التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب إعراب المعتل الآخر
يظهر الإعراب بالحركة والسكون، أو يقدر في حرفه، وهو آخر المعرب، فإن كان ألفًا قدر فيه غير الجزم، وإن كان ياء أو واوًا تشبهانه قدر فيهما الرفع، وفي الياء الجر. وينوب حذف الثلاثة عن السكون إلا في الضرورةً، فيقدر لأجلها جزمها، ويظهر لأجلها جر الياء ورفعها ورفع الواو، ويقدر لأجلها كثيرًا، وفي السعة قليلًا، نصبهما ورفع الحرف الصحيح وجره، وربما قدر جزم الياء في السعة.]-
ش: مثال الظهور المذكور: زيد لم يخرج، ومثال التقدير: قام الفتى، فالضمة مقدرةً فيه. هذه عبارةً أكثر النحويين، يقولون: في التقدير. وقال أبو علي: "والاختلاف الكائن في الموضع" والموضع عند النحويين غيره للمبنى. وقال بعض أصحابنا: الإعراب ملفوظ به ومقدر نحو الملهى؛ لأن الألف منقلبةً عن ياء متحركة، ومنوي نحو حبلى وأرطي لأن ألفهما لم تنقلبا عن شيء، فالإعراب فيهما منوي. وكذلك غلامي؛ لأن تقدير حركة يؤول إلى اجتماع حركتين، ولا يصح، فالإعراب منوي لا مقدر ومعتبر، وهو في موضع الاسم المبني نحو "هذا"، فإذا الإعراب/ ملفوظ به ومقدر ومنوي ومعتبر.

وقوله: فإن كان ألفًا قدر فيه غير الجزم الذي آخره ألف من الأسماء المعربة قدر فيه الرفع والنصب والجر، أو من المضارع المعرب بغير النون قدر فيه الرفع والنصب، مثال الأول: قام الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى، ومثال الثاني: يخشى زيد، ولن يخشى.
قوله: وإن كان - يعني حرف الإعراب - ياء أو واوًا يشبهانه في كونهما حرفي مد ولين، قدر فيهما الرفع، [وفي الياء الجر]، نحو: يغزو القاضي، ويرمي إلى الداعي، فالضمة مقدرةً في واو يغزو وياء القاضي وياء يرمي، والكسرةً مقدرةً في ياء الداعي. ودل كلامه هذا على أن المنقوص بقياس - وهو ما آخره ياء قبلها كسرةً لازمةً - تقدر فيه الضمةً والكسرةً، وتظهر الفتحة، نحو {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ}.
وأغفل مسألة من هذا المنقوص تقدر فيها الفتحةً حالة النصب، وهي ما أعرب من مركب إعراب متضايفين وآخر أولهما ياء، وذلك نحو: رأيت معدي كرب، ونزلت قالي قلا، وذلك أن هذا النوع من المركب نقل فيه ثلاثة أوجه: البناء على الفتح، وإعرابه إعراب ما لا ينصرف، وإعرابه إعراب المضاف والمضاف إليه، فعلى هذا الوجه تقدر في "معدي" الفتحة حالة النصب، لا خلاف في ذلك في هذا الوجه، جعلوا الياء فيه كياء دردبيس، فكما لا تأثر هذه الياء للعوامل، كذلك لا تأثر هذه الياء، استصحب فيها حكمها حاله البناء وحاله إعرابه إعراب ما لا ينصرف. وقد تنبه المصنف لذلك في باب منع الصرف، فقال في الفصل الثالث منه: "قد يضاف صدر المركب فيتأثر بالعوامل ما لم يعتل" انتهى. فقوله: "ما لم يعتل" يشمل

أحواله الثلاث من الرفع والنصب والجر، فتقول: قام معدي كرب، ورأيت معدي كرب، ومررت بمعدي كرب.
ودل كلام المصنف أيضًا على أن ما آخره ياء تشبه الألف يقدر فيه الرفع، وقد بينا ذلك بنحو يرمي، وهذا كما ذكر، إلا أن في نحو يعيي ويحيي خلافًا، فمذهب الجمهور أنه تقدر فيه الضمةً، وزعم الفراء أن الياء قد تكون في آخر الفعل وما قبلها ساكن، فظهر علامة الرفع فيها إذ ذاك لأن الياء إذا مكن ما قبلها جرت مجرى الحرف الصحيح، وأنشد من ذلك قول الشاعر:
وكأنها بين النساء سبيكة ... تمشى سدة بيتها فتعي
والصحيح أنه لا يقال تعي، وإنما يقال تعيي، هكذا هو السماع وقياس التصريف، بن جهة أن الفعل إذا كان معتل العين واللام جرت عينه مجرى الحرف الصحيح، فلم تعل، فلا فرق بين الياء التي هي عين الكلمة في تعيي وبين الدال في تجدي، فكما أن الضمة تقدر في ياء تجدي، فكذلك تقدر في ياء تعيي، ولا نقول إنها مثل العين في يقر وذلك أنه يقول إن أصله يعيي، فنقل حركة العين التي هي الياء في يعيي إلى العين التي هي الفاء، فتسكن العين، فيصير نظير يقر، فكما أدغمت الراء في الراء إذ أصله يقرر، فنقلت، فالتقى المثلان والأول ساكن، فوجب الإدغام، فكذلك تدغم الياء الساكنةً في الياء التي هي لام الفعل. والبيت الذي أنشده الفراء لا/ يعرف قائله، بل لعله مصنوع، وإذ ثبت كان شاذًا لا يعتد به.
وقد تلخص مما أشار إليه المصنف وقررناه أن الألف والياء اشترك فيهما الاسم والفعل، نحو يخشى الفتى، ويقضي قاضي بلدك، وأن الواو التي

حركةً ما قبلها من جنسها لا تكون إلا في الفعل، نحو تغزو، ولا تكون في الاسم إلا إن كان مبنيًا أو معربًا عرض بطرف الواو فيه، أو كان يستحيل إلي غيره، فإن أدى القياس في معرب غير ما ذكر أو عارض بناء إلى ذلك قلبت الواو ياء، والضمة قبله كسرةً، إلا إن كان منقولًا من لسان العجم أو من الفعل، ففي قلبه وإقراره مذهبان: القلب مذهب البصريين، والإقرار مذهب الكوفيين، وذكرنا توضيح هذا في التصريف.
وقوله: وينوب حذف الثلاثةً من السكون يعني بالثلاثة الألف والواو والياء المذكورات، فقول: لم يخش، ولم يغز، ولم يرم. وإنما حذف الجازم هذه الحروف لأنها عاقبت الضمةً، فأجريت في الحذف مجرى ما عاقبته، فكما أن الضمةً تحذف في نحو لم يخرج، فكذلك تحذف هذه الحروف بالجازم، هكذا قرر الشيوخ.
ونقول: الذي يقضيه النظر أن هذه الحروف انحذفت عند الجازم لا بالجازم. يدل على أنها لم تحذف للجزم شيئان:
أحدهما: أن الجازم لا يحذف إلا ما كان علامة للرفع، وهذه الحروف ليست علامةً للرفع، وإنما علامةً الرفع ضمة مقدرةً فيها.
والآخر: أن الإعراب زائد على ماهية الكلمة، والواو والياء في نحو يغزو ويرمي من الحروف الأصلية؛ إذ هما من الغزو والرمي، والألف في نحو يغشى منقلبةً من أصل؛ لأنه من الغشيان، وقد يكون الحرف منقلبًا عن حرف ملحق بأصل، نحو يسلنقي ويغرندي، ماضيهما اسلنقى، واغرندى،

وهما ملحقان باحرنجم، وحرف الجزم لا يحذف الحرف الأصلي ولا الملحق بالأصلي، فكان القياس يقتضي أن يحذف الجازم الضمة المقدرةً في الحروف، لكن يبقى المجزوم بصورة المرفوع لو اقتصر على ذلك، فحذف الجازم الضمةً المقدرةً، وحذفت هذه الحروف لئلا يلتبس المجزوم بالمرفوع، لكون الصورة تكون واحدةً، فلذلك قلنا إن هذه الحروف تحذف عند الجازم لا بالجازم. وفي كتاب س إيماء إلى هذا المعنى.
وظاهر قول المصنف: "وينوب حذف الثلاثة عن السكون" أنه متى كان الفعل آخره ياء أو واو أو ألف مطلقًا تحذف هذه الخروف للجازم الذي يدخل عليها. وهذا تحته قسمان: أحدهما: أن لا تكون تلك الحروف بدلًا من همزة. والآخر: أن تكون بدلًا من همزةً. فإن لم تكن بدلًا من همزةً فالحكم كما ذكر. وإن كانت بدلًا من همزةً نحو يقرا في يقرأ ويقري في يُقرئ، ويوضو في يوضؤ. قال بعض أصحابنا: فهذا إما أن يقدر أن الجازم دخل عليه قبل البدل، فسكن الهمزة، ثم أبدلها حرفًا مناسبًا لحركة ما قبلها، فيصير يقرأ المجزوم: يقرا، ويقرئ: يقري، ويؤضؤ: يوضو، كما أبدلت/ في كاس وبئر وبؤس، فقلت: كاس وبير وبؤس، فعلى هذا الإبدال لا يجوز حذف حروف العلةً لأن الجازم قد عمل عمله في حذف الضمةً من الهمزة قبل الإبدال. وإما أنك تبدل قبل أن يدخل الجازم، فقول في يقرآ ويقرئ ويوضؤ: يقرا ويوضو ويقري، فتصير شبيهة بيخشى ويغزو ويرمي، فإذا دخل الجازم حذف هذه الحروف. هذا مذهب الأستاذ أبي الحسن بن عصفور، وظاهر كلام المصنف.
وقد رد أصحابنا على ابن عصفور في جواز الحذف، وقالوا: لا يجوز

إلا الإقرار لأن البدل المحض الذي ليس على التسهيل القياس لا يجوز إلا في الضرورة، نص على ذلك س وغيره من النحاةً، وقد ذكر هذا أبو علي في التذكرة والحجة، وابن جني في "المعرب" له، وأفرد له في الخصائص بابًا ذكر فيه أنه لا يجوز إلا في الضرورةً، فما نص عليه س وأصحابه أنه لا يجوز إلا في الضرورة لا يسوى بينه وبين ما اتفق عليه أنه جائز في الكلام فصيح، وما كفى ابن عصفور ما ذكر فيه من جواز الحذف حتى قدمه على الإثبات.
وقال أبو عبد الله بن هشام: يقرا ويقري ويوضو صرف الفعل تصريف المعتل على ما حكاه الأخفش من نحو قريت وتوضيت ورفوت، والأصل قرأت وتوضأت ورفأت. وكلتا اللغتين ضعيفةً، فإذا دخل الجازم على المضارع في هذه اللغة لم يجد إلا حرف العلة مسكنًا، فيحذفه كما يحذفه من يرمي ويخشى ويغزو، والإثبات أحسن، وعليه قوله:
عجبت من ليلاك وانتيابها من حيث زارتني، ولم أورابها
يريد: ولم أورأ بها، أي: لم أشعر بها من ورائي. وعلى الثاني البيت

الذي أنشده ابن عصفور، وهو:
جريء متى يظلم يعاقب ظلمه ... سريعًا، وإلا يُبْدَ بالظلم يظلم
ولا حجة في هذا البيت الذي ظنه ابن عصفور وابن هشام حجة لأنه ثبتت لغة في بدأ: بدي على وزن بقي، ومضارعه يَبْدَى، فيحتمل أن يكون قوله: "وإلا يبد" من هذه اللغة، فلا تكون إذ ذاك ألفه بدلًا من همزة، وإنما تكون بدلاً عن ياء كألف يبقى.
وقال ابن هشام أيضًا: الهمزات هنا لا تبدل حرف علة في رفع ولا نصب إلا إن أدى إلى شيء من ذلك ضرورةُ شعر، فمثل هذا لا يجعل قياسًا مطردًا يعمل عليه، ويُساوى بينه وبين المطرد. فإذا دخل الجازم، وسكنت الهمزة، انقلبت من جنس حركة ما قبلها، فساوت في اللفظ حروف العلة، ولا تحذف حينئذ لأن الجازم قد سكن الآخر قبل، فلو حُذف الآن كان له عملان، وما من عامل يكون له في لفظ واحد عملان.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن علي بن يوسف الكُتامي الإشبيلي، عُرف بابن الضائع، وهو عن جلة أصحاب الأستاذ أبي علي الشلوين: "ما في آخره همزة فكالحرف الصحيح، جزمه بكون الهمزة، ومن سهل الهمزة/ فأبدلها حرف لين لم يحذف حرف اللين للجزم؛ لأن حكم الهمزة المسهلة حكم الهمزة نفسها مخففةً، فلا يجوز إلا: لم يقرا زيد، بألف ساكنة على لغة من سهل، فأما قوله: "وإلا يبد بالظلم يظلم" فضرورة، ووجهها مراعاة اللفظ بعد التسهيل؛ ألا ترى أن منهم من يدغم رؤيا بعد التسهيل، فيقول رُيَّا، ولا يراعي أصله. أو يكون أبدل الهمزة بدلًا محضًا لا على قياس التسهيل،

وكأنه على لغة من يقول في قرأت: قَرَيْتُ، وهي ضعيفة» انتهى كلامه.
ونص ابن عصفور في "شرح (*) المقرب" أن من حذف حروف العلةً في مثل لم يقر، ولم يقرر، ولم يوض، إنما جاء على ما حكام الأخفش من هذه اللغةً، أنهم يبدلون الهمزة حرف علةً محضًا، وليس ذلك بقياس، وهي لغةً ضعيفةً. فكان ينبغي على هذا الذي حكاه وقرره من ضعف هذه اللغة وعدم اطرادها أن لا يبني الحكم عليها في "المقرب"، ولا يبدأ بها على الإثبات، فيشعر بجوازها على الإطلاق.
وقوله: إلا في الضرورةً، فهدر لأجلها جزمها يعني أنه تقر هذه الخروف التي هي الواو والياء والألف في الضرورةً، وأنها هي حروف الإعراب. فمثال ما أقرت فيه الواو مع الجازم قوله:
هجوت زبان، ثم جئت معتذرا من هجو زبان، لم تهجو، ولم تدع
ومثال الياء:
ألم يأتيك، والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد

واختلف النحويون فيما حذفه الجازم، فمنهم من ذهب إلى أن المحذوف هي الضمةً الظاهرةً التي كانت على الواو والياء؛ إذ هما جاءا مضمومين ضمةً ظاهرةً في الشعر، نحو قوله:
إذا قلت عل القلب يسلو قيضت هواجس لا تنفك تغريه بالوجد
ونحو قوله:
فعوضني منها غناي، ولم تكن ... تساوي عندي غير خمس دراهم
وانبنى على هذا الخلاف هل يجوز إقران مثل ألف يخشى إذا دخل عليه الجازم في الضرورةً، فمن زعم أن المحذوف هي الضمةً الظاهرةً لم يجز إقران الألف للجازم لأن الألف لا تظهر فيها الضمةً ولا حركةً غيرها. ومن زعم أن المحذوف هي الضمةً المقدرةً أجاز ذلك، وقد استدل مجيز ذلك بقوله:
إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها، ولا تملق
فقوله: "ولا ترضاها" نهي، وقد أثبت الألف.

ومن مع ذلك تأول البيت على أن قوله "لأ ترضاها" جملة حالية، أي: فطلقها غير مترض لها، أو الواو للعطف على الاستئناف، أخبر أنك لا ترضاها، أي: وأنت لا ترضاها.
وظاهر كلام ابن عصفور في "المقرب" أن إقرار هذه الألف يجوز للضرورةً مع الجازم، والذي نصره أنه لا يجوز، وأن الجازم إذا دخل على ما آخره ألف حذفها، ولا يقرها لا في ضرورةً ولا غيرها، قال: لأن الآلف لا تقبل الحركةً، فلا يجوز/ لذلك إجراء ما هي فيه مجرى الصحيح، وأيضًا فإن الجازم إذ ذاك ليس له ما يحذف إلا الحركةً المقدرة في الألف، وإذا حذفها وجب أن يرجع حرف العلةً إلى أصله، فيقال: لم يخشى؛ لأن انقلابها ألفًا إنما كان لتحركها وانفتاح ما قبلها، وإذا ذهبت الحركة للجزم وجب أن تصح لذهاب الحركة منها، فلما لم يصححوها في حال الجزم دل ذلك على أنهم لم يحذفوا الحركةً المقدرةً.
ونقل غيره من النحويين أن لغةً لبعض العرب إقرار هذه الحروف مع الجازم في سعة الكلام، وأن بعضهم لا يقرها مع الجازم إلا في ضرورةً الشعر.
وذهب بعض النحويين إلى أن ما ورد في ضرورةً الشعر من نحو "لم تهجو"، و "ألم يأتيك"، و"لا ترضاها"، ليست هذه الحروف فيها هي من نفس الفعل الذي ينبغي حذفها [منه] للجازم، بل هي حروف إشباع تولدت عن الحركات التي قبلها، وأن مثل هذه الأفعال مجزومةً بحذف حروف العلة التي من نفس الفعل.

فأما قوله تعالى: {لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} فاستدل به بعضهم على جواز إقرار الألف مع الجازم لأنه عنده نهي.
وتأوله السيرافي على أنه مجزوم بحذف الألف، وهذه الألف جيء بها لمراعاة الفواصل، كما جاءت في قوله: {الظُّنُونَا} و {السَّبِيلَا} في قراءة من أثبت الألف. وهذا تأويل حسن.
وتأوله بعضهم على أنه مرفوع لا مجزوم، وهي جملة استئنافيةً، التقدير: وأتت لا تخشى، أخبر تعالى موسى حين نهاه عن الخوف أنه لا يخشى، فـ "لا" حرف نفي لا حرف نهي.
وأما قول الشاعر:
وتضحك مني شيخةً عبشميةً ... كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا

في رواية من رواه بالألف، فقيل: الألف إشباع، إذ الأصل: كأن لم تر.
وتأوله أبو علي الفارسي على أن أصله ترأى في لغة من قال رأى يرأى بإثبات الهمزةً في المضارع، فلما دخل الجازم - وهو حذف الألف، ثم نقل حركة الهمزةً إلى الراء، وأبدل الهمزة ألفًا، كما قالوا في المرأةً والكمأةً: الهمزةً والكمأة، ولم يحذف الهمزة على قياس النقل والتخفيف الكثير في كلامهم.
ومن روى "كأن لم تري" فالتاء للخطاب، والتفت من الغيبةً إلى الخطاب، وعلامة الجزم فيه حذف النون إذ أصله ترين.
ويجوز في الشعر الجزم بعد [حذف] هذه الحروف تشبيهًا بما لم يحذف منه شيء، تقول: لم يغزه ولم يخش، ولم يرم، فتسكن بعد الحذف لأنك تشبه الكلمةً بعد الحذف بما لم يحذف منه شيء، فكما أنك تجزم يضرب إذا أدخلت عليه الجازم، فكذلك تفعل بتلك، ومن ذلك قول الشاعر:
ومن يتق فإن الله معه ورزق الله منتاب وغاد
حذف الياء من يتقي، ثم حذف حركةَ القاف.

وقوله: ويظهر لأجلها جر الياء ورفعها ورفع الواو يعني يظهر لأجل الضرورة، ومثال جر الياء قول الشاعر:
ويماً يوافيهن الهوى غير ماضي ويومًا ترى منهن غولا تغول
وقول الآخر:
/ كذبتم وبيت الله نبزى محمدًا ولم تختضب سمر العوالي بالدم
وقول الآخر:
ما إن رأيت، ولا أرى في مدتي كجواري يلعبن بالصحراء
وقوله:
فلو كنت حرا ذا وفاء جعلتنا لعينيك من دون الغواني مقنعا
وقوله:
لا بارك الله في الغواني هل يصبحن إلا لهن مطلب
ومثال رفعها في الفعل ما أنشدناه قبل من قوله:

................. تساوي عندي غير خمس دراهم
ومثال ذلك في الاسم قوله:
تراه، وقد فات الرماة، كأنه أمام الكلاب، مصغي الخد أصلم
وقوله:
وكأن بلق الخيل في حافاته ترمي بهن دوالي الزراع
وقول جرير:
وعرق الفرزدق شر العروق خبيث الثرى كأبي الأزند
ومثال رفع الواو ما أنشدناه قبل من قوله:
إذا قلت عل القلب يسلو قيضت. البيت.
وقوله: ويقدر لأجلها كثيراً- أي لأجل الضرورة- وفي السعة قليلاً نصبهما، أي نصب الياء والواو. مثال تقدير الفتحة في الياء حالة النصب قول الشاعر:

ومن يعص أطراف الزجاج فإنه يطيع العوالي ركبت كل لهذم
وقول الآخر:
كأن أيديهن بالقاع القرق أيدي جواز يتعاطين الورق
وقول الآخر:
ردت عليه أقاصيه ولبده ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
وقول الآخر:
ولو أن واش باليمامة داره وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
وقول الآخر:
أكاشر أقوامًا حياء، وقد أرى صدورهم باد علي مراضها
وقول الآخر:
ومن يطيق مذك عند صبوته ومن يقوم لمستور إذا خلعا

وقول الآخر:
وكسوت عار لحمه، فتركته جذلان يسحب ذيله ورداءه
وتقدير الفتحة في منصوب هذا المنقوص من الضرائر الحسنة عند جمهور النحويين، وزعم أبو حاتم أن ذلك لغة فصيحة.
ومثال ذلك في الفعل قول الشاعر، وهو ابن قيس الرقيات:
كي لتقضيني رقية ما وعدتني غير مختلس
ومثال ذلك في السعة قراءة جعفر الصادق {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}.
ومثال تقدير النصب في الواو قوله:
إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها رفعن، وأنزلن القطين المولدا
وقوله:

وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف
وقوله:
/ أرجو وأمل أن تدنو مودتها وما إخال لدينا منك تنويل
وقوله:
فعلك أن تنجو من النار إن نجا مصر على صهباء طيبة النشر
ومثال ذلك في السعة قراءة من قرأ {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} بسكون الواو.
وما ذهب إليه المصنف هو جنوح إلى مذهب أبي حاتم، وترك جادة ما عليه الجمهور بأن هذا كله من ضرائر الشعر الحسنة.
وقوله: ورفع الحرف الصحيح وجره مثال تقدير الرفع فيه قراءة مسلمة بن محارب {وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ} بإسكان التاء، وحكي أبو زيد {ورُسُلُنَا لَدَيْهِمْ} بإسكان اللام، وحكي أبو عمرو أن لغة تميم تسكين

المرفوع من "يعلمهم "ونحوه. وتسكين المجرور كقراءة أبي عمرو {فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ} وقراءة حمزة {ومَكْرَ السَّيِّئِ}. هذا كلام المصنف في الشرح.
ونص أصحابنا على أن هذا من ضرائر الشعر، قالوا: ومن الحذف- يعني في الشعر- تسكين حركة الإعراب إجراء للمنفصل مجرى المتصل، قال الشاعر:
رحت وفي رجليك ما فيهما وقد بدا هنك من المئزر
وقال الآخر:
سيروا بني العم، فالأهواز منزلكم أو نهر تيرى، ولا تعرفكم العرب
وقال الآخر:
فاليوم أشرب غير مستحقب إثمًا من الله ولا واغل

وقوله:
ألا ليت أيري من عظام، وأنه على حرك موقوف يد الدهر أجمعا
أجرى "هنك "و "ربغ "مجرى عضد، و"رفك "مجرى فعل لو كان في الكلام، إذ لو كان فيه لجاز تسكينه، و "حرك "مجرى إبل.
وذهب المبرد إلى أن هذا لا يجوز لا في الشعر ولا غيره، ويزعم أن الرواية "أسقى"، و "قد بدا ذاك"، و "فلم تعرفكم". وما ذكره من أن الرواية ما ذكر لا يدفع بها ما رواه غيره، فالمصنف فيما ذكره لم يأخذ بقول المبرد الذي منع ذلك البتة، ولا بقول غيره ممن خص ذلك بالشعر، وإذا ثبت نقل أبي عمرو أن ذلك لغة تميم كان ذلك حجة على المذهبين.
وقد أغفل المصنف ذكر مسائل تقدر فيها الحركات الثلاث في حرف الإعراب وهو صحيح، وجاء بهذه المسالة التي ذكر أنه يقدر فيها الرفع والجر قليلاً، وفيها الخلاف الذي ذكرناه.
فإحدى المسائل: أن يسكن الحرف للإدغام، كقوله تعالى: {وقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ}، {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى}، {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}.

الثانية: الحكاية إذا قلت: من زيداً؟ لمن قال: ضربت زيداً، ومن زيد؟ لمن قال: مررت بزيد، ومن زيد؟ لمن قال: قام زيد، وذلك على مذهب البصريين، وعنهم في حال الرفع خلاف، أهي حركة إعراب أم حركة حكاية، والثاني أصح.
الثالثة: المضاف لياء المتكلم، نحو: قام غلامي، ورأيت غلامي، ومررت بغلامي، على أصح الأقوال فيه.
وقوله: وربما قدر جزم الياء في السعة، مثل المصنف هذه المسألة/ بقراءة قنبل {إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ} بإثبات الياء في (يتقي). ولا دليل في هذه القراءة على إثبات هذا الحكم لتقدير الجزم في الياء؛ لأنه لا يتعين (يتقي) هنا أن يكون مجزوماً لعطف (ويصبر) المجزوم عليه؛ لأنه يحتمل أن تكون (من) موصولة، و (يتقي) مرفوع، وهو صلتها، ويكون (ويصبر) معطوفًا على التوهم لا على مجزوم في اللفظ، فكأنه توهم أنه تقدم اسم شرط، وجزم به، وعطف على مجزوم. ومما جاء من جزم خبر الموصول

على توهم أنه اسم شرط قول الشاعر:
كذلك الذي يبغي على الناس ظالمًا تصبه على رغم قوارع ما صنع
جزم "تصبه "وهو خبر "الذي "، توهم أنه تقدمه اسم شرط، والآية أقرب أن تحمل عليه من هذا البيت لاشتراك الموصول واسم الشرط في لفظ "من "؛ وتباين لفظ "الذي "من اسم الشرط.
وقال بعض شيوخنا: هذه قراءة ضعيفة، ويمكن أن تكون (من) موصولة، و (يصبر) سكن تشبيهًا للمنفصل بالمتصل، كقراءة {ويَتَّقْهِ}، وهو أيضاً ضعيف؛ فإن فيه إجراء المنفصل مجرى المتصل، وإسكان حرف الإعراب، وكلاهما ضعيف؛ ألا ترى أن قراءة {بَارِئِكُمْ} بالإسكان ضعيفة.

الصفحات [199] [200] [201] [202] [203] [204] [205] [206] [207] [208] [209] [210] [211] [212] [213] [214] [215] [216] [217] [218] [219]  المجلد[1]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب إعراب الصحيح الآخر

العنوان الحالي : باب إعراب المعتل الآخر

العنوان التالي : باب إعراب المثنى والمجموع على حده  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة