التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب النائب عن الفاعل
قد يترك الفاعل لغرض لفظي أو معنوي جوازًا أو وجوبًا، فينوب عنه جاريًا مجراه في كل ما له: مفعول به، أو جار ومجرور، أو مصدر لغير مجرد التوكيد ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل، أو ظرف مختص متصرف، وفي نيابته غير متصرف أو غير ملفوظ به خلاف.]-
ش: هذا الاصطلاح في باب المفعول الذي لم يسم فاعله بالنائب لم أراه لغير هذا المصنف، وإنما عبارة النحويين فيه أن يقولوا: باب المفعول الذي لم يسم فاعله، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وحد هذا المفعول الذي لم يسم فاعله هو حد الفاعل، إلا أنه يقول مكان "غير مصوغ للمفعول": مصوغ للمفعول.
والغرض اللفظي الإيجاز، نحو {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ}. وموافقة المسبوق للسابق كقول بعض الفصحاء: من طابت سريرته حمدت سيرته. وإصلاح النظم كقول الأعشى:
علقتها عرضًا، وعلقت رجلًا غيري، وعلق أخرى ذلك الرجل
وقول عنترة:
فإذا شربت فإنني مستهلك مالي، وعرضي وافر، لم يكلم
والغرض المعنوي كون الفاعل معلومًا، نحو قوله {وَخُلِقَ الإِنسَانُ

ضَعِيفاً}، ونحو {ضُرِبَ مَثَلٌ}، و"نصرت بالرعب"، و "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" والجهل بالفاعل، كقول الرجل: نبئت بكذا، إذا لم يعرف من نباه. وألا يتعلق مراد المتكلم بتعيين الفاعل، كقوله {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}، {وَإِذَا حُيِّيْتُم}، {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا}، وقوله/:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وتعظيم الفاعل بصون اسمه عن مقارنة اسم المفعول، كقوله: "من بُلي منكم بهذه القاذورة". وتعظيم المفعول بصون اسمه عن مقارنة

الفاعل كقولك: أوذي فلان، إذا عظمته، واحتقرت من آذاه، والستر على الفاعل خوفًا منه أو خوفًا عليه. فهذه عشرة أشياء ذكرها المصنف، كل واحد منها باعث على حذف الفاعل. وقد نظمت البواعث على حذف الفاعل في أرجوزتي المسماة "نهاية الإعراب في علمي التصريف والإعراب"، فقلت:
وحذفه للخوف، والإبهام والوزن، والتحقير، والإعظام
والعلم، والجهل، والاختصار والسجع، والوفاق، والإيثار
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "قولهم (يحذف الفاعل لكذا وكذا) هذيان من القول، وما ارتكبه المتأخرون في ذلك نازح عن الحق جملة، ولا فرق بين طلب العلة لذلك وطلب العلة في: لم بني الفعل للفاعل، ولا فرق بين السؤال: لم لم يذكر الفاعل، وبين السؤال: لم لم يذكر الظرف، أو: لم لم يذكر الزمان، أو شبيه ذلك".
وقوله فينوب عنه جاريًا مجراه في كل ما له مفعول به يعني أنه يجري مجراه في الرفع، ووجوب تأخره عن الرافع، والتنزل منزلة الجزء، وامتناع الحذف، إلا أنه لا يجري مجراه في العامل؛ لأن الفاعل يرتفع باسم الفعل، وبالظرف، والمجرور، والأمثلة، والجامد الجاري مجرى المشتق، ولا يرتفع المفعول الذي لم يسم فاعله إلا بالفعل، واسم المفعول، وفي ارتفاعه بالمصدر الذي ينحل بحرف مصدري والفعل خلاف، فإذا لم يجر مجراه في كل ما له.
وقوله أو جاز ومجرور مثاله: غضب على زيد. وهذا الذي ذكره المصنف

لم يذهب إليه أحد، وهو أن يكون الجار والمجرور يقوم مقام الفاعل، فيكونان معًا في موضع رفع، بل في ذلك مذاهب، ليس قول المصنف واحدًا منها:
أحدها: مذهب جمهور البصريين، وهو أن المجرور في موضع رفع بالفعل، كما أنك إذا قلت "ما قام من أحد" فالمجرور بمن في موضع رفع بالفعل، وسواء عندهم في ذلك أن يكون الجر بحرف زائد، نحو: ما ضرب من أحد، أو بحرف جر غير زائد، نحو: سير بزيد.
الثاني: مذهب الكوفيين وبعض البصريين، وهو أن ذلك لا يجوز إلا فيما حرف الجر فيه زائد، نحو "أحد" من قولك: ما ضرب من أحد.
وأما إذا/ كان غير زائد فلا يجوز ذلك. واختلف هؤلاء في الذي يقام مقام الفاعل إذا كان حرف الجر غير زائد على أربعة مذاهب:
الأول: ذهب بعض البصريين - ونص بعضهم على أنه ابن درستويه - إلى أن المفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل، والتقدير في نحو سير بزيد: سير هو، أي: السيرز وإلى هذا ذهب أبو زيد السهيلي وتلميذه أبو علي الرندي. واستدل السهيلي على امتناع إقامة المجرور مقام المفعول الذي لم يسم فاعله بأن المفعول الذي لم يسم فاعله إذا تقدم صار

مبتدأ، كما أن الفاعل إذا تقدم صار مبتدأ، فتقول: زيد ضرب، كما تقول: زيد ضرب، وأنت لا تقول: بزيد سير، فيكون بزيد مبتدأ، فإذا وجد من كلام العرب سير بزيد جعل المقام مقام الفاعل ضمير المصدر.
وقال السهيلي أيضًا: ما ذهب إليه أبو القاسم - يعني الزجاجي - وزعم أنه قول الأكثرين، وهو أن يقام المجرور مقام الفاعل فيكون في موضع رفع، فيكون هو المخبر عنه - غير صحيح، ولو صح لقيل: سيرت بهند، وجلست في الدار. ولأن الظرف لا ينوب وهو ظرف مقدر بـ (في) حتى يجعل مفعولًا على السعة، فإذا لم ينب من أجل أن حرف الجر مقدر فيه فكيف ينوب وحرف الجر ظاهر ملفوظ به، وأي شيء ينوب إذا قلت: جلس عندك، وعندك لا يكون إلا ظرفًا، فلم يبق إلا المصدر. ولأنه لا يحسن: سير بزيد العاقل، كما حسن {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، فيرفع الفاعل كرفع غيره. ولأنه لو كان في موضع الفاعل لما جاز: بزيد سير، وعن زيد سئل، لأن النائب إذا قدم كان مبتدأ كالفاعل إذا قدم، والمبتدأ لا يكون مجرورًا، وجاء في التنزيل {كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}، أي: مسؤولًا عنه، فليس (عنه) في موضع رفع كما

زعموا، ولو كان كذلك ما جاز تقديمه وهو مجرور.
وهذا الذي ذكره السهيلي في سير بزيد يرد عليه في: لم يضرب من رجل، فإن هذا المجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، ولو قدمته لم يجز، نحو: من رجل لم يضرب، فينبغي ألا يجوز ذلك.
قال أصحابنا: والدليل على بطلان هذا المذهب أن العرب تقول: سير بزيد سيرًا، بنصب المصدر، فدل ذلك على أن المجرور هو الذي يقام مقام الفاعل. وإنما امتنع أن يكون (بزيد) مبتدأ لأن المبتدأ معرى من العوامل اللفظية، فلا يتقدمه عامل لفظي أصلًا، إلا أن يكون حرف جر زائدًا، والباء في (بزيد) ليست بزائدة، فلذلك امتنع أن يكون مبتدأ.
وأما ما ذكره من امتناع "سير بزيد العاقل" بالرفع على الموضع فلأن/ هذا الموضع لا يجوز أن يلفظ به، وما كان هكذا فلا يجوز الإتباع عليه؛ ألا ترى أنك لا تقول: مررت بزيد الظريف، بالنصب؛ لأنه لا يجوز: مررت زيدًا، فكذلك هذا، وذلك بخلاف {مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}. لأنه يجوز: ما لكم إله غيره، ففرق تجويزه "بزيد سير" فسيأتي ذكر اتفاق النحويين على منعه، وأنهم أجمعوا على منع التقديم، والإجماع حجة.
وقال ابن طلحة: يقول السهيلي: يجوز أن يفرق بين وقوع هذا المجرور مبتدأ وبين وقوعه بعد الفعل، فإنه إذا وقع أولًا لم يكن للباء هناك معنى خبر، فلم يكن لها متعلق، ولا يقاس على قولهم: بحسبك درهم، وإذا وقع بعد الفعل أمكن أن يكون للباء هناك معنى خبر، فأمكن أن يكون لها متعلق، كما كان لها في

قولك {كَفَى بِاللَّهِ}، وهي داخلة على الفاعل، ولا يصح أن تقولك بالله كفى به شهيدًا، وعلى أن الباء في بحسبك زيد معنى المتعلق؛ لأن التقدير: اكتف بزيد، وهذا فرق بين يوجب إسناد الفعل إلى المجرور وبناء المجرور عليه، ويمنع من بناء الفعل على المجرور، وبهذا المعنى بعينه لم يصح تأنيث الفعل له؛ ألا ترى أنك تقول: كفى بهند من فاضلة، فلا تؤنث الفاعل، والباء زائدة على فاعل مؤنث.
والمذهب الثاني: ذهب الكسائي وهشام إلى أن مفعول الفعل ضمير مبهم مستتر في الفعل، وجعلا الضمير مبهمًا من حيث كان محتملًا أن يراد ما يدل على الفعل من مصدر أو ظرف مكان أو ظرف زمان، ولم يقم دليل على أن المراد به بعض ذلك دون بعض.
المذهب الثالث: ذهب الفراء إلى أن حرف الجر في موضع رفع، كما أن الفعل في "زيد يقوم" في موضع رفع. وهذا ينبني على قولهم: مر زيد بعمرو، فمذهب البصريين أن المجرور في محل نصب، فإذا بني مثل هذا للمفعول كان المجرور في موضع رفع. وذهب الفراء إلى أن حرف الجر في موضع نصب، فلذلك ادعى أنه إذا بنى للمفعول كان حرف الجر في موضع رفع.
المذهب الرابع: ذهب قوم إلى أن قولك "سير بزيد" هو على إضمار الطريق؛ لأن السير لا يكون إلا في مكان، والمعنى: قطع به طريق.

واتفق النحويون على أن هذا الجار والمجرور في نحو سير بزيد، وزيد متعجب منه - لا يجوز تقديمه، فلا يجوز: يزيد سير، ولا: زيد منه متعجب. وعلة امتناعه عند البصريين أنه قد قام مقام الفاعل، فإن قدمته احتجت إلى أن تضمر مثله، فتضمر الخافض والمخفوض. وعلة الكوفيين أنه صلة، فلا تتقدم. ذكر هذا الاتفاق أبو جعفر النحاس. وقال ابن اصبغ: هي/ جائزة في القياس. يعني التقدم. وتقدم خلاف السهيلي في ذلك والرد عليه بالإجماع.
وأما المفعول له فقيل: لا يجوز أن يبنى لما لم يسم فاعله مطلقًا، وهو رأي أبي علي، وابن جني، ولذلك لم يكن في قوله:
يغضي حياء، ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم واحتجوا بوجهين:
أحدهما: أن المجرور لا يقام مقام الفاعل، وهذا كذلك إما لفظًا أو معنى.
الثاني: أنه بيان لعلة الشيء، ولا يكون إلا بعد ثبوت الفعل بمرفوعه.
وقيل: يجوز إذا كان بحرف جر بناء على جواز الأصل، ولا يجوز إذا كان منصوبًا.
وقوله أو مصدر لغير مجرد التوكيد ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل إذا كان المصدر للتوكيد، نحو: قام زيد قيامًا - فلا يقام مقام الفاعل لعدم الفائدة؛

لأن المفهوم من المسند إليه يكون غير المفهوم من المسند، فإن كان مختصًا بنوع ما من الاختصاص، كتحديد العدد، والاختصاص بالوصف أو الإضافة، أو كونه اسم نوع - جاز ذلك لتغاير المسند والمسند إليه. ومثال الملفوظ به: سير سير شديد. ومثال المدلول عليه بغير العامل - وهو أن يكون المصدر غير ملفوظ به، لكنه دل عليه بغير الفعل - قولك: بل سير، لمن قال: ما سير سير شديد، فالضمير المستكن في سير هو مدلول عليه بغير سير، بل دل عليه بقول القائل: ما سير سير شديد، فلو كان مدلولًا بالعامل كقولك: جلس، أو ضرب، وأنت تريد: هو، أي: جلوس، وضرب - لم يجز. وفي كلام الزجاجي إشعار بجواز ذلك؛ لأنه قال: وقد أجازه بعضهم على إضمار المصدر المؤكد، وهو مذهب س، قال ابن خروف: "لا يجيز أحد من النحويين رد الفعل لما لم يسم فاعله على إضمار المصدر المؤكد، لا يجيز أحد: قعد، وضحك من غير شيء يكون بعد هذا الفعل. ثم ادعاؤه أنه مذهب س فاسد؛ لأن س لا يجيز إضمار المصدر المؤكد في هذا الباب، والذي أجازه س لا يمنعه بشر، وهو إضمار المصدر المعهود، مثل أن يقال لمتوقع القعود: قد قعد، ولمتوقع السفر: قد سوفر، أي: قعد القعود، وسوفر الذي ينتظر وقوعه، والفعل لا يدل على هذا النوع من المصادر، والدال عليه أمر آخر" انتهى.

وقال السهيلي ما ملخصه: "من اللازم ما لا ينبغي أن يجوز البتة، نحو: قعد، وضحك، أضمرت المصدر أو لم تضمره؛ لأن معناه: فعل ضحك، ولو صرح بهذا لم يفد، وكيف يحيز هذا س وقد منع: رجل قائم، إنما الذي أجاز: ضحك/ في الدار، وقعد عندك، وأجاز: سير بزيد فرسخًا، على إضمار السير. وحسن الإضمار عنده وعند المحققين في هذه المسألة لأن المكان والزمان المخصوصين قد يخلوان من الفعل، فإذا أخبرت أن قد كان فيه فعل حصلت به فائدة، هذا إن كان الزمان أو المكان معرفة، فإن قلت: قعد في مكان، أو ذهب في يوم - لم يجز. والدليل على إضمار المصدر مع الظرف والمجرور قولهم: سير بالقوم رويدًا، فـ (رويدًا) حال من السير الذي هو النائب، وكذلك: سير يزيد سريعًا، لا خلاف في جواز هذا، وكذلك تقول: إن سير بهند فهو خير لها، فيعود الضمير على السير، ولا خلاف في جواز هذا أيضًا، فينبغي ألا يكون خلاف في صحة ما ذهب إليه س" انتهى كلام السهيلي.
ونقول: لا يجوز بناء الفعل للمفعول إذا لم يكن له معمول غير الفاعل، فلا يجوز في جلس زيد: جلس، ولا في ظرف زيد: [ظرف]. هذا مذهب أكثر النحويين من البصريين والكوفيين، وما نسبه الزجاجي إلى س من إجازة ذلك على إضمار المصدر غلط منه عليه، وقد أنكره النحاس وغيره على الزجاجي.

وزعم الكسائي والفراء وهشام أن ذلك يجوز، فكان الفراء يزعم أن الفعل فارغ لا شيء فيه، فقيل له: هل يخلو الفعل من فاعل؟ فقال له: إذا شرطت إسقاط الفاعل، وقلت لا تسمه، وجب ألا يكون في الفعل ذكر إذا أسقط فاعله. وكذلك كان يقول في ضرب ضربًا: إنه لا شيء مضمرًا في ضرب، وكذلك قعد قعودًا تعدى أو لم يتعد.
وكان الكسائي وهشام يجيزان ذلك على أن في الفعل مجهولًا، لما حذف الفاعل أسند الفعل إلى أحد ما يعمل فيه مما هو سوى المفعول به: المصدر، أو الوقت، أو المكان، فلم يعلم أيها هو المقصود لأنه لم يظهر مع الفعل مرفوع به.
قال أبو محمد بن السيد: "والأشبه في هذا لمن أجازه أن يضمر مصدر الفعل؛ لأن الفعل يدل على مصدره، كما قال الزجاجي، وما زعم الفراء أنه فارغ لا ضمير فيه خطأ.
وقد احتج المانعون من جواز هذا بأن قالوا: الفعل يدل على مصدره، فلا فائدة في إضماره ولا في إظهاره.
فرد عليهم من أجاز ذلك بأن قالوا: قد أجاز النحويون إقامة المصدر مقام الفاعل في الأفعال المتعدية إذا عدم المفعول به، وكان المصدر منعوتًا أو محدودًا أو معرفًا، فأجازوا: ضرب بزيد الضرب، وسير بزيد سير شديد، وقال تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}. فكما جاز أن يقام المصدر

في هذه المسائل/ مقام الفاعل - وإن كان الفعل قد دل عليه وأغني عنه - كذلك تقول: جلس الجلوس، وقعد القعود، ولا فرق.
ويؤكد جواز هذا أن الموجب لإقامة المصدر مقام الفاعل إنما هو عدم المفعول به، وهذا العلة بعينها هي موجودة في جلس وقعد. واحتجوا أيضًا بأن قالوا: هل معنى جلس زيد إلا أنه قد فعل جلوسًا وأحدثه، فإذا كان هذا معنى الكلام والغرض فيه فما المانع من أن يقال جلس وقعد، إذ معناه فعل الجلوس، وفعل القعود، كما أن قولنا: ضرب بزيد الضرب، إنما معناه: فعل بزيد الضرب. قالوا: والمفعول ليس يرتفع بما أوقع به فعل، كما أن الفاعل في صناعة العربية ليس يرتفع بما أوقع شيئًا وأحدثه، إنما يرتفع كل واحد منهما بالحديث عنه وإسناد الفعل إليه، فيجب على هذا أن يرتفع كل ما حدث عنه من مصدر أو ظرف، سواء أكان الفعل متعديًا أم غير متعد، والتفريق بين المتعدي وغير المتعدي في هذا لا وجه له. قالوا: ولو أن ملكًا أو نظيره ممن له أمر ونهي عهد ألا يجلس أو ألا يضحك في وقت من الأوقات لغرض له في ذلك دون أن يسمي جالسًا أو ضاحكًا لجاز ذلك، ولم يمتنع" انتهى كلام ابن السيد.
وقد وجدت في لسان العرب ما يشهد بجواز جلس وقعد مبنيًا للمفعول دون أن يسند إلى شيء في اللفظ، والفعل لازم، قال الشاعر:
وقالت: متى يبخل عليك، ويعتلل يسؤك، وإن يكشف غرامك تدرب
فـ"يعتل" فعل لازم مبنى للمفعول، ولا مفعول له ظاهر، ولا جائز أن يكون المفعول "عليك" محذوفة لدلالة "متى يبخل عليك" عليه؛ لأن المفعول

الذي لا يسمى فاعله لا يجوز حذفه، كما لا يجوز حذف الفاعل، فالأولى أن يعتقد أن "يعتلل" مفعوله ضمير يعود على مصدر يدل عليه الفعل، ويجعل فيه اختصاص، أي: يعتلل هو، أي: الاعتلال المعهود. أو يجعل "عليك" محذوفة لدلالة ما قبلها عليها، وتكون في موضع نصب ليتخصص به المصدر المذكور، كما تقول: فلان يغضب عليك ويحقد، تريد: ويحقد عليك، فحذفت لدلالة ما قبله عليه، ولا تقدر للمقام مصدرًا مؤكدًا لئلا يتحد المسند والمسند إليه.
وأجاز س اختصاص المصدر بوصف مقدر، فتقول "سير بزيد سير" إذا أردت به نوعًا من السير، فتحذف الصفة لفهم المعنى، كما قال {الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أي: بالحق البين. وقال ابن عصفور: إن هذا مما انفرد به س. وقال غيره: إن أبا العباس قال: هذا فيه/ بعد إذا كنت تريد به ضربًا من السير. وقال غيره: يجوز ذلك إذا أردت به جمع سيره. قال النحاس: والأجود عند جميع البصريين النصب لما ذكرت أنه بمنزلة الفعل. وقال الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع: "إذا كان المصدر مؤكدًا لم يبن له الفعل إلا أن يعلق به ظرف غير متصرف، نحو: جلس دونك، قال تعالى {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ}، وقال الشاعر:
فيا لك من ذي حاجة، حيل دونها وما كل ما يهوي امرؤ هو نائلة"
النائب مضمر، يعود على المصدر المفهوم من حيل.

ولا يقام وصف المصدر مقام المصدر الموصوف، فيجوز: سير عليه سير سريع، وسير حثيث، ولا يجوز: سير عليه سريع، ولا: سير عليه حثيث، بل تنصبه، قال س: "سير عليه حثيثا وشديدًا، فالنصب في هذا على أنه حال". قال: "ولا يكون فيه الرفع لأنه لم يقع موقع الأسماء" إذا كان صفة. وكذا عنده: سير عليه طويلًا، وحديثًا، وكثيرًا، وقليلًا، وقديمًا، بالنصب لا غير. قال أبو إسحاق: التقدير: سير عليه في هذه الحال، فلهذا لم يجز فيه الرفع. ووهم ابن عصفور في قوله إن س انفرد بإقامة صفة المصدر، ونص ص أن ذلك لا يقوم مقام الفاعل.
وأجاز الكوفيون في كل ما ذكرناه من كلام س الرفع على أنه أقيمت فيه الصفة مقام الموصوف، فتقول: سير عليه حسن، أي: سير حسن، ومر به سريع، أي: مرور سريع، إلا في شديد وبين، فإنهم لا يجيزون فيهما إلا النصب، فيقولون: سير عليه شديدًا وبينًا؛ لأن المعنى عندهم: سير عليه حقًا، وكذلك يقولون: ضرب أبين الضرب، وأشد الضرب، وأولع أشد الإيلاع، بالنصب عندهم فقط، ولا يجوز الرفع.
وأجاز البصريون في مثل هذا الوصف المضاف الرفع إذا لم يضمر، فتقول: ضرب أبين الضرب، وضرب أشد الضرب.
وقد نقص المصنف في إقامة المصدر شرطًا، وهو أن يكون المصدر متصرفًا، وكان ينبغي أن يذكره، ذكره في الظرف، فإنه إن كان المصدر غير متصرف لم يجز أن يقوم مقام الفاعل، نحو: معاذ الله وريحانه، وعمرك الله،

وأمثال ذلك؛ لأن العرب التزمت فيها النصب على المصدر.
وقوله أو ظرف مختص متصرف شرط الاختصاص لأن غير المختص لا يقام مقام الفاعل، لا يقال في سرت وقتًا: سير وقت؛ لعدم الفائدة، وكذلك ظرف المكان، لا/ يقال: جلس مكان، في نحو: جلست مكانًا، فإن اختص جاز، نحو: سير وقت صعب، وزمان طويل وجلس مكان بعيد.
وقوله متصرف احترز به من الظرف الذي لا يتصرف، وهو ما لزم الظرفية، نحو "سحر" من يوم معين، و "ثم"، فلا يقال سير سحر، ولا: جلس ثم: لأن قيامهما مقام الفاعل يخرجهما عن الظرفية، قال س: "سير عليه سحر لا يجوز فيه إلا أن يكون ظرفًا؛ لأنهم إنما يتكلمون به في النصب والرفع والجر بالألف واللام، يقولون: هذا السحر، وبأعلى السحر، وإن السجر خير لك من أول الليل". وقال س أيضًا: "سير عليه ضحى، إذا عنيت ضحى يومك". قال: "وكذلك سير عليه عتمة، إذا أردت عتمة ليلتك، وكذلك ضحوة يومك الذي أنت فيه، يجري مجرى عشية، وكذلك: سير عليه ليلًا، وسير عليه نهارًا، إذا أردت ليل ليلتك، ونهار نهارك" انتهى كلام س.
والمعنى أن هذه الظروف التي ذكرها س إذا كانت نكرات جاز فيها الرفع على سبيل المجاز، والنصب على الأصل، فإذا أريد بها شيء بعينه لم تتمكن، فتركت على بابها منصوبة.

وأجاز الكوفيون الرفع فيما منعه س من رفع ضحى وضحوة وعتمة وعشية وليل ونهار معينات.
وذهب الكسائي والفراء إلى أنك ترفع مع النكرات لا غير، تقول: موعدك يوم، ويومان، وساعة، فكذلك يجيء على قولهم: سير بزيد يوم، بالرفع لا غير، وكذلك ساعة.
وأجاز البصريون في ذلك النصب، فإن وقته، فقلت: موعدك يوم العيد، جاز الرفع والنصب. وسواء عند البصريين أكان العمل في الظرف كله أم بعضه، يقيمونه مقام الفاعل.
وزعم الكوفيون أنك إذا قلت سير به يوم الجمعة، فأردت أن السير كان فيه كله رفعت، وإن كان في بعضه نصبت، وهذا مبنى على أصل لهمن وهو أن الظرف إذا كان العمل في جميعه لا ينتصب انتصاب الظرف، إنما ينتصب انتصاب المفعول به.
وأجاز س وعامة البصريين: سير عليه فرسخان يومين، وفرسخين يومان، وفرسخين يومين، ومنع كل ذلك بعض المتأخرين.
وقوله وفي نيابته غير متصرف أو غير ملفوظ به خلاف قال المصنف في الشرح: "أجاز الأخفش نيابة الظرف الذي لا يتصرف، نحو أن تقول: جلس عندك. ومذهبه في هذه المسألة ضعيف. وأجاز ابن السراج نيابة الظرف المنوي" انتهى.

واختلفوا في صفة الظرف إذا حذف الظرف كالخلاف في صفة المصدر، فلم يجز فيه س إلا النصب، وأجاز الكوفيون الرفع، وأجاز س: سير عليه خلف دارك، بالرفع، ومنعه/ بعض المتأخرين.
وتقول: ضرب زيد ظهره وبطنه، فيجوز في ظهره وبطنه عند س الرفع على البدل، والنصب بمعنى على. وكذلك إذا كان معرفًا بالألف واللام، نحو: ضرب زيد الظهر والبطن. وقال أبو العباس: نصب لأنه يشبه الظروف. وقال الفراء: لا يجوز فيهما إلا الرفع، سواء أضيفا أم كان فيهما الألف واللام. وحجته أنه غير مبهم، فلا يجيز النصب، كما لا يجيز: زيد البيت. وحجة س أنه أشبه الظرف من جهة عمومه؛ ألا ترى أن المعنى: عم بالضرب. واختلف النقل عن هشام: فحكى عنه أبو جعفر النحاس كمذهب س، يجيز الرفع والنصب، سواء أكان مضافًا أو فيه أل. ونقل أبو إسحاق بن أصبع في "مسائل الخلاف" أنه أجاز النصب مع الألف واللام، ومنعه مع الإضافة. ونقل أيضًا عن المبرد أنه منع النصب، كمذهب الفراء. وأجاز هشام: ضرب زيد ظهرًا وبطنًا، فينصب على التفسير، أي: ضرب ظهر زيد وبطن زيد، ولا يجيز التقديم. ويجوز عند المازني وأبي العباس. وهي مسألة من التمييز، جر إليها الكلام.
ص: ولا تمنع المنصوب لسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل، ولا نيابة غير المفعول به وهو موجود، وفاقًا للأخفش والكوفيين.

ش: لم يتعرض المصنف في الشرح للمسألة الأولى هنا، وهي مسألة: اخترت زيدًا الرجال، فزيد تعدى إليه الفعل بنفسه، والرجال تعدى إليه لسقوط الجار، وكذلك ما كان مثله. فالذي نص عليه أصحابنا أنه لا يقام مقام الفاعل إلا زيد، وهو الذي تعدى إليه الفعل بنفسه، فتقول: أختير زيد الرجال، تريد: من الرجال. وكلام المصنف يجوز هذا، ويجوز أن تقول: اختير الرجال زيدًا. والسماع إنما ورد بإقامة الذي تعدى إليه الفعل بنفسه دون ما تعدى إليه بإسقاط الحرف، قال الشاعر:
ومنا الذي اختير الرجال سماحة وجودًا إذا هب الرياح الزعازع
والذي ذكره أصحابنا هو مذهب الجمهور، والذي المصنف هو مذهب الفراء، ترك الجمهور المقدر كالملفوظ به، فكما لا يجوز عندهم ترك المفعول به المسرح وقيام المقيد بالحرف لفظًا كذلك لا يجيزونه مع المقيد تقديرًا، وقد ذكرنا أن السماع ورد بذلك، وهو مذهب البصريين.
وقال ابن أبي الربيع: "لا يجوز أمر الخير زيدًا إلا على القلب"
وأما المسألة الثانية - وهي أن ينوب غير المفعول به من مصدر أو ظرف زمان أو ظرف مكان أو مجرور مناب الفاعل مع وجود المفعول به - فهذا لا يجوز عند البصريين.

قال ابن برهان: "لا يقام مقام الفاعل/ إلا المفعول به عند حضوره لأنه شريك الفاعل؛ وذلك أنه يخرج [المصدر] من العدم إلى الوجود، والمفعول به حافظ لوجوده، فلا يستقيم تجدد المصدر إذا فرضنا انتفاء واحد منهما، ولذلك لما جعلت العرب في الأفعال ما لا يتعدى، فلا يكون للمفعول به حظ فيه - أفردوا المفعول به بقبيل من الأفعال لا حظ للفاعل فيه قصاصًا، وذلك باب فعل".
قال المصنف: "وأجاز ذلك الأخفش والكوفيون". قال: "وبقولهم أقول مع أنه وارد عن العرب". وقال غيره: "أجاز ذلك الكسائي والفراء وأبو عبيد، ومنعه الجمهور". واستدل مجيزو ذلك بقراءة أبي

جعفر {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ}، وقول الشاعر:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلابا
وقول الآخر:
أتيح لي من العدا نذيرا به وقيت الشر مستطيرا
وقول الآخر:
وإنما يرضي المنيب ربه ما دام معنيا بذكر قلبه
وقول الآخر في أحد الوجهين:
لم يعن بالعلياء إلا السيدا ... ولا شجا ذا الغي إلا ذو الهدى
وقال الأخفش في (المسائل): "ضرب الضرب الشديد زيدًا، وضرب

اليومان زيدًا، وضرب مكانك زيدًا، ووضع موضعك المتاع". ومن مسائله: أعطي إعطاء حسن أخاك درهمًا مضروبًا عنده زيدًا واستدلوا أيضًا بقراءة عاصم {وكذلك نجي المؤمنين}.
وقال صاحب اللباب: "إقامة المصدر مع وجود المفعول به للبصريين فيه مذهبان:
أحدهما: لا تجوز؛ لأن المصدر هو الفعل في المعنى، فهو غير لازم، بخلاف المفعول به.
والآخر: تجوز؛ لأن الفعل يصل إليه بنفسه، كقراءة أبي جعفر {ليجزى قوماً}، وقراءة عاصم {نجي المؤمنين} أي: ليجزي الجزاء، ونجي النجاء".
ونقل بعض أصحابنا عن الأخفش شرطًا في جواز إقامة المصدر وظرف الزمان مقام الفاعل مع وجود المفعول به، وهو أن يتقدما على المفعول به، فإن تأخرا لم يجز أن يقام إلا المفعول به، فأجاز أن يقال: ضرب الضرب الشديد زيدًا، وضرب يوم الجمعة زيدًا.
وقد أهمل المصنف ذكر هذا الشرط، وعليه تمثيل الأخفش المثل المذكورة في المسائل، ونقل ذلك الشرط عن الأخفش/ ابن الدهانن وقال: هذا طريف

جدًا من الأخفش.
ومن منع ذلك تأول هذه الشواهد: فأما قراءة أبي جعفر فتأولوها تأويلين:
أحدهما: أن يكون التقدير: ليجزى هو، أي: الجزاء، ويكون {قَوْما} منصوبًا بفعل محذوف، تقديره: يجزيه قومًا، ونظيره {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ}، أي: يسبحه رجال.
التأويل الثاني: أن يكون التقدير: ليجزى الخير قومًا، والخير: مفعول به، وهذا الفعل يتعدى إلى مفعولين، فأضمر الأول لدلالة الكلام عليه.
وأما قراءة عاصم {نجي} فتأولوها على أنه أبدل النون الثانية جيمًا، وأدغمها في الجيم. وهذا التأويل ضعيف جدًا، ولا يتصور في قراءته (نجي) بفتح الياء. فالأولى أن يكون التأويل: نجي النجاء، وينتصب {الْمُؤْمِنِينَ} على إضمار فعل، أي: ننجي المؤمنين، كما تأولوا {ليجزي قوماً} على تقدير: يجزيه قومًا.
وأما الأبيات فتحمل على الضرورة لقلتها، ولأن النصب جاء في آخر البيت أو في مصراع البيت. وقد تأولوا نصب الكلاب على أنه مفعول به بقوله: ولو ولدت، وجعلوا "جرو كلب" منادى مضافًا، التقدير: ولو ولدت قفيرة الكلاب - يا جرو كلب - لسب بذلك الجرو. وقال ابن خروف: "افسد ابن

بابشاذ بهذا التأويل اللفظ والمعنى" انتهى. والأولى في التأويل أن يجعل ذلك منصوبًا بإضمار فعل يفسره ما قبله، التقدير: يسبون الكلاب، وأباح نذيرًا.
وأما قوله "معنيا بذكر قلبه" فانتصاب "قلبه" على التشبيه بالمفعول به، كما تقول: رأيت رجلًا مجدوعًا أنفه.
وأما "إلا السيدا" فيحتمل أن يكون استثناء منقطعًان أي: لكن السيد عني بالعلياء.
وقال النحاس: منع النحويون: ضرب زيدًا سوط. وحكى المهاباذي الاتفاق على ذلك. وتعليله ظاهر، وذلك أن السوط هو آلة، فتجوز به إلى أن نصب انتصاب المصدر، وكان الأصل: ضرب زيد ضربة بسوط، ثم حذفت الباء، وأضيفت الضربة إليه، ثم حذفت الضربة، وقامت الآلة مقامها، فكثر المجاز فيه، فلم يجز لذلك أن يقام مقام الفاعل، لا على مذهب من أجاز إقامة المصدر مع وجود المفعول به، ولا على مذهب من منع، فلذلك وقع الاتفاق على المنع.
وذكر المهاباذي أيضًا الاتفاق على منع: حمل زيدًا فرسخ. والذي يقتضيه مذهب الأخفش والكوفيون جوازه. وتقرر من مذاهب البصريين أنه إذا وجد المفعول به مع غيره مما يجوز أن يقام مقام الفاعل فلا يقام سواه، فإذا لم يكن مفعول به فأنت مخير في إقامة ما شئت من البواقي، فقيل: يختار إقامة المصدر وترك ما عداه، وهو اختيار ابن عصفور. وقيل: يختار إقامة المجرور، وهو اختيار ابن معط.

والذي أختاره أن الأولى إقامة ظرف المكان، والسبب/ في هذا الاختيار أن المجرور مقيد بحرف الجر، وقد اختلف النحاة في جواز إقامته مقام الفاعل. وأما المصدر فلأن في الفعل دلالة عليه؛ إذا هو أحد مدلوليه. وكذلك ظرف الزمان، هو أحد مدلوليه؛ لأن الفعل بني له، ففي الفعل دلالة على الزمان، وأما ظرف المكان فدلالته عليه دلالة لزوم كدلالته على المفعول به، فهو أقرب إلى المفعول به من سائر هذه الأشياء، فلذلك اخترنا أن يكون أولى بالإقامة منها.

-[ص: ولا تمنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقًا إن أمن اللبس ولم يكن جملة أو شبهها، خلافًا لمن أطلق المنع في باب "ظن" و "أعلم".]-
ش: يعني بقوله مطلقًا سواء أكان الثاني من باب أعطى أم من باب ظن أم من باب أعلم، فاختار المصنف أنه إذا أمن اللبس، ولم يكن الثاني جملة أو شبهها من ظرف أو مجرور، أو الثالث كذلك - فإنه تجوز إقامة الثاني في باب أعطى وفي باب ظن، والثاني والثالث في باب أعلم. ومثال ذلك: أعطي درهم زيدًا، وظنت بازغة الشمس، وعلم بدر قمر الليلة، وجعل خير من ألف شهر ليلة القدر، واتخذ موضع صلاة مقام إبراهيم، وأعلم زيدًا كبشك سمينًا.
فإن ألبس لم يجز ذلك، نحو: أعطي زيد عمرًا، وزيد عطية، وعمرو معطى، وظن صديقك زيدًا، وزيد هو الأول، وأعلم بشرًا زيد قائمًا، وبشر المعلم، فهذا كله لا يجوز لأجل اللبس.
وكذلك إذا كان الثاني في باب ظن أو الثالث في باب أعلم جملة أو شبهها فلا يجوز: ظن في الدار زيدًا، ولا ظن زيدًا أبوه قائم، ولا يجوز: أعلم زيدًا غلامك في الدار، ولا: أعلم زيدًا غلامك أخوه سائر.

قال المصنف: "وإذا كان أمن اللبس مسوغًا لجعل الفاعل مفعولًا والمفعول فاعلًا في كلام واحد، نحو: خرق الثوب المسمار، و:
...................... ........ بلغت سوآتهم هجر
فجواز هذه المسائل وأشباهها أحق وأولى" انتهى كلامه.
فأما باب كسا وأعطى وأطعم وأسقى وشبهها مما الثاني فيه فاعل من حيث المعنى فلا خلاف في جواز إقامة الأول، نحو: كسي زيد جبة. وأما إقامة الثاني فقال المصنف: "لا خلاف في جواز نيابة ثاني المفعولين في باب أعطي إذا أمن اللبس، نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، ولا في منعها إذا خيف اللبس، نحو: أعطيت زيدًا عمرًا، فيجوز في المثال الأول أن يقال: أعطي درهم زيدًا؛ لأن اللبس فيه مأمون، ولا يجوز في المثال الثاني أن يقال: أعطى عمرو زيدًا؛ لأن عمرًا مأخوذ، فيتوهم كونه آخذًا" انتهى.
وما قاله من أنه لا خلاف في كذا ليس بصحيح؛ لأنك إذا قلت أعطيت زيدًا درهمًا ففي نصف درهم خلاف:
ذهب الجمهور إلى أنه منصوب بأعطيت/ نفسها، وكذلك ما كان من بابها. وذهب الفراء وأبن كيسان إلى أن درهمًا ليس منصوبًا بأعطيت، وإنما هو منصوب بفعل آخر، تقديره: وقبل درهمًا، أو أخذ درهمًا. فعلى مذهب هذين

ومن تبعهما لا يجوز أن يقام هذا الذي هو ثان عند الجماعة مقام الفاعل، فكيف يقول: لا خلاف.
وأيضًا فإن من النحويين من زعم أن أعطى وبابها إذا بنيت للمفعول لم ينتصب الثاني بالفعل المبني للمفعول، وإنما هو منصوب بفعل الفاعل، لما بني هذا للمفعول بقي "درهمًا" منصوبًا على أصله بفعل الفاعل، وإذا كان نصبه كذلك فكيف يجوز أن يقوم مقام الفاعل، ويؤثر فيه فعل ليس عاملًا فيه، فكيف يقال: لا خلاف فيه.
وأيضًا فإن من النحويين من زعم أنه أنتصب على أنه خبر ما لم يسم فاعله، كما في: كان زيد قائمًا، فكما أن خبر "كان" لا يقوم مقام الفاعل، فكذلك خبر ما لم يسم فاعله.
وهذه المذاهب وإن كانت ضعيفة - وسيقام الدليل على ضعفها في باب تعدي الفعل ولزومه إن شاء الله - تقدح في قول المصنف: لا خلاف في كذا.
وأما مذهب الجمهور فهو ما ذكر المصنف من جواز إقامة الثاني إذا لم يلبس. ونسب أبو ذر مصعب بن أبي بكر الخشني لأبي علي الفارسي أنه لا يجيز إقامة الثاني مع عدم اللبس وهو نكرة مع وجود الأول وهو معرفة؛ لأنه لما كان المعنى واحدًا كان رفع المعرفة أولى، قياسًا على باب كان، والنحاة كلهم أجمعون يمثلون بأعطي درهم زيدًا.
قال أبو عبد الله بن هشام: "لا أعرف هذا المذهب لأبي علي إلا من قول أبي ذر، وإن كان لم تسمع إقامة النكرة في هذا الباب كان ما ذكروه قياسًا"

انتهى.
فأما قول الجرمي في (الفرخ): "بعض العرب يقول: كسي ثوب زيدًا، وأعطى درهم عمرًا"- فينبغي أن يحمل على ظاهره، ويكون ذلك حجة في إقامة الثاني نكرة مع وجود المعرفة، ويحتمل أن ينسبه إلى العرب لأنه اقتباسه، فجعله من كلام العرب لذلك.
وعلى ما حكي أبو ذر أن مذهب الفارسي إذا كان الثاني نكره لا يجوز أن يقام مع وجود المعرفة لا يصح قول المصنف: لا خلاف.
وحكي بعض أصحابنا عن الكوفيين أنه إذا كان الثاني نكرة قبح إقامته مقام الفاعل، نحو: أعطى ردهم زيدًا، وإن كان معرفة كالأول كانا في الحسن سواء، فأن شئت أقمت الأول، وإن شئت أقمت الثاني، وذلك إذا لم يلبس. والبصريون إقامة الأول عندهم أحسن.
وأما باب الظن فاختلفوا في جواز إقامة الثاني: فذهب قوم إلى أنه لا تجوز لأن المفعولين إن كانا معرفتين أو نكرتين ألبس، وإن كان الثاني نكرة والأول معرفة فأكثر ما يكون مشتقًا، فيلزم تقديم المضمر على الظاهر، فعلى هذا لا يقوم إلا الأول/، وهو المبتدأ، لأنه أشبه بالفاعل، وإن مرتبته قبل الثاني، لأن مرتبة المبتدأ قبل الخبر، ومرتبة المرفوع قبل المنصوب، ففعل ذلك للمناسبة، وهذا اختيار الجزولي وابن هشام الخضراوي.

وذهب قوم إلى أن ذلك يجوز إذا أمن اللبس ولم يكن جملة ولا شبيهًا بالجملة، لكن إقامة الأول عندهم أولى، فإن كان الثاني جملة لم يقم بحضور المفعول الأول، وهذا اختيار أبي بكر طلحة، وابن عصفور، والمصنف. وشرط بعضهم في جواز إقامته ألا يكون نكرة، فلا يجوز: ظن قائم زيد. فإن عدم المفعول الأول، وبقيت الجملة- فمقتضى مذهب الكوفيين جواز ذلك، فتقول: علم أيهم أخوك، وقد أجاز ذلك السيرافي والنحاس في ترجمة س "هذا باب علم ما الكلم من العربية" إذا جعلت (ما) استفهامًا، ونونت العلم، ونويت فيه أنه لما لم يسم فاعله، فكان التقدير: هذا باب أن يعلم الكلم من العربي. ومنع ذلك الفارسي في "التعاليق".
وإذا أقيم أحدهما، وبقس الآخر منصوبًا- فاختلفوا في ناصبه:
فمذهب س والحذاق أنه منصوب بتعدي فعل المفعول إليه.
وذهب بعضهم إلى أنه منصوب النصب الذي كان له قبل أن يبني الفعل للمفعول، وهو اختيار الزمخشري، قال: "إنما ينتصب بتعدي فعل الفاعل

إليه، فلما زال بقي على ما كان عليه قبل".
ورده عليه أبو عبد الله الصدفي وابن عصفور بأن هذا كلام برأسه، وبنية أخرى غير ما كانت قبل عليه، وإنما نقدر عاملًا لمعمول ما إذا عدمنا عاملًا يعمل فيه.
وكان الزجاجي يسميه خبر ما لم يسم فاعله، ففهم ابن عصفور أنه مذهب ثالث، ورد عليه بالأنا لا نسمي خبرًا إلا ما كان في الأصل خبر المبتدأ، لا ما جاء منصوبًا بعد مرفوع، وليس بخبر في
الأصل. وليس منا فهم ابن عصفور؛ لأن الزجاجي لم يذكر ذلك في جملة إلا قصدًا للتقريب على المبتدئ، لا على أنه اختيار له ومذهب.
وأما باب أعلم فاختلفوا في إقامة الثاني إذا لم يلبس:
فذهب قوم إلى إجازة ذلك، واختاره المصنف.
وذهب قوم إلى المنع، وأنه لا يجوز إلا إقامة الأول، وهو اختيار ابن هشام الخضراوي، وابن عصفور، وشيخنا أبي الحسن الأبذي، قالوا: لأنه مفعول صحيح، وأما المفعولان الباقيان فمبتدأ وخبر في الأصل، شبها بمفعولي

أعطى، فليسا بمفعولين صحيحين، وبإقامة الأول ورد السماع، قال:
ونبئت عبد الله بالجو أصبحت ................
وأما المفعول الثالث ففيهم من كلام المصنف جواز إقامته إذا لم يلبس، ولم يكن جملة ولا شبهها، لأنه قال: "ولا تمتع نيابة غير الأول من المفعولات" إلى آخره. و"غير الأول" يندرج فيه/ ثاني ظن وثاني وثالث أعلم.
وقد ذكر صاحب "المخترع" جواز ذلك عن بعضهم، فقال: لا تجوز إقامة الثاني والثالث في باب أعلم عند من أجاز ذلك إلا بشرط إلا يلبس، نحو: أعلم زيدًا كبشك سمينًا، وأعلم زيدًا كبشك سمين. وذكر ابن هشام الخضراوي الاتفاق على أنه لا يجوز في باب أعلم إقامة الثالث.
ولا ينوب خبر "كان" المفرد، خلافًا للفراء، ولا مميز، خلافًا للكسائي.
ولا يجوز: كين يقام، ولا: جعل يفعل، خلافًا له وللفراء.
ش: قال المصنف في الشرح: "حكي السيرافي في شرح الكتاب أن الفراء يجيز: كين أخوك، في: كان زيد أخاك، ويزعم أنه ليس من كلام

العرب. ورد عليه بأن قيل: هو فاسد لعدم الفائدة، ولاستلزامه وجود خبر عن غير مذكور ولا مقدر" انتهى كلامه.
ونقول: أختلف النحاة في بناء كان الناقصة لما لم يسم فاعله: فأجاز ذلك س، والسيرافي، والكوفيون: الكسائي، والفراء، وهشام. ومنع ذلك الفارسي مطلقًا.
فأما س فقال في كتابه حين ذكر كان الناقصة ما نصه: "وتقول: كناهم، كما تقول ضربناهم، وتقول: إذا لم نكنهم فمن ذا يكونهم، كما تقول إذا لم نضربهم فمن يضربهم". ثم قال: "فهو كائن ومكنون، كما كان ضارب ومضروب". فتقول س "مكون" إنما هو مفعول من كين، ولم يتبين س ما الذي يقام مقام المحذوف، وأشكل كلام س على الناس، وهو أنه لا يجوز حذف أسميها، لأن أسميها مبتدأ، وخبرها خبره، وأسمها لا يحذفان اختصارًا، فكيف يحذفان اقتصارًا.
وسأل أبو الفتح أبا علي عن قول س "ومكون"، فقال: "ما كان داء يعالجه الطبيب". وكان أيضًا يقول (وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ

عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ). وحكي عنه أيضًا أن س إنما قصد أن يبين أن هذا الفعل متصرف، فـ "مكون" لم يمتنع من حيث عدم التصرف، بل إنما أمتنع لأمر آخر من خارج.
وأما السيرافي فذهب إلى أنه إذا بنيت للمفعول حذف أسمها، وانحذف بحذفه خبرها، إذ محال وجود مسند يغير مسند إليه، وأقيم ضمير مصدرها مقام المحذوف.
وقد رد أبن عصفور هذا المذهب بأن الصحيح أنه ليس لها مصدر؛ لأنه لم يسمع قط كلامهم: كان زيدًا قائمًا كونًا.
وأختار ابن خروف مذهب السيرافي، وقال: يحذفان، ويقام مصدرها مقام الفاعل. واستدل على أنها ذات مصدر بقولهم: كن قائمًا، ومحال أن يؤمر بالزمان، وإنما يؤمر بالحدث، وبقولهم: عجبت من كونك قائمًا.
قال بعض أصحابنا: ولا ننكر أن (كان) لها مصدر بمعنى أنها مأخوذة منه؛ لأن كل فعل إنما يكون أبدًا مأخوذًا من الحدث، فـ "كن قائمًا" إنما هو أمر بالكون، وإنما نعني/ بقولنا لا مصدر لها ما زعم الفارسي من أن الخبر قد قام لها وقام الحدث، فلا يقال: كان زيد قائمًا كونًا، ولا ينطبق لها به أصلًا، فهو بمنزلة وذر والوذر؛ ألا ترى أنهما لا يستعملان، إنما يقال يذر.
وقد رد مذهب السيرافي بأنه لا يقام إلا معمولًا قد عمل فيه الفعل، وإن أقيم مصدر أو ظرف على جهة الاتساع فإنما أقيم من بعد ما عملت فيه اتساعًا، وأنت لا تقول: كان زيدًا كونًا، فتعديها إلى مصدرها، فإذا لم يجز لها أن

تنصبه فكيف ترفعه.
وزعم الاستاذ أبو الحسن بن عصفور أنه يجوز أن يحذف معمولًا ها، وتبني لما لم يسم فاعله، ويقام ظرف أو مجرور، قال: "وإنما ذكر س مكون خاصة، ولم يقل مكون فيه؛ لأنه أراد أن يبين كيف بناء المفعول منه، فإذا أردت التكلم به لم يكن بد من أن تأتي بالظرف أو المجرور، ولم تقم الظرف أو المجرور إلا بعد أن جعلته معمولًا لها. والدليل على أنها يكون الظرف أو المجرور معمولًا لها قوله تعالى (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا)، فـ (لِلنَّاسِ) متعلق بـ (كَان)، ولا جائز أن يتعلق بـ (عَجَبًا) ولا بـ (عَجَبًا) مصدر، و (أَنْ أَوْحَيْنَا) مقدر به، ولا تتقدم صلتها عليهما" انتهى.
وما ذهب إليه قد ورده ابن السراج وغيره، وزعموا أنها لا تعمل في ظرف، ولا يتعلق بها جار ومجرور. وتؤولت الآية على أن (عَجَبًا) - وإن كان مصدرًا- فإنه بمعنى أسم الفاعل، فهو بمعنى معجب، فيتعلق (لِلنَّاسِ) به وإن تقدم عليه؛ لأنه لا محذور في ذلك. وعلى تقدير بقائه على المصدرية فإنه يتسع في الظروف والمجرورات ما لا يتسع في غيرها، فيجوز تقديمها عليه.
وأما الكوفيون فقالوا: يجوز بناؤها للمفعول، فإذا قلت كان زيد يقوم فالكسائي يقول: كان يقام، يجعل في كان مجهولًا، ويرد الفعل إلى يفعل ويجعل فيه مجهولًا آخر.

وقال الفراء: كين يقام، (في كان زيد يقوم)، وكين قيم، في: كان زيد قائم، ولا يقدر في الفعل شيئًا. قال الفراء: فترك الفاعل في كان وفي يقام وقيم لأنه إذا ترك من كان لم يثبت في يقوم لأنهما جميعًا فعلان لأسم واحد.
وقال هشام: كين يقام، وكان يقام، إن شئت ألزمت الأول ما يلزم الثاني، وتجعل فيهما جميعًا مجهولًا، وليس واحد من المجاهيل يرجع إلى صاحبه، وإن شئت تركت الأول على حاله.
ولا يجوز عند البصريين إذا قلت زيد يقوم أو قام أن ترد هذا إلى ما لم يسمم فاعله؛ لأن في يقوم ضميرًا يعود على زيد، فإذا حذفت الاسم لم يعد الضمير على شيء. وأيضًا فإن الفاعل مع الفاعل جملة، ولا تقوم الجملة مقام الفاعل. فإن قلت كان عبد الله قائمًا، ثم رددته إلى ما لم يسمم فاعله، لم يجز على مذهب البصريين للضمير الذي قائم.
وأجازه/ الكوفيون، قالوا: كين قائم. إلا أن الفراء قال: إن نويت بقائم أن يكون أسمًا بمنزلة زيد ورجل جاز أن تقول: كين قائم.
قال النحاس: والبصريون يجيزون كين قائم على خلاف ذا، وذلك أن تريد: كين رجل قائم.
فإن قلت كان زيد قائمًا أبوه لم يجز أيضًا على مذهب البصريين أن تردده إلى ما لم يسمم فاعله لما بينا، وجاز على مذهب الكوفيين. وكذا: كان زيد حسنًا وجهه. فإن قلت يحسن لم يجز في كل قول. وفرق الكوفيون بين هذا

وبين: كان زيد يقوم. وكذا لا يجوز في: كان زيد وجهه حسن، ولا في: كان زيد أبوه منطلق، ولا في: كان زيد قائم، على أن تضمر في كان ضمير الأمر؛ لأن الجملة لا تقوم مقام الفاعل إذا كان بعضها قد عمل في بعض.
والذي تختاره من هذه المذاهب هو مذهب الفارسي، وهو أنه لا يجوز أن تبني كان وأخواتها للمفعول، ولم يسمع شيء من ذلك عن العرب، والقياس يأباه، فوجب أطراحه.
ولم يتعرض المصنف لغير كان من الأفعال. والفعل جامد، فلا يبني للمفعول، ومتصرف لازم لم يعتد إلى شيء البتة، فقد مر الخلاف فيه، ومتعد، وتقدم الكلام فيه، وبقى شيء منه يتكلم عليه، وهو (قال) وما في معناها إذا لم يكن لها معمول في اللفظ إلا الجملة، و (ظن) وأخواتها إذا سدت أن ومعمولًا لها مسد مفعوليها، فتقول:
الجملة بعد (قال) إما أن تكون أسمية أو فعلية:
فإن كانت أسمية فإما أن يكون فيها ضمير يعود على فاعل قال، أو لا يكون فيها ضمير: إن كان فيها ضمير، نحو: قال زيد أبوه منطلق- لم يجز أن يبني للمفعول. وإن يكن فيها ضمير، نحو: قال زيد عمرو منطلق- فيجوز أن يبني للمفعول، فيقال: فيقال: عمرو منطلق، فذهب الكوفيون إلى أن الجملة في موضع المفعول الذي لم يسمم فاعله. وذهب البصريون إلى أنه ضمير المصدر الدال عليه قال، والجملة بعده في موضع التفسير لذلك الضمير، فلا محل لها من الإعراب.
وإن كانت فعليه فإما يكون فيها ضمير يعود على فاعل قال أو لا: إن لم

يكن فيها ضمير، نحو: قال زيد قام عمرو- جاز أن يبني، فتقول: قيل قام عمرو والخلاف بين البصريين والكوفيين في الذي يقام على ما تقدم. وإن كان فيها ضمير، وهو غير غائب، نحو: قال زيد أقوم- فيجوز أن يبني قال للمفعول، وأنت مخير في الثاني، فإن شئت أقررته على حاله، فقلت: قيل زيد يقوم- بيتها معًا، فقلت: قيل يقام، هذا مذهب الكوفيين. وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك فيما أدى إلى أن يغير الثاني لأجل تغير الأول، سواء أكان التغير واجبًا أم جائزًا. وحيث غير بناء الثاني لبناء الأول اختلف فيه: فذهب الكسائي إلى أن فيه ضمير مجهول. وذهب بعض البصريين إلى أن فيه ضمير المصدر. وذهب/ الفراء إلى أنه فارغ.
وإذا سدت "أن" ومعمولا لها مسد مفعولي ظن فإن اشتملت الصلة على ضمير غيبة يعود على فاعل ظن، نحو: ظن زيد أنه قائم، أو ظن زبد أن القائم هو، أو أن القائم أخوه- لم يجز بناء هذا للمفعول. وإن لم تشتمل جاز، نحو: ظن أني عالم، أو أنك عالم، أو ظن أن زيدًا عالم، و"أن: وما بعدها تتقدر بمصدر، فهو القائم مقام الفاعل. فلو سدت "أن" الخفيفة مسد المفعولين، نحو: ظن زيد يخرج عمرو- فيجوز أن يبني، فتقول: أظن أن يخرج عمرو. وإن كان في الصلة ضمير غيبة يعود على فاعل ظن، نحو: ظن زيد أن يقوم- فلا يجوز إلا بناؤهما معًا، فتقول: ظن أن يقام. أو ضمير متكلم أو مخاطب، نحو: ظننت أن أقوم، وظننت أن تقوم- فتقول: ظن أن أقوم، وظن أن تقوم، ويجوز فيهما: ظن أن يقام، هذا مذهب الكوفيين. وخلاف الكسائي والفراء وبعض البصريين في يقام كهو في باب قال. والبصريون على مذهبهم في أنه لا يجوز تغيير بناء الثاني لتغيير بناء الأول، لا جوزًا ولا وجوبًا، و"أن" وصلتها تتقدر بالمصدر، وهو القائم مقام الفاعل.

وقوله ولا مميز، خلافًا للكسائي لا يقام في هذا الباب مفعول معه، ولا مفعول من أجله، ولا حال، ولا تتميز؛ لأنها لا يتسع فيها، بخلاف المصدر وظرفي الزمان والمكان. فمن الاتساع في المصدر ما حكاه س: ثماني حجج حججتهن بيت الله، وقال:
ويوم شهدناه سليمًا وعامرًا .........
وحكي المصنف عن الكسائي جواز إقامة المميز، وقال في الشرح ما نصه: "وأجاز الكسائي في امتلأت الدار رجالًا: أمتلئ رجال. وحكي: خذه مطيوبة به نفس، ومن الموجوع رأسه، والمستفوه رأيه. والموفوق أمره" انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وقد ذكر أن التمييز لا يقام مقام الفاعل في هذا الباب، فال: "فأما قوله تعالى (بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، و (سَفِهَ نَفْسَهُ) وأمثالها فالفراء يقول: هو ينتصب بتحويل الفعل عنه في الأصل، والأصل: بطرت معيشتها، وسفهت نفسه، والناصب له الحديث والمحدث عنه، ولم يجز إقامتها مقام الفاعل. وذهب الكسائي إلى أن ينتصب على التشبيه

بالمفعول به، وانتصب بخروجه عن الوصف، كغيره من المنصوبات، وأجاز أن يقام مقام الفاعل، وحكي عن العرب ما حكاه المصنف، ولم يجز تقديمه، فلم يجز: نفسه سفه زيد" انتهى. وتأتي بقية الأقوال في باب التمييز.
فعلى ما حكاه ابن عصفور لا يكون انتصابه في مذهب الكسائي على التمييز، إنما انتصب عنده على التشبيه بالمفعول به، فإذا بناه للمفعول فلم يبن التمييز، إنما يني المشبه بالمفعول به، وهذا مخالف لما حكاه المصنف عن الكسائي أنه يجيز إقامة التمييز هنا.
ووافق ابن أصبغ المصنف في النقل عن الكسائي أنه يقيم/ التمييز، فقال: لا يجيز البصريون بناء الفعل على التمييز، وأجازه الكسائي وهشام.
وكذا قال أبو جعفر الصفار، قال: "وأجاز الكسائي وهشام إذا قلت: طبت بذلك نفسًا، وضقت ذرعًا، أن تقول" طيب بذلك نفس، وضيق به ذرع. قال هشام: شبه بالخارج من الوصف وإن كان مفسرًا؛ لأن الفعل يأتي بالمضي والاستقبال. وحكي الكسائي: خذه مطوية به نفس. ولا يجيز الكسائي مع ذلك تقديمه ولا إضماره لأنه ليس بمفعول صحيح. فأما البصريون والفراء فلا يجيزون من هذا شيئًا.
فإن قلت وجع عبد الله رأسه لم يجز أيضًا: وجع رأسه: ولا: ألم بطنه، عند البصريين والفراء. وعلة البصريين أن فيه معنى (من)، وعلة الفراء أنه عنده مميز كالأول. وأجازه الكسائي، وأجاز فيه التقديم والإضمار لأنه قد قوي عنده" انتهى كلام الصفار، وهو مخالف لكلام ابن عصفور في قوله: ولم يجز تقديمه، والصفار يقول: وأجاز فيه التقديم.
وقوله ولا يجوز: كين يقام، ولا: جعل يفعل تقدم الكلام في: كين يقام.

وأما قوله ولا جعل يفعل فـ "جعل" هذه من أفعال المقاربة، وهي من باب كان، وأصله: جعل زيد يفعل، والخلاف الجاري في "كين يقام" هو جار في "جعل يفعل".
ومما يلحق بهذا الباب من الأفعال مما في جواز بنائه للمفعول خلاف ما ذكره بعض أصحابنا، وهي مسألة: اشتكى زيد عينه، ونحوه، قال: لا يجوز بناؤه للمفعول عند البصريين ولا الفراء، وأجازه الكسائي وهشام.

-[ص: فصل
يضم مطلقًا أول فعل النائب، ومع ثانية إن كان ماضيًا مزيدًا أوله تاء، ومع ثالثه إن أفتتح بهمزه وصل. ويحرك ما قبل الآخر لفظًا إن سلم من إعلال وإدغام، وإلا فتقديرًا بكسر إن كان الفعل ماضيًا، ويفتح إن كان مضارعًا.]-
ش: أخذ المصنف يذكر كيفية بناء الفعل للمفعول، وهو المطلب الرابع، إذ ذكر أولًا البواعث على حذف الفاعل، وثانيًا ما يقوم مقام الفاعل، وثالثًا أشار إلى بعض الأفعال التي لا تبني للمفعول على رأي بعضهم، وهي كان وأخواتها. فذكر في هذا أن الفعل المبني للمفعول يضم أوله مطلقًا، سواء أكان ماضيًا أو مضارعًا، فإن كان أوله تاء مزيدة بضم ثانية، فتقول في تعجل وتجوهر وتشيطين وتضارب: تعجل وتجوهر وتشيطن وتضورب، وتنقلب ياء تفعيل وألف تفاعل واوًا، كما انقلبت في
فعيل وفاعل. وتقول في المضارع: يتعجل ويتجوهر ويتشيطن ويتضارب. وإن كان فيه همزة وصل ضم مع ضم أوله ثالثة، فتقول: أنطلق في الماضي، وينطلق في المضارع.
وقوله ويحرك ما قبل الآخر لفظًا إلى آخره مثاله/ ضرب ويضرب. ومثاله في المعتل والمدغم قولك قيم ورد ويقام ويرد.
وجماع القول في الماضي المعتل إنه إما أن يكون ثلاثيًا أو زيد:
فإن كان ثلاثيًا فإما أن يكون معتل الفاء، أو العين، أو اللام:
فإن كان معتل الفاء بالواو جاز قبلها همزة، سواء أكان مضعفًا أن غير مضعف، نحو أعد في وعده، وأود في ود، إلا أن المضاعف تحذف الكسرة من عينه، ويدغم، كما كان قبل تحويله للمفعول.

وإن كان معتل العين فيأتي حكمه عند كلام المصنف فيه إن شاء الله.
وإن كان معتل اللام تتقلب ألفه ياء وإن كانت منقلبة عن واو، نحو غزي. ومعتل ألفًا بالواو واللام يجوز قلب واوه همزه، نحو أقي في وقي. ولغة لطيئ يقرون الألف في معتل اللام، فيقولون: رضا وزها، في رضي وزهي، ووقًا في وقي، وقال الشاعر:
أفي كل عام مأتم تبعثونه على محمر، ثوبتموه، وما رضا
وقد استعمل ذلك غير طيئ، قال علي بن عبد الرحمن بن علقمة بن عبده التميمي:
زها الشوق حتى ظل إنسان عينه يفيض بمغمور من الماء متأق
ومعتل العين واللام إن كانا مثلين جاز حذف الحركة في المثل الأول، وأدغم في الثاني، فتقول في حيي حي.
وإن كان زائدًا على ثلاثة فإن كان معتل الفاء بواو جاز إبدالها همزة، فتقول أوعد في ووعد. وإن كانت واو ساكنة، وبعدها تاء أفتعل- جاز أن تبدل منها تاء وتدغمها في تاء أفتعل، فتقول في أوتعد من الوعد أتعد.
وإن كانت الفاء ياء ساكنة أبدلت منها واوًا، فتقول في أيقن مبنيًا للمفعول أوقن. وإن كان بعدها تاء أفتعل أبدلت منها تاء، وأدغمتها فيها، فتقول في لغة من قال ايتبس منن اليبس: اوتبس، فتبدل منها واو، وفي لغة من قال اتبس: اتبس، بالإبدال والإدغام.

وإن كان معتل العين على وزن انفعل وافتعل فيأتي حكمه عند كلام المصنف فيه إن شاء الله. أو على غير ذلك، وصحت في فعل الفاعل- صححت في فعل المفعول، فتقول في استحوذ: استحوذ، وفي أطول: أطول، وفي أغيل: أغيل. وإن لم تصح- وإن كان أصل ما انقلبت الألف عنه ياء أو واوًا- فلا يجوز إلا الياء، نحو أبين واستبين وأعيد واستعيد.
ومن قال من العرب اسطعت بحذف التاء في فعل الفاعل جاز له إذا بناه للمفعول أن يقول اسطيع واسطوع، ومن قال استطاع بالرد قال استطيع.
ومعتل اللام يصير ياء، تقول: أعطي ورومي، في أعطى ورامي. ومعتل الفاء واللام إن كانت ألفًا ياء قبلت بعد الضمة واوًا، أو واوًا مضمومة جاز/ قلبها همزة، وتنقلب الألف ياء، فتقول في أيديت عنده يدًا: أودي عنده يد، وفي واريت: وروى وأروى، واستودي الحساب.
ومعتل العين واللام كمعتل اللام خاصة، فتقول في أحيا واستحيا وأحييت وأحياييت وأغوى واستغوى: أحيي واستحيي وأحيوي وأحيويي وأغوي واستغوي، ويجوز أحي واستحي وأحيي وأحيوي.
والمعتل اللام خاصة إذا ضوعف جري مجري المعتل العين واللام، فتقول في افعللت وافعاللت من رمي: ارمييت وارماييت، فإذا بنيا للمفعول قال: أرميي وأرمويي وأرمي وأرموي.
وإن أسند شيء من ذلك إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث لم يجز الإدغام، نحو أحييت وأحييت واستحيين.

والمضارع من هذا كله مضموم أوله مفتوح ما قبل آخره، ويصير حرف العلة بعده ألفًا، وما كان منه محذوف ألفاء ترد، وما كان في عينه بالثقل كسره تصير ألفًا، فتقول: يتلافى ويحيا ويستحيا ويغوي ويحيايا ويوعد ويقام ويستقام. وما روى أبو زيد من قولهم: لم يجد، وبعضهم من قوله:
............ لم يدع من المال إلا مستحتا أو مجلف شاذ.
وجماع القول في المضاعف الماضي أنه إما أن يكون ثلاثيًا أو أزيد:
إن كان ثلاثيًا، وفك في الفاعل- فك في فعل المفعول، فتقول في مششت الدابة: مشش مشش كثير، وكذا نظيره الذي فك شذوذًا. وإن لم يفك فتحذف الكسرة، وتدغم، فتقول رد، وسنذكر لغة الكسر إن شاء الله عند ذكر المصنف لها.
وإن كان زائدًا على ثلاثة أحرف، وهو مضعف العين، فكالصحيح، فتقول في خلص: خلص. أو مضاعف غير العين، والأول من المثلين بعد حرف ضم لأجل البناء للمفعول- فكالثلاثي المدغم، فتقول ارتد واضطر وانقد. ومن كسر في رد كسر هنا. أو الأول بعد حرف ساكن، والفعل ملحق- فكالملحق به، نحو جلبب كدحرج. أو غير ملحق، والساكن الصحيح- فلا يجوز إلا نقل الكسرة من أول المثلين إلى الساكن قبله، نحو قد أقشعر من هذا الأمر، واطمئن إلى زيد. أو حرف مد ولين لم يجز عند البصريين إلا حذف الكسرة من أول

المثلين والإدغام، نحو أحمور من الخجل، وخجول فلان. وزعم الكوفيون أنه يجوز أحمير وخيل، وأنه إذا تركت الهمزة في نحو أطمأنت جاز أن تقول أطمون وأطمين، كما قلت احمور وأحمير، قال الفراء: سمعت أبا ثروان يقول: قد أطمين عند. وهذا شيء لا يعرفه البصريون.
وإن أسند شيء من هذا إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث زال الإدغام، وكسر الأول، تقول: رددت ورددت ورددن وارتددت وارتددن.
والمضارع من جميع المضاعف يسكن أول مثليه بحذف الفتحة منه إن كان الساكن قبله/ حرف مد ولين، وتنقل منه إلى الساكن قبلها إن كان صحيحًا، ولم يكن الفعل ملحقًا، ثم يدغم أولهما في الثاني، فتقول: يرد ويرتد ويقشعر ويحمار ويخال. والملحق كالذي ألحق به، فتقول: يجلبب كيدحرج. وإن أسند شيء منه إلى نون الإناث زال الإدغام، وعاد الأول منهما إلى أصله من التحريك بالفتح، فتقول يرددن.

-[ص: وإن أعتلت عين الماضي ثلاثيًا أو على انفعل أو افتعل كسر ما قبلها بإخلاص أو إشمام ضم، وربما أخلص ضمًا، ويمنع الإخلاص عند خوف اللبس. وكسر فاء فعل ساكن العين لتخفيف أو إدغام لغة، وقد تشم فاء المدغم، وشذ في تفوعيل تفعيل.
وما تعلق بالفعل غير فاعل أو مشبه به أو نائب عنه منصوب لفظًا أو محلًا. وربما رفع مفعول به ونصب فاعل لأمن اللبس.]-
ش: مثال ذلك قال وباع وانقاد واختار. وإطلاق المصنف لا يصح لأنهم يطلقون على ما فيه حرف العلة سواء أصح أم أعتل معتلًا، فيوهم أن مثل عور وصيد وأعتون يكون فيه الحكم الذي ذكره، وليس كذلك، بل حكم هذه التي صحت فيها العين حكم الصحيح، فتقول: عور في المكان، وصيد فيه، واعتون

فيه، فإزالة هذا أن يزيد فيه "بألف"، أي: وإن اعتلت بألف.
وذكر المصنف في مثل قال وباع وانقاد واختار وجوها ثلاثة:
الأول: كسر ما قبلها بإخلاص، فتقول: قيل وبيع وأنقيد وأختير، فالأصل في قيل: قول، استثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف بعد تقدير حذف حركتها، فسكنت الواو، فأنقلبت ياء لكسرة ما قبلها، نحو ميزان. والأصل في بيع: بيع، فاسثقلت الكثرة على الياء، فنقلت إلى الباء بعد تقدير حذف حركتها، فالعمل في ذوات الواو أكثر منه في ذوات الياء. وأصل أنقيد واختير: أنقود وأختير، فعمل في قيل وبيع.
الوجه الثاني: كسر ما قبل عين الكلمة بإشمام ضم. وهذان الوجهان قرئ بهما في السبعة.
وقال أبو الحكم بن عذرة: "ومن الناس من ذهب إلى أن الإشمام إنما يتصور في الوقف دون الوصل، وذلك أن معناه ضم الشفتين من غير صوت، وذلك لرأي العين لا للسمع. قال: والإشمام على هذا لا يتمكن أولًا لأنه لا بد لك أن تشوب الكسرة شيئًا من صوت الواو، فتغير صوت الناطق بهذه الكسرة إلى صوت الضمة، فتبطل حقيقة الإشمام.
ومن القراء من زعم أن الإشمام يمكن أولًا من غير أن يتغير لفظ الكسرة، كما يكون الإشمام في الوقف، ولا تتغير الكسرة، وهذا ليس في قوة البشر، ولو تكلفت ذلك لم تستطعه.

وقد كان الأستاذ أبو الحسن- يعني أبن عصفور- يقول: لعل هذا المذكور يهيئ شفتيه للنطق بالضمة قبل النطق بالحرف، ثم ينطق به، فيكون الإشمام في غير الأواخر عكس ما هو في الآخر، وهو رأي فاسد؛ لأنه إذا قام الدليل على أن النية بالحركة أن تكون بعد الحرف وجب ألا يقع الإشمام إلا بعد نطق الحرف؛ إذ هو إشارة للحركة، فينبغي أن تكون تلك الإشارة في موضع الحركة، وأيضًا فقد اتفق في الوقف على الإشمام بعد النطق بالحرف، واختلف هنا، فينبغي أن يرد ما أختلف فيه إلى ما أتفق عليه، فإن تعذر ذلك كما تقدم وجب ألا يقال إنه إشمام، ولو قيل فيه أنه روم لكان صحيحًا؛ لأن الروم عبارة عن تضعيفك النطق بالحركة حتى يسمع لها صويت ضعيف يكاد يخفي، لكن يدركه الأعمى، وهذا موجود في مثل قيل وغيض، فينبغي أن يسمى رومًا، لكن عبارة من تقدم عنه بالإشمام كما ذكرت لك" انتهى كلام أبن عذره.
وقال س: "وبعض العرب يقول: خيف وقيل وبيع، فيشم". قال ابن خروف: "الإشمام هنا صوت، كما تريد ذلك في رد؛ ألا ترى أنه لا يجري بضم الشفتين إلا صوت الواو، ولا بد منذ لك".وقال الأستاذ أبو علي: زعم أبو عمرو الداني أن الإشمام هنا. بمعنى الاختلاط، وأنه لا بد من سماعه، ومحال أن يكون الإشمام في مثل هذا الموضع من التي وقع الإشمام فيها في الوصل كالإشمام في الوقف. يريد غير مسموع. وقال: إنه لا يطوع بالنطق به لسان. قال الأستاذ أبو علي: وقد كان شيخًا أبو عمرو بن الطفيل المقرئ المجود يتقنه، ويشم الحرف

الموصول من غير أن يسمع إشمام، وقد سمعته يورده غير مرة، ولا يسمع لإشمامه صوت أصلًا. وقد قال س في باب من أبواب الأجزاء: "وسمعنا من العرب من يشم الضم". وهذا ظاهرة أن الإشمام في الموصول مسموع كما قال أبو عمرو الداني.
وقوله ربما أخلص ضمًا قال المصنف: "وبعض العرب يخلص الضمة، فإن كانت العين واوًا سلمت لسكونها بعد ما يجانسها، وإن كانت ياء اقلبت واوًا لسكونها بعد ضمة، وعلى هذه اللغة قول الراجز:
ليت، وهل ينفع شيئًا ليت ليت شبابًا بوع، فأشتريت
ومثله الآخر:
حوكت على نيرين إذ تحال تخبط الشوك، ولا تشاك"
انتهى. وهذه لغة فقعس ودبير، وهما من فصحاء بني أسد، وهي موجودة في لغة هذيل.
وهذه اللغات الثلاثة جارية في انقاد واختار إذا بنيا للمفعول. وقال/ أبو الحكم بن عذره. "لغة قول وبوع هي أراد اللغات لشذوذها استعمالًا وقياسًا، وهذه اللغة الثالثة إنما تكون في الثلاثي من الأفعال، فأما الزائد على ذلك فليس فيه

إلا النقل، نحو أنقيد" انتهى. فعلى هذا لا يجوز أنقود ولا أختور. وما ذكرناه قبل من جواز ذلك نقله الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وشيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي، كما نقله المصنف.
وقوله ويمنع عند خوف اللبس قال المصنف في الشرح: "لا يجوز إخلاص الكسر ولا إخلاص الضم إذا أسند الفعل إلى تاء الضمير أو نونه إلا بشرط ألا يلتبس فعل المفعول بفعل الفاعل؛ بل يتعين عند خوف الالتباس إشمام الكسرة ضمًا. ومثال ما يخاف فيه الالتباس قولك في بيع العبد: بعت يا عبد، وفي عوق الطالب: عقت يا طالب، فإن هذا ونحوه لا يعلم كون المخاطب فيه مفعولًا إذا أخلصت الكسرة مما عينه ياء، والضمة مما عينه واو، بل الذي يتبادر إلى ذهن السامع كون المسند إليه فاعلًا، والمراد كونه مفعولًا، ولا يفهم ذلك إلا بالإشمام، فوجب التزامه في مثل هذا" انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه يمنع الإخلاص عند خوف اللبس لم يذكره أصحابنا، ولم يعتبروه، قالوا: إذا أسند شيئًا من هذه الأفعال المعتلة المبنية للمفعول إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون جماعة المؤنث فإن العرب تختار الكسر في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مضمونة؛ فيقولون: طالما قدت، فيضمون الفاء إذا كان مسندًا إلى الفاعل، ويكسرونها إذا كان مسندًا للمفعول، ومنهم من يشم الضم تفرقه بين المعنيين، وقد يجوز أن تضم الفاء فيهما. وتختار العرب الضم في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مكسورة، فيقولون: طالما ضمت إذا كان مسندًا للفاعل، وطالما ضمت وضمن إذا كان مسندًا للمفعول تفرقه بين المعنيين. ومن أشار إلى الضم في الفاء أشار إليه إذا حذف الياء، وقد

يجوز أن تكسر الفاء فيهما. انتهى ما نقلوه عن العرب، ولم يشترطوا في الإخلاص ألا يلبس، ولا تعين إشمام الكسرة ضمًا إذا ألبس، بل ذكروا في نحو قدت الكسر، وفي نحو بعت الضم، على سبيل الاختيار، ثم جواز الإشمام، ثم جواز الضم في نحو فقدت مبنيًا للمفعول، كالبناء للفاعل.
وفي شرح المهاباذي: "لم يخف الالتباس في خفت إذا كان مبنيًا للمفعول، وجواز الكسر في بعت مبنيًا للمفعول؛ لأن الفرق بينهما حاصل تقديرًا وإن لم يكن فرق بينهما- يعني لفظًا- ومن ذلك ما حاكاه ذو الرمة عن أمة بني فلان: "غثنا ما شئنا"، وهو فعلنا؛ لأنه يقال: غبث القوم، فإذا رددته إلى نفسك فلت: غثت" انتهى.
ولم يبالوا بالإلباس، كما لم يبالوا به حين قالوا "مختار" لأسم الفاعل واسم المفعول، والفارق بينهما تقديري لا لفظي.
وأما س فلم يتعرض لهذا التفصيل الذي ذكره أصحابنا، ولا لما ذكره المصنف من أنه يمنع الإخلاص عند خوف الالتباس، بل أجاز فيها إذا أسندت إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث الأوجه الثلاثة التي هي في قيل وبيع إذا كانت مسندة لغير ضمير المتكلم ونون الإناث؛ قال س: "وإذا قلت فعلت أو فعلن أو فعلنا من هذه الأشياء ففيها لغات:
أما من قال قد بيع وزين وخيفت وهيبت فإنه يقول: قد خفنا وبعنا وخفن وزن وبعت وهبت، يدع الكسرة على حالها، ويحذف الياء لأنه التقى ساكنان.

وأما من ضم بإشمام إذا قيل فعل فإنه يقول: قد بعنا، وقد رعن، وقد زدت. وكذا جميع هذا يميل الفاء ليعلم أن الياء قد حذفت، فيضم، وأمال كما ضموا وبعدها الياء لأنه أبين لفعل.
وأما الذين يقولون بوع وقول وخوف وهوب فإنهم يقولون بعنا وهبنا وخفنا وزدنا، لا يزيدون على الضم والحذف، كما لا يزيد الذين قالوا رعن وبعن على الكسر والحذف" انتهى كلام س. وهذا هو الصحيح المنقول عن العرب:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام.
وقوله وكسر فاء على ساكن العين لتخفيف أو إدغامه لغة قال المصنف في الشرح: "وقد يقال في فعل: فعل تخفيفًا دون نقل، وربما نقلوا بعد التخفيف، فقالوا في علم: علم" انتهى.
وقوله وكسر فاء فعل ساكن العين لتخفيف أو إدغامه لغة قال المصنف في الشرح: "وقد يقال في فعل: فعل تخفيفًا دون نقل، وربما نقلوا بعد التخفيف، فقالوا في علم: علم: انتهى.
والذين قالوا في ضرب ضرب، فسكنوا الرء، هم الذين يقولون في قيل وبيع: قول وبوع، لم ينقلوا في المعتل ولا في الصحيح، بل سكنوا فيهما، فينبغي أن تكون لغة ضرب بكسر الضاد ليس مفرغة على هذه اللغة؛ لأن هؤلاء ليس في لغتهم النقل ولا في المعتل ولا في الصحيح، بل يكون ذلك من لغة من كسر ما قبل الآخر، ثم سكن، ثم نقل الكسرة إلى الفاء، فقال ضرب.
وقوله لغة أما كسر الفاء إذا سكنت العين تخفيفًا فإن مذهب الجمهور أنه لا يجوز، وحكي عن قطرب إجازته، فعلى مذهب الجمهور ليس بجائز، ولا هو لغة كما ذكر المصنف.

وأما كسر الأول من المضاعف إذا وجب الإدغام نحو رد فقد قاله غيره، فيقول في رد: رد بكسر الراء، نقلت حركة العين إلى الفاء بعد تقدير سكونها. وقال الجمهور: لا يجوز إلا الضم. وأجاز الكسر بعض الكوفيون، وهو الصحيح، وهو لغة لبني ضبة ولبعض بني تميم ومن جاورهم، يقولون: رد الرجل، وقد/ قميصه، وقرأ علقمة (رُدَّتْ إِلَيْنَا)، (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا)، وهي في مذهب الذين قالوا قيل وحيل. إلا أن الوجه في فاء رد الضم، والوجه في فاء قيل وكيل الكسر.
وقال المهاباذي: من أشم في قيل وبيع أشم في رد. فعلى هذا يكون في رد وجوه قيل وبيع: إخلاص الضم، والإشمام، وإخلاص الكسر.

مسائل في هذا الباب
الأولى: يجوز في قولك "ضرب زيد قيامًا وقعودًا" أن يتقدم قيامًا وقعودًا - وانتصابهما على الحال- فتقول: قيامًا وقعودًا ضرب زيد؛ لأن العامل فعل متصرف، وفعل ما لم يسم فاعله يجوز أن يتعدى إلى الحال والظرف كفعل ما سمي فاعله، والتقدم والتأخير في مثل هذا سواء، هذا مذهب البصريين، وسواء عندهم أكان ذو الحال مضمرًا أم ظاهرًا. ومنع التقديم هشام. وأجازه الكسائي إن كانت الحال من مضمر، فإن كانت من مظهر منع.
المسألة الثانية: يضرب أي رجل- بالنصب في أي- يجوز فيه التقديم والتأخير لأنهما حال عندهم. ومنع هشام التقديم، وقال: القطع لا يتقدم الاسم وفعله، ويجوز تأخيره. قال: تقطعه من المضمر. وأجاز التقديم الكسائي لأنه يقدم حال المضمر خاصة. وفصل الفراء، فقال: إن قدرت الكلام لا يتم إلا بالحال جاز التقديم، ومنع إن قدرته يتم دونها؛ لأن الحال عنده على ضربين، يقدمها في الناقص، ولا يقدمها في التام.
المسألة الثالثة: ذهب الكوفيون، والمبرد، وابن الطراوة إلى أن صيغة الفعل المبني للمفعول أصل غير مغير من صيغة الفاعل. ونسب هذا المذهب ابن الطراوة إلى س. وذهب جمهور البصريين إلى أنه ليس بأصل، وأنه مغير من فعل الفاعل. وهذا الخلاف لا يجدي كبير فائدة.
واستدل للمذهب الأول بأنه قد جاءت أفعال مبنية للمفعول، ولم تبن قط

للفاعل، نحو جن زيد، وزكم، وورد، من ورد الحمى، ولقي، من اللقوة، وفلج، ورهصت الدابة، ونحو ذلك، ولو كان فرعًا للزم ألا يوجد إلا حيث يوجد الأصل. وبأنهم همزوا الواو المضمومة في أوله، فقالوا في وعد: أعد، في وقتت، أقتت، ولو كان مغيرًا من باب الفاعل لكانت الضمة عارضة، فلم تهمز؛ إذا كان يحكم لها بحكم الأصل، وه ومن وعد ووقت، وليس يهمزه أحد لخفة الفتحة؛ ألا ترى أنهم لم يهمزوا واو (لَتَرَوُنَّ)، ولا (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) لعروض الضمة فيها، فدل على أن الضم أول الفعل أصل.
ورد الأول بأن العرب قد تستغني بالفرع عن الأصل، الدليل على ذلك الجموع التي وردت ولا مفرد لها، كعباديد وشماطيط.
وأجيب/ عن الثاني بأنه- وإن كان فرعًا- فقد صار بإزاء معنى، إذا استعمل ذلك المعنى كان هذا التغيير مطردًا لا بد منه، فصار كالأصل. وأيضًا فإنه كثيرًا ما يعتد بالعارض في لسان العرب، فهذا منه.
واستدل للمذهب الثاني بقول العرب بويع وسوير، فلم يدغموا ذلك، والقاعدة أنه متى اجتمع ياء وواو وسبقت احدهما بالسكون أدغم في الآخر، فلما كان مغيرًا من ساير وبايع حمل على أصله، فلم يدغم لعروض هذا الاجتماع.

وأجيب عن كونه لم يدغم- وإن كان أصلًا- بأنه كان لو أدغم يلتبس فوعل بفعل، ولأنه يمكن أن يحمل سوير على ساير وإن لم يكن أصلًا، كما حملوا عور وصيد على أعور وأصيد، وليس ذلك أصلًا لهما، وسوير في معنى ساير، بمعنى أنه إذا سوير فقد سايره مساير.
واستدل أيضًا لهذا المذهب الثاني بقولهم مدعو مراعاة للأصل الذي هو دعوت إذا زالت الكسرة، كما قالوا موازين جمع ميزان حيث زالت الكسرة، وكما قالت مياسير جمع موسر حيث زالت الضمة، وبأن طلب الفعل للفاعل من جهة المعنى أولًا وللمفعول ثانيًا، فينبغي أن تكون بنيته له أولًا، وللمفعول ثانية عن بنيته للفاعل.
المسألة الرابعة: تقول العرب: مررت برجل كفاك بعه رجلًا، فـ "به" في موضع رفع على الفاعلية، ولو سقطت الباء لاستكن الضمير في كفاك إذ تقدم عليه مفسره، ولا يجوز رد هذا الفعل لما لم يسم فاعله في هذا الترتيب مع وجود "به". وأجاز ذلك الكسائي، فتقول: مررت برجل كفيت به رجلًا. وغلطه الفراء، وقال: الثاني في رفع، فكان ينبغي أن يسقط، وإن سقط ذهب المدح.
وقوله وما تعلق بالفعل وليس بفاعل ولا شبيه به يعني بالشبيه بالفاعل أسم كان وأخواتها.
وقوله أو نائب عنه هو المفعول الذي لم يسم فاعله.
وقوله منصوب لفظًا يعني كالمصدر وظرف الزمان وظرف المكان والمفعول

به والحال والتمييز والمستثنى- بشرط جوزا نصبه- والمفعول معه والمفعول من أجله.
وقوله أو محلًا مثاله المجرور بحرف زائد، نحو: ما رأيت من أحد، أو بغير زائد، نحو: مررت بزيد.
وقوله ربما رفع مفعول به إلى آخره مثاله: خرق الثوب المسمار، وانتصب العود على الحرباء، وقول الشاعر:
مثل القنافذ هداجون، قد بلغت نجران، أو بلغت سواتهم هجر
والسوات هي البالغة، ن وهجر هي المبلوغة، وقول الآخر:
إن سراجًا لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تهجره.
/ وحقه أن يقول: يحلي بالعين، قال ثعلب" حلا الشيء في فمي يحلو: وحلي بعيني يحلي، وحلاوة فيهما جميعًا، وقول الفرزدق في ضيافته الذئب:
وأطلس عسال، وما كان صاحبًا رفعت لناري موهنًا، فأتاني أي: رفعت له ناري، وقول النابغة:

على حين عاتبت المشيب على الصبا ................
أي: عاتبني المشيب على الصبا. وظاهر كلام المصنف أن ذلك جائز في الكلام على قلة إذا لم يلبس.
وقلب الإعراب لفهم المعنى فيه مذاهب ثلاثة:
أحدها: أنه يجوز ذلك في الكلام والشعر اتساعًا لفهم المعنى. واستدل لهذا المذهب بقوله تعالى (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)، وبقول العرب: إن فلانة لتنوء بها عجيزتها، فالعصبة والعجيزة لا تثقل، إنما يثقل بهما، والمعنى: لتنوء العصبة بها، ولتنوء فلانة بعجيزتها، أي: تثقل بها، وبقولهم: عرض الناقة على الحوض، وإنما يعرض الحوض على الناقة، وأدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى: أدخلت في القلنسوة. ومن القلب قوله:
كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم
وقوله:
وتركب خيل لا هوداة بينها وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر.
التقدير: كما كان الرجم فريضة الزني، وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح وإلى هذا المذهب في الآية ذهب أبو عبيده وجماعة، وأنه على القلب.

وأجاز أبو علي في قوله تعالى {وآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أن يكون من المقلوب، أي: فعميتم عليها. وكثيرًا ما يقول به أبو العباس في القرآن وغيره.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز إلا لمجرد الضرورة.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز إلا للضرورة وتضمين الكلام معنى يصح معه القلب، كقوله:
.............................. ........... أو بلغت سواتهم هجر
حمله على المعنى، فكأنه قال: أو حملت سواتهم هجر؛ لأنه إذا بلغت السوات هجر فقد حملتها هجر.
والذي صححه أصحابنا أنه لا يجوز في الكلام، ولا يجوز في الشعر إلا في حال الاضطرار.
والصحيح أن أكثر ما جاء من القلب سببه التضمين، وقد يجيء منه في الضرورة ما لا يلوح فيه وجه التضمين، بل قلب لمجرد الضرورة.
وقد تأولوا {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ}، ولتنوء بها عجيزتها، على أن الباء للتعدية، أي: لتنئ العصبة، ولتنيئها عجيزتها، كالباء في {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ}، أي:

لأذهب سمعهم. وعلى /هذا خرج الآية الكسائي والفراء.
وفي البسيط: وقد يجوز أن يتبادلا _يعني الفاعل والمفعول_ الإعراب، وذلك في موضعين:
أحدهما: أن يكون كل واحد منهما فاعلًا من جهة المعنى، نحو: ضارب زيد عمرًا، وقوله:
.............................. قرع القواقيز أفواه الأباريق
والثاني: أن يكون مفهومًا من جهة المعنى، نحو: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر.
وقيل: وقد يجوز رفعهما معًا، ونصبهما معًا، لفهم المعنى، وأنشدوا:
إن من صاد عقعقًا لمشوم كيف من صاد عقعقان وبوم
فرفع عقعقان وبوم؛ لأنه قد عرف أنهما مصيدان، ومنه:
قد سالم الحيات منه القدما

-[ص: فصل
يجب وصل الفعل بمرفوعة إن خيف التباسه بالمنصوب، أو كان ضميرًا غير محصور، وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو: ما ضرب عمرو إلا زيدًا. فإن كان المرفوع ظاهرًا والمنصوب ضمير لم يسبق الفعل ولم يحصر فبالعكس. وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو: ما ضرب عمرًا إلا زيد، وعند الأكثرين في نحو: ضرب غلامه زيدًا. والصحيح جوازه على قلة.]-
ش: مرفوع الفعل يشمل الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله واسم كان وأخواتها، ويتنزل منزلة الجزء منه، والأصل أن يليه، والفصل بينهما بالمنصوب جائز ما لم يعرض موجب للبقاء على الأصل أو الخروج عنه. وخوف الالتباس بكونهما مقصورين أو مضافين إلى ياء المتكلم أو مشارين أو نحوهما مما لا يظهر فيه إعراب من غير دليل على تعيين الفاعل موجب لتقديم الفاعل على المفعول؛ هكذا قال ابن السراج في أصوله والجزولي والمتأخرون من أصحابنا.
وقد نازعهم في ذلك أبو العباس الإشبيلي المعروف بابن الحاج، وكان من تلاميذ الأستاذ أبي علي، ورد ذلك على ابن عصفور في مقربه، وقال: "لا محصول لما ذكروا، ولا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية". قال: "وبيان ذلك أن في العربية أحكامًا مفرطة الكثرة، إذا حدثت طرأ منها لبس، ثم لا نقول بالقول المطلق إنه لا يجوز إحداثها، وذلك كتصغير عمر وعمرو، فإن اللفظ بهما واحد، ولا نقول لأجل ذلك لا يجوز تصغيرهما أو تصغير أحدهما، ولكن نقول أليس من المقاصد المعروفة بين العقلاء إجمال ما يتخاطبون به، وهذا

ليس خاصًا بلسان، بل هو عام في جميع الألسنة، ثم نقول: لا يبعد أن /يقصد قاصد لإفادة أن موسى ضرب عيسى، أو ضربه عيسى، فيأتي في ذلك باللفظ المحتمل، وهو لم يقصد إلا إعماء هذا الخبر، وبقيت فيه بعد فائدة أخرى، وهو أنه ضرب أحدهما الآخر من غير تعيين. ونقول أيضًا: لا يمتنع أن يتكلم به لغة، ويتأخر البيان لوقت الحاجة، فإن تأخير البيان يجوز عقلًا عند الكل، ويجوز شرعًا عند الأكثرين، قال به الشافعي وأكثر أصحابه والأقل من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك وحذاق المتكلمين. نعم يمكن أن يقال هنا إذا أجملا فينبغي أن يبقي مع الظاهر من تقديم الفاعل، لكن ليس هذا قطعًا على منعه. قال الزجاج في معانيه في قوله سبحانه {فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ}: يجوز أن يكون {تِّلْكَ} في موضع رفع على اسم {زَالَت}، وفي موضع نصب على خبر {زَالَت}، ولا اختلاف بين النحويين في الوجهين" انتهى.
فعلى ما قاله ابن الحاج، واتبع فيه الزجاج، وذكر أن س لا يتعرض لشيء مما ذكره ابن السراج ومتأخرو أصحابنا _لا يجب تقديم الفاعل على المفعول وإن ألبس.
ونفرع على المشهور، فنقول: إذا ألبس وجب تقديم الفاعل، ويزول الإلباس بقرينة معنوية، كولدت هذه هذه، تشير بالأولى إلى صغيرة، أو كقولك: أكل كمثرى موسى، أو لفظية كضربت موسى سعدي، وضرب موسى العاقل عيسى.
وإنما قال "مرفوع الفعل" لأنه لو كان مرفوعًا بالاسم لم يجب اتصاله

بالاسم، مثاله: عجبت من ضرب زيد عمرًا، ومررت برجٍل راكٍب أبوه الفرس، فيجوز في هذين تأخير الفاعل عن المفعول.
وقوله أو كان ضميرًا غير محصور مثاله: ضربت زيدًا، وأكرمتك. واحترز بقوله غير محصور من نحو: إنما ضرب زيدًا أنا.
ويندرج تحت قوله أو كان ضميرًا غير محصور أيضًا مسألتان: إحداهما ممنوعة بإجماع، والأخرى فيها اختلاف:
فالممنوع: أن يكون الضمير المتصل بالفعل عائد على المفعول، مثاله: الزيدين ضربا.
والتي فيها اختلاف: أن يكون الضمير المتصل بالفعل عائد على ما اتصل بالمفعول، مثاله: ثوب أخويك يلبسان، فنقل المنع عن الأخفش والفراء، ونقل الجواز عن هشام، واختلف عن الكسائي والمبرد وأكثر البصريين: فنقل ابن كيسان عن الكسائي والمبرد الجواز. ونقل أحمد بن جعفر الدينوري المنع عن البصريين. ونقل النحاس منعها عن أكثر البصريين. وقال المبرد محتجًا للجواز: ليس هذا بأبعد من قولك: ضرب زيد غلامه. وقال أيضًا محتجًا للمنع: هو معلق بالثاني، والثوب /مضاف إلى الأخوين، فلو قال يلبسان ثوب أخويك لم يجز لتقدم المكني على الظاهر.
وذكر غيره أن ذلك لا يجوز لأن المفعول فضلة، فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به يخرجه عن ذلك؛ لأنه يلزم ذكر المفعول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به، قالوا: ولهذا امتنع: زيدًا ظن قائمًا؛ لأن المفعول إذ ذاك يلزم ذكره ليعود الضمير الفاعل عليه، وذلك مخرج له عن أصل

وضعه؛ لأن المفعولين في باب ظننت يجوز حذفهما اختصارًا واقتصارًا.
قال بعض أصحابنا: والصحيح في مثل غلام هند ضربت الجواز لأن المفعول لا يلزم، وإنما يلزم ما أضيف إليه المفعول؛ ألا ترى أنك لو قلت هند ضربت لساغ، وليس كذلك زيدًا ظن قائمًا؛ لأنه لا سبيل إلى حذف المفعول؛ إذ لو حذفته لم يبق للضمير ما يفسره.
وقوله وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو ما ضرب عمرو إلا زيدًا يعني أن الحكم أن يتقدم الفاعل ويتأخر المفعول إذا كان المفعول محصورًا بحرف النفي وإلا، نحو ما مثل به من نحو: ما ضرب عمرو إلا زيدًا. وهذه المسألة كما ذكر فيها خلاف:
فذهب قوم _منهم الجزولي والأستاذ أبو علي_ إلى أنه يجب فيها تقديم الفاعل، وهذا اختيار المصنف.
وذهب البصريون والفراء والكسائي وابن الأنباري إلى انه يجوز تقديم الفاعل على المفعول وتأخيره عنه.
وقوله عند غير الكسائي وابن الأنباري موهم أنه مذهب البصريين والكوفيين غير الكسائي، وليس كما ذكر، بل مذهب هؤلاء في هذه المسألة هو مذهب الكسائي. وإنما هو مذهب قوم منهم الجزولي.
وقوله فإن كان المرفوع ظاهرًا إلى قوله فبالعكس مثاله: أكرمك زيد، والدرهم أعطيه عمرو. واحترز بقوله لم يسبق الفعل من نحو: إياك يكرم زيد، والدرهم إياه أعطى زيد عمرًا. ومعنى فبالعكس أنه يجب فيه تقديم المفعول على الفاعل، نحو: أكرمك زيد. واحترز بقوله ولم يحصر من نحو قوله: إنما يكرم زيد إياك.

وقوله وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو ما ضرب زيدًا إلا عمرو غير الكسائي هم البصريون والكوفيون وقوم منهم ابن الأنباري والجزولي والأستاذ أبو علي، ذهب هؤلاء إلى أنه إذا كان الحصر في الفاعل بحرف نفي وإلا وجب تقديم المفعول وتأخير الفاعل، وذهب الكسائي إلى أنه يجوز، ولا يجب.
وتلخص في المحصور بالا ثلاثة مذاهب:
1 _مذهب الكسائي أنه يجوز التقديم والتأخير، سواء أكان المحصور الفاعل أم المفعول.
2 _ومذهب قوم منهم الجزولي أنه يجب تأخير /ما حصر بالا وتقديم ما لم يحصر، سواء أكان فاعلًا أم مفعولًا.
3 _ومذهب البصريين والفراء وابن الأنباري أنه إن حصر الفاعل وجب تقديم المفعول، وإن حصر المفعول جاز تقديم الفاعل وتأخيره.
وإذا كان الحصر بـ"إنما" فذكر الشيخ بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس أن النحاة أجمعوا على أنه متى أريد الحصر في واحد منهما وجب تأخيره وتقديم الآخر، فتقول "إنما ضرب عمرو هندًا" إذا أردت الحصر في المفعول، و"إنما ضرب هندًا عمرو" إذا أردت الحصر في الفاعل.
فأما الكسائي فاستدل على صحة مذهبه بالسماع، قال الشاعر:

ولما أبى إلا جماحًا فؤاده ولم يسل عن ليلى بماٍل ولا أهل
وقال الآخر:
تزودت من ليلى بتكليم ساعةٍ فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها
وقال الآخر:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة وتغرس إلا في منابتها النخل
وقال الآخر:
فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا عشيةً آناء الديار وشامها
وقال الآخر:
ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرٍم ولا هجا قط إلا جبأ بطلا
وقال الآخر:
نبئتهم عذبوا بالنار جارهم وهل يعذب إلا الله بالنار
وفرق الكسائي بين إنما وحرف النفي وإلا بأن إنما لا دليل معها على الحصر في أحدهما إلا تأخير المحصور؛ فلم يجز تقديمه لئلا يلتبس المحصور بغير المحصور، بخلاف الحصر بحرف النفي وإلا، فإن اقتران الاسم بالا دليل على الحصر فيه تقدم أو تأخر.

وأما حجة من ذهب إلى أن المحصور منهما يجب تأخيره فإجراء لحرف النفي وإلا مجرى إنما.
وأما مذهب البصريين فقالوا: لابد أن يتقدم غير المحصور ويتأخر المحصور ليحصل الفرق بينهما، وإنما جوزنا تأخير الفاعل إذا كان المفعول مقرونًا بالا للسماع الذي استدل به الكسائي، ولأن الفاعل إذا تأخر في اللفظ علم أنه مقدم في النية، فحصل للمحصور فيه تأخير من وجه، وهو النية، ولغير المحصور تقديم، بخلاف ما إذا كان الحصر في الفاعل، فإنا /لو قدمناه وأخرنا المفعول كان قد وقد في رتبته من التقديم، والمفعول قد وقع في رتبته من التأخير، فلا يكون واحد منهما منويًا به غير موضعه، فلا يحصل ما يقتضيه الموضع من تقديم غير المحصور لفظًا أو نية.
وتأولوا ما استدل به الكسائي مما دخلت على الفاعل فيه إلا بأنه تم الكلام عند الاسم الذي دخلت عليه إلا، وما بعده على فعل، التقدير: درى ما هيجت، ويعذب بالنار.
وأما قوله "إن إلا قرينة دالة على الحصر فيما اقترنت به، فلا يحصل لبس" فنقول: بل يحصل اللبس، وهو أن يظن أننا أردنا الحصر في الاسمين اللذين بعد إلا، وكأننا قلنا: ما ضرب أحد أحدًا إلا زيد عمرًا، فغنا إذا أردنا هذا المعنى قلنا هذا.
فإن قلت: هذا يلزم إذا كان المفعول مقرونًا بالا، وجاز تأخير الفاعل.
قلنا: لا يلزم لأنه _وإن تأخر لفظًا_ فالنية به التقديم، بخلاف المفعول مع الفاعل المقرون بالا، فإنك إذا أخرته كان مؤخرًا لفظًا ونيةً، فافترقا.
ويظهر من ابن عصفور في (المقرب) اختيار مذهب البصريين، فإنه ذكر في القسم الذي يجب فيه تقديم المفعول أنه إذا كان الفاعل مقرونًا بالا يجب تقديم

المفعول، ولم يذكر في القسم الذي يجب فيه تقديم الفاعل أنه إذا كان المفعول مقرونًا بالا وجب تقديم الفاعل، ولا تعرض لذلك. وكذلك يظهر من ابن معط في فصوله.
والذي نختاره هو مذهب الكسائي وقوفًا مع السماع، والتأويل فيه بعيد.
وقوله عند الأكثرين إلى آخره هذه مسألة: ضرب غلامه زيدًا، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في أوائل الفصل الرابع من باب المضمر في أوائل الكتاب.
وقال المصنف في الشرح هنا: "والصحيح جوازه لوروده في كلام العرب الفصحاء"، وأنشد ستة أبيات تدل على الجواز.
وقال أبو جعفر النحاس: "فأما إنشاد أبى عبيدة:
لما عصى أصحابه مصعبًا أدى إليه الكيل صاعًا بصاع
فهذا لا يجوز عند أهل النظر من البصريين في شعر ولا غيره، ورواية الأصمعي:
لما عصى المصعب أصحابه .................................
والبيت لأبى العباس السفاح. وأنشد هشام:

جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل
وهذا البيت مصنوع، نحلة عمرو بن كلثوم، وقال هشام فيه: وهذا من متاع الشعر" انتهى كلام النحاس.
ولو تقدم المفعول على الفعل، فقلت: زيدًا ضرب غلامه _لم يجز ذلك عند الفراء والكسائي، وأجازها هشام، وأجازها المبرد، يجعلها /بمنزلة: ضرب زيدًا غلامه.
قال ابن كيسان: بينهما فصل عندي؛ لأنك غذا قلت: زيدًا ضرب غلامه، فنقلت زيدًا من أول الكلام إلى آخره _وقع بعد الكلام، فصار المضمر قبل المظهر، فبطلت، وقولك ضرب زيدًا غلامه في موضعه، لا ينقل، فيجعل بعد زيد لأن العامل فيه وفي الغلام واحد، فإذا كانا جميعًا بعد العامل فكل واحد منهما في موضعه وإن كان الفاعل أولى بالتقديم من المفعول.

الصفحات [225] [226] [227] [228] [229] [230] [231] [232] [233] [234] [235] [236] [237] [238] [239] [240] [241] [242] [243] [244] [245] [246] [247] [248] [249] [250] [251] [252] [253] [254] [255] [256] [257] [258] [259] [260] [261] [262] [263] [264] [265] [266] [267] [268] [269] [270] [271] [272] [273] [274] [275] [276] [277] [278] [279] [280] [281] [282] [283] [284] [285] [286] [287] [288] [289] [290] [291]  المجلد[6]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب أفعال المقاربة

العنوان الحالي : باب النائب عن الفاعل

العنوان التالي : باب اشتغال العامل  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة