تعدى إلى واحد، وفي موضع الثاني إن تعدى إلى اثنين ووجد الأول.]-
ش: أصل التعليق عن العمل أن يكون في ظننت وأخواتها لأنها داخلة على المبتدأ والخبر، ولهذا جاز فيها الإلغاء حيث جاز إبفاء لها على الأصل، فلما كان التعليق كالإلغاء فى عمل الفعل في معنى الجملة لا في لفظها لم يجيزوه إلا فيما كان من الأفعال معناه مسلط على الجمل، غير أنهم قد شبهوا بظننت الأفعال القلبية، فحملوا على الظن الفكر، والنظر بمعناه، والخاطر، ولم يجيزوا ذلك في الأفعال المؤثرة، ولذلك رد س قول يونس في اضرب أيهم أفضل إن الفعل معلق.
وقول المصنف والجملة بعد المعلق في موضع نصب بإسقاط حرف / الجر إن تعدى به مثاله: فكرت أهذا صحيح أم لا، وقد مثل المصنف هذا بقوله تعالى {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً}، وتقدم لنا أن نظر البصرية لا تعلق، فهي هنا بمعنى الفكر، كما تقول: نظرت في العلم، ولا ينبغي أن تُجعل البصرية كما ذهب إليه المصنف، فيكون حرف الجر المحذوف (إلى). والذي قاله المصنف من أن الجملة في موضع نصب هو المختار. وذهب بعض النحويين إلى أنها في موضع جر بذلك الحرف المحذوف.

وقوله وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد مثاله: عرفت أيهم زيد، فـ (أيهم زيد) في موضع نصب، وهو مفعول عرفت، فهو متعد إلى واحد كحاله لو لم يعلق، فإنه يتعدى إلى واحد.
وذهب بعض النحويين إلى أن الفعل المعلق لا يكون إلا متعديًا إلى مفعولين بحق الأصل، نحو علمت، أو على جهة التضمين، فإذا قلت: فكرت أبو من زيد، وانظر أبو من زيد، وعرفت أبو من زيد - فجميعها متعد إلى اثنين لتضمينها معنى علمت.
قال ابن عصفور: وهو الصحيح عندي؛ لأن الفعل المعلق متسلط على معنى الجملة، وإذا كان معمول الفعل معنى الجملة وجب أن يتعدى إلى مفعولين، كما أن علمت وأخواتها متسلطة على الجملة من جهة المعنى بدليل دخولها على ما اصله المبتدأ والخبر.
وقد مثل المصنف في الشرح ما تعدى إلى واحد وعلق عنه بقول العرب: أما ترى أيُّ برقٍ ههنا. وقد قدمنا أن رأي البصرية لا تُعلق عند الجمهور، ولم يذهب إلى تعليقها إلا المازني، وتبعه هذا المصنف، ولم يحفظ الخلاف فيها فيذكره.
وقوله وسادة مسد مفعولين إن تعدى إلى اثنين مثاله: علمت أزيد قائم أم عمرو.

وقوله وبدل من المتوسط [بينه وبينها] إن تعدى إلى واحد مثاله: عرفت زيدًا أبو من هو. واختلفوا ما موضع البدل، ولم يذكر المصنف في الفص ولا في الشرح غير هذا القول. واختاره ابن عصفور، وقال: "هو بدل شيء من شيء على حذف مضاف، التقدير، عرفت قصة زيد - أو أمر زيد - أبو من هو، واحتيج إلى هذا التقدير لتكون الجملة هي المبدل منه في المعنى؛ ألا ترى أن (أبو من زيد) هو في المعنى: قصة زيد".
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "يلزمه أن يجعل (عرفت زيدًا خبره) من هذا القسم لا من بدل الاشتمال، ويلزمه أن يجعل البدل كله قسمًا واحدًا؛ لأنك إذا قلت أكلت الرغيف نصفه فالمعنى على حذف المضاف؛ لأن المراد: أكلت بعض الرغيف نصفه، فإن كان أراد / أنه بالنظر إلى المعنى كذا فقد كان ينبغي أن ينبه عليه، كما فعله الأستاذ أبو علي، رحمه الله، ولم يُرِد هذا، بل هو غلط منه، والصحيح [أنه] من قسم: عرفت أخاك خبره" انتهى، يعني أنه من قسم بدل الاشتمال لا من بدل الشيء من الشيء، وهو هو.
وذهب المبرد والأعلم وابن خروف وغيرهم إلى أن الجملة في موضع نصب على الحال.
ورد هذا المذهب بأن الجملة التي في موضع الحال من المبتدأ والخبر يجوز دخول الواو عليها، ولو قلت عرفت زيدًا وأبو من هو لم يكن معناه ومعنى عرفت

زيدًا أبو من هو واحدًا. ويمكن أن يقال: لما كانت جملة الاستفهام في بعض المواضع تؤخر الواو عن أداته - وذلك مع الهمزة - كانت غير ضرورية في جملة الحال المرتبطة بما قبلها، فامتنع من المجئ بها.
والذي يظهر أن المعنى ليس على الحال؛ إذ ليس المعنى على: عرفت زيدًا في هذه الحال، بل المعروف منه تلك الحال لا أنها هيئة للمعروف، ثم إنه إن صح في عرفت زيدًأ أبو من هو أن تقدره عرفته مكنيًا كما قدره ابن خروف فليس يصح تقدير الحال في جميع جمل الاستفهام الواقعة هنا، بل يصير تقدير الحال في كثير منها كالتسوية وغيرها، نحو: عرفت زيدًا أقائم هو أم قاعد.
وذهب أبو علي - فيما حكاه ابن جني - وأبو عبد الله بن أبي العافية إلى أنه في موضع المفعول الثاني لعرفت على أنها ضمنت معنى علمت. وقد رد ذلك بأن التضمين بابه الشعر، وما جاء منه في الكلام يحفظ، ولا يقاس عليه.
والذي اختاره هو هذا المذهب. والدليل على ذلك وأنه ضمن معنى علمت، فتعدت إلى مفعولين - جواز رفع الاسم بعد عرفت، وانعقاد جملة من مبتدأ وخبر بعد عرفت، فتكون إذ ذاك معلقة عنه لأنه مستفهم عنه في المعنى، فتقول: عرفت زيد أبو من هو، كما كان ذلك في علمت زيد أبو من هو، فزيد مبتدأ، و (أبو من هو) جملة في موضع الخبر، فإذا انتصب كان على هذا المعنى من أن أصله مبتدأ وخبر، وكان المنصوب مفعولاً أول، والجملة موضع المفعول الثاني، كما كان خبرًا حين ارتفع الاسم الأول.
وقال س: "وإن شئت قلت: قد علمت زيد أبو من هو، كما تقول ذلك

فيما لا يتعدى إلى مفعول، وذلك قولهم: اذهب فانظر زيد أبو من هو، ولا تقول: نظرت زيدًا. واذهب فسل زيد أبو من هو، وإنما المعنى: اذهب فاسأل عن زيد، لو قلت اسأل زيدًا على هذا الحد لم يجز" انتهى. ويعني س أن ما أصله أن يتعدى إليه الفعل المعلق بحرف الجر لا يجوز أن يحذف الحرف وينتصب ذلك الاسم على أنه مفعول لذلك الفعل، فلا تقول: فكرت زيدًا أبو من هو؛ لأن فكرت لا يصل بنفسه إلى مفعول، وليس حذف / حرف الجر قياسًا، بل يرتفع على الابتداء، والجملة بعده في موضع الخبر، ولا يمكن أن يرتفع على الابتداء والجملة بعده في موضع الخبر إلا أن يعتقد أن الفعل هو مما يصلح أن يدخل على المبتدأ والخبر، و"نظر" الفكرية و"سأل" ليسا مما يدخلان على المبتدأ والخبر بأصل الوضع، فوجب أن يُعتقد فيهما أنهما ضمنا معنى ما يدخل على المبتدأ والخبر، وإذا كان قد جاز الابتداء والخبر بعد الفعل الذي لا يتعدى إلا بحرف جر فهو في الفعل الذي يتعدى إلى واحد بأصل الوضع أجوز أن يقع. وتحصل من هذا أن المنصوب بعد عرفت هو على معناه إذا كان مرفوعًا، وإذا كان مرفوعًا فالجملة الاستفهامية في موضع الخبر، فكذلك إذا كان منصوبًا تكون تلك الجملة في موضع المفعول الثاني، ولا تكون عرفت كذلك إلا بعد اعتقاد تضمينها معنى ما يتعدى إلى اثنين.
وقوله وفي موضع الثاني إن تعدى إلى اثنين ووجد الأول مثاله: علمت زيدًا أبو من هو. وإنما قال "ووجد الأول" لأنه إن لم يوجد الأول كانت الجملة في موضع المفعولين، نحو: علمت أبو من زيد.

-[ص: وتختص القلبية المتصرفة و"رأى" الحلمية والبصرية بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متحدي المعنى، وقد يُعامل بذلك "عدم" و"فقد"، ويمنع الاتحاد عمومًا إن أضمر الفاعل متصلاً مفسرًا بالمفعول.]-
ش: قوله المتصرفة احتراز من هب وتعلم، فلا يقال: تعلمك منطلقًا، أي: اعلمك منطلقًا، ولا: هبك صنعت كذا. قال المصنف: "مما تختص به أفعال القلوب غير هب وتعلم إعمالها في ضميرين متصلين لمسمى واحد" انتهى. وفي منع "هبك محسنًا، نظر، وما أظنه إلا مستعملاً في لسانهم.
ومثال ذلك في ظننت وأخواتها: ظننتني خارجًا، وأنت ظننتك خارجًا، وزيد ظنه خارجًا، قال {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى}، ففي (رأى) ضمير الفاعل عائدًا على الإنسان، والهاء ضمير المفعول الأول، و (استغنى) في موضع المفعول الثاني، وقال الشاعر:
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ألا ليتني أفديك منها، وأفتدي
وجاشت إليه النفس خوفًا، وخاله مصابًا، ولو أمسى على غير مرصد
ففي "خال" ضمير فاعل، يعود على الصاحب، والهاء هي المفعول الأول، و"مصابًا" هو الثاني" وقال الآخر:
هم أكرموني في الجوار، وخلتني إذا كنت مولى نعمة لا أضيعها

/ وقال مويلك المزموم:
فحملتها، وحفرت عندك قبرها جزعًا، وكنت إخالنى لا أجزع
وقال الآخر:
وكائن رأيت من كريم مززًا أخي ثقة طلق اليدين وهوب
شهدت وفاتوني، وكنت حسبتني فقيرًا إلى أن يشهدوا وتغيبي
وقال الآخر:
قد كنت أحسبني كأغنى واجد نزل المدينة عن زراعة فوم
فهذا في الغائبين والمتكلمين، وأما في المخاطبين نحو ظننتك منطلقًأ فلا يحضرني شاهد من لسانهم عليه إلا ما يحتمله قول الشاعر:
لسان السوء تهديها إلينا وحنت، وما حسبتك أن تحينا

فهذا البيت يحتمل ما ذكرنا، وتكون أن زائدة، و ((تحين)) في موضع المفعول الثاني، وقيل: الكاف هي المفعول الأول، و ((أن تحين)) في موضع البدل من الكاف، واكتفى به، ولم يحتج إلى الثاني لأن البدل هو المعتمد عليه. وقيل: الكاف حرف خطاب، و ((أن تحين)) سد مسد المفعولين.
ولو وضعت مكان الضمير الثاني النفس، فقلت: ظننت نفسي عالمة- ففيها خلاف: ذهب أكثر النحويين إلى أنه لا يجوز ذلك. وذهب ابن كيسان إلى جواز ذلك، قال: وذلك قليل شاذ.
وقد اعتل أبو الحسن لجواز ذلك في باب ظننت بأنك إنما تعتمد في الأخبار والفائدة على المفعول الثاني، فصارت كاللغو، ولم تكن كضربت التي يعتمد عليها في الإخبار، فضارعت غيرها من غير الأفعال، كقولك: إنني وليتي؛ إلا ترى أنك تقول: ما ظننت أحدًا يقول ذلك إلا زيدًا، وتقول: ما ضربت أحدًا يقول ذلك إلا زيدًا، لا غير؛ لأن المعنى الأول: ما أحد يقول ذلك إلا زيد في ظني، فكذا معي معنى حسبتي عالمًا: أنا عالم فيما أحسب. انتهى كلام أبي الحسن، وهو حسن.
وحكي محمد بن الوليد عن أبي العباس الفرق بين باب ظن وضرب أن باب ظن الفاعل فيه بمنزلة المفعول؛ لأنك إنما رأيت شيًا فأظنك، فكأنك لم تجعل الفاعل مفعولًا في الحال.
وإنما قال المصنف ((وتختص)) لأنه لا يجوز ذلك في غيرها، لا يجوز:

ضربتني، ولا: ضربتك، ولا: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه، عند س ولا أحد البصريين، بل تأتي في مثل هذا بالنفس، فتقول: ضربت نفسي، وضربت نفسك، وزيد ضرب نفسه، قال تعالى (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي).
واختلفوا في علة المنع: فقال/س: استغنوا عنه بالنفس. وقال أبو العباس: لئلا يكون الفاعل مفعولًا. حكاه عنه الأخفش الصغير. وحكى ابن كيسان عن أبي العباس انه كره ذلك ليكون المضمر قبل المظهر؛ لأنه إذا أضمر فاعلًا أو مفعولًا فلا بد من تقديمه إلى الفعل، فلما امتنع ذلك في المظهر والمضمر امتنع في المضمرين، فلم يجيزوا: ضربتني، ولا: ضرب زيد زيدًا؛ لئلا يوهمك غيره. وقال بعضهم: لم أقل ضربتني لئلا يجتمع ضميران يرجعان إلى شيء واحد، أحدهما رفع، والآخر نصب، وهما لشيء واحد، فصار الفاعل كالمفعول. قال: ولو قلت ضربت إياي كان أقرب من ضربتي، وضربتني لازمة في القياس. وقال الفراء: لما كان الأغلب المتعارف أن يفعل الفاعل بغيره لم يوقع فعلت على اسمه إلا لأن بفصل اسمه من اسمه.
وقوله ورأي الحلمية مثاله قول الله تعالي (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)، (إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَاسِي خُبْزًا).
وقوله والبصرية قال المصنف: هذا في رؤية البصر شاذ. ومثاله قول

عائشة- رضي الله عنها-: "لقد رأيتنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما لنا من طعام إلا الأسودان"، ومنه قول قطري:
لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغي متخوفًا لحمام
فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني تارة وأمامي
وقال عنتره:
فرأيتنا ما بيننا من حاجز إلا المجن ونصل أبيض مقصل
وقال عنتره:
فرأينا ما بيننا من حاجز إلا المجن ونصل أبيض مقصل.
وحسن رأيتنا كونه لم يتحد الفاعل والمفعول من كل وجه؛ لأن الفعل مفرد والمفعول ضمير جمعٍ وإن كانا معًا متكلمين.
وقوله وقد يعامل بذلك عدم وفقد يعني بـ (ذلك) أنه يتعدى إلى ضميرين متصلين متحدي المعنى، حكي الفراء: فقدتني، ووجدتني، وعدمتني. قال بعضهم: وهذا على سبيل التمثيل، ولو كان ذلك على سبيل الحقيقة لكانت فاسدة؛ لأنك إذا قلت عدمت زيدًا فالذي تعدمه شيء لا يكون بحضرتك، ولا يجوز إلا أن يكون غيرك؛ لأنك لا تكون فاقدًا وأنت المفقود، ولا واجدًا وأنت الموجود، فصار معنى فقدتني: فقدني فيري، فلم يكن على حقيقته، فيكون مثل ضربتني.

قال المصنف: وأشذ منه- يعني رؤية البصر- قولهم: عدمتني وفقدتني، قال جران العود:
لقد كان لي عن ضرتين- عدمتني وعما ألاقي منها متزحزح
وقال الآخر:
ندمت على ما كان مني- فقدتني- كما يندم المغبون حين يبيع
ولم يحك المصنف وجدتني، وحكاها الفراء، وهي مسموعة من كلامهم، وكان المصنف أدرجها في باب ظننت لأن وجدت تكون بمعنى علمت، وقد ذكرها المصنف في أفعال هذا الباب، والفراء إنما أوردها فيما يتعدى إلى واحد. بمعنى وجدان الضالة، وكأنه فقد نفسه، ثم وجدها. وقال الشاعر:
تلفت نحو الحي حت وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
ويحتمل هذا البيت الوجهين. فأما قول الشاعر:

قد بت أحرسني وحدي، ويمنعني صوت السباع بع يصبحن والهام
واحترز بقوله (متصلً) ومن أن يكون أحدهما منفصلًا، فإن ذلك لا يختص بظننت، بل يجيء ذلك فيها وفي غيرها من الأفعال، فتقول: إياك ظننت منطلقًا، وما ظننت منطلقًا إلا إياك، وإياك ضربت، وما ضربت إلا إياك.
وفي البسيط: وأما قلت فالقياس يقتضي أن يكون كظننت في هذا، فتقول: قلتني منطلقًا، على معنى: (قلت إياي منطلقًا)، و (قلتك منطلقًا) على معني: قلت إياك منطلقًا، وأصل الابتداء: أنت منطلق، وأنا منطلق، لكن فيه نظر.
وقوله ويمتنع الاتحاد عمومًا- يعني في باب ظن وغيره- إن أضمر الفاعل متصلًا مفسرًا بالمفعول مثاله في باب ظن: زيدًا ظن قائمًا، ومثاله في باب غير ظن: زيدًا ضرب، تريد: ظن نفسه، وضرب نفسه.
وأحترز بقوله "متصلًا" من أن يكون منفصلًا، فأنه يجوز الاتحاد، نحو: ما ظن زيدًا قائمًا إلا هو، وما ظن زيد قائمًا إلا إياه، وما ضرب زيدًا إلا هو، وما ضرب زيد إلا إياه.

ذكر مسائل من هذا الباب
المسألة الأولى: أجاز س وأصحابه والفراء: أظن أنك قائم، ولم يجيزوا: أظن قيامك. وأجاز ذلك الكسائي، قال: كما أقول: أظن ذلك. ورد عليه بأن "ذلك" يشار به إلى أثنين، قال تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)، أي: الفارض والبكر.
الثانية: إذا قلت ظننت أنك قائم فمذهب س أنه لا حذف فيه، وأنه لما جرى ذكر المسند والمسند إليه اكتفى به، واستغنى عن الحذف. وذهب أبو الحسن وأبو العباس إلى أن الخبر محذوف، والتقدير عندهما: يقتضي إحالة على قيام معهود، و"زيد قائم" ليس بينك وبين مخاطبك/ عهد في القيام، فإذا تقرر هذا علمت أن ظننت أن زيدًا قائم معناه عندهم على القطع: ظننت زيدًا قائمًا: فهذا القيام المظنون غير معهود، والذي يقدر مستقرًا أو ثابتًا

إنما يكون هذا القيام معهودًا (عنده)، وذلك تحريف لمقصود اللفظ، وهو أن القيام غير معهود، وأيضًا فيؤدي إلى حذف في الكلام لا دليل عليه. وحكي الفراء: أظن أنك قائم خيرًا لك، وأظن خيرًا لك أنك قائم، بمعنى: أظن خيرًا لك قيامك. وإنما احتيج إلى تصريح بالمفعول الثاني هنا لأنه ليس كونًا مطلقًا، أما إذا كان كونًا مطلقًا فلا يحتاج إليه ولا إلى تقديره؛ لأن "أنك قائم" وقد أنطوى على مسند ومسند إليه.
الثالثة: أجاز الكسائي والفراء: أظن أن يذهب زيد. ولا يجوز ذلك عند البصريين إلا أن تأتي بعوض، نحو قد والسين وسوف ولا.
الرابعة: أظن يذهب زيد، لا يجوز إلا على مذهب من مذاهب الفراء في قراءة من قرأ (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) بمعنى: أن سبقوا، وحذف (أن) لما عاد الذكر على الفاعلين، و (الذين) في موضع رفع، وشبهه بقوله: يريد يقوم، بمعنى: يريد أن يقوم:
وهذا الذي قاله مخالف لأقوله؛ لأنه قال: إذا حذفت أن لم يكتف بشيء واحد حتى يستبين، و (سبقوا) شيء واحد.

الخامسة: ظننت زيدًا إنه قائم، بكسر إن في مذهب البصريين لا غير؛ لأنها في موضع الابتداء. وقال ابن كيسان: يجب فتح أن على البدل، قال الشاعر:
........ وجنت، وما حسبتك أن تحينا
جعل أن بدلًا من الكاف على أحد ما وجه عليه.

السادسة: أجاز الفراء حذف حرف الاستفهام مع الشك، قال الفراء: وتضمره العرب في حروف الشك خاصة، فيقولون: تراك منطلقًا؟ يريدون: أتراك؟ وكذلك: تظنك تخرج؟ لأن الاستفهام شك، وهذه شك، فاكتفى بواجد من صاحبه، وامتنع في ضربت وقتلت وسائر الأفعال لأنها إخبار، لا شك فيها. وتابعة قطرب على هذا القول، وزاد عليه أنه أجاز ذلك في غير هذه الأفعال.
وذهب س إلى أن ذلك لا يجوز، قال س: إذا حذفت حرف الاستفهام انقلب المعنى، وهذا أقبح ما يقع فيه الغلط لأنه ذهاب البيان، وهو اللحن الحقيقي. وقد قيل: لم يؤخذ على ابن أبي ربيعة لحن إلا قوله:

ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرًا عدد الرمل والحصى والتراب
أي: تحبها؟
وقال أبو العباس: ليس الأمر عندي كذلك إنما هو إلزام، أي: ثم/ قالوا: أنت تحبها.
وزعم الأخفش الصغير أن ما ذهب إليه الفراء إنما أخذه من كلامه العامة؛ لأنهم يقولون: ترى ذلك؟ فأما عن العرب فلا يعرف.
السابعة: لزيد ظننت ظنًا قائم، المسألة ممتنعة لا بالرفع ولا بالنصب؛ لأنك إذا رفعت جمعت بين متعاقبين، وإن نصبت أدخلت لام الابتداء على الجملة الفعلية. ذكر هذه المسألة صاحب (الملخص).
الثامنة: تقول: أظن زيد ذاهبًا بحقي باطلة، بنصب الباطل، والتقدير: أظن زيد باطلة ذاهبًا بحقي. وأجاز الفراء رفع الباطل، وأنشد لذي الرمة:
أظن ابن طوثوت عتيبة ذاهبًا بعادتي تكذابه وجعائله

برفع التكذاب والجعائل، ونصبه بظن، ورغم أن المعنى: أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتي، وجعل ذاهبًا بمعنى أن يذهب، كما قال "عسى الغوير أبؤسًا"، أردا: أن ييأس، فلما حذف أن تنصب أبؤسًا. وقال: لا يجوز أن تقول: أظن زيد قائمًا، وأنت تريد: أن يقوم؛ لأن (أن) تكفي من شيئين، فلا بد من شيئين إذا حذفتها، فتقول: ظننت قائمًا أنا، وأظن زيد قائم هو.
قال ابن كيسان: ويجوز أن تنصب تكذابه بظن، وترفع جعائله إن كانت القافية مرفوعة على المعنى، أي: ويذهب بها جعائله. وشبهه بقول الشاعر:
وجدنا الصالحين لهم جزاء وجناتٍ وعينًا سلسبيلًا
لما تم الكلام على قوله "لهم جزاء" أضمر فعلًا للثاني، فكأنه قال: وجدنا لهم جنات وعينًا سلسبيلًا. وقد تقدم لنا الكلام على شيء من هذه المسألة في باب إن، وأمعنا هنا فيها.
التاسعة: عبد الله ما علمت عالم، أجمعوا على جوازها. واختلفوا في: عبد الله ما رأيت عالم، أو ما ظننت، فمنع من ذلك الفراء وابن كيسان، وأجاز ذلك غيرهما. وقدر الفراء ذلك: عبد الله فيما أعلم. قيل له: وكذلك يقدر في الظن والحسبان. وقال ابن كيسان: المعنى: عبد الله مدة علمي عالم، وليس للظن هنا مشاركة للعلم؛ لأن الظن شيء يقع في النفس، يجوز أن يبطل وأن يحق، فلا تكون له مدة توجب الظن بثبات علم عبد الله.

العاشرة: أزيد زعمت أنه منطلق؟ هذا لا خلاف في جوازه. فإن نصبت زيدًا فهو خطأ عند البصريين، وأجاز ذلك الكسائي لأنه وجد (أن) تدخل وتخرج والكلام على معناه، فالمعنى عنده: أزيدًا زعمته آخاك؟ وحكي عن العرب دليلًا على صحة ذلك: كم زعمت أنك سائر؟ على أن كم/ في موضع نصب، وحكي أيضًا: من زعمت أنك ضارب؟
ولا حجة فيما ذكر لأنه يحمل على أن كم في موضع رفع على أن تريد: سائرة، وكذا: من زعمت أنك ضارب، أي: ضاربه، كما أنشد س"
على ذنبًا كله لم أصنع
أي: لم أصنعه. وقال البصريون: ((أن)) لا تعمل في شيء قبلها، فلا تفسر عاملًا.
الحادية عشرة: كم زعمت أن الحرورية رجلًا، حكاه الكسائي على أن كم في موضع رفع. فقياسها: أبو من زعمت أن عمرًا؛ لأنك هنا يمكنك: أزعمت أن زيدًا قائم، ولا يمكنك في من وما وكم أن تجعل مثلها.
وتابعة الأخفش، فقال: ومن قال هذا- يعني من قال:
................. ولكن زنجيًا- أضمر الخبر. قال: وإن شئت رفعت زنجيًا، فأضمرت الهاء. قال: ومن قال هذا قال: كم زعمت أن الحرورية رجلًا، ينصب الحرورية، ويضمر الخبر، كأنك قلت: أن الحرورية هو، ويكون ضمير كم، وكل ذلك قبيح.

وقال ابن كيسان: وهذا بعيد جدًا في القياس والحكم؛ لأنك إذا دخلت وجب أن يكون ما بعدها صلتها، وأن يكون حكمها وما بعدها حكم أسم واحد، وإذا قدمت شيئًا مما حكمه أن يكون بعدها فقد قدمت بعض الاسم، وأخرت بعضه، ولعل الذي سمع هذا سمعه بغير أن، وتورهم غير ما سمع، أو يكون المتكلم بها تكلم على الغلط. قال: ولو اعتذرنا لهذا لوجدنا له وجيهًا على أنه لم يعتد بـ (أن)، وأجراها مجرى أن التي في قوله عز وجل (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا)، أو يكون على أن يحذف أسم أن، ويرفع الحرورية على خبر أن، وتكون زعمت وما بعدها في موضع خبر كم، فتكون كم رفعًا بالابتداء، يريد: كم زعمت أنهم الحرروية رجلًا، قال:
............... ولكن زلنجي عظيم المشافر
أي: ولكنك زنجي. وينشد: ولكن زنجيًا، على حذف الخبر، أي: ولكن زنجيًا لا يعرف قرابتي.
ولو قلت: كم زعمت أنهم الحرورية، وأظهر ضمير كم لجازت المسألة، وكانت كم رفعًا. وكذا (لو) قلت: كم زعمت أن الحرورية هم، وأنهم الحرورية. وحسن الابتداء بالنكرة لأن فيها معنى الاستفهام.
ولا يجوز أن تقول: كم زعمت أنهم رجلًا الحرورية، ولا: كم زعمت أن الحرورية رجلًا هم، ولا: كم زعمت رجلًا أن الحرورية، لا يكون المفسر إلا بعد الجملة أو قبل زعمت.

وتقول: كم رجلًا زعمت أن الحرورية هم، وكم زعمت أنهم الحرورية رجلًا. فإن قلت رجالًا كان توسيطه بين أسم أن وخيرها، وهو قبيح إلا مع الأفعال، نحو قولك: كم زعمت أن الحرورية رجالًا يخرجون هم، فيكون رجالًا حالًأ مما في يخرجون، ويكون يخرجون خبرًا/ للحرورية، ويكون هم مبتدأ، وهي مكني من كم، ويكون من زعمت التي موضع هم جملة، وكم خبر مقدم على هم، كأنك قلت: كم هي زعمت أن الحرورية يخرجون.
وتقول: كم زعمت أن الحرورية خرجوا رجلًا، فاسدة على التقدير؛ لأنه ليس في قولك ((ن الحرورية خرجوا)) عائد على كم، ورجلًا مفسر على كم، و ((كم)) ابتداء لا خبر له. فإن قلت رجالًا جازت المسألة، وصارت ((كم)) سؤالًا عن الزعم، كأنه قال: كم مرة زعمت أن الحرورية، فإن جعلت رجالًا مفسرين كم فسدت المسألة.
المسألة الثانية عشرة: ظننته زيد منطلق، لا خلاف في جوازها. فإن قدمت منطلقًا على زيد، فقلت: ظننته منطلق زيد، فالبصريون يرفعون على التقديم والتأخير، والكوفيون ينصبون منطلقًا، وهو خطأ عند البصريين لأن الهاء إذا كانت كناية عن الأمر لم يفسره إلا جملة، وقد تقدمت هذه المسألة في وسط الفصل الرابع من باب المضمر في أوائل الكتاب، وشرحناها هناك.
الثالثة عشرة: ظننت زيدًا قائمًا حسنًا، لا خلاف في جوازها. فلو قلت ظننت زيدًا ظنًا حسنًا قائمًا أجاز البصريون، وقالوا: لو قلت زيد ظننت قائم جاز أن يعترض بالظن، فإذا كان الفعل بنفسه يقع هذا الموقع لم يمتنع أن يقع مصدره. ومنع ذلك الكوفيون، وقالوا: المفعول الأول والثاني بمنزلة مفعول واحد، فلا يقع مصدر الظن إلا قبلهما أو بعدهما.

الرابعة عشرة: ظننت زيدًا يوم الجمعة قائمًا، وظننت زيدًا خلفك قائمًا، إن جعلت الظرف ظرفُا للمفعول جازت بلا خلاف، وإن جعلته ظرفًا للظن أجاز ذلك البصريون، ومنعه الكوفيون، وحجتهم ما تقدم في المسألة قبلها.
الخامسة عشرة: ظننت أن زيدًا ظنا حسنًا قائم، لا خلاف في منعها لأن ((أن)) جازت الاسم والخبر، فصارت كشيء واحد.
السادسة عشر: طعامك ظننت أن عبد الله أكل، اختلفوا في جوازها: فمنعها الجمهور، وأجازها الكسائي، وحجته أن دخول ((أن)) وخروجها هنا سواء. وغلطوه في ذلك لأنك قدمت بعض الصلة.
السابعة عشرة: ظننت زيدًا إنه منطلق، أوجب البصريون كسر إن، أجازه الكوفيون مع الفتح، فتقول: ظننت زيدًا أنه منطلق. واستدلوا بقراءة حمزة بن حبيب (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ).
وقد لحن البصريون هذه القراءة إلا بعض متأخريهم، فإنه تأولها، واحتج لها. وأجاز ابن كيسان النصب على أن يجعل "أنه" بدلًا من زيد، كقوله:
......... ................ وما حسبتك أن تحينا
قال: كأنه قال: وما حسبت أن تحين، فجعل/ أن بدلًا من الكاف. وتقدم قبل أن ابن كيسان اوجب الفتح.
الثامنة عشرة: ظننته إن زيد قائم، لا يجوز إلا كسر إن عند البصريين.

وأجاز ابن كيسان الفتح، قال: تجعلها بدلًا من الهاء، وتجعل الهاء كناية عن الخبر، كأنك قلت: ظننت ذلك أن زيدًا قائم، فـ ((أن زيد قائم)) هو ((ذلك)).
وقال البصريون: وقع الظن على الهاء، والجملة الخبر، كما أنهم قد أجمعوا على أظنه زيد منطبق، فإذا جئت بـ ""إن"" وجب أن تكسرها.
التاسعة عشرة: أظن عبد الله مختصًا وزيد، قال الفراء وأكثر النحويين: لا يجوز في زيد النصب. وأجازه بعض النحويين على أن يكون مفعولًا معه، أي: مع زيد، كما تقول: استوي الماء والخشبة.
العشرون: أظن عبد الله مختصًا فزيدًا، وثم زيدًا، أو زيدًا، لا يجوز شيء من هذا عند الفراء والبصريين لأن هذا موضع الاجتماع، فلا يكون إلا بالواو. وأجاز الكسائي: أظن عبد الله ثم زيدًا مختصين، وكذلك الفاء وأو. وأنكر الفراء عليه، وقال: يلزمه أن يقول: اختصم زيد فبكر، بالفاء وبأو.
الحادية والعشرون: أظن عبد الله وأظن زيدًا مختصين، أجاز الفراء على أن تلغي أظن الثانية، قال: فإن توهمت التكرار كان محالًا. والقول عند البصريين أنهما واحد.
الثانية والعشرون: أنا ظان أن يقوم زيد، وإن شئت حذفت التنوين وأضفت. فإن قلت ((أنا ظان انك تقوم)) كان حذف التنوين قبيحًا ((أن)) التي تعمل في الأسماء لا تتمكن تمكن الخفيفة التي تعمل في الأفعال. قال الفراء: وإن جاءتك في شعر أجزتها.
الثالثة والعشرون: أنا ظان إنك لقائم، لم تجز الإضافة، فإن قلت: أنا قائل إنك لقائم، ولتقومن، وما زيد بقائم، جاز حذف التنوين والإضافة.

الرابعة والعشرون: أخواك مظنونان أن يذهبا، قال الفراء: هي خطأ لأن الظن لا يقع على ثلاثة أشياء، وإذا وقع على أن فكأنه وقع على شيئين، فلا يجوز أن يقع على ثالث؛ ألا ترى أن المرفوع في مظنون قد ارتفع بوقوع الظن عليه. وهذا جائز على مذهب البصريين، كما تقول: أخواك يظنان أن
يذهبا، غير أن الأجود أن تقول: أخوك يظن أن يذهبا، وأخوك مظنون أن يذهبا، أي: مظنون ذهابهما، فإن قلت "مظنونان" كانت أن بدلًا من الألف، كما قال:
.......... ............. وحنت وما حسبتك أن تحيا
الخامسة والعشرون: قول العرب: عرفت أيهم في الدار، فـ "عرفت" يقضي حصول المعرفة، و"أيهم في الدار" استعلام من الدار، وهذا الكلام يدافع أوله آخره؛ لأن حصول المعرفة ينافي طلبها، لأن الحاصل/ لا يطلب تحصيله، بخلاف قولك: عرفت ما زيد قائم، ولعمرو منطلق، فالعرفان معلق بالنسبة من إثبات أو نفس إذ هي خبرية، بخلاف النسبة الإسنادية في الاستفهام. والجواب عن هذا أنه في الصورة استفهام، وليس باستفهام في الحقيقة.
وقال س في علمت أزيد ثم أم عمرو: "أردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم، وأردت أن تسوي علم المخاطب فيها كما استوى عملك في المسألة حين قلت: أزيد ثم أم عمرو" انتهى. فهذا نص على أنه لا يراد معنى الاستفهام. وقول س: "وأردت أن تسوي علم المخاطب فيها" معناه أنك إذا أخبرت أنك قد علمت أيهما ثم استوي عنده أن أحدهما ثم وإن لم يتعين له. ثم قال: "كما استوى علمك في المسألة" أي: حين كنت مستفهمًا حقيقة، ولم تدخل عملت لأنك لا تسأل هذا السؤال إلا وأنت قد علمت أن أحدهما ثم،

وإنما سألت عن تعيين من ثم. وجميع المثل التي أوردها س الاستفهامية في الصورة ليس المعنى على الاستفهام، نحو: قد علمت أعبد الله ثم أم زيد، وقد عرفت أبو من زبد، وقد عرفت أيهم أبوك، وأما ترى أي برق هنا، وليت شعري أعبد الله ثم أم زيد، وليت شعري هل رأيته، و (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى)، (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى)، إلى غير ذلك، المعنى: قد علمت من ثم زيد ومن عمرو، وقد عرفت الشخص الذي هو زيد أبوه، وقد عرفت الشخص الذي هو أبوك، وأما ترى البرق الذي هنا، وليتني أشعر بمن ثم من عبد الله ومن زيد، وليتني أشعر برؤيتك ذلك، ولنعلم الحزب الذي هو أحصى، وفلينظر الطعام الذي هو أزكى، وكذلك ما ورد من نحو ذلك، وكثير في لسان العرب ما يكون لفظ الكلام مخالفًا للمعنى الذي قصد به، كالأمر بصورة الخبر وعكسه.
وكلام العرب على ثلاثة أقسام:
أكثره وأعلاه أن يطابق اللفظ على المعنى، نحو: أظن أن تقوم، اتفقت.
والقسم الثاني: أن يغلب اللفظ على المعنى، نحو: أظن أن تقوم، اتفقت العرب والنحاة على صحتها، وأبطل أكثر النحويين "أظن قيامك، ومعنى أن تقوم: قيامك، وإنما جاز ذلك لأن الظن لا يكتفي بكلمة واحدة، و"أن تقوم" كلمتان، فكأنك أتيت بما أصله المبتدأ والخبر الذي يكتفي بهما الظن، بخلاف "قيامك"، فإنه كلمة واحدة في اللفظ.

والقسم الثالث: تغليب المعنى على اللفظ، ومن ذلك مسألتنا في الاستفهام وإذا كانوا قد أتوا بصورة الاستفهام والمعنى غيره، ولم يدخلوا عليه ما يغيره من العوامل اللفظية- فأحرى وأولى أن يغير المعنى
معها، وذلك نحو: أي رجل أنت؟ المعنى: ما أكملك رجلًا! فهو بصيغة الاستفهام، ومعناه/ التعجب؛ ولذلك لا يجاب مثل هذا الاستفهام. وكذلك "شر أهر ذا ناب" هو من تغليب المعنى على اللفظ.
وقد نص الأستاذ أبو الحسن بن الباذش على ما يدل على قلناه، فقال: علمت أزيد عندك أم عمرو، و (لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ) ليس حرف الاستفهام هنا لمعنى الاستفهام لأنه يستحيل أن يستفهم عما أخبر انه يعلمه، وإنما معناه التسوية عند المخاطب لأنك لم تبين له من ثم، وأبهمت عليه، فنقلت بـ "علمت" معنى التسوية من نفسك إلى المخاطب؛ لأنك حين قلت "أزيد عندك أم عمرو" هما مستويان عندك، وإنما تطلب بالاستفهام العلم بأحدهما، فالتسوية أملك بالألف من الاستفهام وأخص؛ لأن الاستفهام لا يخلو من التسوية، والتسوية تخلو من الاستفهام، ويبين أن المراد به التسوية المجردة قوله تعالى (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ).

وكان الأستاذ أبو بكر علي يحكي عن بعض المتأخرين أن هذا الكلام على حذف مضاف، أي: قد علمت جواب هذا الكلام، وكان يراه في بعض أقراءاته.
وقال أبو عثمان المازني: "سأل مروان أبا الحسن الأخفش، فقال: إذا قلت "أزيد عندك أم عمرو" ألست قد علمت أن ثم كونًا ثابتًا، ولكن لا تدري من أيهما هو؟ قال: بلي. قال: فإذا قلت: "قد علمت أزيد عندك أم عمرو" أليس قد علمت ما جهلك؟ قال: بلي. قال: فلم جئت بالاستفهام؟ قال: جئت به لألبس على المخبر من علمت. فقال له مروان: وإذا قلت "قد علمت أنت" أردت أن تلبس عليه لأنه لا يعرف نفسه؟ قال: فسكت. يعني الأخفش. قال أبو عثمان: لا يزيد أن يلبس عليه لأنه يعرف نفسه، ولكنه أردا: قد علمت من أنت أخير أمرك أم شر، كما تقول: قد علمت أمرك، وكقولك: ما أعرفني بك، أي: قد علمت ما تذكر به، أو ما تثلب به". انتهى. فكأنه راجع إلى حذف مضاف، أي: علمت أحوال من أنت، ولذلك أبدل من "أخير أمرك أم شر".
وهذه المسألة - أعني مسألة دخول العلم على ما صورته الاستفهام- كان سألني عنها قاضي القضاة أبو الفتح أبو الفتح محمد بن علي بن مطيع القشيري بديار مصر، فأجبته بما ذكرت، وقد أمعنت الكلام فيها في كتابي المسمى بـ "التذكرة" بأشبع من الكلام هنا.

ص: فصل
يحكى بالقول وفروعه الجمل، وينصب به المفرد المؤدي معناها والمراد به مجرد اللفظ. وإلحاقه في العمل بالظن مطلقًا لغة سليم، ويخص أكثر العرب هذا الإلحاق بمضارع المخاطب الحاضر بعد استفهام متصل، أو منفصل بظرف، أو جار ومجرور، أو أحد المفعولين، فإن عدم/ شرط رجع إلى الحكاية، ويجوز إن لم يعدم.
ش" "القول" مصدر "قال"، ومعناه النطق اللساني/ وينطلق على ما هو موضوع من مفرد وغيره، ولا ينطلق على المهل، فلا يرادف اللفظ، فينطلق على دير مقلوب زيد، ولا رفعج مقلوب جعفر،
خلافًا لبعضهم إذا زعم أن "اللفظ" و"القول" مترادفان. وينطلق أيضًا على الاعتقاد والرأي، تقول: فلان يقول بقول الشافعي، تريد الرأي والاعتقاد؛ لأنه يحكي قوله. وينطلق أيضًا على حديث النفس، قال تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)، وقول الشاعر:
قالت له النفس: إني لا أرى طمعًا وإن مولاك لم يسلم، ولم يصد
ومثال الحكاية بالقول (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا).
وقوله وفروعه هي الماضي، نحو (وَقَالُوا سَمِعْنَا). والمضارع، نحو (يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا). والأمر (قُولُوا آَمَنَّا). واسم الفاعل (وَالْقَائِلِينَ

لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا). وأسم المفعول، نحو قول الشاعر:
تواصوا بحكم الجود حتى عبيدهم مقول لديهم: لا زكاة مال ذبي بخل
وأسم المصدر، نحو: مقالك الله ربنا إقرار بالربوبية.
وقوله وينصب به المفرد المؤدي معناها أي: معنى الجملة، كالحديث والقصة والشعر والخطبة، فتقول: قلت حديثًا، وأقول قصة، وهذا قائل شعرًا وخطبة، هكذا مثل المصنف المفرد المؤدي معنى الجملة.
وقسم أصحابنا المفرد إلى مفرد في اللفظ لا في التقدير، وكفرد في اللفظ والتقدير، فإن كان مفردًا في اللفظ لا في التقدير حكي؛ إذا هو جملة في الأصل، فحكمه حكم الجملة المصرح بجزأيها، قال:
إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامة معتقة مما تجئ به التجر
وروى بنصب طعم، فيكون من حكاية الجملة الفعلية، (التقدير) قلت: ذقت طعم مدامة، وروى برفعه، فيكون من حكاية الجملة الاسمية، التقدير: طعمه طعم مدامة.
وإن كان مفردًا في اللفظ والتقدير: فإن كان مصدرًا عمل فيه النصب، وإن كان أسمًا للجملة عمل فيه، قالوا: كالحق والباطل، فتقول: قال فلان حقًا، وقال فلان باطلًا.

واختلف على ماذا ينتصب هذا: فقيل: إنه نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا لاحقًا. وقيل: ينتصب على أنه مفعول به. وهو اختيار ابن عصفور وأبن الضائع، فالا: لأن "الحق" اسم جامد، والوصف بالجامد لا ينقاس، نحو: مررت برجل حجر الرأس. قال ابن الضائع: "والأولى أن يكون مفعولًا صحيحًا؛ لأن الحق هو المقول، فهو مفعول به صحيح". انتهى.
فإن قلت: إذا قلت:/ قال فلان شعرًا، وقال خطبة، ونحوها، أيجوز أن ينتصب انتصاب المصادر النوعية، نحو: رجع القهقري، وقعد القرفصاء، أم يتعين نصبه على أن يكون مفعولًا به؟
قلت: يظهر الثاني لأنه اسم للجملة، فكما أن الجملة الواقعة بعد القول- وإن كانت محكية- هي في موضع المفعول به، فكذلك الاسم الذي بمعناه- وإن كان مفردًا- أريد به مجرد اللفظ، وهو الذي أراد المصنف بالقول خلاف: منهم من أجازه، ومنهم من منعه. واختار المصنف أن ينصب بالقول،
قال: "كقولك: قلت كلمة". وسلفه في هذا القول الزجاجي والزمخشري وابن خروف، وجعلوا من ذلك قوله تعالى (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)، لو كان مبنيًا للفاعل لقيل: يقول له الناس إبراهيم، أي: يطلقون عليه هذا الاسم.

وقال الزجاجي في الجمل: "وإنما قلنا البعض والكل مجازًا". قال ابن خروف: "نصب البعض والكل على تقدير: وإنما قلنا هاتين الكلمتين؛ لأنك تقول: قلت كلمة، كما تقول قولًا، و"القول" يقع على ما يفيد وما لا يفيد" انتهى. فعلى قول هؤلاء ينصب اللفظ بالقول ولا يحكي.
وقال ابن عصفور: "والصحيح أنه يحكي، ولا يجوز فيه غير الحكاية". قال: "لأن الحكاية إما أن ترجع إلى اللفظ أو إلى المعنى. باطل أن ترجع في مثل (قال زيدًا عمرًا) إلى المعنى؛ لأن عمرًا اسم شخص، والأشخاص ليست من جنس المقول، فلم يبق إلا أن ترجع الحكاية فيه إلى اللفظ. وإذا كان كذلك فينبغي أن يحافظ على لفظ المتكلم- يريد من رفع أو نصب أو خفض- ولا يغير.
وأيضًا فإن هذه المفردات إنما تحكي من كلام المتكلم بها، وباطل أن يتكلم بالمفردات من غير أن يتلفظ بها في جملة، فإذا ثبت أنها مقتطعات من جمل فينبغي أن تعامل معاملة الجمل، وبذلك ورد السماع، قال:
إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامةٍ ...............
وعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله تعالى (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) على تقدير:
يقال له إبراهيم، فحكي. ومن رأى الإعراب في المفرد يحمل إبراهيم على أنه مرفوع بيقال" انتهى.

وقال ابن عصفور أيضًا: "يحتمل أن يكون منادي محذوفًا منه حرف النداء، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، تقديره: أنت إبراهيم. وذهب بعضهم إلى أنه يكون مفعولًا للقول كحق وباطل. وزعم بعضهم انه مرفوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدمه عامل يؤثر في لفظه، إذ القول لا يؤثر فيه قي مهملًا، والمهمل إذ ضم إلى غيره أرتفع، نحو قولهم: واحد، اثنان، برفع (واحد) إذا عدوا، ولم يدخلوا عاملًا في اللفظ ولا في التقدير، وعطفوا بعض أسماء العدد على بعض، وهذا مذهب الأعلم. والصحيح إن المفرد الذي لا يقع من جهة المعنى على الجملة لا يقع بعد القول إلا على إضمار حتى يكون جملة" انتهى.
والذي يقتضيه النظر أنه لا يقع بعد القول اللفظ المفرد الذي لا يؤدي معنى الجملة، ولا يكون مصدرًا، ولا يكون مقتطعًا من جملة، ولا يوجد في كلامهم: قال زيدًا عمرًا، ولا: قال فلان ضرب، من غير إسناد، ولا: قال فلان ليست، وإنما يقع القول في كلامهم لحكاية الجمل، وأما (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) فقد ذكر تأويله، فليس من قبيل: قال فلان عمرًا.
وإذا حكيت الجمل فالأصل أن تحكي كما سمعت لفظ الجملة، فإذا قال زيد: عمرو منطلق، أو: انطلقت، قلت: قال زيد عمرو منطلق/ أو: قال زيد انطلق. ويجوز أن تحكي على المعنى بإجماع، فتقول: قال زيد منطلق عمرو، أو المنطلق عمرو.
فإن كانت الجملة ملحونة حكيتها على المعنى بإجماع، فتقول قول زيد: "عمرو قائم، وقام عمرو"، بخفض عمرو: "قال زيد: عمرو قائم،

وقال عمرو، بالرفع"
واختلفوا في الحكاية على اللفظ أتجوز أم لا، وصحح أبن عصفور أنها لا تجوز، قال: " لأنهم إذا كانوا يحكمون الجملة المعربة على المعنى فينبغي أن يلتزموا حكاية الجملة الملحونة على المعنى" انتهى.
وإذا حكيت كلام متكلم عن نفسه بنحو "انطلقت" فلك أن تحكيه بلفظه من غير تغيير، فتقول: قال فلان انطلقت، ويجوز أن تقول: قال فلان انطلق، أو إنه انطلق، كل هذا جائز.
وقوله والحاقة في العمل بالظن مطلقًا لغة سليم هذه اللغة حكاية أبو الخطاب، قال س" "وزعم أبو الخطاب- وسألته عنه غير مرة- أن ناسا يوثق بعربيتهم- وهم بنو سليم- يجعلون باب قلت أجمع مثل ظننت". وعلى هذه اللغة يروي قول آمري القيس:
إذا ما جرى شأوين، وابتل عطفه تقول هزيز الريح مرت بأثاب
وقوله ويخص أكثر العرب هذا الإلحاق يعني بالإلحاق في العمل بالظن.
وقوله بمضارع احتراز من الماضي، نحو: أقلت زيد منطلق، فلا يجوز فيه إلا الحكاية. وذهب السيرافي إلى جواز إعمال الماضي بباقي شروط المضارع،

فأجاز: أقلت زيدًا منطلقًا. و"س" لم يستثن إلا أتقول، فيظهر منه اختصاصه بالمضارع، وعلى كونه شرطًا أخذه النحويين، فإن سمع من/ كلامهم ذلك في الماضي كان حجه للسيرافي، وإلا فلا يجوز.
واحتراز أيضًا من الأمر، فإذا قلت "قل زيد منطلق" فلا يجوز فيه عند البصريين إلا الحكاية. وزعم الكوفيون أن الأمر من القول للمخاطب يجري مجرى الظن في غير لغة بني سليم، كما يجرون المضارع منه مجرى الظن إذا اجتمعت الشروط التي تكون في المضارع، وأنشدوا:
إن سليمي من تنازع لبه ومن ينازعها فقله وقد خلج
أي: فظنه قد خلع، فإذا استقبلوه بـ "إن" كسروها كما يكسرونها بعد القول، وهذا لا يعرفه الصريون.
وقال الفراء: لم أر العرب أوقعت القول بالنصب في شيء من الفعل إلا في التاء، خاطبت بها أو أمرت، فإنهم يقولون: أتقول زيدًا ذاهبًا.
وقال صاحب اللباب: "للعرب فيه ثلاثة مذاهب: إعماله مطلقًا، إعماله بشرط الخطاب، إعماله بالشروط المذكورة".
وقد تأول بعض أصحابنا قوله "فقله قد خلج". على أنه يحتمل أن يكون الضمير في "فقله" مرفوعًا، والأصل: هو، فسكنت الواو، فإما أن تكون بقيت ساكنة إن كان روي بالسكون، فيكون نظير قوله:

وهو غيث لنا في كل عام يلوذ به المخول والعديم
أو حذفت بعد السكون إن كان روى كذلك، فيكون مثل قوله:
فبيناه بشرى رحله قال قائل ............
وقوله المخاطب احترازًا من أن يكون المضارع مسندًا لغائب ظاهر أو مضمر، أو متكلم، نحو: أيقول زيد عمرو منطلق، وزيد أيقول عمرو منطلق، وأأقول زيد منطلق، فهذا ليس فيه على لغة غير سليم إلا الحكاية.
وقوله الحاضر يعني أن يكون مقصودًا به الحال، هكذا فسر المصنف هذا الشرط، ولم يذكره غيره فيما أعلم، إنما قالوا: يشترط فيه المضارع- والمضارع يكون للحال وللمستقبل- ولم يقولوا: شرط المضارع أن يكون للحال، بل الظاهر من حيث شرط الاستفهام أنه يكون مستقبلًا؛ ألا ترى إلى قوله:
أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا
فليس المعنى على الاستفهام عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه وأحبابه، وإنما هو استفهام عن وقوع ظنه لا استفهام على الظن في الحال.
وقوله بعد استفهام هو اعم من أن يكون بالهمزة أو بغيرها من أدوات الاستفهام، نحو: أتقول زيدًا منطلقًا، حكي الكسائي أنه سمع أعرابيًا يقول: أتقول

للعميان عقلًا، يقول: أتظن لهم عقلًا، ومنه قول عمرو بن معدي كرب:
علام تقول الرمح عاتقي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
وفي رواية من نصب الرمح، وقال لآخر:
متى تقول القلص الرواسما يدنين أم قاسم وقاسمًا
وقوله متصل يعني أداة الاستفهام تتصل بـ "تقول".
وقوله أو منفصل بظرف أو جار ومجرورـ أو أحد المفعولين مثال انفصاله بظرف قول الشاعر:
أبعد بعد تقول الدار جامعة شملي بهم أم دوام البعد محتومًا
ومثال الفصل بالجار والمجرور قولك: أفي الدار تقول زيدًا قائمًا. ومثاله بأحد المفعولين قول الشاعر:
أجهالًا تقول بني لؤي لعمرو أبيك أم متجاهلينا
وظاهر قول المصنف أنه لا يجوز الفصل إلا بأحد ما ذكر، وذكر غيره أنه يشترط ألا يفصل بين أداة الاستفهام وبين الفعل بأجني، قال: "وأعني بالأجنبي

ما ليس معمولًا للفعل، فإن كان معمولًا للقول ظرفًا أو غير ظرف لم يعتد بفصله، وأجرى القول مجرى الظن". فعلى هذا يجوز أن يفصل بينهما بالحال إذا كانت معمولة للفعل، نحو قولك: أمجد تقول هندًا راحلة، يجعل مجدًا حالًا من الضمير المستكن في أتقول. فإن كان الفصل بأجيني- وهو ما ليس يكون معمولًا للفعل- نحو قولك: أأنت تقول زيد منطلق، ولم يجز إجراؤه في لغتهم الظن لفصلك بين الأداة والفعل بأجيني منه لأنه ليس معمولًا له، وهذا على مذهب س والأخفش، لا يجوز فيه عندهما إلا بالرفع على الحكاية.
وذهب الكوفيون وسائر البصريين إلى جواز النصب، ولم يعتدوا بالضمير فاصلًا.
قيل: ووجه قول من لم يعتد هذا الفصل هو أن همزة الاستفهام تطلب الفعل، ف، "أنت" فاعل بفعل مضمر، وذلك الفعل واقع على الأسمين، فينصبهما.
وهذا ليس بجيد لأن الحكم إنما هو للفعل الملفوظ به، وذلك الفعل المقدر لا حكم له إلا العمل في الاسم المشتغل عنه خاصة، وما عدا ذلك من الأحكام والعمل فيما عداه من المعمولات لهذا الظاهر، فـ "أنت" في هذه المسألة محمول على إضمار الفعل، غير أن العمل في المفعولين للظاهر، وهو لم تتصل به أداة الاستفهام، فلا ينبغي أن يعمل عمل الظن في الاسمين.
فرع: إذا فصلت بينهما. بمعمول لها، نحو: أهندًا تقول زيدًا ضاربًا/، فالذي تقتضيه الأصول جواز الإعمال؛ لأنه كما جاز الفصل بالمعمول

يجوز الفصل بمعمول المعمول.
وقد نقص المصنف والنحويين شرط آخر، نبه عليه أبو زيد السهيلي، فقال: "ويعود القول بمعنى الظن بأربعة شرائط، ذكر النحاة منها ثلاثة، والرابعة تدل عليه أصولهم مع استقراء كلام العرب: الأولى أن يكون الفعل لمخاطب.
الثانية أن يكون مضارعًا. الثالثة أن يكون مستفهمًا عنه بأي حرف كان من حروف الاستفهام. الرابعة ألا يعدي الفعل باللام، نحو: أتقول لزيد عمرو منطبق؛ لأنك إذا عديته باللام بعد عن معنى الظن، ولم يكن إلا قولًا مسموعًا؛ لأن الظن من أفعال القلب" انتهى كلامه. ولم يشترط ألا يفصل بما ذكر، ولعله على مذهب من لا يعتبر الفصل البتة.
فرع: إذا جاءت "إن" يعد القول فالذي يقتضيه قياس من أعمله إعمال الظن أن يفتحها كما يفتحها بعد الظن. ومن أجاز الحكاية يعد القول يكسرها كما يكسرها بعد القول عاريًا من شروط الإعمال.
واختلف نقل النحاة عن العرب في ذلك:
فحكي البصريون أن القول إذا أجرى مجرى الظن فتحت "أن" بعده في لغة بني سليم وغيرهم.
وحكي الكوفيون أنها تفتح في لغة سليم، وتكسر في لغة غيرهم. قال الفراء: ليس يفتح أن من العرب في التاء إلا بنو سليم. واحتج بقراءة القراء (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ).

ووجه ما حكاه البصريون أنه لما أجري مجري الظن في نصب المبتدأ والخبر أجري مجراه في فتح أن.
ووجه ما حكاه الكوفيون أن القول لا يجري مجري الظن علي الاطلاق إلا في لغة بني سليم فإنهم لا يشترطون فيه شرطا، فلما استحكم إجراؤه مجري الظن في لغتهم فتحت أن كما تفتح مع الظن،
وأما غيرهم من العرب فلا يجرونه مجري الظن إلا بشروط، فلم يستحكم في لغتهم إجراؤه مجري الظن، فلم يفتحوا إن بعده كما فتحوها بعد الظن؛ لأنها حرف استئناف وابتداء، فلم يقو على فتحها إلا الظن أو إجراؤه مجراه كامل بلا شرط كـ"حسب
واختلف النحويون في القول الذي أجري في العمل مجري الظن، هل أجري مجراه في العمل خاصة أم في العمل والمعني معا:
فذهب الجمهور إلي أنه لا يعمل عمل الظن حتى يضمن معني الظن في اللغة السليمة وغيرها، فإن لم يضمن معني الظن لم يعمل أصلا، ولا تفتح إن بعده، وهذا اختيار أبي الفتح.
ويدل علي اشتراط أن يكون المعني علي الظن ان غير بني سليم اشترطوا تلك الشروط في إعماله لتقويتها معني الظن فيها؛ ألا تري أن الاستفهام يقوي معه معني الظن من جهة أن الاستفهام لا يكون إلا عن مظنون لا عن معلوم.
وكذلك المستقبل، وقوعه مظنون لا مقطوع به، بخلاف الماضي، وكذلك الخطاب أيضا، يقوي معني الظن، وذلك أن الانسان أكثر ما يستفهم عن ظنه لا عن ظن غيره.
والدليل علي أن القول أشرب معني الظن -وإن لم تكن فيه الشروط، وذلك في اللغة السليمة
قول الحطيئة:

إذا قلت أني آيب أهل بلدة حططت بها عنه الولية بالهجر
ألا ترى المعنى: إذا قدرت أو ظنت.
وزعم النحويون أن القول قد يجري مجري الظن في العمل وإن لم يضمن معناه.
واستدل علي ذلك بقول الشاعر:
قالت وكنت رجلا فطينا ... هذا-ورب البيت-إسرائينا
فليس المعني علي طننت؛ لأن هذه المرأة المخبر عنها رأت هذا الشاعر ضبا،
فقالت: هذا إسرائين؛ لأنها تعتقد في الضباب انها من مسوخ بني إسرائيل، وقولها ذلك ليس عن ظن منها، وإنما هو عن اعتقاد اعتقدته، وقطعت به.
وإلى هذا المذهب ذهب الأعلم وأبو الحسن بن خروف، واختاره صاحب البسيط.
قال ابن عصفور:" ولا حجة في ذلك الاحتمال أن يكون القول في البيت غير مجري مجري الظن في العمل، بل يكون"هذا" مبتدأ، و"إسرائين" علي تقدير مضاف محذوف، هو الخبر،
أى: مسخ إسرائين، فحذف المضاف، ولم يقم المضاف إليه مقامه في الإعراب،
على حد قراءة من قرأ {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} بخفض {الآخِرَةَ}.
وقد يمكن أن يكون أراد بـ"قالت"ظنت، وكأنها قالت"هذا إسرائين" معتقدة أن الضباب من مسوخ بني إسرائين، ولم يكن اعتقادها ذلك عن دليل قاطع-جعل ما اعتقدته من ذلك ظنا منها"انتهى.
وعلي إعمال"قالت"في الاسمين أنشد المصنف هذا البيت:
علي لغة بني سليم.
وإسرائين لغة في إسرائيل.

وقوله: فإن عدم شرط رجع إلي الحكاية تقدم تبيين ذلك.
وقوله وتجوز عن لم يعدم أي: تجوز الحكاية بعد"أتقول" وإن كانت الشروط كلها موجودة، فليس إعمالها إعمال الظن واجبا، بل جائز، فتقول:
أتقول زيد منطلق.
وكذلك في لغة سليم، ليس العمل إعمال الظن عندهم واجبا، بل جائز،
وأنشدوا بالوجهين قول الشاعر:
علام تقول الرمح يثقل عاتقي ...........
وقوله:
.................. تقول هزيز الريح مرت بأثأب
فالحكاية مراعاة للأصل، والعمل لما شابه من الظن.
وعلى الحكاية قراءة من قرأ بالتاء {أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ}، و"أم" بمعني بل والهمزة، المعني بل أتقولون إن إبراهيم.
وأما من قرأ بالياء فقد فات/شرط من شروط إعمالها إعمال الظن، وهو الخطاب، فلا يجوز فتح إن فيه إلا علي لغة سليم.
ص: ولا يلحق في الحكاية بالقول ما في معناه، بل ينوى معه القول، خلافا للكوفيين.
وقد يضاف:"قول" و"قائل" إلي الكلام المحكي.
وقد يعني القول فى صله وغيرها عن المحكي لظهوره، والعكس كثير.
وإن تعلق بالقول مفرد لا يؤدي معني جملة، ولا يراد به مجرد اللفظ-حكي مقدرا معه ما هو به جملة، وكذا عن تعلق بغير القول.

ش: الذي في معنى القول هو النداء والدعاء ونحوهما،
فإذا وقعت بعد ناديت أو دعوت أو وصيت أو قرأت جملة فلا تحكى بهذه، بل يضمر القول بعد الفعل،
نحو: {ونَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا}.
{فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}.
{دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا}.
{ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}.
وأنشد الفراء:
إني سأبدي لك فيما أبدي لي: شجنان: شجن في نجد
وشجن لي في بلاد الهند.
فهذه المواضع ونحوها محكية عند البصريين بقول محذوف.
أي: فقال يا بني، وقال لَنُهْلِكَنَّ، وقالو لَئِنْ أَنجَيْتَنَا، وقالو لِيَقْضِ، وأقول لي شجنان.
قال المصنف: وهو الصحيح لأن حذف القول استغناء عنه بالمقول مجمع عليه في غير محل النزاع كقوله" فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم".
أى فيقال: فحذف لدلالة المعني عليه، فحذفه في محل النزاع أولي لأنه مدلول عليه بدلالتين:
معنوية، ولفظية.
وأيضا بقاء المحكي وحذف القول نظير بقاء المفعول وحذف الفعل، وذلك في الكلام كثير، فيلحق به النظير.
وأيضا فقد جاء القول مصرحا به، فدل علي صحة التقدير عند عدم التصريح، نحو قوله {ونَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم قَالُوا

مَا أَغْنَى عَنكُمْ} {ونَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ} {إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًا قَالَ رَبِّ} انتهى.
وقوله" وأيضا بقاء المحكي وحذف القول نظير بقاء المفعول وحذف الفعل"
ليس نظيرا، بل هو منه لأن المحكي هو مفعول، فكان الأجود أن يقول: وإبقاء المحكي وحذف الفعل من باب بقاء المفعول وحذف الفعل.
والذى يظهر أن قول الكوفيين أرجح لأنه ليس فيه إضمار، ولأنه يكون في الفعل تكرار؛ لأنه يؤدى إلي صدور نداء وقول، ووحى وقول، ونفس النداء والدعاء والوحي هو معني القول، فقد حصل التكرار وإن لم يكن تكرار، فيلزم ما نودي به وما دعي به وما أوحي محذوفا، وأنت تري مصب النداء/ علي قوله {يَا بُنَيَّ ارْكَب}،ومصب الوحي على {لَنُهْلِكَنَّ}، ومصب الدعاء على قوله {لَئِنْ أَنجَيْتَنَا}، لا علي غيرها.
فينبغى أن يعتقد فيها أن الجمل معمولة لها إذ هي محكية بها.
وأما حيث صرح بالقول بعد هذه الأفعال وشبهها فيضطر إذ ذاك على جعل الجمل محكية بالقول.
وينبغي أن يعتقد أن تلك الأفعال معمولاتها محذوفة، وأن مصبها غير مصب القول؛ لئلا
يلزم من ذلك تكرار الفعل.
وأيضا فإن تلك الأفعال هي أخص من مطلق القول، فلا يكون القول مفسرا لها.
والذى يدل علي عدم الإضمار أن"أن" التفسيرية جاءت بعد هذه

الأفعال، نحو قوله {فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا}،
ولو كان القول مضمرا لما جيء بـ"أن" التفسيرية؛ لأنهما لا تأتي بعد القول، ولكنه لما كان لهذه الأفعال اعتباران:
أحدهما: مراعاة دلالتها أولا- وهي أنها لا تدل علي مطلق القول-احتيج إذ ذاك إلي تفسير، فجيء بعدها بـ"أن" المفسرة لذلك الفعل.
والثاني: شبهها بالقول من حيث هي قول مخصوص، أجريت مجري القول، فحكي بها.
وإلى اختيار مذهب الكوفيين ذهب ابن عصفور، قال:"وقد يجري مجري القول، فتحكي بعده الجمل (رأيت وسمعت) وكل فعل معناه القول،
نحو قرأت ودعوت وناديت، ومنه {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}، بكسر (إني)، وكذلك تقول: قرأت بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ،
ومنه قول الشاعر:
تنادوا بـ "الرحيل غدا" وفي ترحالهم نفسي
برفع الرحيل.
ومنه بيت ذي الذمه:
سمعت " الناس ينتجعون غيثا" ........................ "
وما قاله ابن عصفور هو اختيار ابن الضائع وقوله: قال وقد ذكر أن سمعت ورأيت يحكى بهما،
قال: " ويجري مجراه كل فعل معناه القول، كقرأت

ودعوت وناديت، قال تعالى {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ} فيمن كسر إن،
وتقول: قرأت الحمد لله، وبالحمد لله
ومنه: تنادوا بـ (الرحيل غدا) البيت.
وقوله وقد يضاف القول وقائل إلى الكلام المحكي وذلك أن قولا هو مصدر، فكما أن المصدر يضاف إلى مفعوله فكذلك القول، وذلك إذا كان يتقدر بحرف مصدري والفعل،
ومن ذلك قول الشاعر:
قول يا للرجال ينهض منا ... مسرعين الكهول والشبانا
وأما "قائل" فهم اسم فاعل، حكمه حكمه، فحيث تجوز إضافة اسم الفاعل تجوز إضافة "قائل"، ومن ذلك قول الشاعر:
وأجيب قائل كيف أنت بصالح ... حتى مللت، وملني عوادي
ومن روى "بصالح" بالرفع فتقديره: بقول أنا صالح، فحذف القول، وأقيمت الجملة مقامه، ثم حذف صدر الجملة، وبقى عجزها.
وقوله وقد يغني القول في صلة وغيرها عن المحكي لظهوره مثاله في الصلة
قوله:
لنحن الألى قلتم، فأنى ملتئم ... برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا
أى: قلتم تقاتلونهم أو نقاتلهم.

ومثاله في غير صلة قال المصنف: "قولك: أنا قال زيد، ولو رآني لفر، أى: قال زيد يغلبني"
قال المصنف: "ومن الاستغناء في الصلة بالقول عن المحكي قول الشاعر:
لم يا عرو لم تعذ بالذي قلـ ... ـت، فتلقاه إذ خذلت نصيرا"
انتهى.
وتقديره بالشخص الذي قلت أنا أعوذ به، أو إنك تعوذ به.
وقوله والعكس كثير يعني الاستغناء بالمحكي عن القول، نحو {أَكَفَرْتُم}، {سَلامٌ عَلَيْكُمْ}، {مَا نَعْبُدُهُمْ}،
أى: فيقال لهم أَكَفَرْتُم، ويقولون سَلامٌ ويقولون مَا نَعْبُدُهُمْ.
وقد تقدمت الإشارة إلي حذف القول وإبقاء الجملة المحكية في أول الفصل الذي هو آخر فصول باب المبتدأ.
وقوله وإن تعلق إلي قوله ما هو به جملة وذلك المقدر قد يكون ناصبا وحذف، كقوله {قَالُوا سَلامًا}، أو ما يقتضي المرفوع، كقوله {قَالَ سَلامٌ}.
فيجوز أن يكون مبتدأ-أي: عليكم سلام-حذف خبره، أو خبرا-أي: تحيتكم سلام-وحذف مبتدؤه.
ويجوز في العربية رفعهما، ونصبهما، ورفع الأول

ونصب الثاني، وهو عكس الآية،
وقال الشاعر:
مررنا، فقلنا: إيه سلم! فسلمت ... كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح
وقوله وكذا إن تعلق بغير القول
أى: تضمر ناصبا إن كان ذلك المفرد منصوبا، أو ما يطلب الرفع بحالتيه من مبتدأ أو خبرإن كان مرفوعا، وذلك إن تعلق المفرد بغير قول.
فيحكي ذلك النصب أو الرفع لأنه بعض جملة، فلو كان على خاتم منقوشا "محمد"، وعلقت به قرأت أو رأيت أو لمحت وشبهها-
لقلت: قرأت في خاتمة محمد، فترفع علي حسب مراد الناقش ذلك في خاتمة، ويقدر ما يفهم من مراده،
أى: صاحبه محمد، أو: محمد صاحبه
ولو كان المنقوش"محمداً" بالنصب لقلت: قرأت في خاتمه محمداً، فتنصب على حسب/مراد الناقش؛ إذ الحكاية مستولى عليه في الوجهين.
ومن ذلك قول الشاعر:
وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح علي وجهه جعفرا
وصف دينارا نقش فيه اسم جعفر البرمكي، كأنه قال: يلوح على وجهه اقصدوا جعفرا،
أي: هذا الكلام، فأسند"يلوح" إلى الجملة، والجملة فاعل "يلوح".

وإذا كان الفعل مما يمكن تعلقه بالخط وبالصورة فإنه تكون فيه الحكاية باعتبار الخط فقط، والإعراب باعتبار الصورة فقط، بخلاف ما إذا كان تعلقه باللفظ، كسمعت أو قرأت، أو بالخط ككتبت
ومثاله: رأيت في خاتمه أسداً.
فإن كان المرئي صورة أسد فلا يجوز فيه إلا الإعراب.
كما تقول: رأيت زيدا، وهو مجاز؛ إذ المرئي ليس أسدا حقيقة، ولا يوصف إذ ذاك إلا بوصف مرئي
فتقول: رأيت فيه اسدا مفتوح الفم.
ولا يوصف بوصف معنوي في الأسد الحقيقي
فلا يقال: رأيت فيه أسدا شجاعا، ولا أسدا أبخر، ولا أسدا خبيثا؛ لأن هذه الأوصاف لا تقوم بالأسد المصور.
وصفته علي حسب إعرابه
فتقول: في خاتمه أسد مفتوح الفم، ونظرت في خاتمه إلي أسد مفتوح الفم، [ورأيت في خاتمه أسدا مفتوح الفم]،و"في خاتمه" يتعلق رأيت، ويجوز أن يتعلق بمحذوف إذ كان صفة للأسد، فلما تقدمت كان فى موضع الحال.
وإن كان المرئي خطأ فتقدمت أحكامه، وأنه يحكى بحسب الإعراب المقدر فيه؛ لأن المفرد ليس مصدرا ولا اسما للجملة لا يصح فيه إعراب إلا بتقدير تركيب جملة.
فيحكي كما تحكي سائر الجمل، فإذا قلت"رأيت خاتمه أسدا" فنصبه بإضمار فعل، ورفعه بإضمار مبتدأ، ائتوا أسدا، وما أشبهه، وأنا أسدا، وما أشبهه مما تدل عليه حال صاحب الخاتم.
ولا يوصف مثل هذا إلا بـ"مكتوب" أو "مكتوبه" أو ما في معناها.
فإذا انثت ذهبت إلى الجملة، وإذا ذكرت ذهبت إلى الكلام.
فتقول: رأيت في فصه أسداً مكتوبا أو مكتوبة، وهما منصوبان علي الحال.
وكذلك: رأيت في فصه أسدٌ

مكتوبًا أو مكتوبة, لأن الجملة تصير بمنزلة العلم, وعومل بذلك لأنه ليس له ما يلتبس به.
قال ابن الضائع: "ليس هذا التعليل بشيء, ألا ترى أن شمسًا ونحوه نكرة وإن لم يكن له ما يلتبس به, وإنما كان معرفة لأنه اسم للفظ المكتوب, كما تقول: "قام فعل ماض", فـ "قام" اسم علم للفظ, وكذلك "أسد" هنا اسم علم مكتوب, والمعنى فيهما التعريف, وهو ظاهر من قصد المتكلم, وإرادة التنكير به بعيد, فإن اقترن به ما يقربه جاز, ويكون (مكتوبًا) صفة" انتهى.
قال ابن عصفور: "إن قيل: لم لم يقل ذهب إلى معنى الاسم أو الكلمة؟
فالجواب: أنه ليس في هذا الموضع باسم مفرد, بل هو جملة, ولو كان مفردًا لم تجز حكايته إذ حكاية المفرد شاذة, لا يقاس عليها, نحو "دعنا من تمرتان", و"ليس بقرشيا", والمجرور الذي هو "في فصه" متعلق بـ (رأيت) لا بمحذوف, لأنه - كما تقدم - إنما يحكى على معنى الجملة, ومعنى الجملة ليس بكائن في فصه, وإنما في الفص هذا الاسم خاصة, وهو على حذف, وذلك المحذوف مقدر في النفس, وليس في الفص شيء, والمحذوف مبتدأ, وهو: أنا, والذي هو (أسد) خبره".
قال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "لا فرق عندي بين المسألتين", يعني مسألة "رأيت في فصه أسدًا" على معنى الصورة, وعلى معنى الكتابة, قال: "بل يجوز أن يكون المجرور مع الجملة ظرفًا للجملة, كما هو ظرف للصورة, لأنك إذا قلت (رأيت أسدًا) إنما معناه: هذا الكلام, و (أسد) وحده ليس كلامًا, لكنه مع

ذلك المقدر كلام, وأنت لم تر إلا الاسم فقط لا ذلك المقدر, فكما أنك تقول: رأيت أسدًا, ومعناه (هذه اللفظة) التي هي في هذا الموضع جملة, فكذلك الفص ظرف لهذه اللفظة التي هي جملة من غير فرق في ذلك, وبهذا ينفصل عن اعتراض أن المرئي ليس ألا الاسم, فكيف تحكي الجملة وأنت لم ترها, لأن هذا الاسم المفرد جملة في هذا الموضع, فرؤية هذا الاسم المفرد رؤية للجملة, لأنه جملة هنا, فكذلك الفص ظرف لهذا الاسم الذي هو جملة, لا فرق بينهما" انتهى.
والبيت الذي تقدم إنشاده "وأصفر" أنشده شيخنا ابن الضائع "وأحمر", قال: وأنشده (يلوح) بالياء, أي: يظهر على وجهه, فـ (جعفرًا) محكي, فنصب (جعفر) في الدينار إنما هو على تقدير: اقصدوا جعفرًا, فحكي, وأنشده الفراء بالتاء, واستشهد به على لحت الشيء بمعنى أبصرته, فيجوز على هذا أن يكون (جعفرًا) محكيا, ويجوز أن يكون (جعفرًا) مفعولًا صريحًا, كأنه أراد: تبصر على وجهه ضاربة, ويجوز أن يكون (جعفرًا) فاعلًا, أي: تلوح على وجهه هذه الجملة, ويجوز مع الياء أن يكون فاعل (يلوح) ضميرًا يعود على الدينار, و (جعفرًا) محكي فاعل بالمجرور, وهو في موضع نصب على الحال.

-[ص: فصل
تدخل همزة النقل على "علم" ذات المفعولين, و"رأى" أختها, فتنصبان ثلاثة مفاعيل, أولها الذي كان فاعلًا, ويجوز حذفه, والاقتصار عليه على الأصح, وللثاني والثالث بعد النقل ما لهما قبله مطلقا, خلافًا لمن منع الإلغاء والتعليق.]-
ش: هذه الهمزة تسمى همزة النقل, وهمزة التعدية, فتسمى همزة النقل لأنها تنقل الفعل من اللزوم إلى التعدية لواحد, ومن التعدية لواحد إلى التعدية إلى اثنين, ومن التعدية إلى اثنين إلى التعدية إلى ثلاثة, وذلك أقصى ما يتعدى إليه الفعل من المفعول به, وتسمى همزة التعدية لأنها تعدي بدخولها اللازم إلى واحد, والمتعدي لواحد إلى أثنين, والمتعدي إلى اثنين إلى ثلاثة.
وقوله ذات المفعولين احتراز من "علم" المتعدية إلى واحد كـ "عرف", فإنها إن نقلت بالهمزة تعدت إلى اثنين, نحو: أعلمتك الحساب.
وقوله و"رأى" أختها أي: بمعنى علم المتعدية إلى اثنين, واحترز بذلك من "رأى" المتعدية إلى واحد بمعنى أبصر, فإنها إن نقلت بالهمزة تعدت إلى اثنين, نحو: أريتك زيدًا.
وقوله فتنصبان ثلاثة مفاعيل الأحسن أن يضبط "ثلاثة" بالتنوين, لأن "مفاعيل" صفة, ولا يضاف العدد إلى الصفة إلا في الشعر أو في قليل من الكلام, بل تتبع الصفة اسم العدد في الإعراب, فتقول: عندي ثلاثة قرشيون, وكان الشيخ بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النحاس الحلبي - رحمة الله - نبه على ذلك في قوله س " هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين"

حين قرأت عليه كتاب س, فقال: "ينبغي أن يضبط (إلى ثلاثة) بالتنوين, لأن (مفعولين) صفة لـ (ثلاثة) ".
وقوله أولها الذي كان فاعلًا لأن الفعل كان قبل دخول الهمزة: علم زيد عمرَا قادمًا, ثم لما أدخلت الهمزة صار: أعلمت زيدًا عمرًا قادمًا, وكذلك في (رأى) أختها.
وقوله ويجوز حذفه, والاقتصار عليه في الأصح مثاله أن تقول: أعلمت كبشك سمينًا, فتحذف المعلم, ومثال الاقتصار عليه: أعلمت زيدًا, وتحذف المفعولين, جرى هذا المفعول الأول في الحذف والاقتصار عليه مجرى المفعول الأول في باب (أعطى) بجامع ما اشتركا فيه من كونه فاعلًا في المعنى, كما جاز ذلك في كل مفعول أثر فيه الفعل, ولأن الفائدة لا تعدم في حذفه وإبقاء المفعولين, إذ من غرض المتكلم أن يعلم بالمفعولين, ولا يذكر المعلم, ومن غرضه أن يذكر المعلم, ولا يذكر ما أعلمه به.
وذكر المصنف جواز الحذف والاقتصار عليه في الأصح, وهي مسألة خلاف كما ذكر, والذي اختاره هو مذهب أبي العباس, وأبي بكر, وابن كيسان, وخطاب الماردي, والأكثرين, وروي عن المازني, فيجوز الاقتصار عليه وعنه لأنه لا يرتبط بهما, ولا يرتبطان به, فصار مثل كسوت, وعرفت زيدًا, واحتج خطاب بقوله تعالى} قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ {.
وقال أبو علي: "هذا لا يدل, وذلك أنه قد يجوز أن يكون عامله معاملة

الأصل, وأصله /الخبر, فجرى مجرى خبرني, كما أن رأيت - وإن دخلها معنى أخبرني - فإن ذلك لن يخرجها من احتياجها إلى المفعولين, فهذا يحتج به من لم ير الاقتصار فيها على المفعول الأول دون صاحبيه" انتهى.
وأقول: ليست الآية مما يستدل به على ما زعم خطاب, لأن هذا الحذف للمفعولين والاقتصار على الفاعل ليس بحذف اقتصار, وإنما هو حذف اختصار, وهو جائز, و (نبأ) في الآية على بابها, ليست مضمنة معنى أعلم, ألا ترى إلى تعديتها أولًا بالباء في قوله} فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ {: نبأها بإفشائه عنه قالت من أنبأك هذا عني} قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ {, أي: نبأني عنك به العليم الخبير.
وإلى جواز حذف الأول وإبقاء الأخيرين, وحذف الأخيرين وإبقاء الأول ذهب شيخنا أبو الحسن بن الضائع وأبو جعفر بن الزبير.
وذهب س إلى أنه لا يقتصر عنه ولا عليه, والأول في أعلم كالفاعل في علم, فكما لا يقتصر على الفاعل في علم كذلك لا يقتصر في أعلم, وبهذا قال ابن الباذش, وابن طاهر, وابن خروف, والأستاذ أبو علي, وابن عصفور, وهو قياس قول أبي الحسن الأخفش - لا بد من الثلاثة - لأنه يرى الفاعل في أعلم لا يقتصر عليه, وعلمت وظننت في ذلك سواء, واحتج لذلك بأنها كلم دخلت لمعنى في الخبر, وما كان كذلك لا بد له من الخبر, مثل كان وحروف الابتداء.

قال الفارسي: فإن قيل إنها جملة, فتستغني مثل الجمل التي يتعلق بمعناها ما بعدها لا يستغني, كجملة القسم والشرط وما يحتاج إلى جواب, إلا أن هذا ينخرم بما ذكره س في: ظننت ذاك,} وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ {, و"من يسمع يخل", إلا أن يجعل ورود مثل هذا قليلًا, وقد كثر غيره, ولا يحمل على القليل, وكان الفارسي يستحسن هذا المذهب في "الحلبيات" وغيرها من كتبه.
ونقل عن الأستاذ أبي علي انه ذهب إلى أنه لا يجوز أن يقتصر على الأول, فتقول: أعلمت زيدًا, ولا عليه وعلى أحد الأخيرين, ويجوز الاقتصار على الأخيرين وحذف الأول, فتقول: أعلمت كبشك سمينًا, فصارت المذاهب ثلاثة: مذهب الجمهور, ومذهب س ومن تبعه, ومذهب الأستاذ أبي علي.
وذكر بعض معاصرينا - وهو عبد العزيز بن جمعة بن زيد الموصلي - من نحاه بغداد ما نصه: "والأظهر انه لا يجوز حذف المفعول الأول من هذا الباب لأنه فاعل في المعنى, ولأنه يؤدي إلى اللبس في نحو: أعلمت زيدًا عمرًا عاقلًا.

ومنهم من أجازه لأنه فضله, وأما حذف الأخيرين فجائز على الأصح لأنهما في حكم مفعولي ظننت".
والذي نختاره هو أن يرجع في ذلك إلى السماع, فإن وجد محذوفًا مبقى المفعولان دونه اقتصارًا, أو مبقى هو محذوفًا مفعولا الفعل - أجزناه, وإلا فالمنع.
وفي البسيط: وكان ابن السراج لا يجيز الاقتصار في هذا المتعدي إلى الثلاثة, ويجوز فيها دخول الباء, فيقول: أعلمتك بزيد, كما في: علمت به, ولا تدخل على الأول كما لا تدخل في ضربت بزيد, ويقع بدلهما أن وأن على نحو ما تقدم في ظننت, ولا يكون ذلك في صيرت وأخواتها لقوة المفعولية.
وقوله وللثاني والثالث بعد النقل ما لهما قبله مطلقًا يعني من جواز حذفهما وحذف أحدهما اختصارًا, ومنع حذفهما وحذف أحدهما اقتصارًا, ومن التقديم والتأخير, وغير ذلك من الأحكام التي سبقت لـ "علمت" وأخواتها, إجماعًا واختلافًا وتقسيمًا.
وقوله خلافًا لمن منع الإلغاء والتعليق ذهب قوم إلى منع الإلغاء والتعليق في أعلم وأخواتها مطلقًا, سواء أبنيت للفاعل أم بنيت للمفعول, وخص بعضهم ذلك بالمبني للفاعل, وهو اختيار الجزولي.
وقال الأستاذ أبو على: "المذهب الصحيح أنه لا يجوز الإلغاء عن المفعولين, سواء أبني للفاعل أم للمفعول, والعلة في أن لم تلغ هذه الأفعال إذا

بنيت للفاعل من كونها أفعالًا مؤثرة, بخلاف ظننت وبابه, موجودة فيها إذا بنيت للمفعول كوجودها إذا بنيت للفاعل, فكيف توجد العلة ثم لا يوجد حكمها, ولكن غر الجزولي ذكر س أرى, وهي مضارع أريت بمعنى أظننت, فتخيل أن باقي أفعال الباب كأرى", قال: " وإنما جاز إلغاء أرى وحدها لأنها بمعنى أظن, وأظن غير مؤثرة, فجرت مجراها في الإلغاء كما جرت مجراها في المعنى".
قال المصنف في الشرح: "وحاصل قول الأستاذ أبي على أمران:
أحدهما: أن أعلم مؤثر, فلا يلغى, كما لا تلغى الأفعال المؤثرة.
والثاني: أن أرى ألغي لأنه بمعنى أظن, فوافقه في الإلغاء كما وافقه في المعنى.
والجواب عن الأول أن يقال: من أجاز أعلم لم يجزه بالنسبة إلى المعلم, فيكون في إلغائها محذور, وإنما أجازه بالنسبة إلى المسند والمسند إليه, وهما غير متأثرين بأعلم, كما هما غير متأثرين بعلم, فلا يمتنع إلغاء أعلم عنهما, كما لم يمتنع إلغاء علم.
والجواب عن الثاني أن يقال: إلحاق أرى بأظن لأنه بمعناه ليس بأولى من إلحاق أعلمت بعلمت, بل الأمر بالعكس, لأن مفهوم علمت مستفاد من أعلمت كاستفادة مفهوم أظن من أرى, فالمناسبتان مستويتان, وبين أعلمت وعلمت مناسبتان أخريان, وهما: رجوعهما إلى مادة واحدة, واستواؤهما في التصرف, بخلاف أرى وأظن, لأنهما مختلفتان في المادة وفي التصرف, أما التخالف في المادة فظاهر, وأما في التصرف فلأن أرى لم يستعمل له ماضٍ, فقد

بان أن مناسبة أرى لأظن أضعف من مناسبة أعلمت لعلمت, وأرى قد جرت مجرى أظن, فإذا جرت أعلمت مجرى علمت كان ذلك أحق وأولى" انتهى.
وما ذهب إليه من أن أرى لم يستعمل منه ماض ليس بصحيح, نص على ذلك س, ولقلة اشتغال المصنف بكتاب س غاب ذلك عنه, وسيأتي ذكر ذلك في آخر هذا الباب.
وقال أبو الحسين بن أبي الربيع: " لا يجوز الإلغاء في أعلم وأخواتها لأن مبني الكلام عليها, ولا تجيء بعد ما مضى الكلام على الابتداء فتلغى, ولا أعلم في هذا خلافًا" انتهى, وقد علمه غيره كالأستاذ أبي علي والمصنف.
وفي البسيط: " أما الإلغاء في هذه فلا يكون لأنها عاملة في المفعول الأول لا بالنسبة, فليس أصلها ترك العمل بمنزلة ما تقدم من تلك الأفعال, وذلك ظاهر في أعلمت, لأنه لا يبقى بعدها كلام تام لأجل المفعول الأول إذ لا يكون مبتدأ, ولأن صير وبابه ليس من أفعال القلوب كما تقدم, ولا يصح إلغاء أعلمت عن المفعولين وإعمالها في الأول لأنه حكم بقوة وضعف معًا, ولا يكون, وجوزه الجزولي" انتهى.
وقال عبد العزيز بن جمعة: "ولا يجوز تعليقها ولا إلغاؤها ولا إضمار الشأن فيها, فإن المفعول الأول معلم, وضمير الشأن لا يتصور إعلامه لكونه مجهولًا" انتهى.
والحكم في هذا السماع, وهذه الأقيسة كلها طائحة, لكنا ذكرناها لئلا يخلو كتابنا عن علل النحاة وأقيستهم, وقد سمع الإلغاء في أعلم متوسطة,

قال الشاعر:
وكيف أبالي بالعدا ووعيدهم وأخشى ملمات الزمان الصوائب
وأنت - أراني الله - أمنع عاصم وأرأف مستكفى وأسمح واهب
فألغى أرى متوسطًا, ومثله قول بعض من يوثق بعربيته: البركة - أعلمنا الله - مع الأكابر.
وأما التعليق فاختار المصنف جوازه, واستدل على ذلك بقوله تعالى {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} , وقوله تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} , فعلى ينبئ وأدرى لأنهما بمعنى يعلم وأعلم, فتعليقهما لتضمنهما حروف يعلم وعلم أحق.
قال المصنف: "ومن تعليق أفعال هذا الباب قول الشاعر:
حذار, فقد نبئت إنك للذي ستجزى بما تسعى, فتسعد أو تشقى
وقال صاحب الملخص: "أما التعليق فاختلف فيه: فمنهم من أجاز أعلمت زيدًا لعمرو شاخص مستدلًا بقوله تعالى {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} , ومنهم من ذهب إلى أنها لا يكون فيها تعليق, وجعل الآية بمنزلة قوله تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} ,

فقوله {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} جملة تفسير الموعود] به [, وكذلك {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير المنبأ به, وعلى هذا أكثر النحويين, وهو عندي المختار" انتهى كلامه.
وممن أجاز التعليق عن المفعولين صاحب البسيط فيما كان من أفعال القلوب, نحو أعلمت, واستدل بالآية {إِذَا مُزِّقْتُمْ} لا جائز أن ينتصب بخبر إن, ولا بـ"يُنَبِّئُكُم"؛ لأنه يكون تقييدًا للتنبيء, لا على الظرف, ولا على الاتساع, بل بإضمار فعل, تقديره: تعلمون ذلك إذا مزقتم, وفصل به على سبيل الاعتراض.
وجعل المصنف {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} من تعليق أدرى بمعنى أعلم.
ولا حجة فيه على ذلك؛ لأن الأكثر في كلام العرب تعدية درى بحرف جر, تقول: دريت به, والأقل تضمينها معنى علم, فتقول: دريت زيدًا قائمًا, كما تقول: علمت زيدًا قائمًا, وإذا كان كذلك, ودخل عليها همزة التعدية - تعدت إلى واحد بنفسها, وإلى الآخر بحرف جر, كما هو الأكثر فيها قبل دخول همزة التعدية, قال تعالى {وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ} , فقوله تعالى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} ليس قوله {مَا يَوْمُ الدِّينِ} سادا مسد المفعولين, فيكون بمنزلة أعلم في ذلك, وإنما سدت مسد المفعول الذي يتعدى إليه بحرف الجر, فهي جملة في موضع النصب, تنوب عن مفعول واحد, أصله بحرف الجر, والدليل على أن أدرى لا يكون في التعدية إلى ثلاثة كأعلم أن الذين استقروا كلام العرب من جميع النحويين والبصريين إنما أنهوها إلى سبعة أفعال, ولم يذكروا فيها أدرى بمعنى أعلم.

-[ص: وألحق بهما سيبويه نبأ, وزاد غيره أنبأ وخبر وأخبر وحدث, وزاد الأخفش أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد, وألحق غيرهم أرى الحلمية سماعًا.
وما صيغ للمفعول من ذي ثلاثة فحكمه حكم ظن إلا في الاقتصار على المرفوع.]-
ش: المجمع على تعديته إلى ثلاثة أعلم وأرى, وزاد س نبأ, قال المصنف: "وزاد غيره أنبأ" , وذكر ابن هشام أن س زاد نبأ وأنبأ, وذكر أبو علي: والجرجاني هذه الأربعة فقط, وزاد الفراء أخبر وخبر, ذكر ذلك في معانيه, وزاد الكوفيون حدث, قالوا: ولم يحفظ عن العرب مما يتعدى إلى ثلاثة غيرها, وهذا يدل على خلاف ما ذهب إليه المصنف من جعل أدرى متعدية إلى ثلاثة كما ذكرناه قبل.
وما زاده الفراء والكوفيون من أخبر وخبر وحدث لم يحص عند س, أو لم يسمعها, أو تأول ما سمع منها, ولم يذكرها المتقدمون من البصريين, وقد ذكرها جماعة من المتأخرين كالزمخشري وأكثر أصحابنا, وقياسها إذا صحت أن تكون محمولة على أعلم.

وذكر الحريري في (شرح الملحة) له فيما يتعدى إلى ثلاثة "علم" المنقولة بالتضعيف من علم المتعدية لاثنين.
والذي ذكر أصحابنا أن "علم" المتعدية إلى اثنين لم تنقل إلا بالهمزة, وأن "علم" المتعدية إلى واحد لم تنقل إلا بالتضعيف ليفرق بذلك بين المعنيين, ولم توجد "علم" متعدية إلى ثلاثة في لسان العرب.
وقال صاحب اللباب: "المستعمل من ذلك بلا خلاف أعلم وأرى, فأما أنبأ ونبأ فإلى واحد بنفسه, وإلى ثان بحرف جر, وأخبر وخبر وحدث كنبأ, وإنما تعدت إلى ثلاثة تشبيهًا بأعلم, وقد ذهب بعضهم إلى أن أنبأ تتعدى لاثنين بنفسها مستدلًا بقوله {مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا} , ولا دليل فيه لأن استعماله بحرف الجر أكثر".
وقال ابن ولاد: "أنبأ ونبأ يستعملا كثيرًا على أصلهما, فتقول: أنبأته عن كذا, وبكذا, وكذا نبأ", قال: "وتستعمل أعلم استعمالهما, فتقول: أعلمت زيدًا بأمرك, وعن خبرك".
وكان الأستاذ أبو علي يقول في بعض إقراءاته بالثلاثة التي ذكر س, وهي أعلم وأرى ونبأ, ويقول في أنبأ وخبر وأخبر وحدث: إن الأصل تعديتها بحرف الجر, فإن سمع تعديها صريحًا فاتساع, وزعم أن حدث إنما سمعوا تعديتها إلى ثلاثة في قول الشاعر:
أو منعتم ما تسألون, فمن ... حدثتموه, له علينا الولاء
قال: ولا دليل فيه لأنه إنما وصل بالتضمين, وإذا لم يكن يصل بنفسه إلا

في هذا فلا دليل فيه, بل يكون كقوله:
إذا رضيت على بنو قشير ..............................
والظاهر من كلام س أن نبأ يتعدى إلى اثنين, ثانيهما بحرف جر, قال س: "وكما قال: نبئت زيدًا, يريد: عن زيد".
وقال أبو العباس: "نبئت يتعدى لمفعولين كأعلمت, فيكون الأول مفعولًا, والجملة في موضع الثاني, ولا يدعى إسقاط الحرف لأنه لا يقاس".
رد عليه أبو علي, فقال: "سمع الإسقاط, والأصل حر الجر, والتعدي إلى ثلاثة هو فرع, وإذا احتمال أصلًا وفرعًا حمل على الأصل". انتهى.
واستدل المبرد على أن نبأ يتعدى إلى ثلاثة, أحدهما المفعول الذي لم يسم فاعله, والثاني والثالث مبتدأ وخبر - بقول الشاعر:
ونبئت عبد الله بالجو أصبحت كرامًا مواليها, لئيمًا صميمها
فكيف يستدل س على أن نبئت زيدًا هو على حذف حرف الجر - أي: عن زيد - بهذا البيت؟ ولا حجة له فيه إذ هو تعدى فيه إلا ثلاثة.
قال أصحابنا: وما قاله المبرد خطأ لأن س لم يستدل بالبيت على ما ذكر, بل العرب تقول: نبئت زيدًا, على معنى: نبئت عن زيد, وأورد س البيت على أنه محتمل أن يكون قد حذف منه حرف الجر؛ لأن تعديته إلى ثلاثة إنما هي

بالتضمين معنى ما يتعدى إلى ثلاثة, والتضمين ليس بقياس, بل هو تجوز, وحذف حر الجر مجاز, فتكافأ عنده.
ومما جاء دليلًا على ما ذكروا من تعدية هذه الأربعة الأفعال إلى ثلاثة قول الشاعر:
نبئت زرعة - والسفاهة كاسمها - يهدي إلى غرائب الأشعار
وقول الآخر:
ونبئت قيسًا - ولم أبله كما زعموا - خير أهل اليمن
وقول الآخر:
وخبزت سوداء القلوب مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
وقول الآخر:
ماذا عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يومًا أن تعوديني
وقول الحارث بن حلزة:
أو منعتم ما تسألون ... البيت.
واختار المصنف في الشرح ألا تلحق هذه الأفعال الأربعة في التعدي بأعلم؛ لأنه لا يكون من باب إسقاط حرف الجر, كما قال س فيما حكى عن بعض العرب نبئت زيدًا, أي: عن زيد, واقتصر عليه, وكما جاء في قوله {مَنْ

أَنبَأَكَ هَذَا} , فحذف حرف الجر بعد نبأ مقطوع بثبوته, ويعد أنبأ؛ إذ لا يمكن أن يكون الثالث محذوفًا مقتصرًا على المفعولين؛ لأن الثالث هو خبر للمبتدأ على ما زعموا أنها تتعدى إلا ثلاثة, ولا يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الخبر, ويكون المنصوب الثالث منصوبًا على الحال, وكذلك الجملة الواقعة الموقعة.
قال المصنف: "وقد حمل س على حذف الحرف قول الشاعر:
ونبئت عبد الله , البيت.
مع إمكان إجرائه مجرى أعلمت, فدل ذلك على أن تقدير حرف الجر راجح عنده؛ إذ ليس فيه إخراج شيء عن أصله, ولا تضمين شيء معنى شيء, ولم يثبت الإجراء مجرى أعلم إلا حيث يحتمل حذف الحرف, فكان الحمل عليه أولى, هذا في نبأ مع كثرة استعمالها بالصورة المحتملة, وأما أخواتها فيندر استعمالها بتلك الصورة", قال المصنف: "هذا أراه أظهر وإن كان غيره أشهر" انتهى.
وما قرره من أن هذه الأفعال الأربعة لا تلحق في التعدي بأعلم يعكر على استدلاله أن أعلم يجوز فيها التعليق عن مفعوليها مستدلًا بقوله تعالى {يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} , وبقوله:

حذار, فقد نبئت إنك للذي, البيت.
لأن نبأ هذه المعلقة ليست تتعدى إلا ثلاثة؛ إذ لم يثبت لها ذلك, فلا يكون في تعليقه على صحة ثبوته دليل على تعليق أعلم وأرى, فقد ناقض المصنف في الاستدلال على أن التعليق يجوز فيما يتعدى إلا ثلاثة, وزعم هنا أن ما استدل به على التعليق لا يتعدى إلا ثلاثة, وهذا تناقض واضح.
ومن ذكر أن نبأ وأنبأ وأخبر وخبر وحدث تتعدى إلا ثلاث جعل ذلك من باب التضمين, وأن الهمزة والتضعيف ليس في هذه الأفعال للنقل والتعدية, بل الكلمة بنيت عليهما, ولم تقل العرب نبأ ولا خبر ولا حدث بمعنى علم فتتعدى إلى اثنين, وإنما نقلوا نبأ خفيفة بمعنى أخبر, فتتعدى تعديتها.
ووقع لأبي علي الفارسي في (الإيضاح) أن هذه الأفعال منقولة بالهمزة أو بتضعيف العين من الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين, ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر, وليس منهما ما نقل بالهمزة إلا أعمل وأرى, وما عداهما مضمن معنى أعلم عند من يقول بتعديها إلى ثلاثة.
وأجاب بعضهم عن أبي علي بأنه اعتقد أن ما عدا أعلم وأرى منقول من فعل متعد إلى مفعولين, أصلهما المبتدأ والخبر, وإن لم ينطق به, كما أن يذر ويدع مضارعان لـ"وذر" و "ودع" وإن لم ينطق بهما, والذي حمله على ذلك أنهما لما أجريت مجرى أعلم, فعديت تعديتها - وجب أن تجعل منقولة كما أن أعلم كذلك, وادعاء التضمين أسهل من هذا الذي ذكر.
وفي البسيط: "خبر وأخبر ونبأ وأنبأ وحدث استعملت في كلامهم على

ثلاثة أنحاء: متعدية إلى اثنين, أحدهما بحرف الجر, نبأت زيدًا عن حال عمرو, والثاني إلى اثنين {مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا} , والثالث إلى ثلاثة.
واختلفوا: فقيل: هي أصل فيما يتعدى إلى ثلاثة, وقيل: أصل فيما يتعدى إلى اثنين, وقيل: هي أصل فيما يتعدى إلى واحد وإلى الثاني بحرف الجر.
والمضعف منها أو بالهمزة قيل: هي أصل بنفسها, ليس منقولة من فعل آخر تضعيفًا ولا بالهمزة لفظًا ولا تقديرًا؛ لأنه لم يسمع لها بأصل, وقيل: لا يبعد في المعنى أن يكون لها أصل لا يتعدى, فيدل على قيام الخبر بالنفس كما تقول ظننت, ثم أردت الخبر عند غيرك, فتعدى في المعنى, واستغنى عنه بغيره, فيكون مما لم ينطق لها بأصل كمذاكير ونحوه" انتهى وفيه بعض تلخيص.
وقوله وزاد الأخفش أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد هذا الذي ذكره الأخفش هو اختيار أبي بكر بن السراج, قال أبو بكر: تقول: أظننت زيدًا, فتسكت, كما تقول: أعلمت زيدًا, وهذا الذي ذكره الأخفش هو قياس, لا أنه مسموع من العرب, بل قاس ذلك على علم ورأي, فكما أنه نقل بالهمزة علم ورأى فكذلك يجوز ذلك في أخواتهما, والذي يظهر من مذهب س أن النقل بالتضعيف سماع في المتعدى واللازم, وبالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي, ومن النحويين من ذهب إلى أن ذلك مقيس في التضعيف

والهمزة فيهما, ومنهم من ذهب إلى السماع فيهما.
وقد رد مذهب الأخفش بأن الهمزة إنما يتعدى بها اللازم ليلحق بالمتعدي لواحد, والمتعدى لواحد ليلحق بما يتعدى إلى اثنين, وليس لنا ما يتعدى إلى ثلاثة بالأصالة فيلحق بها ما يتعدى إلى اثنين, فكان القياس ألا يعدى أعلم وأرى, لكن سمع فيهما التعدية على خلاف الأصل, فقبل, ولم يقس عليهما غيرهما, وقد وافق الأخفش على منع: أكسيت زيدًا عمرًا ثوبًا.
وفي البسيط: التعدية بالتضعيف وحرف الجر ليس قياسًا, فلا يقاس على ما سمع منه وأما الهمزة فأربعة مذاهب:
1. ليس بقياس كالتضعيف والحرف.
2. قياس في كل فعل, وهو مذهب الأخفش والأعلم.
3. قياس من كل فعل إلا في باب علمت, وهو رأي أبي عمرو وغيره.
4. قياس من كل فعل غير متعد لم تدخله الهمزة لمعنى ما, وقيل: هذا رأي س, قال: "ليس كل فعل بمنزلة أولني, فلا تقول أخذني" أي: اجعلني أخذًا.
ويظهر من كلامه في موضع آخر أنه قياس؛ لأنه ذكر أن الهمزة للتعدية, وذكر أمثلة, وقال: هو كثير, ومستند القياس الكثرة , وهو ظاهر رأي أبي علي.
ومما كتب عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير: أجاز الأخفش النقل في

الأفعال كلها قياسًا فيما لا يتعدى, وفيما يتعدى إلى واحد, وفيما يتعدى إلى اثنين, والمبرد لا يجيزه قياسًا, ويقف على السماع, والفارسي يجيزه فيما لا يتعدى وفيما يتعدى إلى واحد قياسًا؛ لأن لهما أصلًا في الأفعال يشبهان به, ولم يجزه فيما يتعدى إلى اثنين لأنه ليس له أصل يشبه به؛ لأن ما يتعدى إلى ثلاثة فرع؛ إذ هو منقول, وأما س فأحسن ما فهم عنه أنه يجيز النقل فيما لا يتعدى, فيصير متعديًا إلى واحد قياسًا, مع أن من الناس من فعم عنه منع ذلك, بل يقف عن السماع, على نحو مذهب المبرد.
وقوله وألحق بعضهم أرى الحلمية سماعًا قال المصنف في الشرح: "ومما ينبغي أن يلحق بأعلم وأرى أختهما أرى الحلمية, كقوله تعالى {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} , فإنه قد ثبت إجراء رأي الحلمية مجرى رأي العلمية - واستدللت على ذلك فيما سلف - فلزم من ذلك تعديتها إلا ثلاثة بهمزة النقل مع مساعدة الاستعمال, كما لزم ذلك في الفعلين الآخرين لصحة الاستعمال, وكان التنبيه عليها لثبوتها سماعًا دون معارض أولى من التنبيه على ما لم يثبت إلا بما فيه معارضة واحتمال.
وأما أرى المنقولة من متعد إلى واحد فمتعدية إلى اثنين, ثانيهما غير الأول, وهي على ضربين: أحدهما من الرأي, كقوله تعالى {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ} , والثاني من رؤية البصر, كقوله تعالى {مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ}

انتهى كلامه.
وما ذهب إليه من أن أرى الحلمية تتعدى إلى ثلاثة سماعًا مستدلًا بقوله {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} ليس بجيد؛ لأنا قد نازعناه في ثبوت أن رأى الحلمية تتعدى إلى اثنين كلعمت, وبينا أن استدلاله على ذلك بقوله {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} , وبقول الشاعر:
أراهم رفقتي , البيت.
لا حجة فيه, ولئن سلمنا أن رأى الحلمية تتعدى إلى اثنين فلا يلزم من ذلك أن تعدى بالهمزة إلى ثلاثة؛ ألا ترى أن ظن وزعم وحسب ووجد تتعدى إلى اثنين, ولا يجوز أن تعدى بالهمزة إلى ثلاثة, وإنما اضطر في رأى الحلمية لذلك على زعمه لتعديها إلى ضمير متصل, وقد رفعت الضمير المتصل, فاضطر إلى القول بذلك, وأما في قوله تعالى {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} فهذا المعنى مفقود, فانتصاب {قَلِيلًا} على الحال, والذي يدل على أنه حال جواز الحذف فيه والاقتصار على المنصوبين قبله, فتقول: أراني الله في منامي زيدًا, وكذلك قبل همزة النقل تقول: رأيت في منامي زيدًا, فلو كان مفعولًا ثالثًا لما جاز حذفه اقتصارًا؛ لأنه لا يجوز حذف الخبر اقتصارًا.
وقوله وما صيغ للمفعول إلى آخره يعني أنه إذ ذاك يصير كظننت, فما جاز في ظننت جاز في أعلمت, قال المصنف: "إلا في الاقتصار على المرفوع, فإنه غير جائز في ظن وأخواتها لعدم الفائدة, جائز في أعلم وأخواتها لحصول الفائدة" انتهى.

وهذا على ما اختاره, وقد تقدم الخلاف في الاقتصار على فاعل ظننت وأخواتها, وأن في ذلك ثلاثة مذاهب, وتقدم أيضًا الخلاف في الاقتصار على فاعل أعلم الأول, والخلاف جار فيها إذا بنيت للمفعول, ومثال ذلك: أعلمت زيدًا قائمًا, وحدثت زيدًا منطلقًا, فأعلمت إعلام, وحدثت إخبار, وفعل واحد ليس إعلامًا ولا إخبارًا, وهو أريت بمعنى أظننت, فأريت لم ينطق لها بفعل مبني للفاعل متعد إلى ثلاثة, فهو مبني من فعل مسند للفاعل لم ينطق به, ولم ينطق أيضًا بأظننت الذي أريت بمعناها, وحكم المضارع حكم الماضي في ذلك, فتقول: أرى زيدًا ذاهبًا, ونرى زيدًا ذاهبًا, وقد نص س وغيره من النحويين على أنه فعل بني للمفعول, ولم يبن للفاعل, وهو في معنى أظن, ولا يكون مفعولها الأول إلا ضمير المتكلم على أكثر ما سمعت ماضية, نحو أريت, ومضارعًا نحو أرى ونرى, ويكون أيضًا ضمير المخاطب, نحو قولهم: كم ترى الحرورية رجلًا, ونحو قوله تعالى {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} في قراءة من ضم التاء.

الصفحات [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] [63] [64] [65] [66] [67] [68] [69] [70] [71] [72] [73] [74] [75] [76] [77] [78] [79] [80] [81] [82] [83] [84] [85] [86] [87] [88] [89] [90] [91] [92] [93] [94] [95] [96] [97] [98] [99] [100] [101] [102] [103] [104] [105] [106] [107] [108] [109] [110] [111] [112] [113] [114] [115] [116] [117] [118] [119] [120] [121] [122] [123] [124] [125] [126] [127] [128] [129] [130] [131] [132] [133] [134] [135] [136] [137] [138] [139] [140] [141] [142] [143] [144] [145] [146] [147] [148] [149] [150] [151] [152] [153] [154] [155] [156] [157] [158] [159] [160] [161] [162] [163] [164] [165] [166] [167] [168] [169] [170] [171] [172]  المجلد[6]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب أفعال المقاربة

العنوان الحالي : باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر

العنوان التالي : باب الفاعل  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة