التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب الفاعل
وهو المسند إليه فعل أو مضمن معناه, تام, مقدم, فارغ, غير مصوغ للمفعول, وهو مرفوع بالمسند حقيقة إن خلا من "من" و "الباء" الزائدتين, وحكما إن جر بأحدهما, أو بإضافة المسند, وليس رافعه الإسناد, خلافًا لخلف, وإن قدم ولم يل ما يطلب الفعل فهو مبتدأ, وإن وليه ففاعل فعل مضمر يفسره الظاهر, خلافًا لمن خالف.]-
ش: لما كان الكلام بنعقد من مبتدأ وخبر, وينشأ عنه نواسخ, ومن فعل وفاعل, وينشأ عنه الفعل والمفعول الذي لم يسم فاعله, وفرغ من المبتدأ ونواسخه - شرع في باب الفاعل, فحده بأنه "المسند إليه فعل", والمسند إليه أعم من أن يكون ظاهرًا أو مضمرًا, مصرحًا باسميته أو مقدرًا, فمثال المقدر أن وأن وما ولو عند من يثبت ذلك, فتقول: يعجبني أنك تقوم, وأن تقوم, وما قمت, و:
ما كان ضرك لو مننت ... ............
التقدير: قيامك, ومنك, ولا يقدر بالاسم إلا حرف مصدري مع ما دخل عليه, وهذا مذهب أبي العباس وأبي علي وجمهور البصريين, لا يكون عندهم الفاعل إلا اسمًا أو مقدرًا به مع ما ذكر.
وذهب هشام وثعلب وجماعة من الكوفيين إلى أنه يجوز أن يسند الفعل للفعل, فأجازوا: يعجبني يقوم زيد, وظهر لي أقام زيد/ أم عمرو.

واستدلوا بقوله {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ} , وقول الشاعر:
وما راعني إلا يسير بشرطة وعهدي به قينا يفش بكير
وقول الآخر:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري لا أخالك راضيًا
وذهب الفراء وجماعة إلى جواز ذلك بشرك أن يكون العامل فعلًا قلبيًا.
والصحيح المنع, وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول الكتاب, وأمعنا الكلام هناك في قوله "وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه".
وقال المصنف في الشرح: "الفاعل يكون اسمًا, وغير اسم, كقول الشاعر:
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهابًا
وكقول الآخر:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها أم بلت حيث تلاطم البحران"

قال: "فلذلك قلت: المسند إليه, ولم أقل: الاسم المسند إليه". ويظهر منه مذهب هشام ومن ذكره معه؛ لأن البيت الذي هو:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها ....................
هو نظير ما أجازه هشام من قوله: ظهر لي أقام زيد أم عمرو.
والصحيح أنه لا يجوز, فينبغي تأويل البيت على ما يخرجه عن ظاهره, وإلا عد من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه.
وفي البسيط: "احتجوا بوقوعه مفعولًا, نحو: ظننت زيدًا يضرب, فيكون فاعلًا, وبأنه يكون بـ (أن) باتفاق, ولا زيادة لها في المعنى, وليس لها في اللفظ تأثير, ولا يخرج الفعل عن كونه فعلًا, فليجر دونها, ولأنه يقع بدلها الإشارة إليها, فتقل: وقع ذلك, وقيل ذلك, فتشير نحو جملة فناب عنها, ولا ينوب إلا عما يصح هناك, ولأنها تقام مقام المفعول الذي لم يسم فاعله في نحو: قيل إن زيدًا منطلق, ونحوه, وهو كالفاعل, وقال {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} , وقال {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} , وهو فاعل.
وأجيب عن الأول بأنه على التشبيه, والأصل الابتداء, وعن الثاني بأنها دخلت للشك في المعنى ولإرادة المصدر, وبأن الإشارة ليست لها, إنما هي لمعنى الجملة, ولأن فعل القول عمل نصبًا معنى, فكان رافعًا معنى, وبأن الآية على التعليق, كما في الاستفهام في: سواء على أقمت أم قعدت, وطأ حرف التعليق للفعل, كما في: ظننت ليقوم زيد, فلا يجوز دون التعليق, وفي الآية

إضمار, أي: بدا لهم أمر أو بدو, فأضمره لدلالة الفعل عليه, وكذلك: قيل لهم قول هو هذا, وتبين لكم تبين" انتهى, وفيه بعض تلخيص.
وقوله أو مضمن معناه الذي يرفع الفاعل غير الفعل هو اسم الفاعل وما أجرى مجراه في العمل من الأوصاف والجوامد بشرط الاعتماد, والصفة المشبهة وغير المشبهة, والأمثلة, والمصدر المنحل بحرف مصدري والفعل, والاسم الموضوع موضع الفعل مصدرًا كان أو غير مصدر, واسم الفعل, والظرف والمجرور إذا اعتمدا, خلافًا للأخفش في الاعتماد؛ لأنه لا يشترطه لا في اسم الفاعل ولا في الظرف والمجرور.
وقوله تام احتراز من أن يكون ناقصًا, نحو كان وأخواتها, وقد سمي مرفوعًا س فاعلًا, ومنصوبها مفعولًا على سبيل التوسع.
وقوله مقدم هذا حكم من أحكام الفاعل, فذكره في الحد لا يناسب, إنما يحد بالأشياء الذاتية, ولكونه حكمًا وقع فيه الخلاف: فذهب البصريون إلى أنه يجب تقديم العامل على الفاعل, وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك, واستدلوا بقول الشاعر:
فظل لنا يوم لذيذ بنعمة فقل في مقيل نحسه متغيب
وبقول الآخر:

ولا بد من عوجاء تهوى براكب إلى ابن الجلاح شيرها الليل قاصد
ويقول الآخر:
ما للجمال, مشيها وئيدًا أجندلًا يحملن أم حديدًا
وأنشده المصنف: سيرها وئيدًا, قالوا: التقدير: فقل في مقيل متغيب نحسه, وقاصدًا سيرها؛ إذ لو لم يكن التقدير هذا لقال: قاصدة؛ لأنه صفة لعوجاء, ووئيدًا مشيها.
وتأول البصريون هذا السماع على أن "نحسه" مرفوع بـ"مقيل", و"مقيل" مصدر وضع موضع اسم الفاعل, يقال: قال نحسه: إذا سكن, كأنه قال: فقل في مكان أو في زمان سكن نحسه وغاب, فيكون معناه ومعنى "متغيب" واحدًا.
وقيل: نحسه: مبتدأ, ومتغيبي: هبر على أن الياء ياء النسب, دخلت في الصفة للمبالغة, كما قالوا في أحمر: أحمري, وفي دوار: دواري, وخفف الياء في الوقف, كما قال:
............................. وبذاك خبرنا الغداف الأسودي
فيمن رواه كذلك, يريد: الأسودي.
وقيل: مقيل اسم مفعول من قلته بمعنى أقلته, أي: فسخت عقد مبايعته,

فاستعمل موضع متروك مجازًا, قال المصنف في الشرح: "وهو قول ابن كيسان".
وأما "سيرها الليل" فمبتدأ وخبر, وقاصد صفة لعوجاء على حذف التاء, كما قالوا: ناقة ضامر, ويحتمل أن يكون قاصد صفة لراكب, و"سيرها الليل" جملة اعتراضية, لا في موضع الصفة العوجاء.
وأما "مشيها وئيدًا" فمشيها بدل من الضمير المستكن في قوله للجمال؛ لأنه في موضع خبر المبتدأ الذي هو "ما" قال المصنف في الشرح: "يجعل سيرها مبتدأ, ويضمر خبر ناصب وئيدًا, كأنه قال: ما للجمال سيرها ظهر وئيدًا, أو ثبت وئيدًا, فيكون حذف الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظير قولهم: حكمك مسمطًا, ولو كان مما لا يمكن تأويله لحمل على أنه مما تقدم فيه الفاعل على العامل ضرورة".
وثمرة الخلاف تظهر في نحو: الزيدان قام, والزيدون قام, فالكوفيون يحيزون ذلك, والبصريون لا يحيزونه, هكذا ذكر الخلاف في هذه المسألة أصحابنا, وابن الذهان في (الغرة) , وكذا ذكر ابن كيسان عن ثعلب ما يدل على جواز ذلك.
وقد رأيت في بعض التعاليق عن أبي القاسم الزجاجي أنه قال: "أجمع النحويون على أن الفاعل إذا قدم على فعله لم يرتفع به, فقال البصريون: يرتفع بالابتداء, ويصير الفعل خبرًا عنه, وضميره في الفعل يرتفع به, وللكوفيين فيه

ثلاثة أقوال: قال بعضهم: زيد يرفع بالمضمر الذي في قام, وقال آخرون: هو رفع بما عاد عليه من ذلك المضمر, وقال آخرون: هو رفع بموضع قام؛ لأن الموضع موضع خبر, وبه كان يقول ثعلب, ويختاره" انتهى ما لخصناه من كلام الزجاجي.
وقوله فارغ قال المصنف في الشرح: "وخرج بـ"فارغ" المبتدأ إذا قدم خبره وفيه ضمير, ونحو: قائم زيد, {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} على القول بأن {الَّذِينَ ظَلَمُوا} مبتدأ مقدم خبره" انتهى.
ولا يحتاج إلى هذا القيد أصلًا؛ لأنه ذكر في حد الفاعل أولًا أنه "المسند إليه فعل أو مضمن معناه" فبعد أن فرض أنه مسند إليه ما ذكر من الفعل أو المضمن معناه لا يمكن ذكر "فارغ" في القيد؛ لأن قائمًا من قولك "قائم زيد" على تقدير أنه خبر مقدم لم يسند لـ"زيد", إنما أسند إلى ضميره, وكذا (أسروا) على هذا التقدير لم يسند إلى {الَّذِينَ ظَلَمُوا} , إنما أسند لضميرهم, ولا فرق بين أن تقول "ما أسند إليه الفعل" وبين أن تقول "ما فرغ له الفعل" فلا حاجه إلى قوله بعد ذلك "فارغ".
وقوله غير مصوغ للمفعول احترز به من نحو: ضرب زيد, فإن المفعول الذي لم يسم فاعله يشرك الفاعل فيما ذكر إلا في هذا الوصف, وقد يطلق عليه

بعض النحويين فاعلًا.
وقوله وهو مرفوع بالمسند حقيقة إن خلا من "من" و "الباء" الزائدتين المسند هوا ما عددناه قبل من أن يرفع الفاعل, ومعنى حقيقة أي: لفظًا ومعنى.
وقوله إن جر بأحدهما مثاله {مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ} , أي: ذكر, {وَكَفَى بِاللَّهِ} , أي: كفى الله.
وقوله أو بإضافة المسند مثاله {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ} قال المصنف في الشرح: "وقلت بإضافة المسند, ولم أقل (بإضافة المصدر) لأن المسند الصالح للإضافة قد يكون اسم مصدر كما يكون مصدرًا, فالمصدر ظاهر, وغير المصدر كقول النبي صلى الله عليه وسلم (من قبلة الرجل امرأته الوضوء) , فالرجل مجرور اللفظ مرفوع المعنى بإسناد (قبلة) إليه, فإنهما قائمة مقام تقبيل, ولذا انتصب بها المفعول, وكذا المجرور بمن والباء, مرفوع معنى, ولو عطفت أو نعت لجاز في المعطوف والنعت الجر باعتبار اللفظ, والرفع باعتبار المعنى". انتهى.
وجمهور البصريين لا يرون أن اسم المصدر يعمل, فإن صح (من قبلة الرجل امرأته الوضوء) فالنصب في (امرأته) يكون بمضمر, تقديره: يقبل امرأته, ولا يكون موضع الرجل رفعًا, بل هو مجرور, فكان الأولى على طريقة الجمهور أن يقول: أو بإضافة المصدر, وسيأتي حكم اسم المصدر في (باب إعمال المصدر)

إن شاء الله.
وفي البسيط" ((الفعل يدل على الفاعل المطلق, فاحتاج إلى التعيين. واختلفوا في دلالته عليه:
فقيل: هي كدلالته على مطلق الزمان والمصدر, وليست دلالته عليه بأضعف من المصدر والزمان, ولذلك كان الرتبة عليهما, وأقل ذلك أن يكون مثلهما؛ إذ لا يكون منهما.
وقيل: إنما يدل عليه بالالتزام؛ لأنه لما دل على وجود شيء في زمان, وذلك الشيء معنى؛ لأن المصادر معان, والمعان لابد لها من محال, فدل على المحل بهذا الطريق كما دل على المكان, ولا نسلم أن دلالته ليست بأضعف؛ لأن دلالته على المصدر لفظية, وعلى الزمان صيغة, وليس الفاعل أحدهما, والاستدلال بعدم الاستغناء لا يدل على ذلك, بل على نقيضه؛ لأن ما دل عليه لا يحتاج إلى ذكره, فدل على أن الاحتياج إلى الفاعل ليس لقوة الدلالة بل لحصول الإفادة.
وإذا ثبت أنه يدل عليه- وهو لا يخلو/ من أحوال- فهل يعين أحدها بوجه من وجوه الدلالات أم لا, فقيل: يعين ما كان أصلا للأسماء, كالإفراد والتذكير, ولذلك يحتاج مع غيرهما إلى زيادة في الفعل. والظاهر أنه لا يدل على ذلك, كما لا يدل على جنسيته لأنها أصل للتعيين, بل على المطلق في المصدر والزمان, بل إنما اسقطت منه العلامات لما سيأتي ذكره)) انتهى.
وقوله وليس رافعه الإسناد, خلافا لخلف اختلفوا في رافع الفاعل:
فذهب بعضهم إلى أنه بالمبتدأ, وذلك أنه يخبر عنه بفعله كما أن المبتدأ

يخبر عنه بالخبر. ورد بأن الشبه معنى, والمعاني لم يستقر لها عمل في الأسماء.
وذهب بعضهم إلى أنه كونه فاعلا في المعنى. ونسبة القتبي إلى خلف. ورد هذا المذهب بقولهم: مات زيد, وما قام عمرو.
وقال المصنف: وقد نسب إلى خلف أن العامل هو الإسناد, قال: ((الإسناد نسبة بين المسند والمسند إليه, وليس عملها في أحدهما بأولى من عملها في الآخر؛ لأن العمل لا ينسب إلى المعنى إلا إذا لم يوجد لفظ صالح للعمل, والفعل موجود, فلا عدول عنه)) انتهى.
وذهب س إلى أن الرافع هو الفعل المسند إليه مفرغا له, أي: مفتقرا, وذلك أن الفعل أبدا طالب للفاعل, لا يستقر منه مع المفعول كلام حتى يكون فاعل, فإذا أخذ الفاعل استقل به, ولم يفتقر إلى المفاعيل, قال س: ((يرتفع المفعول كما يرتفع الفاعل لأنك لم تشغل الفعل بغيره, وفرغته له, كما فعلت ذلك بالفاعل)) , فظاهر كلام س أنه مرفوع بالفعل المفرغ, ولم يقل (ارتفع بالإسناد) لأنه ينبغي على أن يرتفع المفعول المذكور بعد الفاعل؛ لأن الفعل مسند إليه, فإنما ارتفع بالفعل المفرغ, ولما لم يكن مفرغا للمفعول لم يرتفع, فإذا فرغ له ارتفع. وإلى مذهب س ذهب المصنف, قال: ((رافع هو ما أسند إليه من فعل أو مضمون معناه)).
وقوله وإن قدم ولم يل ما يطلب الفعل فهو مبتدأ الضمير في ((قدم)) لا يصلح أن يعود على المسند إليه الفعل أو ما ضمن معناه, لأنه لا يصح تقديمه مع كونه معمولا له, وإنما يعني: وإن قدم الاسم, وتأخر الفعل- كان الاسم مبتدأ, وبطل عمل الفعل لما تأخر لأنه تعرض لدخول العوامل النواسخ عليه, نحو: إن

زيدًا قام, فتأثر زيد بأن دليل على أن قام مشغول عنه بفاعل مضمر, وأن الرفع السابق فيه قبل دخول إن كان بالابتداء, وهو عامل ضعيف, ولذلك نسخة العامل اللفظي لقوته, ولو كان مشغولا/ بالفعل لا بضميره لما برز في تثنية وجمع, وسيأتي لحاق علامة التثنية والجمع لهذا الفعل وهو متقدم إن شاء الله. وتقدم مذهب الكوفيين في جواز تقديم الفاعل على فعله وتأويل ما احتجوا به.
وقوله وإن وليه ففاعل فعل مضمر يفسره الظاهر أي: وإن ولي الاسم ما يطلب الفعل. والذي يطلب الفعل على قسمين: منه ما يطلبه على جهة اللزوم, ومنه ما يطلبه على جهة الأولى. فالأول نحو أدوات الشرط كلها, والثاني نحو أدوات الاستفهام, فإذا قلت: إن زيد قام أكرمتك, وأزيد قام؟ كان ارتفاع زيد على أنه فاعل بفعل محذوف يدل عليه الظاهر, كأنه قال: إن قام زيد قام أكرمتك, وأقام زيد قام, إلا أنه لم يرد هذا القسم الأخير وإن كان ((ما يطلب الفعل)) يشمله, وإنما عنى ما يطلب على اللزوم؛ لأنه لا خلاف بين النحويين في جواز إعراب (زيد) من قولك ((أزيد قام)) مبتدأ, و ((قام)) في موضع الخبر, فلم يتعين أن يكون فاعل فعل مضمر يفسره الظاهر وإن كان هو الأرجح في الإعراب.
ومثل المصنف هذه المسألة بقوله} وإنْ أَحَدٌ مِنَ اَلمُشْرِكْيِنَ اسْتَجَارَكَ {, وبقول الشاعر:
فمتى واغل ينبهم يحيو هـ, وتعطف عليه كأس الساقي

فسوى بين المسألتين, وليستا بسيين؛ لأن مثل} وإن أحد من المشركين استجارك {فصحيح مقيس, وهو أن يرتفع الاسم بعد إن بفعل محذوف يفسره الظاهر, لكن له شرط, وهو أن يكون الفعل ماضيا في اللفظ أو منفيا بـ ((لم)) فإن كان مضارعا فلا يجوز ذلك إلا في الشعر, نحو: إن زيد يقم أقم معه, وأما غيره (إن) من أدوات الشرط فلا يليه الاسم إلا في الشعر, مثل البيت الذي أنشده.
وقوله خلافا لمن خالف الخلاف راجع إلى المسألتين, قال المصنف: ((فبعض الكوفيين أجاز في زيد قام أن يكون مرفوعا على الفاعلية)) انتهى. وحكاه أصبحنا عن الكوفيين.
والمسألة الثانية خالف فيها الأخفش, فأجاز في إن زيد قام عمرو الرفع بالابتداء, وقال الأخفش: ((الرفع على فعل مضمر أقيس الوجهين)). قال: ((وزعموا أن قول الشاعر:
أتجزع إن نفس أتاها حمامها ........................................
لا ينشد إلا رفعا, وقد سقط الفعل على شيء من سببه, وهذا قد ابتدئ بعد (إن) , وإن شئت جعلته رفعا بفعل مضمر)). هذا نصه.
قال المصنف في الشرح: ((وأجاز الأعلم وابن عصفور رفع

وصال بيدوم في قوله:
/ ........................ وقلما وصال على طول الصدود يدوم
لا بفعل مضمر, ويكون هذا من الضرورات)) انتهى.
((قل)) إذا لحقتها ((ما)) , وكان معناها على النفي المحض لا على مقابلة ((كثر))
- اختصت بالفعل, ولا يليها غيره, وهل هي فعل أو حرف, في ذلك نظر, والأظهر أنها فعل لثبوت ذلك فيها قبل لحوق ((ما)) واستعمالها للنفي المحض, لكنها لما استعملت استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل لم يكن لها فاعل.
وهذا الذي نسبه المصنف للأعلم وابن عصفور هو قول س؛ لأنه جعله من المستقيم القبيح الذي وضع في غير موضعه, وقد مثل س المستقيم القبيح في باب الاستقامة والإحالة بقوله ((كي زيد يأتيك)) , ولا وجه لهذا إلا تقديم الفاعل على الفعل, وكذلك هذا. وقال س لما ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل, وذكر قلما, قال: ((وقد يقدمون الاسم في الشعر قال:
صددت, فأطولت الصدود, وقلما وصال على طول الصدود يدوم))
فهذا نص من س على أن الاسم فيه مقدم, وأما من حمله على إضمار فعل فلا يتنزل كلام س عليه.

-[ص: وتلحق الماضي المسند إلى مؤنث, أو مؤول به, أو مخبر به عنه, مضافا إليه مقدر الحذف- تاء ساكنة, ولا تحذف غالبا إن كان ضميرا متصلا مطلقا, أو ظاهرا متصلا حقيقي التأنيث غير مكسر ولا اسم جمع ولا جنس. ولحاقها مع الحقيقي المقيد المفصول بغير ((إلا)) أجود, وإن فصل بها فبالعكس.]-
ش: مثال المسألة الأولى قامت هند.
وقوله أو مؤول به يريد: او مذكر مؤول. بمؤنث, مثاله ((فلان لغوب أتته كتابي فاحتقرها)) قيل للعربي الناطق بهذا: كيف تقول جاءته كتابي؟ فقال: أو ليس الكتاب بصحيفة, فأول المذكر بالمؤنث لما كان بمعناه. وهذا الذي ذكر أنه إذا أول المذكر بمؤنث فإنه تلحق الفعل المسند إليه التاء لا يجوز إلا في قليل من الكلام حملا على معنى التأنيث, وتذكيره هو المعروف, وقد نص النحويون على أن قوله:
......................... سائل أسد ما هذه الصوت
من أقبح الضرائر لأن فيه تحريف اللفظ ورد الأصل المذكر إلى الفرع وإن كان الصوت مؤولا بالصيحة. وكذلك قوله:
أتهجر بيتا بالحجاز , تلفعت به الخوف والأعداء من كل جانب
أي: تلفعت به المخافة.

وقوله أو مخبر به عنه أي: أو مخبر بمؤنث عن مذكر, نحو قوله تعالى} ثُمَّ لَمْ تَكُنْ إلا أَنْ قَالُوا {في قراءة من قرأ بالتاء./ قال المصنف: ((الحق المصنف: ((ألحق التاء بالفعل, والفعل مسند إلى قولهم)) انتهى.
والأصل أن يكون الفعل على حسب الاسم لا على حسب الخبر, لكنه سرى التأنيث إلى فعل المذكر لأنه أخبر عنه بمؤنث, والقول هو الفتنة, وهذا أولى من أن يقال: أنت على معنى المقالة, ويكون التقدير: ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم, فيكون أنت على المعنى, لما ذكرنا أن قولهم ((جاءته كتابي فاحتقرها)) قليل, و ((ما هذه الصوت)) ضرورة. وأنشد المصنف:
ألم يك غدرا ما صنعتم بشمعل وقد خاب من كانت سريرته الغدر
وأنشد غيره:
أزيد بن مصبوح, فلو غيركم جنى غفرنا, وكانت من سجيتنا الغفر
ويؤول على معنى: المغفرة. ولا يقال: يحتمل أن يكون أنت على معنى الغدرة بمعنى الغدر لما ذكرناه. قال المصنف: ((سرى من تأنيث الخبر التأنيث إلى المخبر عنه لأن كلا منهما عبارة عن الآخر)) انتهى. ولما أطلق

القول على الفتنة والغدر على السريرة أنث, كما قال:
أو حرة ... عيطل ثبجاء مجفرة دعائم الزور, نعمت زوق البلد
أنت الزوق- وهو مذكر- لأنه عنى به وكنى عن الحرة, وهو مؤنث, فألحق التاء في فعله.
وفي (الغرة): ((بعض الكوفيين يجيز تأنيث هذه الأفعال إذا كان الخبر مؤنثا, كقوله:
فمضى, وقدمها, وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها))
انتهى. وينبغي أن يجعل هذا مما أنث لأجل الإضافة إلى مؤنث, كقوله:
..................... تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم
وما ذكره المصنف من إلحاق علامة التأنيث للفعل إذا كان لمذكر أخبر عنه بمؤنث ليس مذهبا للبصريين, وإنما يجوز ذلك عندهم ضرورة, والكوفيون يجيزون في سعة الكلام تأنيث اسم كان إذا كان مصدرا مذكرا, وكان الخبر مؤنثا مقدما عليه, نحو قوله:
........................ وقد خاب من كانت سريرته الغدر

فلو قلت ((كانت شمسا وجهك)) لم يجز, أو ((كانت الغدر سريرتك)) لم يجز.
والمصنف لم يحرر القول فيما يؤنث فعله من مذكر أخبر بمؤنث عنه, فلم يقل بقول البصريين ولا بقول الكوفيين.
قوله أو مضاف إليه مقدر الحذف أي: أو مذكر مضاف إلى مؤنث, مثاله ما أنشد المصنف من قول الشاعر/:
مشين كما اهتزت رماح, تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم
وأنشد الفراء:
قد صرح السير عن كتمان وابتذلت وقع المحاجن بالمهرية الذقن
أنت فعل الوقع- وهو ذكر- لأنه ذهب إلى المحاجن, وألحق التاء
تسفهت- وهو مسند إلى مر- لأن مرا مضاف إلى مؤنث, ويستقيم الكلام بحذفه, فلو لم يستقم الكلام بالحذف لم يجز إلحاق التاء, نحو: قام غلام هند.
وأعلم أن المؤنث له الفعل من المذكر المضاف إلى المؤنث أقسام:
أحدها: أن يكون بعض مؤنث, وهو مؤنث في المعنى, كقوله} تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ {في قراءة من قرأ بالتاء, وقول العرب: قطعت بعض أصابعه,

وقول الشاعر:
إذا بعض السنين تعرقتنا .................................
فبعض السنين سنون, وبعض السيارة سيارة, وبعض الأصابع أصابع.
الثاني: أن يكون بعض مؤنث, ولا يكون مؤنثا في المعنى, مثاله قول الشاعر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
وقول الآخر:
لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
وقول الآخر:
على قبضة موجوءة ظهر كفه فلا المرء مستحي, ولا هو طاعم
وقولك: جدعت أنف هند.
الثالث: أن يكون ليس مؤنثا في المعنى ولا بعض مؤنث, لكنه شارك القسمين قبله في أنه يجوز أن يحذف, وتلفظ بالمؤنث, وأنت تريده, ومنه

البيت الذي أنشده المصنف، وقولهم: اجتمعت أهل اليمامة؛ لأنك تقول: تسفهت أعاليها الرياح، تريد: مرها، واجتمعت اليمامة، تريد: أهلها، لا اجتماع الأبنية، وقال تعالى {إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ}، أنث المثقال لأنه لو أسقط يصح، فصار المثقال كاللغو، كما صار "أهل" كأنه لغو. ومثال قوله:
.................... تسفهت ... أعاليها مر الرياح ..................

قول الشاعر:
طول السنين أسرعت في نقضي

لأنك تقول: السنون أسرعت، وأنت تريد: طولها.
وقد يتأول "مر الرياح"، و"طول السنين" على أنه مصدر، أريد به اسم الفاعل، أي: مار الرياح، وطويل السنين، فيصير من باب "رجل عدل" /للمبالغة. أو على حذف مضاف، أي: صاحب المر من الرياح، وذو الطول من السنين، فيكون من باب {تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ}؛ لأن مار الرياح رياح، وطويل السنين سنون، ويكون إذ ذاك تأنيثه أسهل من تأنيث: اجتمعت أهل اليمامة.
فلو كان المضاف إذا حذف لم يجز أن يكون مرادًا إذ لا دليل على حذفه البتة لم يجز تأنيثه، كقولك: قُطعت رأس هند؛ لأنك لو قلت "قُطعت هند" لم يفهم منه: قُطعت رأس هند، ولم يرد به ذلك.

وزاد الفارسي قسمًا رابعًا، وهو أن يكون المذكر المضاف إلى المؤنث هو كل المؤنث، نحو ما انشده س في باب "هذا أول فارس مقبل":
ولهت عليه كل معصفة ... هوجاء، ليس للبها زبر

هوجاء: صفة لـ"كل"، نص عليه س. ومن ذلك قول الآخر:
جادت عليه كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم

وقال تعالى {ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}.
وزاد بعض أصحابنا تأنيث المذكر إذا كان فيه علامة تأنيث، فتقول قامت عشرةٌ، وعلى هذا جاء قوله:
أبوك خليفةٌ، ولدته أخرى ... وأنت خليفةٌ، ذاك الكمال

وعلى ذلك قول الآخر:

وعنترة الفلحاء جاء ملأمًا ... كأنه فندٌ، من عماية، أسود

قال: الفلحاء، ولم يقل الأفلح.
وقد أطلق النحويون في المؤنث الذي أضيف إليه مذكر مما يجوز تأنيثه لأجل تأنيث ما أضيف إليه، فظاهر هذا الإطلاق أنه يجوز ذلك سواء أكان المضاف إليه ظاهرًا أم مضمرًا، فعلى إطلاقهم يجوز: الأصابع قطعت بعضها؛ لأن الضمير مؤنث. وقال الفراء: "ومن استجاز قول الشاعر:
................................ ... كما شرقت صدر القناة من الدم

لم يجز أن يقول (شرقت صدرها) إذا كنى عنها، وكذلك فافعل بكل ما كنيت عنه. وإنما منعهم من استجازته في الإضافة إذا كنوا عنه لأن المكني لا يفرد مما قبله، فيتوهم بالأول أنه قد سقط، واعتمد على الثاني ظاهرًا؛ ألا ترى أن العرب تقول: لك نصف وربع الدرهم، ولا يقولون: لك نصف وربعه؛ للكناية، وكذلك قال الشاعر:
يا من رأى عارضًا يكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد

ومحال أن يقول: بين ذراعي وجبهته. وقال الأعشى:

/ ...... إلا علالة أو بدا ... هة سابح نهد الجزارة

ولو كنى لم يجز" انتهى.
وقوله تاء ساكنة هذه التاء مختصة بالماضي وضعًا؛ لأن الأمر مستغن بالياء نحو اضربي، ولأن المضارع المخاطب كذلك، نحو تفعلين، والغائبة والغائبتين بتاء المضارعة. ولحقت الفعل، وكان حقها ألا تلحقه؛ لأن المعنى الذي جاءت له ليس للفعل، بل هو في الفاعل، وهو التأنيث، لكنه لاتصاله كجزء منه، فجعلت الدلالة على التأنيث فيه، ولأن تأنيث الفاعل غير موثوق به لجواز اشتراك المذكر والمؤنث في لفظ واحد، نحو ربعة وصبور، ولأن المؤنث قد يسمى بمذكر، والعكس، فاحتاطت العرب في الدلالة على تأنيث الفاعل بوصل الفعل بالتاء ليعلم تأنيث الفاعل أو ما جرى مجراه من أول وهلة، نحو: طهرت الجنب، وكانت الربعة حائضًا، وشنئت الهمزة.
وهذا الفرق بين المذكر والمؤنث في الإخبار لا يكون في أكثر الألسن، فلا يوجد ذلك في لسان الفرس ولا لسان الترك، بل المذكر والمؤنث في ذلك سواء، ويتكلون على القرائن من غير دلالة لفظية على ذلك. وهذا من أحسن ما يعتذر به عن التذكير في قوله تعالى {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي}، فأشار بلفظ المذكر لأنه حكى قول إبراهيم، ولم يكن في لسانه فرق بين المذكر والمؤنث، فحكى قوله على لغته، والله أعلم.
وقد وافق لسان الحبشة لسان العرب في إلحاق تاء التأنيث الفعل الماضي عندهم دلالةً على المؤنث، قالوا: محط، في معنى ضرب، فإذا أسندوه إلى

مؤنث قالوا: محطت. وكذا لسان اليخمور، وقع فيه الفرق بين المذكر والمؤنث في الفعل الماضي، لكن بحرف غير التاء.
وقوله ولا تحذف غالبًا إن كان ضميرًا متصلًا مطلقًا، أو ظاهرًا متصلًا حقيقي التأنيث مثاله: هند قامت، والشمس طلعت. واحترز بقوله "ضميرًا متصلًا" من أن يكون منفصلًا، نحو: ما قام إلا أنتِ. واحترز بقوله "ظاهرًا متصلًا" من أن يكون قد فصل بينهما، نحو قوله:
إن امرأً، غره منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور

وقال آخر:
لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ ... على باب استها صلبٌ وشام

وحكى س: "حضر القاضي اليوم امرأة"، وقال: "إذا طال الكلام كان الحذف أجمل".
واحترز بقوله "حقيقي التأنيث" من أن يكون التأنيث مجازًا، نحو: طلعت الشمس، /وطلع الشمس، قال تعالى {ومَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ}، وقال {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ}، وقال {وجُمِعَ الشَّمْسُ والْقَمَرُ}.

واحترز بقوله "غالبًا" من قولهم: قال فلانة، حكاه س، ورده المبرد، وأجازه الأخفش والرماني، قال المصنف: "وعلى هذه اللغة جاء قول لبيد:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر

لأن الإسناد إلى المثنى كالإسناد إلى المفرد بلا خلاف" انتهى.
وما ذكره لا حجة فيه وإن كان الحكم الذي ذكره صحيحًا، وهو أن المثنى من المؤنث حكمه حكم المفرد من المؤنث؛ لأنه يحتمل أن يكون "تمنى" فعلًا مضارعًا لا ماضيًا، وأصله تتمنى، فحذف التاء على حد قولهم: تذكر هند، أي: تتذكر.
واحترز بقوله "غالبًا" أيضًا مما حذفت منه التاء مع الضمير المتصل، نحو قول الشاعر:
فلا مزنةٌ ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها

وقول الآخر:
فإما تريني، ولي لمةٌ ... فإن الحوادث أودى بها

وقول الآخر:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبرًا بمرو على الطريق اللائح

وهذه ضرورة، والفصيح: أبقلت، وأودت، وضمنتا.
وقد تأول بعض النحويين "ولا أرض" على: ولا مكان، و"الحوادث" على: الحدثان، كما أنثوا الحدثان حملًا على الحوادث، قال:
وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنق النصور

وقول المصنف "وعلى هذه اللغة جاء قول لبيد" أثبت أنها لغة وبعض أصحابنا جعل ما حكي س من قولهم "قال فلانة" شاذًا، ولا يجوز إلا حيث سمع، ولا يقاس عليه. وإن ثبت أنها لغة فينبغي أن يقاس وإن كان قليلًا.
وأما قول الشاعر:
ألا لا يغرن امرأً نوفليةٌ ... عن الرأس بعدي أو ترائب وضح

فزعموا أن النوفلية ليست بامرأة، بل مشطة تعرف بذلك، فهو مؤنث غير حقيقي.
وقوله غير مكسر مثاله الجواري والهنود، فيجوز فيه: قامت الجواري، وقام الجواري.
وقوله ولا اسم جمعٍ -مثاله نوح- ولا جنس مثاله/ نسوة، فيجوز فيه:

قامت النوح، وقامت نسوة، ويجوز: قام النوح، وقام نسوة، قال تعالى {وقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ}. ويدخل في اسم الجنس فاعل نعم في نحو: نعم المرأة هند، يقول ذلك من لا يقول: قال فلانة.
واندرج تحت قوله "أو ظاهرًا متصلًا حقيقي التأنيث" غير ما ذكر مثنى المؤنث، نحو: قامت الهندان، وجمع السلامة منه، نحو: قامت الهندات، هذا مذهب أهل البصرة.
وذهب أهل الكوفة إلى أن حكمه حكم جمع التكسير منه، فيذكر على معنى "جمع"، ويؤنث على معنى "جماعة". واختاره أبو علي. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى {إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ}، وبقول الشاعر:
عشية قام النائحات، وشققت ... جيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدودٌ

وقول الآخر:
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والطامعون إلي، ثم تصدعوا

ولا حجة في ذلك: أما الآية فأجاب الأستاذ أبو علي بأنه وقع الفصل بالضمير، فحسن حذف التاء. وأما "قام النائحات" فشذوذ، كقولهم: قال فلانة، أو روعي فيه الموصوف المحذوف، أي: قام النساء النائحات. وأما "فبكى بناتي" فلأنه لم يسلم فيه لفظ الواحد، فجرى مجرى جمع التكسير.

وقال المصنف في الشرح: "حكم التاء في تصحيح المؤنث حكمها في مفرده ومثناه، فلا يقال قام الهندات إلا على لغة من قال: قال فلانة؛ لأن لفظ الواحد في جمع التصحيح على الحال التي كان عليها في الإفراد والتثنية، فيتنزل قولك قامت الهندات منزلة قولك قامت هند وهند وهند، هذا هو الصحيح" انتهى. وهو موافق لقول أهل البصرة إلا في قوله "فلا يقال قام الهندات إلا على لغة من قال: قال فلانة".
وقوله ولحاقها إلى قوله فبالعكس مثال الفصل بغير إلا: قامت اليوم هند، وقام اليوم هند، الأجود لحاق التاء. ومثال الفصل بإلا: ما قام إلا هند، وما قامت إلا هند، الأحسن عند المصنف ألا تلحق، ويجوز عنده أن تلحق.
وفي هذه المسألة الثانية -وهي الفصل بإلا- خلاف: فالذي ذهب إليه أصحابنا أنه يلزم الحذف، ولا يجوز "ما قامت إلا هند" إلا في ضرورة الشعر، نحو قول الراجز:
ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم

قال الأخفش: يقولون: ما جاءني إلا امرأة، فيذكرون حملًا على المعنى في "أحد"، ولا يؤنثون إلا في الشعر، نحو قوله:
............................... ... فما بقيت إلا الضلوع الجراشع

وحكمها مع جمع التكسير/ وشبهه وجمع المذكر بالألف والتاء حكمها مع الواحد المجازي التأنيث. وحكمها مع جمع التصحيح غير المذكور آنفًا حكمها مع واحده، وحكمها مع البنين والبنات حكمها مع الأبناء والإماء. ويساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة، ونون التأنيث الحرفية. وقد تلحق الفعل المسند إلى ما ليس واحدًا من ظاهر أو مضمر منفصل علامة كضميره".
ش: جمع التكسير يشمل المذكر والمؤنث، نحو الزيود والهنود. ويعني بقوله وشبهه اسم الجمع في المذكر والمؤنث، نحو قوم ونوح. ويعني بقوله وجمع المذكر بالألف والتاء ما كان عاقلًا كالطلحات، وغير عاقل كحسامات ودريهمات. فهذه الثلاثة الأصناف يجوز أن تلحق التاء في فعله، ويجوز ألا تلحق، ومن ذلك قوله تعالى {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ}، و {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ}، {وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ}.
وقوله وحكمها مع جمع التصحيح غير المذكور آنفا أي: غير جمع المذكر بالألف والتاء، وهو ما جمع بالواو والنون، أو بالألف والتاء مع المؤنث، نحو الزيدون، والهندات، حكمه حكم واحده، فكما تقول قام زيدٌ تقول قام الزيدون، وكما تقول قامت هند تقول قامت الهندات، وكما لا تقول فصيحًا قام هند لا تقول قام الهندات، وكما لا تقول قامت زيدٌ كذلك لا تقول قامت الزيدون؛ لأنه بمنزلة: قام زيدٌ وزيدٌ وزيدٌ.
وأجاز الكوفيون: قامت الزيدون، أجروا جمع المذكر السالم بالواو والنون مجرى جمع التكسير منه، فكما تجوز التاء في جمع التكسير كذلك تجوز في هذا الجمع.

والصحيح أنه لا يجوز؛ إذ لم يسمع من كلامهم: قامت الزيدون، والقياس يأباه.
وقوله وحكمها مع البنين والبنات وهذا يجوز فيه إلحاق التاء وعدم إلحاقها؛ لأنه لم يسلم فيهما بناء الواحد؛ ألا ترى أنه لو جمع على لفظ المفرد لكان ابنون وابنات، فلما لم يسلم فيه جرى مجرى التكسير لتغيير لفظ الواحد كما تغير جمع التكسير، وقال الشاعر:
قالت بنو عامرٍ: خالوا بني أسدٍ ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
وقال الآخر:
حتمه بنو الربداء من آل يامنٍ ... بأسيافهم حتى أقر وأوقرا
وقوله ويساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة، مثاله: تقوم هند، وتضطرم النار، ويضطرم النار، وتحضر القاضي امرأة، ويحضر القاضي امرأة، وتقوم الهندات، ويقوم الهندات، وما تقوم إلا هند، وما يقوم إلا/ هند.
ومثل:
.............................. ... ولا أرض أبقل إبقالها
قوله:
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
لأن أحدهما مسند إلى ثلاث، والآخر مسند إلى ضميره، وكلا الفعلين الرواية فيه بالياء، فلم تلحق علامة التأنيث، وهي التاء.

فأما قوله:
فقلت لها: فيئي، فما يستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب

فضرورة عند البصريين، أو على حذف الموصوف، أي: النساء ذوات. ومقيس عند الكوفيين، يجيزون: يقوم الهندات، كما أجازوا: قام الهندات.
وجميع ما ذكرنا مما تجوز فيه التاء ولا تجب إذا فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه بـ"إلا" لا تجوز فيه التاء اللاحقة للماضي ولا تاء المضارع، وما روي من قراءة أبي رجاء ومالك بن دينار {فَأَصْبَحُوا لا تُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}. بالتاء وضمها ورفع {مَسَاكِنُهُمْ} قراءة شاذة ضعيفة في العربية.
وقوله ونون التأنيث الحرفية مثاله: خرجن أو يخرجن الهندات، كما تقول: تخرج الهندات، وخرجت الهندات، وانكسرن القدور، وينكسرن القدور، كما تقول: انكسرت القدور، وتنكسر القدور. قال المصنف: "ومن التزم التاء في قامت هند -وهي اللغة المشهورة- لا يستغنى في نحو قامت الهندات عن التاء والنون الحرفية" انتهى، فيقول: تقوم الهندات، أو يقمن الهندات، أو قمن الهندات. وهذه النون الحرفية فرع من فروع لغة "أكلوني البراغيث"، فكان ينبغي ذكرها معها.
وقوله وقد تلحق ... إلى آخره اللغة المشهورة ألا تلحق هذه العلامة الفعل إذا أسند إلى ما ذكر، ومن العرب من يلحقه ألف التثنية وواو الجمع ونون

الإناث. والمختار أنها علامات كتاء التأنيث، تدل على تثنية الفاعل وجمعه كما دلت التاء على تأنيثه. وهذه اللغة يسميها النحويون لغة "أكلوني البراغيث".

واختلف النحويون في تخريجها: فذهب بعضهم إلى أنها ضمائر، وأن ما بعدها بدل منها. وذهب بعضهم إلى أنها ضمائر، وما بعدها مبتدأ، وتلك الجملة السابقة في موضع الخبر. والصحيح ما قدمناه من أنها حروف دالة على التثنية والجمع؛ لنقل أئمة العربية واتفاقهم على أنها لغة لقوم من العرب مخصوصين، قال س: "واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك".
وحكى اللغويون أن أصحاب هذه اللغة هي طيئ، يلتزمون العلامة أبدًا، ولا يفارقونها. وحكى أيضًا بعض الرواة أنها من لغة/ أزد شنوءة. ولو كان على ما زعم بعضهم من أنها ضمائر لما اختصت به طائفة من العرب دون باقيهم.
وقوله من ظاهر مثال ما جاء من ذلك في التثنية في الفعل الماضي: "التقتا

حلقتا البطان"، وقول الشاعر:
تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعدٌ وحميم

وقول الآخر:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه

وفي الحديث من كلام وائل بن حجر: "ووقعتا ركبتاه على الأرض".
ومما جاء من ذلك فيها المضارع قول وائل بن حجر: "قبل أن تقعا كفاه".
ومما جاء من ذلك الماضي في الجمع المذكر قول الشاعر:
بني الأرض قد كانوا بني، فعزني ... عليهم لآجال المنايا كتابها

ومما جاء من ذلك فيه المضارع قول الشاعر:
يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـيل أهلي، فكلهم ألوم

ومما جاء من ذلك الماضي في جمع المؤنث قوله:
نتج الربيع محاسنًا ... ألقحنها غر السحائب

وقول الآخر:
رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر

ومما جاء من ذلك المضارع قول الشاعر:
ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران، يعصرن السليط أقاربه

فرع ملخص من كلام ابن هشام: لو فكت التثنية أو الجمع في الضرورة لم تلحق علامة التثنية ولا الجمع، وكذلك لو منه مانع من المتفقين في اللفظ والمعنى من التثنية أو الجمع كبقاء الاسمين أو الأسماء على علميتهما أو علميتها، وكذلك لو جيء باسمين مختلفين أو أسماء مختلفة، فلا يجوز: قاما رجلٌ ورجل، أو قاما زيدٌ وزيد، وهما باقيان على علميتهما، أو قاما زيدٌ وعمرو، وجاءوا زيدٌ وعمرو وبكر. ويستدل بهذا على فساد من ذهب إلى أنها ضمائر، وأن ما بعدها مرفوع بالابتداء؛ إذ لو كان كذلك لم تمتنع هذه المسائل، ولو رفع الضمير المثنى وهو قبله لجاز أن يرفع ضمير المفرد وهو قبله، وجاز أن ننوي في الفعل من قولنا قام زيدٌ ضميرًا على حد التأخير، فيكون زيدٌ مبتدأ. قال ابن هشام: "وهذا لم يقل به/ أحد علمناه" انتهى.

وما ذهب إليه من أنه إذا جيء باسمين مختلفين أو أسماء مختلفة، نحو: قاما زيدٌ وعمرو، وجاءوا زيدٌ وعمروٌ وبكر، لم تلحق علامة التثنية ولا الجمع -ليس بصحيح، والسماع يرد عليه، وهو ما تقدم لنا إنشاده من قول الشاعر:
تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعدٌ وحميم

وقال آخر:
ذريني للغنى أسعى، فإني ... رأيت الناس، شرهم الفقير
وأهونهم وأحقرهم عليه ... وإن كانا له نسبٌ وخير

فهذه العلامة قد لحقت، وجاء بعدها اسمان مختلفان.
فرع: الصفة تجري في هذه اللغة مجرى الفعل، قال س: "قال الخليل: فإن ثنيت أو جمعت فإن الأحسن أن تقول: مررت برجلٍ قرشيان أبواه، وبرجلٍ كهلون أصحابه". قال الخليل: "من قال أكلوني البراغيث أجرى هذا على أوله، فقال: مررت برجلٍ حسنين أبواه، ومررت بقومٍ قرشيين آباؤهم. وكذلك أفعل، نحو أعور وأحمر، تقول: مررت برجلٍ أعور أبواه، وإن شئت قلت: برجلٍ أحمران أبواه، تجعله اسمًا. ومن قال أكلوني البراغيث قلت على حدٌ قوله: مررت برجلٍ أعورين أبواه" انتهى.
ولم يأت في هذا التمثيل إلا نكرة، فإن عرفت الوصف بأل فهل يجري هذا الوصف على لغة أكلوني البراغيث مجراه نكرة، فيرفع الظاهر، فيه خلاف:

قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: كل صفة ترفع الاسم الظاهر فالأفصح فيها إلا تثنى ولا تجمع جمع السلامة، ويجوز أن تثنى وتجمع على لغة أكلوني البراغيث، فتقول: إن القائمين أبواهما كانتا منطلقتين جاريتاهما، وفي الجمع: إن القائمين آباؤهم كن منطلقاتٍ جواريهم.
وقال ابن عصفور: ويجوز في مسألة أبي القاسم -يعني الزجاجي- إن القائم أبوه كان منطلقة جاريته، تثنية القائمة ومنطلقة وجمعهما على لغة من قال أكلوني البراغيث؛ لأن اسم الفاعل إذا رفع الظاهر كان حكمه حكم الفعل إذا رفع الظاهر، فتقول: إن القائمين أبواهما كانا منطلقتين جاريتاهما، وإن القائمين آباؤهم كانوا منطلقاتٍ جواريهم.
وحكي عن ابن عصفور أيضًا أنه إذا عرف هذا الوصف بأل لم يرفع الظاهر في هذه اللغة. وكان علة ذلك -والله أعلم- أنه إذا عرف بأل لم يقع موقع الفعل لأن الفعل نكرة، وقد تقدم لنا في أوائل باب الابتداء أن الوصف الرافع ما يغني/ عن الخبر لا يجوز تعريفه، فتقول: أقائم الزيدان؟ ولا يجوز: القائم الزيدان؟ وهذه اللغة عند جمهور النحويين ضعيفة، وقد ذكرنا أنها لغة طيئ، وهي لغة أزد شنوءة، فلا تكون ضعيفة.
وقوله أو مضمر منفصل مثاله: الزيدان ما قاما إلا هما، والزيدون ما قاموا إلا هم، والهندات ما قمن إلا هن.
وقوله علامة كضميره تقدم الخلاف في ذلك، وأن الأصح أنها حروف علامة لتثنية الفاعل وجمعه، كما أن التاء علامة لتأنيث الفاعل.

وفي البسيط: "كونها حروفًا أقرب؛ لأنه إما أن يكون ما بعدها فاعلًا، ولا يكون؛ لأن الفعل لا يكون له فاعلان. أو بدلًا، ولا يكون؛ لأنه يقدر حذف وتنزيل شيء منزلة آخر لا يحتاج إليه، والأصل عدمه. والصحيح أنه يحتمل في هذا، ويلزم أن تجعل النون كذلك إذا قلت: قمن الهندات، ولا يكون؛ لأنه فاعل بدليل تغيير آخر الفعل، ولا يكون للعلامة كما في قامت وضربت" انتهى.
ولا يلزم حصره في أن يكون ما بعد هذه العلامات فاعلًا أو بدلًا؛ لأنه قد قيل إنه مبتدأ.
وقوله كضميره يعني أنها ألف تثنية، وواو جمع، ونون جمع، كالضمائر سواء، تطابق ما بعدها كما تطابق لو كانت ضمائر.
وقال السهيلي: "ألفيت في كتب الحديث المروية الصحاح ما يدل على كثرة هذه اللغة وجودتها، نحو ما جاء من قول وائل بن حجر في سجود النبي -عليه السلام- (ووقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقعا كفاه)، ونحو قوله (يخرجن العواتق وذوات الخدور)، ونحو (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، أخرجه في الموطأ. فالألف والواو والنون حروف، لكني أقول في حديث الموطأ: الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر، رواه البزار مطولًا مجردًا، فقال فيه (إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، فـ (ملائكة) على هذه الرواية بدل من الضمير في يتعاقبون. وفي آخره

(وتركناهم وهم يصلون، فاغفر لهم اللهم يوم الدين)، وليس هذا في حديث مالك، فدل على أنه مختصر من ذلك الحديث" انتهى كلام السهيلي.
ودل على خلاف ما يذهب المصنف إليه في قوله (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ) من أنه على لغة: أكلوني البراغيث، حتى قال: "وقد تكلم بها النبي -عليه السلام- فقال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) ". وعلى ما رواه البزار لا يكون النبي تكلم بها؛ لأن قبله (إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، وكثيرًا ما يقول المصنف: على لغة يتعاقبون فيكم.

-[ص: ويضمر جوازًا فعل الفاعل المشعر به ما قبله، والمجاب به نفي أو استفهام. ولا يحذف الفاعل إلا مع رافعه المدلول عليه/، ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرًا منويًا، أو نحو ذلك.]-
ش: مثال ذلك قراءة ابن عامر وأبي بكر {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَالِ رِجَالٌ}، التقدير: يسبح رجال، فحذف "يسبح" لدلالة "يسبح" عليه؛ إذ لا يجوز أن يرتفع "رجال" بـ"يسبح" المبني للمفعول.
قال المصنف: "ولا يجوز هذا الاستعمال إلا فيما كان هكذا"، يعني ألا يلتبس بالمفعول الذي لم يسم فاعله. قال: "فلو قيل: يوعظ في المسجد رجال، على معنى: يعظ رجالٌ -لم يجز لصلاحية إسناد يوعظ إليهم، فلو قيل: يوعظ في المسجد رجالٌ زيدٌ جاز لعدم اللبس". قال المصنف: "ومن الجائز لعدم

اللبس قول الشاعر:
لبيك يزيد ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ مما تطيح الطوائح

ومثله قول الآخر:
حمامة بطن الواديين، ترنمي ... سقيت من الغر الغوادي مطيرها

هكذا رواه الحفاظ، ومن قال (سقاك) فتاركٌ للرواية وآخذ بالرأي.
ومن إضمار فعل الفاعل لكون ما قبله يشعر به قول الشاعر:
أرى الأيام لا تبقي كريمًا ... ولا العصم الأوابد والنعاما
ولا علجان، ينتابان روضًا ... نضيرًا نبته، عمًا، تؤاما"

وهذا الذي ذهب إليه المصنف في هذه الأبيات لا يتعين:
أما البيت الأول فيمكن أن يكون المفعول الذي لم يسم فاعله هو ضارع، ويكون يزيد منادى، أي: لبيك ضارعٌ -يا زيد- بفقدك، فإنه يصير كالمفقود الذي ينبغي أن يبكى إذ لا يجد مثلك، فلا يكون يزيد هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وضارعٌ فاعلًا، تقديره: يبكيه ضارعٌ.
وأما الثاني فيمكن أن يكون مطيرها بدلًا من الضمير المستكن في الغوادي إذ فيه ضمير يعود على الغر، أي: البواكي هي مطيرها، ولا يكون مطيرها فاعلًا بفعل محذوف، التقدير: يسقيها مطيرها.

وأما الثالث فيمكن أن يكون "ولا علجان" منصوبًا معطوفًا على المنصوب قبله، ويكون ذلك على لغة من يجري المثنى بالألف رفعًا ونصبًا وجرًا، وهي لغة طوائف من العرب، منهم بنو الحارث بن كعب.
وأما قول المصنف "إن ذلك جائز إذا عدم اللبس" فالذي عليه جمهور النحويين أن مثل هذا لا يقاس. وذهب بعضهم إلى القياس فيه، وهو مذهب الجرمي وابن جني، فيجوز عندهم: أكل الطعام زيدٌ، وشرب الماء عمروٌ، وأوقد النار محمدٌ.
وفي البسيط: فأما في الخبر -يعني إذا كان الفعل خبرًا- فإنه يجوز، يعني إضماره. قال: بشرط، وهو إذا كان في الكلام ما يدل عليه بأن يذكر فعل/ من معناه أو من لفظه ومعناه. وذكر آيتي التسبيح والتزيين، وقول الشاعر: "لبيك. البيت".
وقوله:
أسقى الإله عدوات الوادي ... وجوفه كل ملث غادي
كل أجش حالك السواد

يريد: سقاها كل أجش، وكذا: زيدٌ، جواب: من ضرب؟ أي: ضرب زيدٌ. انتهى، وفيه تلخيص.
وأجاز بعض النحويين: زيدٌ عمرًا، بمعنى: ليضرب زيدٌ عمرًا، إذا كان ثم دليل على إضمار الفعل، ولم يلبس.
وقد منع س ذلك وإن لم يلبس؛ لأن إضمار فعل الغائب هو على طريق التبليغ، وإضماره يستدعي إضمار فعل آخر؛ لأن المعنى: قل له ليضرب، فكثر الإضمار، فرفضت.
ولا يتعين ما قدره المصنف ولا غيره من أن {رِجَالٌ} مرفوع بـ {يُسَبِّحُ} مضمرة لدلالة {يُسَبِّحُ} عليه؛ لأنه يجوز أن يكون {رِجَالٌ} خبر مبتدأ محذوف، تقديره: المسبح رجالٌ، يدل عليه {يُسَبِّحُ لَهُ}.
وفي البسيط: "ويجوز فيها أن تكون على تقدير ابتداء نزل على استفهام مقدرٌ فيما كان فيه إبهام، نحو قولك:
لبيك زيد ............................ ... ......................................

فقيل: من الباكي؟ فقيل: الباكي ضارعٌ لخصومة. والمزين شركاؤهم، كما تقول: ألا رجل إما زيدٌ وإما عمرو. قال س: (كأنه قيل: من هذا المتمني؟ فقال: زيدٌ أو عمرو)، فكذلك تلك" انتهى.
وقد خرج بعض النحويين قراءة من قرأ {وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} مبنيًا للمفعول على إضمار فعل، تقديره: زينه شركاؤهم. ولا يتعين هذا التخريج إذ يمكن أن يكون ارتفاع {شُرَكَاؤُهُمْ}

على أنه فاعل بالمصدر، أي: أن قتل أولادهم شركاؤهم.
قال بعضهم: والتخريج الأول أولى لأمرين:
أحدهما: أن المصدر لا يضاف إلى المفعول مع وجود الفاعل إلا في قليل.
والآخر: أن الشركاء ليسوا بقاتلين، إنما هم مزينون. ويدل على ذلك القراءة الثانية، وهي قراءة {زَيَّنَ} بفتح الزاي، ولا يكون الشركاء قاتلين إلا بمجاز. قال المصنف في الشرح: "ومثله:
غداة أحلت لابن أصرم طعنةٌ ... حصينٍ عبيطات السدائف والخمر

والخمر فاعل حلت مضمرًا لإشعار أحلت به" انتهى.
واتبع المصنف في هذا البيت قول الزجاجي، قال الزجاجي في (الجمل): "ومنهم من يرويه برفع الطعنة ونصب العبيطات". وليس ذلك برواية، وإنما هو إصلاح من الكسائي، وذلك أن يونس بن حبيب سأل الكسائي عن إنشاد هذا البيت، فأنشده برفع/ الطعنة ونصب العبيطات، فقال له يونس: علام ترفع الخمر؟ فقال: على الاستئناف والقطع، فقال له: ما أحسن ما قلت لولا أن الفرزدق أنشدنيه مقلوبًا. يعني يونس أنه أنشده بنصب طعنة ورفع عبيطات السدائف، فيكون والخمر معطوفًا على عبيطات، فلا يكون مرفوعًا على فعل محذوف. ومعنى القلب هو أن جعل العبيطات والخمر هي التي أحلت طعنة، وفي الحقيقة الطعنة هي التي أحلت له أكل العبيطات وشرب الخمر.

قال المصنف في الشرح: "ومثله قول الشاعر:
ولم تبق ألواء الثماني بقيةً ... من الرطب إلا بطن وادٍ وحاجر

أنشده أبو علي في التذكرة، وقال: رفع على معنى: بقي بطن وادٍ وحاجرٌ" انتهى.
ومثله قول الآخر:
وعض زمانٍ -يا بن مروان- لم يدع ... من المال إلا مسحتًا، أو مجلف

في رواية من روى "يدع" بفتح الدال، وجعل معناه: لم يبق إلا مسحتًا، ويرتفع مجلف على إضمار فعل، تقديره: أو بقي مجلف، على أحسن التأويلات الخمس في رفع مجلف.
وقوله والمجاب به نفي مثاله قولك: بلى زيدٌ، لمن قال: ما جاء أحدٌ، التقدير: بلى جاء زيدٌ. ومثله قول الشاعر:
تجلدت حتى قيل: لم يعر قلبه ... من الوجد شيءٌ قلت: بل أعظم الوجد

أي: بل عراه أعظم الوجد.

وقوله أو استفهام مثاله قولك: زيدٌ، لمن قال: هل جاء أحدٌ؟ ومثله قول الشاعر:
ألا هل أتى أم الحويرث مرسلي ... نعم، خالدٌ، إن لم تعقه العوائق

أي: أتاها خالد.
قال المصنف في الشرح: "فمثل هذا لا يرتاب في أن المجاب به مرفوع بفعلٍ مقدر؛ لأنه جواب جملةٍ قدم فيها الفعل، وحق الجواب أن يشاكل ما هو جوابٌ له".
ثم قال المصنف بعد ذلك: "والحكم بالابتداء على الاسم المجاب به نفيٌ أو استفهام غير ممتنع؛ لأن مشاكلة الجواب لما هو جوابٌ في اللفظ غير لازمة، بل قد يكتفى فيه بمراعاة المعنى، ومنه قراءة غير أبي عمرو في السبعة {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} جوابًا لقوله {مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ} و {مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ} " انتهى. فقد ناقض قوله "لا يرتاب أن المجاب به مرفوع بفعل مقدر" إذ قد أجاز فيه الابتداء.
قال المصنف في الشرح: "فإن كانت جملة الاستفهام مؤخرًا فيها الفعل فحق المجاب من جهة القياس أن يؤخر فيه الفعل لتتشاكل الجملتان لولا أن/ الاستعمال بخلافه، فلا يجيء مكملًا إلا والفعل فيه مقدم على الاسم، نحو {ولَئِن

سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ}، {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}، {مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا}.
وينبغي إذا اقتصر في الجواب على الاسم أن يقدر الفعل متقدمًا؛ لأن المكمل أصل والمختصر فرع، فيسلك بالفرع سبيل الأصل، ولأن موافقة العرب بتقدير تقديم الفعل متيقنة، وموافقتهم بتقدير تأخيره مشكوك فيها، فلا عدول عن تقدير التقديم. ولما جرى به الاستعمال من تقديم الفعل في الجواب المكمل وجه من النظر، وهو أن حق الجملة الاستفهامية إذا كان فيها فعل أن يقدم؛ لأنه بمباشرة الاستفهام أولى من الاسم، فلما لم يمكن ذلك في نحو (من فعل) لاتحاد المستفهم به والمستفهم عنه جيء بالجواب مقدمًا فيه الفعل تنبيهًا على أن أصل ما هو له جواب أن يكون كذلك" انتهى.
وقوله ولا يحذف الفاعل إلا مع رافعه المدلول عليه مثال ذلك قولك: زيدًا، جوابًا لمن قال: من أكرمُ؟ والتقدير: أكرم زيدًا، فحذف الفاعل مع الفعل.
واعتل المصنف في الشرح لامتناع حذف الفاعل وحده بأنه "كعجز المركب في الامتزاج بمتلوه، ولزوم تأخره، وكونه كالصلة في عدم تأثره بعامل متلوه، وكالمضاف إليه في أنه معتمد البيان". قال: "بخلاف خبر المبتدأ،

فإنه مباين لعجز المركب وللصلة والمضاف إليه فيما ذكر؛ لأنه غير ممتزج بمتلوه، ولا لازم التأخر، ويتأثر بعامل متلوه، وهو معتمد الفائدة لا معتمد البيان. وأيضًا فإن من الفاعل ما يستتر، فلو حذف في بعض المواضع لالتبس الحذف بالاستتار، والخبر لا يستتر، فإذا حذف لدليل أمن التباس كونه مستترًا" انتهى كلامه.
وما ذكره فيه خلافٌ، وإطلاق في موضع التقييد:
أما الخلاف فذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل وحده دون فعله لدلالة المعنى عليه، ومذهبه مشهور في ذلك في باب الإعمال في نحو: ضربني وضربت الزيدين، وسيأتي ذلك في بابه، ورجحه السهيلي، وابن مضاء من أصحابنا، ودليله هناك مذكور.
وأجاز الكسائي حذفه في غير ذلك، واحتج له بأن حذف الاختصار لا يخرج الكلام إلى غير الإفادة، فكان كالمفعول، ولأن الاختصار يكون في المتلازمين كالمبتدأ والخبر، فكذلك هنا. وقول المانعين "إنه كالجزء منه" إن عنوا ذلك من جهة المعنى فمنقوض بالمصدر، أو من جهة اللفظ فقد يحذف من اللفظ الواحد بعضه للخفة. واستدل عليه بقول الشاعر/:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا

ففاعل "يرضيك" محذوف، تقديره: لا يرضيك شيء.
قالوا: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون أضمر لدلالة يرضي عليه، كأنه

قال: لا يرضيك مرضٍ، أو لأنه قد علم على ما يعود، كأنه قال: لا يرضيك هو، أي: شيء.
قالوا: وإنما لم يجز حذف الفاعل لأنه إن حذف اقتصارًا لم يكن كلامًا، ولا يفيد لأنه لفظ مفرد، أو اختصارًا لم يجز؛ لأن العرب قد جعلته مع الفعل بمنزلة شيء واحد بدليل إسكانهم آخر الفعل له في ضربت.
وأما الإطلاق في مكان التقييد فإنه كان ينبغي أن يقيد ويقول: "ما لم يكن الرافع مصدرًا ينحل بحرف مصدري والفعل"، فإنه إذ ذاك يجوز حذف الفاعل وحده دون رافعه، نحو قوله {أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا}.
وأما حذفه في باب المفعول الذي لم يسم فاعله فإن الفعل يغير للمفعول الذي لم يسم فاعله، فلم يبق على صيغته التي كان لها وهو مبنيٌّ للفاعل، فلا يرد ذلك على المصنف.
وقوله ويرفع توهم الحذف ... إلى آخره قال المصنف: "إذا توهم حذف فاعل فعل موجود فلا سبيل إلى الحكم بحذفه، بل يقدر إسناده إلى مدلولٍ عليه من اللفظ والمعنى، كقول الشاعر:
تمشي تبختر حول البيت منتخيًا ... لو كنت عمرو بن عبد الله لم يزد

أي: لم يزد انتخاؤك" انتهى. وفي نسخة أخرى من شرح المصنف: "كذا قال الفارسي" انتهى.
ولا حجة فيما ذكر، وليس البيت مما ذكر، بل الفاعل مضمر في "يزد" عائدًا على عمرو بن عبد الله، وذلك أن عمرو بن عبد الله اسم غائب، وقد أخبر به عن مخاطب، فيجوز فيما بعده أن تراعي المخاطب فيعود الضمير مخاطبًا، نحو: لو كنت أخا زيدٍ لصنعت كذا. ويجوز أن تراعي الاسم الغائب فيعود الضمير غائبًا، نحو: لو كنت أخا زيدٍ لصنع كذا. وهذا البيت من هذا القسم الأخير، وتقديره: لم يزد -أي: عمرو بن عبد الله- على انتخائك.
قال المصنف: "وكقوله تعالى {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ}. قيل: إن المعنى: بدا لهم بداء، كما قال:
................................. ... بدا لك من تلك القلوس بداء

أي: ظهر لك فيها رأي. ولا يجوز مثل هذا الإسناد إلى مصدر الفعل حتى يشعر برأي، مثل ظهر وبان وتبين، أو يكون الفعل فعل استثناء، كقاموا عدا زيدًا، وخلا عمرًا، وحاشا بكرًا، أي: جاوز قيامهم زيدًا" انتهى.
فأما الآية فظهر لي فيها تخريج حسن واضح سهل، وهو أن يكون الفاعل في {بَدَا} ضميرًا مستكنًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله {ولَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا

آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ}، ويدل عليه/ أيضًا قوله {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ}. وأما من قرأ {السَّجْنُ} بفتح السين على أنه مصدر فقد اتضح عود الضمير عليه.
وأما قوله "أو يكون الفعل فعل استثناء" فهذا لم يذهب إليه أحد فيما علمناه، وإنما الفاعل عند النحويين لفعل الاستثناء ضمير مفرد يعود على البعض المفهوم من المعنى، أي: قام القوم حاشا هو -أي: بعضهم- زيدًا، وكذلك باقيها. وقد كان ظهر لي ما قاله المصنف، وأمليته في بعض كتبي القديمة، ولم أجد أحدًا يقوله، فأعرضت عنه.
قال المصنف في الشرح: "ومن الإسناد إلى مدلولٍ عليه قول الشاعر:
أقول إذا ما الطير مرت مخيلةً ... لعلك يومًا- فانتظر- أن تنالها
أؤدرك من أم الحويرث غبطةً ... بها خبرتني الطير أم قد أنى لها

أي: قد أنى لها ألا تدرك؛ لأن ذكر أم بعد الهمزة التي وليها أحد الضدين مشعر بأن ثانيهما مراد، وهذا شبيه بقوله تعالى {ومَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ولا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}؛ لأن ذكر المعمر مشعر بمقابله، وهو القصير العمر، فأعيدت هاء {عُمُرِهِ} إليه، ولم يذكر لإشعار مقابله به" انتهى.

فأما "أؤدرك. البيت" فإنه لا يتعين ما ذكر؛ إذ قد يحتمل ألا تكون أم معادلة للهمزة، بل تكون أم منقطعة بمعنى بل والهمزة، ويكون الفاعل بقوله أنى ضميرًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله أدرك، وكأنه استفهم أولًا، هل يدرك منها غبطة، ثم أضرب عن ذلك، واستفهم ثانيًا، هل قرب إدراكه لتلك الغبطة.
وأما قوله "وهذا شبيه بقوله تعالى {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} " فإنه جعل الضمير في قوله {وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} عائدًا على القصير العمر لفظًا ومعنى، ودل عليه مقابله، وهو {مِن مُّعَمَّرٍ}. والنحويون يقولون في مثل هذا إن الضمير عائد على {مِن مُّعَمَّرٍ} لفظًا دون معنى، نحو قولهم: له عندي درهم ونصفه، فالهاء في "ونصفه" عائد على درهم، والمراد به من حيث المعنى: ونصف درهم آخر، فهو عندهم عائد عليه لفظًا لا معنى، والمصنف جعله عائدًا على القصير العمر لفظًا ومعنى، ومتى دار الضمير بين أن يعود على شيء لفظًا دون معنى [وأن يعود على شيء لم يذكر] كان [أن يعود على شيء لفظًا دون معنى] أولى من أن يعود على شيء لم يذكر البتة.
قال المصنف في الشرح: "ومثله قول الآخر:
وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني
فثنى الضمير قاصدًا للخير والشر، ولم يجر إلا ذكر أحدهما، ولكن الإشعار بما لم يذكر بمنزلة ذكره" انتهى.
وهذا عندنا مما حذف منه الجملة المعطوفة/ لدلالة المعنى عليها، والتقدير: أريد الخير، وأجتنب الشر، فعاد الضمير على الخير والشر، وحذف الجملة

لدلالة المعنى كثير، كقوله تعالى {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ}، التقدير: فضرب فانفلق. وهذا الذي ذكره المصنف تكثير واستطراد تكثير واستطراد لغير ما عقد له أصل المسألة، ويقع في ذلك النزاع، فلا حاجة في ذكره.
قال المصنف في الشرح: "ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول بعض العرب: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان غدًا ما نحن عليه الآن من الوعد في غد فأتني، ومثله قول الشاعر:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري لا إخالك راضيًا
أي: إن كان لا يرضيك ما تشاهده مني.
ومن الفاعل المؤول قوله تعالى {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}، ففاعل {تَبَيَّنَ} مضمون {كَيْفَ فَعَلْنَا}، كأنه قيل: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم.
وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب الابتداء، نحو {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ}، فإنه أول بـ (سواء عليهم الإنذار وعدمه)، بل كما جاز في هذا الباب أن يقال:
ما ضر تعلب وائل أهجوتها ......................................
ومثل {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ}، {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا}

على تأويل: أولم يهد لهم كثرة إهلاكنا" انتهى.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف - وهو أن يُسبك من الجملة المصدرة بـ"كم" اسم يكون في موضع الفاعل - هو مذهب بعض الكوفيين. وأما أصحابنا فإنهم خرجوا قوله تعالى {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا} على أن فاعل يهدي مضمر، يعود على المصدر المفهوم من الفعل، وساغ ذلك لأن الهداية قد تستعمل استعمال الدلالة التي يراد بها الحجة والبرهان، وكأنه قال: أو لم يتبين لهم حجتنا، ويكون {كَمْ أَهْلَكْنَا} في موضع نصب بما دل عليه قوله {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} لأنه بمنزلة: أو لم يعلموا، فحمله على ذلك. ولا يكون الفاعل عند البصريين إلا صريح الاسام أو المقدر به من أن أو أن أو ما المصدريات فقط، كما قد بيناه في باب الفاعل.
قال المصنف في الشرح: " ومن الإسناد إلى مدلول عليه قوله تعالى {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}، ففاعل {أَخْرَجَ} ضمير الواقع في البحر الموصوف، ولم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يدل عليه" انتهى.
وهذا ليس كما ذكر، بل هو يعود على محذوف مضاف إلى {ظُلُمَاتِ}، التقدير: أو كذي ظلمات، فحذف "ذي" لدلالة المعنى.
قال المصنف في الشرح: "ومثله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)،

ففاعل (يشرب) غير مذكور، لكنه/ مفهوم، كأنه قيل: ولا يشرب الخمر شاربها.
وقد يغني عن الفاعل استحضاره في الذهن بذكر فعل ناصب لما لا يصلح إلا له، كقول الشاعر:
لقد علم الضيف والمرملون إذا أغبر أفق، وهبت شمالا
فأغني عن إظهار الريح استحضارها في الذهن بـ (هبت) ونصبه شمالًا على الحال، فكان ذلك بمنزلة التصريح بالريح. ومثله قول الآخر:
وأكرم الضيف والجار القريب إذا هبت شامية، واشتدت القرر
فنصب شامية، وأضمر الريح. وإلى هذه المواضع وأشباهها أشرت بقولي: ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرًا منويًا ونحو ذلك".

الصفحات [173] [174] [175] [176] [177] [178] [179] [180] [181] [182] [183] [184] [185] [186] [187] [188] [189] [190] [191] [192] [193] [194] [195] [196] [197] [198] [199] [200] [201] [202] [203] [204] [205] [206] [207] [208] [209] [210] [211] [212] [213] [214] [215] [216] [217] [218] [219] [220] [221] [222] [223] [224]  المجلد[6]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب أفعال المقاربة

العنوان الحالي : باب الفاعل

العنوان التالي : باب النائب عن الفاعل  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة