التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب المفعول له
وهو المصدر المعلل به حدث شاركه في الوقت ظاهراً أو مقدراً، والفاعل تحقيقاً أو تقديراً. وينصبه مفهم الحدث نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جر، لا نصب نوع المصدر، خلافاً لبعضهم.]-
ش: مناسبة هذا الباب لما قبله أنه لما ذكر في الباب قبله المصدر وجملة من أحكامه ذكر المفعول له؛ لأن من شرطه على الأشهر أن يكون /مصدراً، ولأن بعضهم قد ذهب إلى أنه ينتصب انتصاب المصدر على ما سنذكره إن شاء الله.
وقوله وهو المصدر هذا جنس يشمل المفعول له وغيره، وتظافرت النصوص من النحويين على اشتراط المصدرية في المفعول له، وذلك أن الباعث إنما هو الحدث لا الذوات. وزعم يونس أن قوماً من العرب يقولون: أما العبيد فذو عبيد، بالنصب، وتأوله على المفعول له وإن كان العبيد غير مصدر. وقبح ذلك س، وإنما أجازه على ضعفه إذا لم ترد عبيداً بأعيانهم، فلو قلت: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما الحارث فلا حارث لك، لم يجز لاختصاصها. وقدر الزجاج في نصب العبيد تقدير الملك ليصيره إلى معنى المصدر، كأنه قال: أما تملك العبيد، أي: مهما تذكره من أجل تملك العبيد، وهذا كله مراعاة للمصدر.

والمصدر إن كان أجنبياً عن مصدر العامل بحيث لا يصدق عليه باعتبار مجازي فاللام، نحو: فعلت ذلك لأمر الله، وتركته لزجرك، ومنه {الرحمن الرحيم صدق الله}، إلا أن يكون مسبوكاً بأن وأن، نحو: (لبيك أن الحمد والنعمة لك)، وقوله:
أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا ........................
وقد حكي عن أبي علي جوازه، فتقول: جئتك ضرب زيد، أي: لضرب زيد، وقاسه على: جئتك طمعاً في الخير. وقيل: هو باطل؛ لأن الطمع فعل الجائي وإن كان لا يصدق عليه المجيء، بخلاف الضرب.
وإن لم يكن أجنبياً حذفت اللام، نحو: ضربته تقويماً وتأديباً، وقعدت عن الحرب جبناً؛ ألا ترى أنه يصدق أن يقال: ضربي له تقويم، وقعودي عن الحرب جبن، كقوله: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا}، انتهى ملخصاً من البسيط.
وقوله المعلل به حدث احترز به مما ينتصب من المصادر لا يعلل به حدث، كقولك: قعدت جلوساً، ورجع القهقرى.
وقوله شاركه في الوقت ظاهراً مثاله: ضربت ابني تأديباً، فالفعل المعلل في هذا المثال ملفوظ به.

وقوله أو مقدراً مثاله ما جاء في حديث محمود بن لبيد الأشهلي: «قالوا ما جاء بك يا عمرو؟ أحدباً على قومك أم رغبة في الإسلام»، الحدث المعلل به هنا مقدر، تقديره: أجئت حدباً على قومك.
وقوله والفاعل تحقيقاً مثاله أن تذكر الفاعل ظاهراً أو مضمراً.
وقوله أو تقديراً مثاله أن يحذف الفاعل لبعض أسباب الحذف، ويبنى الفعل للمفعول، كقولك: ضرب الصبي تأديباً، فهذا يقدر أن الضارب هو المؤدب حتى يتحد الفاعل.
قال بعض النحويين: «شرطوا في نصبه أربعة شروط: أن / يكون مصدراً، وعلى غير لفظ الفعل الأول، وسبباً له أو مسبباً عنه، وفاعلهما واحد. فالأول قد نص عليه س بقوله: «ما ينتصب من المصادر». وعلى الثاني بقوله: «وليس منه»، وعلى الثالث بقوله: «لأنه عذر له»، والعذر يكون سبباً ومسبباً. وعلى الرابع بقوله: «لأنه موقوع له». وإنما كان مصدراً لأنه علة، ولا يكون إلا معنى، ولو كان من لفظ الأول لانتصب انتصاب الأول لا السبب، ولو لم يكن عذراً لانتصب انتصاب: أتيته ركضاً. ولو كان فاعلهما مختلفاً لبطل الربط بينه وبين الفعل الأول، فلم يصح نصبه لأن الرابط إما لفظي أو معنوي، فاللفظي حرف الجر، وهو معدوم في النصب، فلم يبق إلا المعنوي، وهو ما ذكرنا». انتهى كلامه.

وزاد بعض النحويين في الشروط أن يكون المصدر غير نوع للفعل؛ إذ قد يكون المصدر من نوع الفعل وغير نوعه، فمثال ما تحرز منه: جاء زيد ركضاً، فإنه إذا قصد بهذا أن يكون باعثاً على الفعل فلا بد من اللام.
وزاد بعض المتأخرين شرطاً آخر، وهو أن يكون من أفعال النفس الباطنة، ولا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة، نحو: جاء زيد خوفاً، ورغبة، ولو قلت جاء زيد قراءة للعلم، وقتالاً للكافر، تريد جعل ذلك مفعولاً له- لم يجز لأنه من الأفعال الظاهرة.
وزاد بعضهم أيضاً ألا يكون المصدر من لفظ العامل، نحو: أجللتك إجلالاً.
وإنما امتنع ذلك لأن الشيء لا يكون علة لوقوع نفسه.
ويمكن رد جميع هذه الشروط التي زيدت إلى معنى الشروط التي تقدمت.
وقوله وينصبه مفهم الحدث نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جر هذا مذهب س وأبي علي الفارسي، وهو الصحيح بدليلين:
أحدهما: أنك إذا أضمرت المصدر المنصوب على أنه مفعول من أجله وصل الفعل إلى ضميره باللام، نحو: ابتغائي ثواب الله هو الذي تصدقت له، فدل الوصول للضمير باللام على أن الأصل أن يصل إلى الظاهر باللام؛ لأن المضمرات كثيراً [ما] ترد الأشياء إلى أصولها.
والدليل الثاني: ما ذكره س وأبو علي من أنه في جواب لمه، والجواب أبداً على حسب السؤال في مختار كلامهم، فينبغي في جواب من قال: لم ضربت

زيداً؟ أن يجاب بضربته للتأديب، إلا أنه أسقط اللام ونصبه لشبهه بالمصدر؛ ألا ترى أنه دخل معنى ضربت زيداً تأديباً: أدبت زيداً بضربي له تأديباً، فانتصب لذلك؛ إذ الفعل قد تعدى تعدية الفعل الذي في معناه، ولذلك إذا انخرم شرط تعدى الفعل إليه بحرف السبب.
وذهب الكوفيون إلى أنه ينتصب انتصاب المصادر، وليس على إسقاط الحرف، ولذلك لم يترجموا له استغناء بباب المصدر عنه، وكأنه عندهم من قبيل المصدر المعنوي، فإذا قلت ضربت زيداً /تقويماً له فكأنك قلت: قومت زيداً بضربي له تقويماً، وإذا قلت جئتك إكراماً لك فكأنك قلت: أكرمك بمجيئي لك إكراماً، وكذلك يتقدر عندهم كل ما جاء من هذا النوع. وكأن الذي حملهم على ذلك أنهم رأوا العامل إذا وصل إلى معمول بحرف الجر لم يجز حذف الحرف ووصول الفعل بنفسه باطراد إلا مع أن وأن لطولهما بالصلة؛ أو في ظرف الزمان والمكان، فلما رأوا المفعول له يصل إليه الفعل بنفسه باطراد، ولم يفهموا سبباً لذلك- حملوه على ما ذكرناه، ولم يحملوه على أنه منصوب بعد إسقاط حرف العلة.
وقوله لا نصب نوع المصدر، خلافاً لبعضهم هذا المذهب نسبه المصنف إلى الزجاج، فقال في النسخة القديمة من هذا الكتاب: خلافاً للزجاج، وقال في النسخة القديمة من شرحه لهذا الكتاب: «وزعم الزجاج أن المفعول له منصوب نصب نوع المصدر، ولو كان كذلك لم يجز دخول لام الجر عليه كما لا تدخل على الأنواع، نحو: سار الجمزى، وعدا البشكى، ولأن نوع المصدر يصح أن يضاف إليه كل، ويخبر عنه بما هو نوع له، كقولك: كل جمزى سير، ولو فعل

ذلك بالتأديب والضرب من قولك ضربت تأديباً لم يصح، فثبت بذلك فساد مذهب الزجاج».
وقال ابن عصفور: وذهب الزجاج إلى أن المصدر في المثل المذكور منصوب بفعل مضمر من لفظه، فالتقدير عنده في قولك جئت إكراماً لك: أكرمتك إكراماً، فحذف الفعل، وجعل المصدر عوضاً من اللفظ به، ذكر ذلك في «المعاني» له.
وما ذكره أبو موسى الجزولي من أن أبا إسحاق يرى أن المفعول له ينتصب انتصاب المصدر الملاقي للفعل في المعنى دون الاشتقاق كما ذهب إليه الكوفيون وهم، وكأن أبا إسحاق امتنع من أن يجعله منصوباً على إسقاط الحرف لما ذكرناه قبل، يعني في اعتلال الكوفيين لذلك.
قال ابن عصفور: «ورأى أيضاً أن المصدر إنما ينتصب بعد فعل من لفظه، نحو: قمت قياماً، أو من معناه، نحو قوله:
...................... ... ...... وآلت حلفة ..........
ورأى أن الإكرام ليس من لفظ المجيء ولا معناه؛ إذ قد يكون المجيء إليه إكراماً وغير إكرام، فجعله منصوباً بفعل من لفظه، وجعل المصدر عوضاً من اللفظ بذلك الفعل، ولذلك لم يظهر» انتهى.
وقال المصنف في النسخة الجديدة من شرح هذا الكتاب ما معناه: «إن الذي ذهب إلى أنه انتصب انتصاب نوع المصدر- وهو بعض المتأخرين- قال: وقد نسب إلى الزجاج، وليس بصحيح، بل مذهبه مذهب س» انتهى.

وما ذكره ابن عصفور عنه ليس هو مذهب س؛ لأن مذهب س أنه منصوب بالفعل قبله الذي هو علة له بعد إسقاط الحرف، ومذهب /الزجاج أنه منصوب بفعل مضمر من لفظه واجب الإضمار، وقال: «نص على ذلك في كتاب المعاني له»، فقد اختلف نقل المصنف ونقل ابن عصفور عن الزجاج.

-[ص: وإن تغاير الوقت، أو الفاعل، أو عدمت المصدرية- جر باللام أو ما في معناها. وجر المستوفي لشروط النصب مقروناً بـ «أل» أكثر من نصبه، والمجرد بالعكس، ويستوي الأمران في المضاف. ومنهم من لا يشترط اتحاد الفاعل.]-
ش: مثال تغاير الزمان قول الشاعر:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فنضت ماض، والنوم لم يقع، فعدي الفعل إليه باللام لما اختلف الزمان.
وهذا لم يذكر المصنف فيه خلافاً لا في الفص ولا في الشرح. وذكر غيره فيه خلافاً، وأنه من اشتراط المتأخرين كالأعلم، شرط أن يكون مقارناً للفعل في الزمان، قال: ولم يشرط ذلك س ولا أحد من المتقدمين، فيجوز على هذا: أكرمتك أمس طمعاً غداً في معروفك.

ومثال تغاير الفاعل قول الشاعر:
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
ففاعل تعروني هزة، وفاعل الذكرى الشاعر، أي: وإني لتعروني لذكراي إياك هزة.
وذكر المصنف الخلاف في هذا الشرط بقوله: ومنهم من لا يشترط اتحاد الفاعل.
وقال في الشرح: «وأجاز ابن خروف حذف الجار مع عدم اتحاد الفاعل من كل وجه، وزعم أنه لم ينص على منعه أحد من المتقدمين. قال: ومن حجة من أجازه شبهه في عدم اتحاد الفاعل بقولهم: ضربته ضرب الأمير اللص، فكما نصب الفعل في هذا المصدر وفاعلاهما غيران كذا ينصب جئت حذر زيد؛ إذ لا محذور في ذلك من لبس ولا غيره. وظاهر قول س يشعر بالجواز، قال بعد أمثلة المفعول له: «فهذا كله ينتصب لأنه مفعول له، كأنه قيل له: لم فعلت كذا؟ فقال: لكذا، ولكنه لما طرح اللام عمل فيه ما قبله كما عمل في دأب بكار ما قبله حين طرح مثل»، يشير إلى قول الراجز:
إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكار شايحت بكارها
فشبه انتصاب المفعول له بانتصاب المصدر المشبه به، وفاعل المشبه به غير فاعل ناصبه، فكذلك لا يمتنع أن يكون فاعل المفعول له غير فاعل ناصبه، وهذا بين» انتهى.

وليس هذا ببين؛ لأن س إنما شبهه في أنه نصب على إسقاط الجار كما نصب دأب بكار بعد إسقاط الخافض، وهو مثل، ولا يلزم من ذلك ما ذكره المصنف.
وقال بعض /أصحابنا: اشترط المتأخرون كالأعلم أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل، قالوا: فإن لم يكن كذلك فلا بد من اللام أو الباء أو من، ولم يشترط ذلك س ولا أحد من المتقدمين، ومن لا يشترط يستدل بقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا}، فالإراءة من الله، والخوف والطمع من المخلوقين، وبقول الشاعر، وهو ابن أحمر:
مدت عليك الملك أطنابها ... كأس رنوناة وطرف طمر
وقول الآخر:
غشوا ناري، فقلت: هوان تيم ... تصلوها، فقد حمي الوقود
أي: لهوان تيم، وقول النابغة:
وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... تخال به راعي الحمولة طائرا
حذاراً على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
وقول الآخر:

ومنا الذي اختير الرجال سماحة ...................
وقول الآخر:
أرى أم عمرو، دمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو، وما- كان- أصبرا
فالملك ليس من أفعال الكأس، والهوان من فعل تيم لا من فعل الغاشين، والحذار منه لا من البيوت، والسماحة ليست من فعل الذي اختار.
فأما من اشترط اتحاد الفاعل فتأول هذا كله:
فتأول الآية على أن «خوفاً وطمعاً» مصدران في موضع الحال من المفعول، أي: خائفين وطامعين. أو في موضع الحال من الفاعل، وهما مصدران بمعنى الإخافة والإطماع، فهما مصدران على حذف الزيادة. وتأول المصنف الآية على أن معنى يريكم: يجعلكم ترون، ففاعل الرؤية فاعل الخوف والطمع في التقدير، فيتحد الفاعل.
ويتأول بيت ابن أحمر على أن يكون «الملك» مفعول مدت عليك الخلافة أطنابها. وتؤول أيضاً على أن يكون الملك مصدراً معرفاً بالألف واللام في موضع الحال، نحو: أرسلها العراك، كأنه قال: مدت عليك مملكاً أطنابها، قاله السيرافي. ورد بأن الحال المعرفة لا تقاس.
وتؤول «هوان تيم» على أن يكون منادى مضافاً حذف منه حرف النداء، التقدير: يا هوان تيم.
وتؤول بيت النابغة بأن المعنى في قوله وحلت بيوتي: أحللت بيوتي، فالفاعل متحد في التقدير. وقيل: المراد بالبيوت هو وأهله، وكأنه قال: وحللنا في يفاع

ممنع حذاراً على ألا تنال مقادتي. وقيل: المراد بالبيوت القبائل، يقال: بيت فلان كريم، أي: قبيلته. وقيل: هو على حذف مضاف، أي: وحل أهل بيوتي، /كما قالوا: جاءت اليمامة، أي: أهل اليمامة. وقيل: مصدر في موضع الحال من الياء في بيوتي. وقيل: هو مفعول من أجله، والعامل فيه الفعل في البيت الذي قبله، وهو:
سأكعم كلبي أن ينالك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان فحامرا
وهذا أظهر؛ لأنه أراد بأكعم أكف، وكلبي استعاره للسانه، فالمعنى: إني لا أهجوك وإن كنت في هذه المواضع؛ لأني لا أتخلص منك بها، فيكون كما قال:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وأما «سماحة» فأول على أنه يمكن أن يكون من التمييز المنقول، والأصل: اختيرت سماحته، ثم صار: اختير هو سماحة.
وأما «بكاء على عمرو» فيتخرج على أنه مصدر في موضع الحال.
وقوله أو عدمت المصدرية مثاله {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}، وقول الشاعر:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ويعني بالمصدرية أن يكون صريح المصدر، فلو كان اسم إشارة إليه أو ضميره لم ينتصب، وأن وأن وما تعلق بهما يصل الفعل إليهما بنفسه، وهما مقدران بالمصدر، مثاله: أزورك أن تحسن إلي، أو أنك تحسن إلي، وسواء أكان الزمان

متحداً أو متغايراً، سواء أيضاً أكان الفاعل متحداً أم متغايراً، وسواء أكان العامل فعلاً أم ما جرى مجراه أو معنى فعل؛ لأن حرف الجر قد اطرد حذفه معها كثيراً بشرط ألا يلبس، وأما مع المصدر فيصل إليه الفعل بنفسه أو ما جرى مجراه. وأما معنى الفعل فلا ينصبه، بل لا بد من حرف الجر، إلا مع أما في باب «أما سمناً فسمين» في مذهب الزجاج، وتبعه في ذلك ابن طاهر، وقصراه على هذا الباب. قال بعض أصحابنا: «وأنا أشك هل قصره أبو إسحاق على ذلك الباب أو أجاز أن يعمل فيه المعنى على الإطلاق» انتهى.
وقوله جر باللام هذا هو الكثير، وهو أنه متى انخرم شرط جر باللام.
وقوله أو ما في معناها الذي في معناها هو «من» التي للتسبب، كقوله تعالى {خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}، والباء كقوله تعالى {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا}. قال المصنف في الشرح: «وفي، كقوله عليه السلام: (إن امرأة دخلت النار في هرة)، أي: من أجل هرة».
وقوله وجر المستوفي لشروط النصب مقروناً بأل أكثر من نصبه هذا يتضمن جواز مجيئه معرفة بالألف واللام، وهذه مسألة خلاف: ذهب س وجمهور البصريين إلى جواز ذلك، قال س: «وحسن فيه الألف /واللام لأنه ليس بحال، فيكون في موضع فاعل حالاً، ولا يشبه بما مضى من المصادر في الأمر والنهي ونحوهما» انتهى.

وذهب الجرمي والرياشي والمبرد إلى أن من شرطه التنكير، فإن وجدت فيه أل كانت زائدة؛ لأن المراد ذكر ذات السبب الحامل، فيكفي فيه النكرة، فالتعريف زيادة لا تحتاج.
وهذا فاسد، فإن السبب الحامل قد يكون معلوماً عند المخاطب، فتحيله عليه، فتعرفه ذات السبب وأنها المعلومة له، ولا تنافي بينهما، ولا يلزم عدم الاختصار إلا فيما يذكر، ولا يحتاج إليه. والصحيح ما ذهب إليه س والجمهور.
وقد كثر مجيئه بأل منصوباً، قال الراجز:
لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء
وقال الشاعر:
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شدوا الإغارة فرساناً وركبانا
وقال الآخر:
لك الخير إن أزمعت صرمي وأصبحت ... قوا الحبل بتراً جذم الوصل جاذف
وقال الآخر:

لما رأى نعمان حل بكرفئ ... عكر، كما لبج النزول الأركب
التقدير: للجبن، وللإغارة، وللصرم، وللنزول. قال المصنف في الشرح:
«ويمكن أن يكون القسط من قوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} مفعولاً له؛ لأنه مستوف للشروط» انتهى. والظاهر أن (القسط) صفة للموازين؛ إذ هو مصدر وصف به، أي: الموازين العادلة المقسطة، والوصف بالمصدر أكثر من مجيء المفعول له منصوباً بأل.
وقوله والمجرد بالعكس أي: المجرد من أل ومن الإضافة نصبه أكثر من جره، فمن النصب: {َتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}، وقول حاتم:
................. وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
وزعم أبو موسى الجزولي أنه إذا كان نكرة لا يجوز جره، فلا يجوز: قمت لإعظام لك. قال الأستاذ أبو علي: «هذا غير صحيح، بل هو جائز، ولا مانع منه، ولا أعرف له سلفاً في هذا القول» انتهى.
وقوله ويستوي الأمران في المضاف يعني أن نصبه وجره كثير، فمثال نصبه: {يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ}، وقول حاتم:

وأغفر عوراء الكريم ادخاره .........................
ومثال جره قوله تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ}.
ويجوز تقديم المفعول له على عامله الفعل أو الجاري مجراه إن لم يكن فيه /مانع، وما تلزم فيه اللام يقوى فيه اللزوم في التقديم لضعف العامل، وأما ما تحذف منه فيقوى ذكر اللام عند التقديم، فتقول: للطمع جئتك، ويجوز تركها. ومنه تقديمه مع أما، نحو: أما تقويماً فأنا أضربك. ويجوز أن يكون العامل فيه الفعل الذي دلت عليه أما، ويكون أصله اللام، وحذفت هنا سماعاً.
ومنع قوم تقديم المفعول له على العامل، منهم ثعلب. والسماع يرد عليهم، قال جحدر:
فما جزعاً- ورب الناس- أبكي ... ولا حرصا على الدنيا اعتراني
وهذه الإضافة محضة، خلافاً للجرمي والرياشي والمبرد؛ إذ ذهبوا إلى أنها غير محضه؛ لأنهم يلتزمون تنكيره قياساً على الحال والتمييز، وسيأتي ذلك في باب الإضافة إن شاء الله. وقال الكميت:
طربت، وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لعباً مني، وذو الشيب يلعب
فقدم شوقاً- وهو مفعول له- على العامل فيه، وهو أطرب.

فرع: اشتركت كي وحتى في أحد معانيها في أنهما للتعليل، مثال ذلك:
أسلمت كي أدخل الجنة، وأسلمت حتى أدخل الجنة، ومع ذلك يجوز في كي وما بعدها أن يكون مفعولاً له، ولا يجوز ذلك في حتى.
وإنما جاز ذلك في كي لأن لها محملين في لسان العرب:
أحدهما: أن تكون حرف جر، فيكون النصب بإضمار أن بعدها، وهي في هذه الحال لا تكون مفعولاً له.
والثاني: أن تكون حرف نصب، فتكون مصدرية كأن، فتكون في هذه الحال مفعولاً له.
وأما حتى فلا تنصب بنفسها، إنما النصب بإضمار أن بعدها، فهي حرف جر لم ينسبك مصدر منها ومن الفعل الذي بعدها، إنما ينسبك من أن المضمرة بعد حتى ومن الفعل المنصوب بأن المضمرة، ولا يكون مفعولاً له إلا ما كان مصدراً أو مقدراً به منصوباً على الشروط التي تقدمت.

الصفحات [232] [233] [234] [235] [236] [237] [238] [239] [240] [241] [242] [243] [244] [245] [246] [247]  المجلد[7]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب أفعال المقاربة

العنوان الحالي : باب المفعول له

العنوان التالي : باب المفعول المسمى ظرفا ومفعولا فيه  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة