التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب المفعول معه
وهو الاسم التالي واواً تجله بنفسها في المعنى كمجرور مع، وفي اللفظ كمنصوب معدي بالهمزة. وانتصابه بما عمل في السابق من فعلٍ أو عامل عمله، لا بمضمر بعد الواو، خلافاً للزجاج، ولا بها، خلافاً للجرجاني، ولا بالخلاف خلافاً للكوفيين. وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصلح عطفه، خلافاً لأبن جني. ولا يقدم المفعول معه على عامل المصاحب باتفاق، ولا عليه، خلافاً لابن جني.]-
ش: قوله التالي واواً جنس يشمل واو العطف في نحو: مزجت عسلاً وماءً. وقال المصنف: «قلت في حده التالي واواً ليخرج التالي غير الواو مما يطلق عليه في اللغة مفعول معهن كالمجرور بمع وبباء المصاحبة، نحو: بعت الفرس بلجامه، وجلست مع زيد، فإن/ [4: 14/أ] عرف النحاة يقصر المفعول معه على المبوب له هنا» انتهى ملفقاً معناه من كلام المصنف. وجرى في ذلك على عادته كابن عصفور من ذكر الجنس أولاً، وأنه يحترز به من كذا، وقد تكلمنا معهما في أوائل هذا الشرح على أن الجنس لا يورد للاحتراز.
وقوله تجعله بنفسها في المعنى كمجرور مع إلى بالهمزة هذا فصل يخرج به المعطوف بعد ما تفهم منه المصاحبة، نحو: أشركت زيداً وعمراً، ومزجت عسلاً وماءً، بخلاف: سرت والنيل، فإن المصاحبة لم تفهم إلا من الواو.
ونبه بقوله وفي اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة على أن الواو تعدي ما قبلها من العوامل إلى ما بعدها، فينتصب به بوساطة الواو، فعلاً كان ما عدته

كصنع، أو عاملاً عمل الفعل، نحو: عرفت استواء الماء والخشبة، والناقة متروكة وفصيلها، ولست زائداً حني يفعل. وس يسميه مفعولاً معه، ومفعولاً به.
وقال ابن عصفور: "المفعول معه هو الاسم المنتصب بعد الواو التي بمعني مع المضمن معني المفعول به، وذلك نحو قولك: ما صنعت وأباك؟ ألا تري أن الواو بمعني مع، والأب في المعني مفعول به، كأنك قلت: ما صنعت بأبيك؟ ولو لم ترد هذا المعني لكان الاسم الذي بع الواو معطوفا علي الاسم الذي قبله" انتهي.
وزعم بعض النحويين أنه لا يكون إلا مصاحب فاعل فعل مذكور أو مقدر؛ ليخرج منه مصاحب المفعول في قولك: ضربت زيدا وعمراً، وتخيل أنه من المعطوف ليس إلا، وأنه لو أريد المفعول معه هنا لأتي بالأصل، وهو مع؛ لأن فائدة النصب التنصيص علي المعية، ولما اشتبهت هنا وجب العدول إلي الأصل، فإن لم يعدل فيحمل علي العطف الأصلي.
وبعضهم جوز فيه الأمرين. وبعضهم حمله علي العطف لأنه أولي وإن كان يجوز أن تكون بمعني مع، ولا تنكر المعية للمفعول، نحو قولهم: كفاك وزيداً درهم، وامرأ ونفسه.
وشرط انتصابه أن يكون بعد تمام كلام. وزعم الصيمري أنه يجوز أنه يجوز أن ينتصب عن تمام الاسم، فأجاز: كل رجل وضيعته، وقاس ذلك علي قول العرب: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ وهذا قياس فاسد؛ لأن جملة المبتدأ والخبر هنا في

معنى الفعل، فعوملت معاملته؛ إذا المعني: كيف تكون وقصعة؟ وإذا لم تكن الجملة في معني الفعل لم يجز النصب، لو قلت زيد أخوك وعمرا لم يجز، فإذا لم يجز بعد الجملة التي ليست في معني الفعل فكيف بعد المفرد. وأيضا المفعول معه فضلة، والفضلات هي من قبيل المفعولات، فلا تنتصب إلا بالفعل أو ما جري مجراه.
وقوله وانتصابه بما عمل في السابق من فعل مثاله: جاء البرد والطيالسة، واستوي الماء/ والخشبة.
وفي كان الناقصة خلاف: ذهب بعضهم إلي أن لمفعول معه لا يكون بعدها لأنها ليس فيها معني حدث يعدي بالواو، ولا تعمل إلا في اسمها وخبرها لا غير، وتأول ما ورد من ذلك بعد كان، نحو قوله:
فآليت أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلاً بعدي
وقول الآخر:
فكونوا أنتم وبني أبيكم مكان الكليتين من الطحال
وقول الآخر:
فكان وإياها كحران، لم يفق عن الماء إذ لاقاه حني تقددا
علي أن "كان" في هذه الأبيات تامة، ومثلاً والظرف والمجرور أحوالاً، وإلي هذا ذهب الأستاذ أبو علي.

وذهب الجمهور إلي جواز ذلك في "كان" الناقصة؛ لأن الصحيح أنها مشتقة، وأنها تدل علي معني سوي الزمان، فعلي هذا تعمل في الظرف، ويتعلق بها الجار، وتنصب المفعول معه كسائر الأفعال، وأنت تري افتقار" كان" في الأبيات المذكورة إلي ما بعدها افتقار المسند للمسند إليه، وجعل "مثلاً" و "مكان الكليتين" و "كحران" أحولا يفوت هذا المعني. والذي ينبغي أن يكون ذلك مقيساً في كل اسم يصح عطفه علي اسم كان الناقصة؛ لأنه كثر هذا فيها، كتلك الأبيات وغيرها.
وقال في البديع: "المفعول معه يكون من الفعل المتعدي وغير المتعدي عند الأكثرين، تقول: لو خليت والأسد لأكلك، ولو تركت الناقة وفصليها لرضعها. وقال قوم: إن هذا لا يكون إلا مع غير المتعدي؛ لئلا يلتبس بالمفعول به، فلا يقال ضربتك وزيداً، وزيداً: مفعول معه".
وقوله أو عامل عمله مثال ذلك: لست زائلاً وزيداً حني يفعل، وأعجبني استواء الماء والخشبة، والناقة متروكة وفصيلها، وأنشد أبو علي:
لا حبسك أثوابي، فقد جمعت هذا ردائي مطوياً وسربلا
وجعل سربالاً مفعولاً معه، وعامله مطويا.
ومذهب س أنه لا ينصبه العامل المعنوي، كحرف التشبيه والظرف المخبر به والجار والمجرور واسم الإشارة، ولذلك لم ينصبه به"لك" في قوله: هذا لك وأباك، ولا في: حسبك وزيداً درهم.

وأجاز أبو علي في قوله "وسربلا" أن يكون العامل فيه "هذا". وهو خلاف ظاهر كلام سيبويه.
وصح الفعل وما جري مجراه العمل في المفعول معه مع توسط الواو لما كانت حرف عطف في الأصل؛ فكما يصح للفعل العمل في المعطوف مع توسط / [4: 15/ أ] دليل مررت برجل قائم زيد وأبوه فكذلك هذا.
قل أبو الحسن بن الباذش: "المفعول معه يعمل فيه الفعل بتوسط الواو، بمنزلة حرف الاستثناء، إلا أن حرف الاستثناء يسلط الفعل ومعني الفعل، ولا تسلط الواو بمعني مع إلا الفعل عند س، فهي متروكة علي العطف أبداً، إلا في الفعل، فإنها تنقل من العطف إلي التعدية، وتسلط الفعل" انتهي. ويعني أيضاً وما جري مجري الفعل من مصدر واسم فاعل ومفعول.
وقوله لا بمضمر بعد الواو، خلافاً للزجاج فإذا قلت: ما صنعت وأباك؟ فالتقدير عنده: ولابست أباك، وإنما لم يجز عمل الفعل فيه لفصل الواو.
وما ذهب إليه باطل؛ لأن في نصب الاسم بفعل مضمر إحالة لباب المفعول معه؛ إذ يصير منصوباً علي أنه مفعول به لا مفعول معه. وأيضاً فد بينا أن توسط الواو في العطف لا يمنع عمل العامل، فكذلك في هذا. وأيضاً فإذا كان الفعل يطلب المفعول علي معني يقتضي توسط حرف بينهما عمل فيه مع توسطه؛ ألا تري أنك تقول: ما ضربت إلا زيداً، فتنصب زيداً بتوسط إلا، ولم تبال بهذا الفصل، لأن المعني يقتضيه، وكذلك الفصل ب "إما"، نحو: ضربت زيداً وإما عمراً.

قال المصنف في الشرح: " ومما يبين فساد تقدير الزجاج أنه إما أن يقصد تشريك صنعت ولابست في الاستفهام، ولا يصح؛ لأن شرط عطف الفعل علي الفعل بعد اسم الاستفهام جواز الاستغناء بالثاني عن الأول، والأمر بخلاف ذلك في التقدير؛ إذ لا معني لقول القائل: ما لابست أباك؟ أو لا يقصد التشارك، ولا يصح؛ إذ لا تعطف جملة خيرية علي جملة استفهامية مع استقلال كل واحدة منهما، فألا يجوز ذلك مع عدم الاستقلال كما في المثال المذكور أحق وأولي" انتهي.
وهذا مخالف لمذهب س، قد أجاز س التخالف في تعاطف الجملتين بالخبر والاستفهام، فأجاز: هذا زيد ومن عمرو.
قال المصنف في الشرح: "وأيضاً لو كان كما قال الزجاج لم يحتج إلي الواو مع إضمار الفعل، كما لا يحتاج إليها مع إظهاره، لو قلت: ما شأنك لابس زيداً؟ دون واو صح، فينبغي مع الإضمار الاستغناء عنها، والاستغناء عنها باطل، وما أفضي غلي الباطل باطل" انتهي، وفيه بعض تلخيص.
وقوله ولا بها، خلافاً للجرجاني شبهه الجرجاني- والله أعلم- أنه رآها مختصة بالاسم؛ إذ لا يقع الفعل بعدها، ولاختصاصها بما دخلت عليه من الاسم

أورد النحويون سؤالاً فيها، فقالوا: إن قيل: لم تخفض هذه الواو الاسم وهي مختصة به؟ فالجواب: أنها لم تخفضه لأن أصلها العطف، وحرف العطف لا يخفض / [4: 15/ ب] اختصاصه، فلذلك لم يجز لخفض بها، وسيأتي الدليل علي أنها حرف عطف في الأصل.
وقال المصنف في الشرح: "وكان حق الواو إذ كانت معدية أن تجر ما عدت العامل إليه كما فعلت حروف الجر؛ إلا أنها أشبهت الواو العاطفة لفظاً ومعني، فلم تعط عملاً، بل أعطيت مثل ما أعطيت العاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلي ما بعدها لا علي سبيل الإتباع. وكان في ذلك أيضاً تنبيه علي أن أصل المجرور بحرف أن يكون منصوباً، ولكنه جر لفظاً، ثم حكم علي موضوع معموله بالنصب؛ إذ لم تتمحض عالميتيه، فإنه معد، ولتظهر بذلك مزية المتعدي نفسه بنفسه علي المتعدي بواسطة" انتهي.
فلما رأي الجرجاني اختصاصها بالاسم ادعي أن النصب بها نفسها.
ورد هذا المذهب بأنها لو كامن هي العلة للنصفي الاسم لاتصل الضمير بها، ولم ينفصل في نحو:
فكان وإياها كحران ........... ...........................
كما اتصل بأن وأخواتها، فقلت: إنك وليتك، فأما قول ابن أحمر:
وكنا رهم كابني سبات، تفرقا جميعا، وكانا منجداً وتهاميا

فالواو للعطف، والضمير ضمير رفع عطفاً علي الضمير في كنا، وليست واو مع، ولا "هم" بعدها ضمير نصب متصل.
وبأنه حكم بلا نظير؛ لأنه ما من حرف ينصب إلا وهو مشبه بالفعل. أو مشبه بما شبه بالفعل.
وبأنه لو كان كما زعم لم يشترط في وجود النصب تقدم فعل أو ما جري مجراه، فكان يقال: كل رجل وضيعته، بالنصب، وذلك لا يقال.
وقوله ولا بالخلاف، خلافاً للكوفيين هذا الذي نسبه إلي الكوفيين هو قول بعضهم. ومعظم الكوفيين والأخفش ذهبوا إلي أن الواو مهيأة لما بعدها أن ينتصب انتصاب الظرف؛ لا بالخلاف كما نسبه المصنف إلي الكوفيين، قالوا: وذلك أن الواو في قولك جاء البرد والطيالسة إنما هي واقعة موقع مع، وكأنك قلت: جاء البرد مع الطيالسة، فلما حذفت مع، وقد كانت منتصبة علي الظرف، ثم أقمت الواو مقامها- انتصبت الطيالسة بعدها علي أمعني انتصاب مع الواقعة الواو موقعها؛ إذ لا يصح انتصاب الحرف، كما أنه في قوله تعالي {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ} ارتفع (الله) إذ لا يمكن أن يظهر الرفع في إلا؛ إذ الأصل: غير الله، فجعل الرفع الذي في غير اسم الله.
وهذا المذهب باطل؛ إذ لو كان انتصاب هذا الاسم علي الظرف لكان إذا أضمر يتعدي إليه الفعل بوساطة في، وأنت لا تأتي به إلا منفصلاً، نحو قوله:

..................... تكون وإياها بها مثلا بعدي
ولم يقل: تكون وفيها.
وأما/ [4: 16/ أ] المذهب الذي عزاه المصنف إلي الكوفيين- وهو النصب بالخلاف- فالخلاف معني من المعاني، ولم يثبت النصب بالمعاني المجردة من الألفاظ، وأيضاً لو كان الخلاف ناصياً لقيل: ما قام زيد لكن عمراً، ويقوم زيد لا عمراً، ولا يقال، بل يرفع العرب عمراً في المسألتين.
وقوله وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصح عطفه، خلافاً لابن جني قال المصنف في الشرح ما مخل خصه: " إن ابن جني زعم أن العرب لا تستعمل واو مع إلا في موضع يصلح أن تكون فيه عاطفة، وإن ابن خروف أنكر ذلك".
قال: "والعرب تستعملها في مواضع لا يصلح فيها العطف، وذلك علي ضربين:
أحدهما: ترك فيهما العطف لفظاً ومعني، كقولهم: استوي الماء والخشبة، ومازلت أسير والنيل، وقوله:
فكان وإياها كحران ........ ...........................
البيت. يصف رجلاً مات معانق امرأة بعد فراق.
والثاني: استعمل فيه العطف لمجرد اللفظ كاستعمال النعت علي الجوار، ومنه قولهم: أنت أعلم ومالك، أي: أنت أعلم مع مالك كيف تدبره، ومالك معطوف

في اللفظ، ولا يجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ لأن المال ليخبر عنه بأعلم، وشرط عطف المبتدأ المضمر خبره أن يكون الخبر المضمر مثل خبر المعطوف عليه" انتهي.
وهذا الذي اختاره المصنف وابن خروف من أن واو مع قد تقع قبل ما لا يصح عطفه؛ وأن استعمال العرب علي ذلك- ليس مذهب الجمهور، ولا ينبغي أن ينسب أنها لامتقع إلا قبل ما يصح عطفه لابن جني وحده، بل قول ابن جني محكي عن أبي الحسن الأخفش، وتلقاه جل النحويين بالقبول، وبه قال السيرافي والفارسي، وغيرهم، وكفي بهذا حجة، فكلام الأخفش وحده كالنقل عن العرب، فلا ينبغي أن يتعدي، وهذا اختيار الأستاذ أبي علي، واين عصفور، وابن الضائع، وغيرهم. وقد ادعي الإجماع علي ذلك أبو الحسن بن الباذنش، قال: "ويمتنع بإجماع أن يكون المفعول معه غير منقول من العطف، ولا يكون فيه إلا النصب في شئ من الأفعال، كما زعم أبو القاسم- يعني الزجاجي- في قولهم استوي الماء والخشبة أنه لا يجوز فيه النصب؛ لأن المعني: ساوي الماء الخشبة، وهذا خلاف ما الباب عليه من أن بعض المعطوف هو الذي لا يجوز فيه النصب" انتهى.

وفي البديع: " وتقول: جلست والسارية، والأخفش لا يجيز هذه. قال: ولا أقول: ضحكت وطلوع الشمس؛ حيث لا يصح فيه العطف؛ إذ الطلوع لا يكون منه ضحك، وأجاز: جاء البرد والطياليسة، لأن المجزئ يصح منها، وأجاز ابن جني ذلك جميعه".
والدليل علي أنها حرف عطف في الأصل ثلاثة أشياء:
الأول: أنه لو لم تكن العاطفة/ [4: 16/ ب] لكانت مختصة بالاسم، وللزم خفضه بها، فلما لم يخفض دل علي أنها حرف عطف في الأصل، فروعي ذلك، فليمنع.
والثاني: امتنعا تقدم ما بعدها علي الفعل كما لا يتقدم المعطوف علي الفعل، ولو لم يكن أصلها العطف لتقدم كما تقدم سائر المفعولات.
والثالث: أنه لا يجوز أن تستعمل إلا حيث يجوز فيه العطف حقيقة، نحو: جاء البرد والطيالسة، ما صنعت وأباك، أو مجازاً، نحو سار زيد والنيل؛ ألا تري أنه يصح عطفه علي المجاز من جهة أنه لا يفارق زيداً في حال سيره؛ كما لا يفارقه من سايره. وقد منعت العرب والنحاة إجازة: انتظرتك وطلوع الشمس، بالنصب؛ لأنه لا يجوز إسناد هذا الفعل إلي طلوع الشمس.
فأما قولهم ما زلت أسير والنيل فلا متضاد النيل معه لا يبعد أن ينسب إليه السير، فمن حيث لا يفارقك جزء من النيل يمكن أن ينسب إليه أنه سائر معك.
وأما استوي الماء والخشبة- بالنصب- فقد غلط الزجاجي في دعواه أنه لا يجوز فيوال خشبة إلا النصب؛ فزعم ابن عصفور أن الذي غلطه هو أنه لايجوز

استوى الماء واستوى الخشبةً. وهذا لا حجةً فيه؛ لأنه وإن لم يسمع ذلك - فلا يمتنع العطف، كما لم يمتنع: اختصم زيد وعمرو، بالرفع وإن لم يسمع: واختصم عمرو.
وقال ابن الضائع: ((الأولى أن ينسب إليه - يعني الزجاجي - أن نسبةً الفعل إلى الخشبةً مجاز؛ لأنها لم تتحرك من موضعها، فالذي تحرك حتى ساواها هو الماء، فيقرب هذا - وإن لم يكن مثله - من قولهم: ما زلت أسير والنيل، فالأولى أن يقال: يضعف العطف في: استوي الماء والخشبةً، وألا يقطع فيه بالمنع من جهة القياس)) انتهى.
وأما:
فكان وإياه- كحران ............. ..............................
فزعم أكثر النحويين أن المراد: كحران والماء؛ لأنه لا يشبه اثنان بواحد، فعلى هذا يصح العطف، فيجوز: فكان هو وهي كحران والماء.
وقدره ابن الطراوة: كحرانين، قال: ((لأنه لا تشبه اثنين بواحد)). قال الأستاذ أبو علي: ((غلط ابن الطراوة في هذا التقدير، أراد أن يثني ما تعلق به المجرور، فالتبس عليه)). قال: ((والصحيح أن يقدر: فكان وإياها كاثنين كحران والماء، فغلط فقدر: كحرانين)). قال ابن الضائع: ((والغلط في هذا بعيد جدًا،

فالأولى أن ينسب لابن الطراوةً أن المعنى: شدة شرق كل واحد منهما إلى صاحبه، فكل واحد عنهما حران، فهما كحرانين مع الماء، غير أن نظير الماء أحدهما، فكل واحد منهما مع صاحبه كحران مع الماء، فكلاهما كحرانين مع الماء، فعلى هذا يصح أن يقدر: كحرانين)).
وأما قولهم أنت أعلم ومالك فلما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال مع اختيار الناظر فيه صار مواتيا له، فنسب إليه العلم مجازا؛ على أنه [4:17 /ب] قد يمكن أن يكون المال مشتركًا مع أعلم، كأنه قال: أنت ومالك، ولاسيما على مذهب ابن خروف حيث يجعل كل رجل وضيعته ليس له خبر محذوف، بل خبر، المعطوف؛ لأنه كـ ((مع)، فتكون في المسألةً قد عطفت خبرًا على خبر، ويكون على تقدير: أنت أعلم ومالك، فاجتزأ باللفظ الأول؛ لأن المعنى يدل على ذلك، وحذف المبتدأ بحرف العطف؛ لأنه لو حذف وحده أدى إلى اجتماع حرفي عطف، فيقبح اللفظ، ونظير حذف الحرف والعطوف {اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ}، أي؛ فضربت فانفلق، وإني الكلام على هذه المسألة حيث ذكرها المصنف مشبعا إن شاء الله تعالى.
وقوله ولا يقدم القعود معه على عامل المصاحب باتفاق قال المصنف في الشرح: ((قد تقدم بيان كون الواو التي بمعنى مع معدية وأن لها شبها بالواو

العاطفة في اللفظ والمعنى؛ ولذلك لم تعمل عمل حروف الجر في لفظ ما عدت إليه العامل، بل أوصلت إليه عمل العامل لفظا ومحلًا، فالتزمت محلًا واحدًا لشبهها بهمزةً التعدية، ولا تتقدم على عامل المصاحب كما تتقدم مَعً في قولهم: مَعً الخشب؛ استوي الماء)) انتهى. وملخصه أنه إنما لم تقدم على العامل تشبيها لها بواو العطف، لأنها واو عطف في الأصل، والجمهور منعوا ذلك من حيث هي واو عطف في الأصل، وقد تقدم الكلام في ذلك.
وقوله ولا عليه، خلافًا لابن جني إنما لم يجز تقديمه على الفاعل فقط دون العامل فتقول استوي والخشبةً الماء لأنها حرف عطف في الأصل، ولا يجوز ذلك فيها في العطف إلا بشروط، وبابه الشعر، فلما أخرجوها عن أصلها من العطف المحض لم يتصرفوا فيها تصرفهم في الأصل.
وقد عورضت هذه العلةً بأن الأصل في المفعول معه ألا يمتنع فيه التقدم، بخلاف المعطوف، فإنه تابع، والأصل في التابع ألا يتقدم على متبوعة، فليست في المفعول معه العلة المانعة عن التقدم، وإنما المانع فيه تشبيهه به، فإذا جاز قليلًا فيما هو الأصل في امتناع التقديم فجوازه فيما حمل عليه أولى؛ إذ ليس فيه العلةً المانعةً.
وقال المصنف في الشرح: ((أشار في الخصائص - يعني ابن جني - إلى جوازه، وله شبهتان:
إحداهما: أن ذلك قد جاز في العاطفةً، فليجز فيها؛ لأنها محمولةً عليها.

والثانية: أن ذلك قد ورد في كلامهم، قال:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه، والسوءة اللقبا
وقال الآخر:
جمعت وفحشًا غيبة ونميمةً خصالًا ثلاثًا، لست عنها بمرعوي
[17:4/ب] /ولا حجةً في الشبهة الأولى، لأن العاطفة أقوى وأوسع مجالا، فجعل لها مزية بتجويز التقديم، ففيه إبداء مزية الأقوى على الأضعف، فلو أشرك بينهما في الجواز خفيت المزية، ولأن واو مع وإن أشبهت العاطفة فلها شبه بهمزةً التعدية مقتضٍ لها لزوم مكان واحد كذا لزمت الهمزة مكانًا واحدًا.
وأما السماع فلا يتعين ما ذكر فيه، بل قوله (جمعت وفحشًا) من باب العطف، وبه وجهه أكثر النحويين. وأما (ولا ألقبه والسوءة اللقبا) فهو من باب:
.................... وزججن الحواجب والعيونا

الأصل: ولا ألقبه اللقب وأسوءه والسوءة فحذف أسوءه لدلالة ألقبه عليه، ثم قدم مضطرا، والتقدير على ما كان عليه)) انتهى كلامه، وفيه بعض اختصار وتلخيص.

-[ص: ويجب العطف في نحو: أنت ورأيك، وأنت أعلم ومالك، والنصب عند الأكثر في نحو: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا، والنصب في هذين ونحوهما بـ (كان)) مضمرةً قبل الجار، أو بمصدر ((لابس)) منويًا، بعد الواو، لا بـ ((لابس))، خلافًا للسيرافي وابن خروف، فإن كان المجرور ظاهرًا رجح الخطف، وربما نصب بفعل مقدر بعد ((ما))، أو ((كيف))، أو زمن مضاف، أو قبل خبر ظاهر في نحو: ما أنت والسي، وكيف أنت وقصعه، و:
أزمان قومي والجماعة ............ ...............................
و (ألا وإياه في لحاف).]-
ش: أخذ المصنف يذكر مسائل هذا الباب بالنسبة إلى العطف والمفعول معه، وقد قسمها بعض أصحابنا أربعة أقسام:
القسم الأول: يجب فيه العطف، ولا يجوز النصب على المفعول معه، وذلك قسمان:
أحدهما: ألا يقدم الواو إلا مفرد، نحو: كل رجل وضيعته، وأنت ورأيك و ((الرجال وأعضادها، والنساء وأعجازها))، ((وإنك ما وخيرًا))، وقوله:
........................ فإني وجروة ..........................
وكل هذا مسموع من العرب.
والثاني: أن تتقدم الواو جملة غير متضمنة معنى فعل، نحو قولك: أنت أعلم ومالك.

وعبر المصنف، عن هذين القسمين بأن تكون الواو بمعنى ((مع)) بعد ذي خبر لم يذكر، أو ذكر وهو أفضل تفضيل. وعلل لزوم العطف فيه بعدم فعل وما يعمل عمله، قال: ((والمراد بعمله عمله أن يكون من جنس ما ينصب مفعولًا به)). قال: ((ولا خلاف في وجوب الرفع فيما أشبه المثالين المذكورين)) انتهى. يعني: أنت ورأيك، وأنت أعلما ومالك.
وقد ذكرنا الخلاف عن الصيمري في جواز النصب في: كل رجل وضيعته، وهو جارٍ في: أنت ورأيك. فقول المصنف ((ولا خلاف)) ليس بجيد لوجود الخلاف. قال: ((ومن ادعي جواز النصب في نحو كل رجل وضيعته على تقدير: كل رجل كائن وضيعته - فقد ادعي ما لم يقله عربي، فلا التفات إليه، ولا تعريج/ [4: 158/ أ] عليه)) انتهى.
فعلى هذا تكون المذاهب في هذه المسألة ثلاثةً: أحدها وجوب الرفع، وهو قول الجمهور والصحيح. والثاني جواز النصب بلا تأويل أن ما قبل الواو جملة بل مفرد، وهو مذهب الصيمري. والثالث هذا الذي حكاه، وهو جواز النصب على تأويل ما قبل الواو أنه جملة حذف ثاني جزأيها.
فأما أنت أعلم ومالك فقد تقدم توجيه الرفع في ((وماك)) على وجهين:
أحدهما: أن يكون معطوفًا على أنت، ونسب العلم إلى المال على سبيل المجاز وإن كانا في الحقيقةً لم يشتركا في العلم، وإنما المعنى: أنت أعلم بمالك، والواو للمصاحبةً.

والثاني: أن يكون ((ومالك)) مقدرا قبله مبتدأ، والتقدير: أنت أعلم وأنت ومالك.
وقال أبو القاسم بن القاسم الخضراوي: ((أنت أعلم ومالك: لا يصح عطف ومالك على أنت على حد: أنت أعلم وزيد؛ لأنك تضمر في هذا خبرًا من جنس ما أظهرته، والمال لا يعلم. ولا يصح عطفه على أعلم لأن العطوف على الخبر خبر يصح انفراده، فلو قلت أنت مالك لم يصح. ولا يصح عطفه على الضمير في أعلم لاستتاره غير مؤكد، ولأن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر إذا وليه، فكذلك إذا عطف على مضمر رفعه، وقد يكونان هذان الوجهان بشذوذ، بمعني العطف دون توكيد، ورفع الظاهر)).
قال: فإذا استحالت هذه الأوجه كان معطوفًا على أنت لا على ذلك الوجه، بل هو بمنزلة: شاة ودرهم، أي: معطوف في اللفظ، خبر في المعنى، لنيابته منابه.
وهكذا أعرب المسألةً الجرمي في ((الفرخ))، قال: الشاء شاةً ودرهم. قال: من قال هذا جعل الشاء مبتدأ، وشاةً مبتدأ، ودرهم خبره، والجملةً خبر الأول.
وقال أبو بكر بن طاهر: ((هو معطوف على أعلم؛ لأن الأصل: بمالك، فوضعت الواو موضع الباء، فعطفت على ما تبلها، ورفعت ما بعدها في اللفظ، وهو بمعنى الباء متعلقة بأعلم)).
وهذا أقرب لتفسير كلام س؛ لأنه قال في الواو: ((يعمل فيما بعدها المبتدأ)). يريد أنك تعطفه على أعلم، فيعمل فيه ما عمل في أعلم، وهو المبتدأ.

وأما أنت أعلم وعبد الله فثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الواو بمعنى مع، وعطف بما في اللفظ مبتدأ حذف خبره وجوبا لوقوعه مرقع المجرور بـ ((مع)) والاستطالةً.
والثاني: أن الواو لمجرد العطف، وعبد الله مبتدأ محذوف الخبر جوازا، والقدير: أنت أعلم بعد الله وعبد الله أعلم بك، ثم دخله الحذف كما دخل في: أأنت خير أم زيد، والأصل: أأنت خير من زيد أم زيد خير منك.
والثالث: أن يكون عبد الله معطوفًا على أنت، وأعلم/ [18:4/ب] اخبر عنهما، كأنه قال: أنت وعبد الله أعلم من غيركما، فيشتركان في المعنى، ويكون أعلم خبرا لهما متوسطا بينهما.
قال أبو الفضل البطليوسي في شرح كتاب س: ((فعلى هذا يجوز: زيد قائمان وعمرو، ولا مانع منه)) انتهى.
ولا ينبغي أن يجوز إلا بسماع من العرب، والفرق بين المسألتين ظاهر، وذلك أن أعلم أفضل تفضيل، فيجري مفردًا مذكرًا على المفرد المذكر وفروعها، فلا يظهر في ذلك مخالفةً خبر لمخبر عنه، فتقول فيه: أنت وزيد أعلم، فلا يظهر مخالف، بخلاف ما يصح تثنيته وجمعه وتأنيثه إذا قلت: زيد قائمان وعمرو، إذ لا يصح: زيد قائمان، بخلاف: زيد أعلم، فالذي ينبغي منع زيد قائمان وعمرو؛ لأن فيه الفصل بين المعطوف والعطوف عليه بما م خبر لهما مخالف لفظه للفظ المبتدأ.

وأما: أنت ومالك، وأنت وشأنك، ونحوهما فذكر أبو الحسن في ((الأوسط)) اختلاف النحويين في توجيه ذلك:
فذهب بعضهم إلى أن لا إضمار، وان الواو تسد مسد الخبر.
ومنهم من أضمر، وقدر: مقرونان، وإلى تقدير مقرونان ذهب س والأكثرون، إلا أن ابن خروف زعم أن تقدير س ذلك تقدير معنى لا تقدير إعراب، وزعم أن س نص على أن الواو وما بعدها الخبر في: اشتريت، الشاء شاةً ودرهم.
وقال ابن الضائع: ((لا نص في كلام س على ذلك، فإن زعم أن وضعيته ارتفع بكونه خبر المبتدأ لا بالتشريك مع الأول فيلزمه أن ينصبه في خبر كان ويرفعه في خبر إن، ولم تفعل العرب ذلك، بل قالت؛ إن رجلا وضيعته، وإنك ما وخبرا. وقال:
فكان تنادينا وعقد عذاره .................................
ولو نصب ((وعقد عذاره)) لكان كنصب: كنت وزيدًا كالأخوين. وإن زعم انه [مرفوعا] بالتشريك [والعطف] فحكمه حكم ما عطف عليه؛ لأنه شريكه في العامل، فهو مبتدأ مثله، فلا بد من دلالة شيء عليهما في المعنى)).

قال ابن خروف: ((ويدل على عدم الإضمار أن الكلام لا يدل على الاقتران، بل يمكن أن يكونا غير مقرونين)). قال: ((فمعنى تقدير س مقرونان أي: إن وضعيته في موضع مقرونان، كما تقدر: زيد ضربته، في الاشتغال: تريد: أخوك؛ لتري أن ضربته في موضع الخبر)). قال: ((ولا دليل على ذلك الخبر)).
وهذا باطل؛ فإن الواو التي بمعنى مع تدل على الاقتران، وليس يراد بالاقتران هنا الملامسةً والصلاح، وهذا الذي غلط ابن خروف، بل يراد به أن كل إنسان مع ضيعته، يفعل فيها ما يشاء من إصلاح أو إفساد.
وأما قول س في شاةً ودرهم إنه خبر ف ((س)) قد يسمي ما ليس خبرًا خبرا إذا كان في معنى الخبر، وفي كلام س ما يدل على خلاف ما زعم ابن خروف، قال س في المسألة: ((إنه يريد: شاة بدرهم، وهذا المجرور خبر)). قال: ((فصارت الواو بمنزلة الباء في المعني)). فقوله ((في المعنى)) يدل على أنها ليست في اللفظ بخبر، وهذا ظاهر الدلالةً، وتقدم الكلام في هذه المسألة في باب الابتداء.
وقوله والنصب عند الأكثر في نحو: ما لك وزيدًا، وما شأنك وعمرًا قال المصنف في الشرح: ((أشرت بذلك إلى كل جملةً آخرها واو المصاحبة وتاليها

وأولها (ما) المستفهم بما على سبيل الإنكار قبل ضمير مجرور باللام أو الشأن أو ما يؤدي ما يؤديانه)).
((ونسبت وجوب النصب إلى الأكثر لأن ابن خروف حكي عن الكسائي أنه قال: إذا أوقعت; ما بال، وما شأن، وما لٍ، على اسم مضمر، ثم عطفت عليه باسم ظاهر - كان الوجه في المعطوف النصب، والخفض جائز، فصرح الكسائي بجواز الجر، وبه أقول، لا على العطف، بل على حذف مثل ما جر به الضمير لدلالة السابق عليه)) انتهى.
وهذا الذي أدرجه المصنف فيما يتعين فيه العطف عند الأكثر هو شيء من أحد الأقسام الأربعة التي قسم بعض أصحابنا مسائل هذا الباب إليها، وهو أن تكون الجملة فعليةً أو اسميةً متضمنةً معنى الفعل، وقبل الواو ضمير متصل مرفوع غير مؤكد بضمير رفع منفصل، وليس في الكلام طول يقوم مقام التأكيد، أو ضمير خفض متصل باسم لا يمكن عطف ما بعد الواو عليه، نحو قولك: ما صنعت وأباك، وما شأنك وزيدًا، ولا يجوز رفع الأب وخفض زيد إلا في ضرورة، ولا يجوز رفع زيد وعطفه على الشأن، فهذا القسم - وهو الثاني - يكون الاسم فيه مفعولًا معه، ولا يجوز فيه العطف إلا في الضرورةً.
وقوله والنصب في هذين ونحوهما بـ ((كان)) مضمرةً قبل الجار، أو بمصدر لابس منويًا بعد الواو، لا ب ((لابس))، خلافًا للسيرافي وابن خروف تقدير كان وملابسه مصدر لابس في كتاب س، قال س: ((ومن نصب أيضًا قال: ما لزيد وأخاه، كأنه قال: ما كان شأن زيد وأخاه)). وقال أيضًا: ((فإذا أضمرت فكأنك قلت: ما شأنك وملابسةً زيد، [أو] وملابستك زيدًا)).

والذي ينبغي أن يجعل تقدير س ((وملابسة)) تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ ويكون المضمر كان. ويدل على ذلك ترجمة الباب، قال س: ((هذا باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله وذلك قولك: ما لك وزيدًا، وزيدًا شأنك وعمرًا))، فقد بنى الباب على إضمار الفعل، هذا مع ما تقرر من أن مذهب البصريين أنه لا يجوز حذف / [4: 19/ب] المصدر وإبقاء معموله لأنه موصول، ولا يجوز حذف الموصول، وقد منع ذلك س في قوله:

............ .... إلا الفرقدان
وبما اختاره المصنف من إعمال المصدر مضمرًا هنا قال الأستاذ أبو علي في قديم إقرائه؛ وحمل كلام س على ظاهره، واعتذر الأستاذ أبو علي عن إعمال المصدر مضمرًا بأنه هنا في قوة الملفوظ به لوضوح الدلالةً عليه، ودعاه إلى الاعتذار منع س ذلك في باب الاستثناء في ((إلا الفرقدان)) كما ذكرناه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: ((آخر ما أخذت عن الأستاذ أبي علي في ذلك هو أن الاسم هنا منصوب على انه مفعول معه، وأن تقدير س معنوي لا إعرابي، بل تقدير الإعراب فيه: ما لك تلتبس وزيدًا))، قال: ((ويدل على أنه عند س كذا ذكر هذه المسألةً في باب المفعول معه، ولو كان النصب على أنه مفعول به لم يذكرها معه)) انتهى.

وإذا أخذ بظاهر كلام س في تقديره وملابسه زيدًا فلا يكون مفعولًا معه، إنما يكون مفعولًا به، وعلى هذا أخذ، أبو بكر بن طاهر وتلميذ، ابن خروف، غير أنهما قالا: الناصب لزيد فعل مضمر لا مصدر؛ لأنه لا يجوز حذف الوصول وإبقاء شيء من صلته، وقد نص على ذلك س، فتقدير الناصب له حقيقةً: وتلابس زيدًا، غير أن فيه قبحًا لعطف الفعل على الاسم، فلذلك لما أراد س إظهار الناصب قدره بما لا يقبح فيه- ونظير ذلك امتناع الحكايةً بـ ((أي)) وجوازها بـ ((من)) في الأعلام؛ لأنهم لو قالوا أي زيدًا لظهر القبح في اللفظ لاختلاف إعرابي المبتدأ والخبر واستتاره في: من زيدًا. وكذلك هذه المسألةً جاز عطف الفعل على الاسم مع الإضمار لاستتار القبح، فإذا أظهر غير، فهذا هو السبب في تقدير س الناصب مصدرًا.
وأطال المصنف في الشرح الاستدلال على حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو مذهب الكوفيين، قال: ((وحذفه إذا قويت الدلالةً عليه وارد في الكلام الفصيح، كقوله تعالى {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، أي: وصد عن المسجد الحرام، وضعف عطفه على (سبيل الله) لأجل الفصل، وعطفه على الضمير لأن ذلك لا يجوز عند الأكثرين، ولأنه لا يصح أيضًا، من جهة

المعنى؛ لأن المشركين كانوا يعظمونه، إلا إن جعل تعظيمهم كلا تعظيم لكونه مستندا الى أهوائهم، وكقول الشاعر:
لصونك من تعول أتم نفعا لهم، عن ضلةً وهوى مطاع
ومثله:
المن للذم داع، بالعطاء فلا تمنن، فتلفى بلا حمد ولا مال
[4: 20/أ] /أي: صون عن ضلةً، ومن بالعطاء، والمحذوفان بدل من الموجودين، فاستغني بمعمول البدل كما استغني في الآية بمعمول المعطوف)).
وما ذهب إليه المصنف من هذا الاستدلال لا حجةً فيه، وقد خرجنا الآية على العطف على الضمير، وأوردنا من لسان العرب كثيرا مما يدل على جواز ذلك في كتابنا في تفسير القرآن المسمى بـ ((البحر المحيط)).
وأما البيتان فيتعلق المجرور فيهما بفعل محذوف يدل عليه المصدر، التقدير: تصونهم عن ضلةً، وتمن بالعطاء، فلم يتعين إضمار المصدر؛ إذ يحتمل إضمار هذا الفعل، وهو أولى- والعجب من جرأةً هذا الرجل على س حيث قال: ((ولو صرح س بمنع حذف المصدر مطلقًا لكان محجوبًا بثبوت ذلك عن العرب، فإن كلامهم هو المأخوذ به)) انتهى.
وأين يثبت ذلك في كلام العرب؟ إنما استدل بشيء خلاف الظاهر وخلاف القواعد:

وإذا ما الجبان حل بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
وقوله فإن كان المجرور ظاهرًا رجح الخطف مثاله: ما لزيد وعمرو، وما شأن زيد وعمرو، وهذا هو شيء عن احد الأقسام الأربعة التي قسم بعض أصحابنا، وهو أن تكون الجملةً اسميةً مضمنةً معنى الفعل، وتقدم الواو اسم لا يتعذر العطف عليه، نحو قولك: ما شأن عبد الله وزيد، وما أنت وزيد، فالأحسن جر زيد في المثال الأول، ورفعه في المثال الثاني، وهذا هو القسم الثالث تختار فيه أن يكون معطوفًا، ويجوز فيه أن يكون مفعولا معه.
وقوله وربما ينتصب بفعل مقدر بعد ((ما)) أو ((كيف)) ربما تدل على القلةً، فمثل ما شأن عبد الله وزيد الأرجح فيه العطف على عبد الله، ويجوز على قلة أن ينتصب مفعولا معه.
وقد منع س ذلك بعض المتأخرين وقوفًا مع ظاهر قول س: ((فإذا أظهر الاسم فقال ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر؛ لأنه قد حسن أن تحمل الكلام على عبد الله؛ لأن المظهر المجرور تحمل عليه المجرور. وسمعنا بعض العرب يقول: ما شأن عبد الله والعرب يشتمها)).
وهذا وهم منه، نظر إلى كلام س أولًا، ولم ينظر إليه أخرا، فقول س ((فليس إلا الجر)) يعني في الأفصح، ويدل على هذا التقييد بالأفصح قول س بعد ذلك: ((ومن قال ما أنت وزيد؛ قال ما شان عبد الله وزيدًا، وحمله على كان؛ لأن كان تقع هاهنا، والرفع أجود وأكثر، والجر في قولك ما شأن عبد الله وزيد أحسن وأجود، كأنه/ [4: 20 أ/ب] قال: ما شأن عبد الله وشأن أخيه، ومن

نصب أيضًا قال: ما لزيد وأخاه)) انتهى. فهذا نص من س على ترجيح العطف وتجويز النصب على أنه مفعول معه، وكلام س في هذا بين.
وأشار المصنف بقوله ((في نحو وما أنت والسير)) لما أنشده س:
وما أنت والسير في متلف يبرح بالذكر الضابط
وكذلك: كيف أنت وقصعةً من ثريد، الرفع فيه هو الفصح الكثير، والنصب قليل، قال س: ((وزعموا أن ناسًا يقولون: كيف أنت وزيدا، وما أنت وزيدًا، وهو قليل في كلام العرب، لم يحملوا الكلام على ما ولا كيف، ولكن حملوه على الفعل، على شيء لو ظهر حتى يلفظوا به لم ينقض ما أرادوا من المعنى حين حملوا الكلام على ما وكيف، كأنه قال: كيف تكون وقصعةً من ثريد، وما كنت وزيدًا؛ لأن كنت وتكون يقعان هنا كثيرًا)) انتهى.
وزعم ابن عصفور أن هذا مما يجب فيه النصب على المعيةً، فقال: ((ولا يجوز التشريك؛ لأنه يلتبس بالسؤال عن حال كل واحد عنهما على الانفراد)).
قال ابن الضائع: ((وهذا غلط، بل قد نص س على اختيار الرفع، وذلك أنك إذا سألت من بينه وبين زيد اختلاط والتباس فهم المقصود، فلا يقع لبس، فقد

كان ينبغي ألا يجوز فيه النصب إذ لا ناصب له، لكن زعم س أنه جار على توهم كان أو تكون)) انتهى.
وظاهر كلام س أن الرفع في; ما شأن عبد الله وزيدًا، وما أنت وزيدًا، وكيف أنت وزيدًا، إذا نصب ما بعد الواو هو على إضمار كان، وقد صرح بذلك س كما ذكرناه في نصه، وفي قوله أيضًا، قال: ((ما كان شأن زيد وأخاه))، فعلى هذا ارتفاع شأن بـ (كان) المضمرةً، وارتفاع أنت في: كيف أنت، وما أنت بـ (كان) المضمرةً، ولا يتخيل أن معنى ما أنت وزيدًا - وهو ما كنت وزيدًا - هو الذي بعمل؛ لأن المعاني لا تعمل في المفعولات الصحاح.
واختلفوا في ((كان)) هذه المضمرةً؛ فنص أبو علي الفارسي وغيره على أنها التامةً؛ لأن الناقصة مجردةً للدلالةً على زمان نسبةً أمر إلى آخر فيما مضى، ولا تعمل، وإنما عملت في المبتدأ والخبر بالتنبيه، فلا تعمل في غيره. وهو اختيار الأستاذ أبي علي، وأبي عمرو بن تقي وعلى هذا ((كيف)) في موضع نصب على الحال، وأما ((ما)) فلا تكون حالًا؛ لأنها سؤال عن الذات لا عن الأحوال. وزعم بعضهم أنها مجردةً عن أصلها إلى السؤال عن الحال.
والصحيح آن كان المضمرةً ناقصةً، وأنها ليست مجردةً من الحدث، فتكون كيف في موضع الخبر. وكذلك ما، التقدير: على أي حال تكون مع قصعة من ثريد، وأي شيء تكون مع زيد، وأي شيء يكون شان عبد الله مع زيد.
وقال ابن [21:4 أ] /خروف: ((إن أنت ونحوه اسم كان، و (ما) الخبر، ولا يجوز أن تكون التامةً؛ لأنه تكون ما مبتدأ، وما بعدها الخبر، ولا ضمير فيه. ويجوز فيها مع كيف الوجهان، يعني لأن كيف تنتصب على الحال)) انتهى.

واختلف في تقدير س مع ((ما)) ((كنت))، ومع ((كيف)) ((تكون)): أذلك مقصود لـ ((ص)) أم لا:
فزعم السيرافي أنه غير مقصود، ولو عكس لأمكن.
ورد المبرد على س، وقال: يصلح في كل واحد منهما الماضي والمستقبل، نحو: ما تكون وزيدًا، وكيف كنت وزيدًا.
وتابعه ابن طاهر، وقال: إنما قدر مع ما الماضي ومع كيف المستقبل لكثرة ذلك في الكلام، ولا يمنع في القياس العكس كما قال المبرد، إلا أن الاستعمال ورد على ما ذكر س، وتوقف عنده.
ورد ابن ولاد على المبرد، فزعم أنه لا يجوز إلا ما قال س، وذلك أن ((ما)) دخلها معنى التحقير والإنكار، وليست سؤالًا عن مسألةً مجهولةً، ولا ينكر إلا ما ثبت واستقر، ولو كانت هنا لمجرد الاستفهام لجاز فيه الماضي والمضارع.
وقال بعضهم: إن ذلك مقصود من س، وذلك أن قولهم ما أنت وزيد إنما يقال لمن أنكر عليه أن قال: خالطت زيدًا، أو لابسته، فيقال له: ما كنت وزيدًا؟ ولا يقال له إذا قال ما لابسته: ما أنت وزيدًا؟ لأنه لا ينكر ما لم يقع، إنما ينكر الواقع. وأما كيف أنت وقصعة من ثريد فإنما يقال على معنى: كيف تكون، كذا يستعمل عندهم، ولم ينقل خلاف هذا، فهذا النصب إنما يقال منه ما سمع.

وقال ابن خروف: إذا قال ما أنت فهو منكر عليه محقر أمره، وإذا قال كيف فهو يريد: على أي حال، ولما حقر أتي بـ (كان) ماضية مع ما، وأتى مع كيف بالمستقبل.
وقال غيره: لما كان السواد إنما يقع في الأكثر عما يستقبل قرن المستقبل بكيف، ولما كان ما أنت وزيدا بمعنى التوبيخ على صحبته - وذلك في الأغلب إنما يقع على ما مضى - قرن الماضي بـ (ما).
وقوله أو زمن مضاف مثله المصنف بقوله: ((أزمان قومي والجماعة))، وهذا من بيت أنشده س، وهو:
أزمان قومي والجماعة ًكالذي منع الرحالةً أن تميل مميلا
هكذا أنشده س في كتابه. وقال المصنف عن س إنه أنشده: ((كالذي لزم الرحالة)). ولعل ذلك وقع في نسخة من كتاب س وقعت للمصنف، وإلا فهو وهم منه، قال س: ((كأنه قال: أزمان كان قومي والجماعةً، فحمله على كان لأنها تقع في هذا الموضع كثيرا، ولا تنقض ما أرادوا من المعنى)) انتهى.
ودل على الفعل هنا إضافةً الظرف إلى الاسم؛ لآن ظروف الزمان تضاف إلى الأفعال كثيرًا، [4: 21/ب] /فبإضمار الفعل صلح المعنى. وظاهر كلام س أن كان هي الرافعة لقومي، وأنها تامةً. وقيل: ناقصةً. والخلاف في هذا كالخلاف في: ما أنت وزيدًا، هل المضمر التامةً أم الناقصة.

وقال شيخنا أبو الحسن بن الضائع: ((ظاهر كلام س عندي أنه ليس كان في هذه المواضع محذوفةً، ويكون قومي مبتدأ، فكما آن توهم الباء في:
...... لست مدرك ما مضى ......................
لا يصير مدرك مخفوضًا [بها] فكذلك توهم كان هنا لا يصير قومي مرفوعا بها، وكذلك؛ ما أنت وزيدًا، وما مثله من الأبيات)) انتهى.
وخبر ((كان قومي)) هو المفعول معه. وهو والجماعة - على مذهب ابن خروف في ((إنك ما وخيرًا)) أن ((وخيرًا)) هو الخبر لنيابته مناب الخبر.
والصحيح أن خبر كان في البيت هو قوله: كالذي، ويريد: أزمان كان قومي مع الجماعة كالمتجسر بالرحل أو السرج المانعة أن يميل. أشار إلى لزوم قومه الجماعةً وترك الخروج عن طاعة السلطان. وقيل: إنه يصف استقامة الأمور وعدم الفتن قبل قتل عثمان.
وقوله وقبل خبر ظاهر مثل المصنف بما ورد في الحديث من قول عائشةً رضي الله عنها (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحي وأنا وإياه في لحاف). وروى

أبو محمد ثابت السرقسطي في "كتاب الدلائل" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبشروا بالله, لأنا وكثرة الشيء أخوفني عليكم من قتله).
قال ابن خروف: "لم يذكر س في كل رجل وضيعته وما أشبهه مما لم يتقدمه استفهام إلا الرفع, وبعض العرب ينصب إذا كان معه خبر, وذلك قليل لأنه يتوهم الفعل ومعنى مع".
وقال المصنف في الشرح: "كأنها قالت: وكنت وإياه في لحاف, أو: وأنا كائنة وإياه في لحف, ويجوز عندي أن يكون إياه في موضع رفع عطفًا على أنا, على سبيل النيابة عن ضمير الرفع, كما ناب عن ضمير الجر في: مررت بإياك, وفي: هو الغداة كأنا" انتهى.
وينبغي ألا تبنى على مثل هذه الآثار قاعدة نحو لجواز النقل بالمعنى, فلا يتعين أنه لفظ عائشة, ولا لفظ الرسول, ولكون الرواة قد يلحنون.
ص: ويترجح العطف إن كان بلا تكلف ولا مانع ولا موهن, فإن خيف به فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعية, فإن لم يلق الفعل بتالي الواو

جاز النصب على المعية وعلى إضمار الفعل اللائق إن حسن "مع" موضع الواو, وإلا تعين الإضمار. ش: قال المصنف في الشرح ما ملخصه: "أشرت بقولي بلا تكلف إلى نحو قوله:
فكونوا أنتم وبني أبيكم ................
البيت, فيحسن العطف من جهة اللفظ, وفيه تكلف من جهة المعنى؛ لأن المراد: كونوا بني أبيكم, فالمخاطبون هم المأمورون, فإذا عطف كان التقدير: كونوا لهم وليكونوا لكم, وذلك خلاف المقصود, وكذا قول الآخر:
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئ فدعه, وواكل أمره واللياليا
معناه: وواكل أمره لليالي, وتقدير العطف فيه تكلف".
قال: "وأشرت بقولي ولا مانع إلى نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه, أي: مع إتيانه, فالعطف ها هنا ممتنع, وكذا في: استوي الماء والخشبة, وما زلت أسير والنيل ونحوهما" انتهى.
وتقدم الكلام في هذه الواو, وأن الجمهور ذهبوا إلى أنها لا تقع إلا في مكان يصح فيه العطف حقيقة أو مجازًا, فتبين كيف العطف في: استوى الماء,

والخشبة، وفي: ما زلت أسير والنيل, فعلى ما قرره الجمهور لا مانع من العطف هنا, ولا يتعين كون الواو واو مع.
قال المصنف: "وأشرت بقولي ولا موهن إلى نحو: ما صنعت وأباك, فنصبه مختار, وعطفه جائز على ضعف".
وقوله فإن خيف إلى المعية مثاله: لا تغتذ بالسمك واللبن, ولا يعجبك الأكل والشبع, أي: مع اللبن, ومع الشبع, فالمعية تبين مراد المتكلم, والعطف لا يبينه, فتعين رجحان النصب للسلامة به من فوات ما يضر فواته, وضعف العطف؛ إذ هو بخلاف ذلك.
وقوله فإن لم يلق (المسألة) قال المصنف في الشرح: "مثاله قوله تعالى {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وشُرَكَاءَكُمْ}، فلا يجوز أن يجعل (وشركائكم) عطوفا؛ لأن أجمع لا ينصب إلا الأمر والكيد ونحوهما, ولك أن تجعل (وشركاءكم) مفعولًا معه, وأن تجعله مفعولًا فأجمعوا مقدرًا, كأنه قيل: فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم, ومثله {والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ}، فلك أن تجعل (الإيمان) مفعولًا معه, ولك أن تنصبه باعتقدوا مقدرًا.
فإن كان الفعل غير صالح فيما بعد الواو, ولم تصلح "مع" في موضعها - تعين إضمار فعل صالح للعمل, فمن ذلك قول الشاعر:

إذا ما الغانيات برزن يومًا وزججن الحواجب والعيونا
لأن زججن غير صالح للعمل في العيون, وموضع الواو غير صالح لمع" انتهى.
فأما قوله "لأن أجمع لا ينصب إلا الأمر والكيد ونحوهما" فهذا على المشهور في اللغة, لا يقال: أجمعت شركائي, إنما هي بمعنى عزم, يقال أجمع أمره: إذا عزم عليه, وجمع بمعنى ضم المفترق, يقال جمع الدراهم: إذا ضمها, والشركاء: ضمهم, فعلى هذا يقال: جمعت شركائي, لا أجمعت شركائي, وقد حُكي أن أجمع بمعنى جمع, قال أبو ذؤيب:
فكأنها بالحزم حزم نبايع وأولات ذي العرجاء نهب مجمع
أي: مضموم ما تفرق منه, ومجمع: اسم مفعول من أجمع, فعلى هذا يقال:
أجمعت/ [4: 22 ب] شركائي, وإذا جاز ذلك أمكن عطف الشركاء على الأمر, ولم يحتج إلى تأويل الآية, وإنما تؤول على أنها من هذا الباب على المشهور من اللغة.
فإن قلت: إذا كان مذهب الجمهور أنه لا تكون مع واو إلا حيث يصلح العطف ففي هذه الآية لا يصلح العطف على مشهور اللغة؛ فكيف أجزتم فيه أن تكون واو مع؟

قلنا: إن كان لا يصلح العطف على "أمركم" فيصلح العطف على الضمير في فأجمعوا؛ إذ قد فصل بينهما بالمفعول, وقد قرأن برفع {وشركاؤكم} عطفًا على الضمير يعقوب الحضرمي.
وأما قوله بإضمار الفعل جوازًا إذا كان لا يعمل فيما بعد الواو وتتقدر الواو بمع, ووجوبًا إذا كان لا يعمل فيما بعدها ولا تتقدر بمع, وتجويزه في (وشركاءكم) و (الإيمان) أن يكون مفعولًا معه, وعلى إضمار الفعل, وتعيينه الإضمار في:
................ وزججن الحواجب والعيونا
ففي الحمل على إضمار الفعل اللائق خلاف:
ذهب أبو عبيدة وأبو محمد اليزيدي والأصمعي والجرمي والمازني والمبرد وجماعة إلى أن الثاني معطوف على الأول, ويكون العامل قد ضمن معنى يتسلط به على المتعاطفين, قال أبو عمر في "الفرخ": يجوز في العطف ما لا يجوز في الإفراد, نحو: أكلت خبزًا ولبنًا, وأنشد:
يا ليت زوجك قد غدا متقلدًا سيفًا ورمحًا
إذ ضمن متقلدًا معنى حاملًا, وضمن يجدع في قوله:
تراه, كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه ثاب له وفر

معنى يذهب, لأنه إذا جدع أنفه فقد أذهبه, وضمن تسمع معنى تعلم في قول الشاعر:
تسمع للأحشاء منه لغطًا وفي اليدين جسأة وبددًا
وضمن أطفلت معنى وضعت في قوله:
فعلًا فروع الأيهقان, وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها
وضمن وزججن معنى وحسن؛ لأن التزجيج تحسين, وضمن يحلين معنى يعطين ويناولن في قوله:
غرائر في كن وصون ونعمة يحلين ياقوتًا وشذرًا مفقرًا
وريح سنا في حقة حميرية تخص بمفروك من المسك أذفرا
وذهب إلى الفراء, وجماعة من الكوفيين, والفارسي, وجماعة من البصريين, إلى أن ما جاء من هذا النوع محمول على إضمار فعل مناسب لتعذر.

عطفه على ما قبله؛ فيصير من عطف الجمل, فيضمرون: ويفقأ عينيه, وترى في اليدين, وباضت نعامها, وكحلن العيون.
واحتج هؤلاء على المنع من عطف الاسم على الاسم الذي قبله بأنه لا يسوغ: علفتها ماء وتبًا, كما يقال: علفتها تبنًا وماء, قال الشاعر:
فعلفتها تبًا وماء باردًا حتى شتت همالة عيناها
فلو كان على التضمين لجاز هذا العطف, ولا حجة في قول الحطيئة:
سقوا جارك العيمان لما جفوته وقلص عن برد الشراب مشافره
سنامًا ومحضًا أنبتا اللحم, فاكتست عظام امرئ ما كان يشبع طائرة
فالرواية المشهورة: قروا جارك, وعلى تقدير صحة رواية سقوا فلا حجة فيها؛ لأنهم كانوا يذيبون السنام في المحض ويشربونه.
ولا حجة أيضًا في قول عنترة:
ويمنعهن أن يأكلن منه حياة يد ورجل تركضان

لجواز أن يكون تركضان صفة للرجل, وثنى لأنه يريد الرجلين, كقولهم:
عين حسنتان, كما قال امرؤ القيس:
وعين لها حدرة بدرة شقت ما فيها من أخر
والذي يدل على التضمين ويقطع ببطلان إضمار الفعل أنه قد وجد في كلامهم ما ادعوا أنه لا يوجد؛ وهو مثل: علفتها ماء وتبنًا, قال طرفة:
أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة لها سبب ترعى به الماء والشجر
] و [:
ونابغة الجعدي بالرمل بيته عليه صفيح من تراب وجندل
ضمن صفيح معنى ستر, وكأنه قال: ستر من تراب وجندل.
وإذا كانوا قد عطفوا ما لا يدخل في العامل لا بتضمين ولا غيره فلأن يعطفوا ما يدخل بتضمين أولى وأحرى, أنشد الأحْوَل:

ومستنبح بعد الهدو دعوته وقد حان من ساري الشتاء طروق
يكابد عرنينًا من الليل باردًا تكف رياح ثوبه وبروق
فالرياح تكف الثوب لا البروق, لكنه عطفها على الرياح لالتباسها بها.
ومما يضعف مذهب الإضمار أنه جاء منه ما هو بعد مخفوض الإضافة, نحو قوله:
شراب ألبان وتمر وأقط
لأنه إذا أضمر وأكال تمر كان قد حذف المضاف, ولم يقم الثاني مقامه مع أنه لم يتقدم له ذكر في اللفظ, وهو غير سائغ, وأنه جاء منه ما هو مخفوض بحرف جر, نحو قوله:
فلما دعت شيبًا بجنب عنيزة مشافرها في ماء مزن وباقل
[4: 23/ ب] /فـ "شيب" في الماء لا في النبت, فإن أضمرت ورعت في باقل كان من قبيل: "خير, عافاك الله"، وهو في غاية الشذوذ.
واختلف في هذا النوع من العطف أهو قياس أم سماع, والأكثرون على أنه قياس, وضابطه أن يكون الأول والثاني يجتمعان في معنى عام لهما.

-[ص: والنصب في حسبك وزيدًا درهم بـ "يحسب" منويًا, وبعد ويله وويلًا له بناصب المصدر, وبعد ويل له بـ " ألزم" مضمرًا, وفي: رأسه والحائط, وامرأ ونفسه, وشأنك والحج - على المعية, أو العطف بعد إضمار "دع" في الأول والثاني, و "عليك" في الثالث, ونحو "هذا لك وأباك" ممنوع في الاختيار.]-
ش: قال س: "ومن ثم قالوا: حسبك وزيدًا درهم, لما كان فيه معنى كفاك, وقبح أن يحملوه على المضمر - نووا الفعل, كأنه قال: حسبك ويحسب أخاك درهم, وكذلك: كفيك" انتهى.
كفيك هو من كفاه يكفيه, وكذلك قطك, تقول: كفيك وزيدًا درهم, وقطك وزيدًا درهم, وقال:
.............. فحسبك والضحاك سيف مهند
وليس هذا من باب المفعول كما زعم الزمخشري؛ لأن المفعول معه لا يعمل فيه إلا الفعل أو ما جرى مجراه, فليس حسبك مما جرى مجرى الفعل.
وأما ما قاله ابن عطية من أن الكاف في موضع نصب فلا يصح؛ لأن حسبك إضافته محضة؛ إذ ليس باسم فاعل ولا مصدر, وإنما جاء س به حجة للحمل على الفعل للدلالة, فحسبك يدل على كفاك.
ويحسبني مضارع أحسبني فلان: إذا أعطاني حتى أقول حسبي, فالناصب في هذا فعل يدل عليه المعنى, وهو في كفيك وزيدًا درهم أوضح؛ لأنه مصدر للفعل المضمر, أي: ويكفي زيدًا, وفي قطك وزيدًا درهم التقدير فيه أبعد؛ لأن قطك

ليس في الفعل المضمر شيء من لفظه, إنما هو ناصب مفسر من حيث المعنى فقط, وفي ذلك الفعل المضمر فاعل مضمر, يعود على الدرهم, والنية بالدرهم التقديم, فيصير من عطف الجمل. ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال لأن طلب المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مجراه ولا عمله؛ فلا يتوهم ذلك فيه.
وزعم الزجاج أن حسبك اسم فعل, والكاف في موضع نصب, وهو خطأ لدخول العوامل عليه, تقول العرب: بحسبك درهم, وقال تعالى {فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ}.
فإن قلت: إذا دخلت عليه العوامل يكون غير اسم فعل, وإذا لم تدخل كان اسم فعل, كرويد وبله؛ ألا ترى أنهما بعدهما مخفوض لم يكونا اسم فعل, وإذا لم يجئ كانا اسمي فعل.
فالجواب: أن رويد وبله جاءا في مكان تعين أن يكونا فيه اسمي فعل, وحسبك/ [4: 24/ أ] لم يقع في مكان يتعين فيه أن يكون اسم فعل, فبان الفرق.
وقوله وبعد ويله وويلا له بناصب المصدر قال س: "وأما ويلًا له وأخاه, وويله وأباه - فانتصب على معنى الفعل الذي نصب, كأنه قال: ألزمه الله ويله وأباه" انتهى, لما امتنع أن يحمل على المخفوض وعلى ويلًا لأن المعنى

يأباه حمل على الفعل الذي انتصب عليه ويلًا, وكأنه قال: ألزمه الله ويلًا وأخاه, ويكون معطوفًا على مفعول ألزم الأول.
وقوله] وبعد [ويل له بـ "ألزم" مضمرًا قال س: "وإن قلت ويل له وأباه نصبت؛ لأن فيه ذلك المعنى" انتهى, كأنك قلت: ويل له وألزم الله الويل أباه, ودل على هذا الفعل ويل له؛ لأنه في معنى المنصوب الذي هو: ويلًا له.
وقوله وفي رأسه إلى قوله والثاني: قال س: "ومن ذلك: رأسه والحائط, كأنه قال: خل أو دع رأسه مع الحائط, فالرأس مفعول, والحائط مفعول معه, فانتصبا جميعًا.
ومن ذلك قولهم: شأنك والحج، كأنه قال: عليك شأنك مع الحج.
ومن ذلك: امرأ ونفسه, كأنه قال: دع امرأ ونفسه, فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع قولهم: ما صنعت وأباك.
وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى, فهو عربي جيد, كأنك قلت: عليك رأسك, وعليك الحائط, وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه, فليس ينقض هذا ما أردت في معنى مع من الحديث" انتهى.
وفي تجويز س كون المنصوب في هذه المثل على المعية رد على من يعتقد أن المفعول معه لا يكون إلا مع الفاعل.
وهذا كله مقيس, أعني المعطوف والمعطوف عليه, لك أن تقول: زيدًا وعمرًا, وما كان نحوه, على إضمار الفعل الذي لا يظهر.

فإذا عطفت فالمعنى: دع رأسه مع الحائط, واترك الحائط مع رأسه, فالرأس والحائط متروكان, وهذا المعنى بعينه هو معنى مع, ولا فرق بينهما إلا أن مع يفهم منها أحد المعاني التي تحتملها الواو, وهو كونهما في حين واحد, وإذا كانت الواو عاطفة احتمل الكلام إلا أن تكون قرينة, فيكون ذلك من خارج لا من الواو نفسها, بخلاف واو مع.
وقوله و "عليك" في الثالث يعني أن المحذوف في قولهم شأنك والحج هو لفظ الإغراء, وهو عليك, بمعنى: ألزم شأنك والحج, وغر المصنف في أن جعل الناصب لشأنك عليك محذوفة تمثيل س ذلك بعليك في قوله " ومن ذلك قولهم: شأنك والحج, كأنه قال: عليك شأنك مع الحج".
وهذا الذي قدره س هو تمثيل وتقدير معنى لا تفسير إعراب, وتفسير الإعراب هو: ألزم شأنك, وبهذا قدره النحويون, وقالوا: لا يضمر عليك, وإنما يضمر الفعل.
ويظهر لي في تعليل ذلك أنه لما كان أصل العمل في المفعول به للفعل, وأنابوا عليك منابه لكونه اسم فعل, وكان قياسه ألا يعمل - لم يتصرفوا فيه/ [4: 24/ ب] تصرف الفعل؛ لأنه فرع عنه, فلم يجيزوا إعماله مضمرًا لئلا تساوي الفروع الأصول؛ ألا ترى أن "ما" لما شبهت بـ "ليس" نقص عملها عن عمل ليس, و "لا" التي للنفي العام لما شبهت بـ "إن" نقص عملها أيضًا.

وقوله ونحو "هذا لك وأباك" ممنوع في الاختيار قال س: "وأما هذا لك وأباك فقبيح؛ لأنه لم يذكر فعلًا ولا حرفًا فيه معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل" انتهى.
قال المصنف في الشرح: "كثر في كلام س التعبير بالقبح عن عدم الجواز, وقد استعمله قبل إذ قال في حسبك وزيدًا درهم: (لما كان فيه معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر - نووا الفعل). واستعمله أيضًا هنا, والحاصل أن س قد أفصح بأن اسم الإشارة وحرف الجر المتضمن معنى الاستقرار لا يعملان في المفعول معه؛ لأنه حكم على أن هذا لك وأباك قبيح, ومراده أنه غير جائز, ولو كان اسم الإشارة صالحًا عنده لنصب المفعول معه أو ما تضمن معنى الاستقرار من ظرف أو حرف جر لأجاز أن يقال: هذا لك وأباك, مخيرًا بين أن ينسب العمل لهذا أو لـ "لك"، وقد أجاز أبو علي في قول الشاعر:
................... هذا ردائي مطويًا وسربالًا
أن ينصب السربال بـ (هذا) مفعولًا معه.
وأجاز بعض النحويين أن يعمل في المفعول معه الظرف وحرف الجر" انتهى.
وقد تم الكلام على انقسام مسائل هذا الباب على ما ذكره المصنف إلى: واجب العطف, وراجحه, وواجب المعية, وراجحها, ومتساوي العطف والمعية,

فصارت خمسة أقسام. وتقدم من تقسيم أصحابنا إلى واجب العطف, ومختاره, وواجب المعية, ومتساوي المعية والعطف, وقسم شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع المسائل إلى ما قسمها المصنف.
فالواجب المعية قولهم: جلست والسارية, ومازلت أسير والنيل؛ وذلك أن العطف هنا لو كان حقيقة من جهة المعنى لقبح من جهة اللفظ العطف على المضمر؛ على أنه لا يجوز: جلس عمرو والسارية؛ لأنه مجاز لا معنى له في هذا الموضع.
والواجب التشريك: كل رجل وضيعته, وأنت وشأنك, خلافًا للصميري, فإنه أجاز فيه المعية, والصحيح مذهب الجمهور.
والراجح المعية: ما لك وزيدًا.
والراجح العطف: ما لزيد وعمرو, وما أنت وقصعته من ثريد.
والمستوى فيه العطف والمعية: ما صنعت أنت وأبوك, ولو تركت هي وفصيلها لرضعها, انتهى ملخصًا غاية التلخيص.

-[ص: وفي كون هذا الباب مقيسًا خلاف, ولما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله ما له متقدمًا, وقد يعطى حكم ما بعد المعطوف, خلافًا لابن كيسان.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "بعض النحويين يقتصر في مسائل في هذا الباب على السماع, والصحيح استعمال القياس فيها على الشروط المذكورة" انتهى.

وقال أبو الحسن: "قوم يقيسون هذا في كل شيء, وقوم يقصرون على ما سمع منه"، قال ابن عصفور: "ويعني بالذين يقصرونه على السماع أنهم لا يجيزون ذلك إلا حيث لا يراد بالواو معنى العطف المحض؛ لأن السماع إنما ورد به هنالك. ويعني بالذين يقيسون أنهم يجيزون ذلك حيث يراد به معنى العطف المحض, نحو: قام زيد وعمرًا, وحيث لا يتصور معنى العطف أصلًا, نحو: قعدت وطلوع الشمس" انتهى.
وقال الفارسي في التذكرة: "من لم يقس يقول إن الواو حرف غير عامل, كما أن إلا حرف غير عامل, وقد وصل الفعل بكل واحد منهما إلى ما بعده, فكما لا يقال على إلا غير الاستثناء كذلك لا يقاس: استوي الماء والخشبة, إلا ما سمع, والذي يقيس يقول: إن الواو حرف قد أبدل من الباء في نحو: والله, وفي نحو: لك الشاء شاة ودرهم, أي: بدرهم, فلما أشبه الباء في هذا, وقاربه في المعنى أيضًا - جعله بمنزلة حرف الجر".
قال ابن عصفور: "والصحيح عندي أن ذلك لا يقاس في كل شيء, فلا يجوز انتصاب الاسم على أنه معه حيث لا يتصور معنى العطف أصلًا؛ لقيام الأدلة على أن واو مع واو عطف في الأصل, ولا حيث يراد معنى العطف المحض؛ لأنه لا موجب إذ ذاك للعدول عما يقتضيه العطف من المشاكلة إلى النصب, مع أن العرب تؤثر المشاكلة على غيرها, وإنما يجوز ذلك حيث يدخل المعطوف بالواو معنى المفعول به؛ لأن دخول ذلك المعنى فيه هو الذي سوغ نصبه" انتهى.

وقال الأستاذ أبو علي: "متى كان العطف نصًا على معنى مع, وكان حقيقة في المعنى - ضعف النصب, كقولك: قام زيد وعمرو, فهذا لا يقال بالنصب إلا إن سمع, ومنه على ما زعم قول الشاعر:
فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
أي: مع القمر, فإذا كان العطف ليس بنص في المعنى, أو كان مجازًا - قوي النصب على المفعول معه".
قال: "وفي هذين ينبغي أن يكون الخلاف, أقياس هو أم لا"، قال: "ومثال الأول: استوي الماء والخشبة, ومثال الثاني مشيت والنيل".
قال: "فما حكي الفارسي في الإيضاح أن قومًا يقيسونه وآخرين يقصرونه على السماع ينبغي أن يكون مخصوصًا بهذين القسمين لا بالقسم الأول, فإنه ليس بمقيس أصلًا".
وقال ابن هشام الخضراوي: المفعول معه اختلف: هل يقاس أم لا, والقياسون اختلفوا: فقيل: في كل ما جاز فيه العطف حقيقة أو مجازًا, وقيل: قياسه في المجاز, وسماعه في العطف الحقيقي.
ومذهب الفارسي عدم القياس, والنصب بما قيل الواو من فعل أو معناه بتوسط الواو فيما جاء منه, وأنه لم يجز منه شيء إلا مع صلاحية العطف, فلا يجيز:

جلست والسارية, أي: مع السارية؛ لأنه ليس في معنى المعطوف, ولا: جلست وطلوع الشمس, وإن قلت مع طلوع الشمس, ولا: أنت وشأنك, بالنصب؛ لأنه لم يتقدم فعل, ولا: قام زيد وعمرًا, وإن كان سمع فيما هو في معناه, إلا أنه لا يقيسه, وعلى هذا أكثر النحويين, وهو ظاهر مذهب الكتاب.
وأما نصبه بفعل ظاهر أو مضمر فنص من س لا يحتمل تأويلًا, ونصبه بمعنى الفعل فيه احتمال, وقد أجاز جماعة ما ذكرت على أبي علي منعه, والنص معدوم في كل ما خالف شروطه.
وزعم السيرافي أن: استوي الماء والخشبة, وجاء البرد والطيالسة - لا يجوز فيهما إلا النصب, وهذا مطرد في كل ما كان مؤثرًا للأول, وكان الأول سببًا له, فالبرد سبب لاستعمال الطيالسة, وإذا قلت: جئت وزيدًا - أي: كنت السبب في مجيئه - فلا يجوز فيه إلا النصب, وهذا القول قول أبي العباس وأبي عمر, ونحو هذا: ما زلت وعبد الله حتى فعل, فألزموا النصب هنا, ولم يجيزوا العطف؛ لأن المعنى ليس عليه, والقصد الإعلام بتأثر الثاني عن الأول عندهم.
وغيرهم يرى جواز العطف في هذا؛ لأن كل واحد منهما مشارك للأول في الاستواء والمجيء وإن كان في الثاني بعد تجوز.
ورأيت الشلوبين يجيز القياس في هذا النوع, وفي قولهم: ما زلت أسير والنيل؛ لأن العطف في هذه الأشياء يجوز, فينبغي أن يقاس عليه.
ورأيت لغيره من المتقدمين من أصحابنا مثل هذا فيما يقبح عطفه من جهة اللفظ لا المعنى؛ نحو: ما صنعت وزيدًا, وما لك وزيدًا؛ لأن العطف على الضمير

المرفوع دون توكيد وعلى ضمير الخفض على الإطلاق قبيح؛ فيقيسون في هذا الموضع لاختلال العطف.
وهذان مذهبان ليسا مأثورين عن جلة المتقدمين, ولا مذهب السيرافي مشهور عمن كان قبله, والاتفاق على أن هذا مطرد في لفظ الاستواء والمجيء والصنع وفي كل لفظة سمعت.
وينبغي عندي أن يقاس على ما سمع ما في معناه وإن لم يكن من لفظه؛ فتقيس وصل على جاء, ووافق على استوي, وفعلت على صنعت.
وذكر س: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها, وما زلت وزيدًا حتى فعل, وهذا يجب نصبه في قول السيرافي.
وما أنت وزيدًا, وكيف أنت وعبد الله, الأكثر في كلامهم في هذين الرفع, وقليل منهم نصب بإضمار: ما كنت, وكيف تكون؛ لاستعمالهم "كنت" بعد "ما", و "تكون" بعد "كيف" كثيرًا.
وذكر: ما لك وزيدًا, وما شأنك وعبد الله, مما لا يصح فيه العطف, فإذا قلت: ما لزيد وعمرو, وما شأن زيد وعمرو - لم يجز فيه إلا الخفض, إلا في لغة/ [4: 26/ أ] من يقول: ما أنت وزيدًا, على إضمار: ما كان شأنك, وما كان لزيد.
وحكي: حسبك وزيدًا وزيد درهم, وجعله على تقدير: يكفي, وويلًا له وأباه, على العطف, أي: ألزمه الله ويلًا له, وألزم أباه, وويل له وأباه, بالإضمار, أي: وألزم أباه الويل.

فهذه الفصول هي الجائزة في هذا الباب, وكذا ما في معناها, وما يمكن أن يقاس عليه وليس من ألفاظها ومعانيها لا ينبغي أن يجوز.
وقوله ولما بعد إلى قوله متقدمًا مثال ما هو خبر لما قبله: كان زيد وعمرًا متفقًا, فمتفقًا: خبر كان, وهو مفرد كحاله لو تقدم فقلت: كان زيد متفقًا وعمرًا, ومثال ما هو حال لما قبله: جاء البرد والطيالسة شديدًا, فشديدًا حال من البرد, وهو مفرد كحاله لو تقدم فقلت: جاء البرد شديدًا والطيالسة.
وقوله وقد يعطى حكم ما بعد المعطوف أي: وقد يعطى الخبر والحال مع المفعول معه حكمهما بعد الاسم المعطوف عليه بالواو؛ فيطابق الاسم والمفعول معه كما يطابق الاسم والمعطوف عليه, فتقول: كان زيد وعمرًا مذكورين, وجاء زيد وعمرًا ضاحكين, كما تقول: كان زيد وعمرو مذكورين, وجاء زيد وعمرو ضاحكين, وهذا مذهب الأخفش, واختاره المصنف, والإفراد معهما أولى كما يكون بـ "مع".
وقوله خلافًا لابن كيسان يعني أن ابن كيسان لا يجيز مطابقة الاسم والمنصوب على المعية في الخبر والحال؛ بل لا يجعل ذلك إلا مطابقًا للاسم وحده دون ما بعد واو مع, قال المصنف في الشرح: "ومما يدل على أن مع يكون ما بعدها بمنزلة المعطوف بالواو قول الشاعر:
مشق الهواجر لحمهن مع السري حتى ذهبن كلاكلا وصدورًا
أراد: مزقت الهواجر والسرى لحمهن, فأقام مع مقام الواو" انتهى.
وهذا لا ينهض أن يكون حجة على ابن كيسان.

وإجراء مع مجرى الواو العاطفة فيراعى مجرورها مراعاة المعطوف فيه خلاف: أجاز الكسائي وهشام: عبد الله مع جاريته قاعدان, على أن مع محمولة على الواو والتقدير: عبد الله وجاريته قاعدان, وأبطل هذا الفراء, وأجاز الكسائي وأصحابه: اختصم زيد مع عمرو, بمعنى: اختصم زيد وعمرو, ولم يجز الفراء.
والذي نختاره مذهب ابن كيسان؛ لأن باب المفعول معه باب ضيق, وأكثر النحويين لا يقيسونه, فلا ينبغي أن يقدم على إجازة شيء من مسائله إلا بسماع من العرب.
فرع: يجوز الفصل بين الواو العاطفة وبين معطوفها بالظرف, فتقول: قام زيد واليوم عمرو, وضربت زيدًا واليوم عمرًا, ولا يجوز ذلك في الواو التي بمعنى مع لا بظرف ولا بغيره, فإذا قلت قام زيد وعمرًا فلا يجوز فيه: واليوم عمرًا؛ لأنه قد صار بمنزلة مع عمرو كالجار والمجرور, فمنعوا الفصل بينهما.

الصفحات [99] [100] [101] [102] [103] [104] [105] [106] [107] [108] [109] [110] [111] [112] [113] [114] [115] [116] [117] [118] [119] [120] [121] [122] [123] [124] [125] [126] [127] [128] [129] [130] [131] [132] [133] [134] [135] [136] [137] [138] [139] [140] [141] [142] [143] [144] [145] [146] [147] [148] [149] [150]  المجلد[8]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب أفعال المقاربة

العنوان الحالي : باب المفعول معه

العنوان التالي : باب المستثنى  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة