التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب المستثنى
[4: 26/ ب] /وهو المخرج تحقيقًا أو تقديرًا من مذكور أو متروك بألا أو ما بمعناها بشرط الفائدة؛ فإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل, وإلا فمنقطع مقدر الوقوع بعد لكن عند البصريين, وبعد سوى عند الكوفيين.]-
ش: جرت عادة النحاة س فمن بعده أن يبوبوا هذا الباب باب الاستثناء؛ وكأن المصنف إنما عدل إلى باب المستثنى لأنه أجراه على ما قبله من باب المفعول معه؛ فكما بوب لما بعد واو مع المفعول معه كذلك بوب لما بعد وإلا وما أشبهها بالمستثنى.
وقوله وهو المخرج جنس, يدخل تحته المخرج بالاستثناء, والمخرج بالتخصيص, وغير ذلك من المخصصات.
وقوله تحقيقًا مثاله: قام إخوتك إلا زيدًا.
وقوله أو تقديرًا هو الاستثناء المنقطع, نحو قوله تعالى {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ}، فإن الظن - وإن لم يدخل في العلم تحقيقًا - فهو في تقدير الداخل فيه؛، فإن الظن - وإن لم يدخل في العلم تحقيقًا - فهو في تقدير الداخل فيه؛ إذ هو مستحضر بذكره لقيامه مقامه في كثير من المواضع, فهو حين استثني مخرج مما قبله تقديرًا.
وأتى المصنف في الشرح بمثل من الاستثناء المنقطع, من ذلك الفائق ما قبله مع اتحاد الجنس, نحو: له على الألف إلا ألفين, ذكره الفراء, قال المصنف في

الشرح: "فمثل هذا لم يكن داخلًا فيخرج بإلا, لكنه في التقدير مخرج؛ لأن المقر إذا اقتصر على مقدار بمنزلة المنكر غيره, فكأنه قال: له على ألف لا غير إلا ألفين, فبان بهذا أن ألفين مخرجان تقديرًا.
ومن هذا القبيل {إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ} إذا لحظت في الإضافة معنى الإخلاص, فلم يندرج الغاوون فيهم فيخرجون, وتفاوت الغاوين أكثر من تفاوت ألفين بكثير, يدل عليه حديث بعث النار, فكأنه قيل: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم إلا من اتبعك من الغاوين, وقد يجعل متصلًا إذا كان العباد عامًا, والانقطاع قول ابن خروف, والاتصال قول الزمخشري.
ومن المخرج تقديرًا {لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ} على أصح الوجوه, فالتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله لأحد, أو لما ذكر العاصم استدعى معصومًا, فكأنه قيل: لا معصوم عاصم إلا من رحم الله.

ومن ذلك المستثنى السابق زمانه زمان المستثنى منه, نحو {ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}، لم يدخل (ما قد سلف) فيما قبله, لكنه جائز أن تبقى المؤاخذة به, فبين بالاستثناء عدم بقائها, فكأنه قيل: الناكح ما نكح أبوه مؤاخذ بفعله إلا ما قد سلف.
ومن ذلك قولهم: لأفعلن كذا وكذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا, مثل به س, ثم قال: "فأن أفعل كذا وكذا بمنزلة فعل كذا وكذا, وهو مبني على حل, وحل مبتدأ, كأنه قال: ولكن حل ذلك أن أفعل كذا وكذا".
ولما كان حل مرفوعًا اعتذر عنه بأنه جملة, فلو كان موضعه مفرد كان منصوبًا, فالجملة في موضع نصب, ولذلك أحتاج إلى ذكر: والله لا أفعل إلا أن تفعل؛ لأنه فعل, فلم يظهر فيه حكم الاستثناء, وفسره س بـ "حتى تفعل"، وهو تفسير معنى؛ لأن أن قد نصبت الفعل, فهو مصدر, فلم تدخل حتى, فإنما الكلام على حذف مضاف, كأنه قال: لا أفعل ذلك إلا وقت فعل, فيكون استثناء من عموم الحكم.
وزعم المبرد أن هذا على معنى: لا أفعل إلا بأن تفعل, أي: لا أفعل إلا بسبب فعلك.
وما ذهب إليه يمكن أن يساعده المعنى, لكن إنما يقال ذلك بمعنى أن الفعل مقترن بالفعل الآخر غير متراخ عنه, ومذهب المبرد لا يتعرض لشيء من هذا, وإنما دل على أن الفعل بسبب هذا الفعل, فيمكن أن يكون بعده بزمان, فإن نقل أنه يقال في هذا المعنى كان حسنًا.

قال السيرافي: "إلا بمعنى لكن؛ لأن ما بعدها مخالف لما قبلها, وذلك أن قوله والله لأفعلن كذا وكذا عقد يمين عقده على نفسه, وحله إبطاله ونقضه, كأنه قال: علي فعل كذا معقودًا لكن أبطل هذا العقد فعل كذا".
قال المصنف: "وتقدير الإخراج في هذا أن يجعل قوله (لأفعلن كذا) بمنزلة: لا أرى لهذا العقد مبطلًا إلا فعل كذا, فهذا استثناء منقطع بجملة".
وجعل ابن خروف من هذا القبيل {لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ (22) إلاَّ مَن تَوَلَّى وكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ} على أن يكون (من) مبتدأ, و (يعذبه الله) خبره, ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الجزاء.
وجعل الفراء من هذا {فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}، على تقدير: إلا قليل منهم لم يشربوا، واستحسنه ابن خروف.
ومن هذا النوع قوله عليه السلام (ما للشياطين سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون, أولئك المطهرون المبرؤون من الخنا).

ويمكن أن يكون من هذا {إلاَّ امْرَأَتَكَ إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} في قراءة من رفع, على أن يكون (امرأتك) مبتدأ, وخبره ما بعده, وبهذا التوجيه يكون الاستثناء في النصب والرفع من {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ}، وهو أولى من أن يكون المنصوب من (أهلك)، والمرفوع من (أحد).
ومن ذلك: إن لفلان مالًا أنه شقي, وما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر, ولا تكونن من فلان في شيء إلا سلامًا بسلام, وهي من أمثلة س, ومن أمثلة غيره: جاء الصالحون إلا الطالحين, وجاء زيد إلا عمرًا, وما في الأرض أخبث منه إلا إياه. فالمستثنى في هذه الأمثلة ليس مخرجًا تحقيقًا بل تقديرًا, فكأنك قلت: عدم البؤس, ثم استثنيت من البؤس كونه شقيًا, وكأنك قلت, ما عرض له عارض, ثم استثنيت من العارض النقص, وكأنك قلت: ما أفاد شيئًا إلا ضرًا, وكأنك قلت: لا تعامله بشيء إلا متاركة, وكأن السامع توهم مجيء غير الصالحين, فأزلت توهمه بالاستثناء, وكأنك عرفت علم السامع بمرافقة زيد لعمرو, وقدرت أنه توهم أنك اقتصرت على زيد اتكالًا على علم السامع بترافقهما؛ فأزلت توهمه بالاستثناء, وكأنك قلت: ما يليق خبثه بأحد إلا إياه, وتسلم هذا السبيل فيما ورد من أمثال هذا.

[4: 27/ ب] /قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعًا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد دل على ما يستثننى, فتأمل هذا فإنه يدق, فمن ذلك {لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ}، فالعاصم الفاعل, ومن رحم قد دل على العصمة والنجاة, وكأنه قال: ولكن من رحم يعصم أو معصوم".
وقال في ما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر: "وإنما حسن هذا الكلام لأنه لما قال ما زاد دل على قوله: هو على حاله, فكأنه قال: هو على حاله إلا ما نقص, وكذلك: هو على أمره إلا ما ضر" انتهى, وفيه بعض تلخيص.
وقوله من مذكور مثاله: قام القوم إلا زيدًا, فزيد مستثنى من مذكور, وهو القوم.
وقوله أو متروك مثاله: ما ضربت إلا زيدًا, التقدير: ما ضربت أحدًا إلا زيدًا, فزيد مستثنى من متروك لا من مذكور, وهو أحد.
وظاهر قول المصنف أن المستثنى مخرج من الاسم المستثنى منه مذكورًا كان أو متروكًا؛ وهذا مذهب الكسائي, زعم أنك إذا قلت قام القوم إلا زيدًا فمعناه الإخبار بالقيام عن القوم الذين ليس فيهم زيد؛ وزيد مسكوت عنه, لم يحكم عليه بقيام ولا بنفيه, فيحتمل أنه قام, ويحتمل أنه لم يقم.
وذهب الفراء إلى أنه لم يخرج زيد من القوم, وإنما أخرجت إلا وصف زيد من وصف القوم؛ لأن القوم موجب لهم القيام, وزيد منفي عنه القيام.
وذهب س وجمهور البصريين إلى أن الأداة أخرجت الاسم الثاني من الاسم الأول, وحكمه من حكمه.

وهذا الخلاف الذي ذكرناه هو في الاسم المتصل.
واحتج الكسائي لمذهبه بقولك: قام القوم إلا زيدًا فإنه لم يقم, فلو كان قولك إلا زيدًا يقتضي نفي القيام عن زيد لكان قولك فإنه لم يقم فضلًا لا يحتاج إليه, ويدل على جواز هذا التركيب قوله تعالى {فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}، وبقوله {إلاَّ إبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ}.
وأجيب عن قوله {لمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}، وعن قولهم "إلا زيدًا فإنه لم يقم" - بأن ذلك جاء على طريقة التأكيد لا على جهة الإخبار بأحد المحتملين, وهو نظير قولهم: أكلت السمكة حتى رأسها أكلته, بخفض رأسها؛ ألا ترى أن أكلته تأكيد لما دل عليه الكلام الأول من أن الرأس مأكول؛ حتى إذا كان ما بعدها جزءًا مما قبلها كان داخلًا في حكم الأول إلا إن دل دليل على خلاف ذلك.
واعترض هذا بأن المعاني التي تدل عليها الحروف لا تؤكد, فلا يقال: ما قام زيد نفيًا, ولا: أتقوم استفهامًا, تأكيدًا لمعنى ما, و "استفهامًا" تأكيدًا لمعنى الهمزو, ولا: ما قام زيد أنفي ذلك, ولا: أيقوم زيد أستفهم عن ذلك؛ لأن الحروف وضعت على الاختصار؛ ألا ترى أن الهمزة أخصر من أستفهم, و "ما" أخصر من أنفي, والتأكيد مبني على الإطالة, فلم يجمع بينهما للتناقض وهذا الاعتراض قوي.
وأجيب عن قوله {أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} بأن في هذه الجملة زيادة معنى لا تدل عليه/ [4: 28/ أ] إلا, فليست لتأكيد نفي السجود عنه فقط, وهو دلالتها على أن عدم سجوده إنما كان ناشئًا عن إبائه وتكبره, وهذا المعنى لا تدل عليه إلا, إنما تدل على انتفاء السجود, فلما كان في الجملة مزيد بيان جاز ذلك.

وهذا الذي أجيب به في هذه الآية مجاب به في قوله {لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}؛ لأن نفي كونه من الساجدين أبلغ من نفي السجود؛ إذ نفي الكون يقتضي نفي الأهلية, ففرق بين قولك: ما كان زيد من الصالحين, وبين قولك: ما زيد صالح؛ لأن في الأول نفي الكون, وهو مشعر بنفي الأهلية, وفي الثاني نفي الصلاح فقط.
قال بعض أصحابنا: "ويبطل مذهب الكسائي بالاستثناء المنقطع؛ لأن إلا أخرجت الثاني من حكم الأول ضرورة, ولولا ذلك لم يكن في الاستثناء فائدة, ولم يخرج الاسم من الاسم؛ إذ لم يندرج تحته أصلًا, وإذا ثبت ذلك في الاستثناء المنقطع كان ذلك في المتصل؛ لأن معنى إلا في الحالين واحد, وهو الاستثناء.
ويبطل أيضًا بقولك: لا إله إلا الله؛ إذ هذا اللفظ مثبت الأهلية لله وحده فقط بإجماع الأمة, ولو كان ما بعد إلا مسكوتًا عنه لم يكن المتلفظ بذلك مقرًا لله بالإلهية, ولا مثبتًا للربوبية, بل ساكت عن ذلك.
ويدل أيضًا على ذلك أن الذي يتبادر إلى الفهم في قولك "لا في إلا علي, ولا سيف إلا ذو الفقار" هو الثناء على علي وعلى ذي الفقار؛ ولو كان ما بعد إلا مسكوتًا عنه لما تبادر ذلك إلى الفهم" انتهى ملخصًا.
والذي يقطع ببطلان مذهب الكسائي أنه لا يوجد من كلام العرب: قام القوم إلا زيدًا فإنه قام؛ إذ لو كان يحتمل ما بعد إلا القيام ونفي القيام لجاز أن يرد ذلك من كلامهم كما زعم أنه وجد: قام القوم إلا زيدًا فإنه لم يقم.

وحجة الفراء أنه قد ثبت في الاستثناء المنقطع أنه من الحكم لا من الاسم؛ فوجب أن يكون كذلك في الاستثناء المتصل؛ لأنك إذا قلت ما رأيت أحدًا إلا حمارًا فمحال أن يستثنى الحمار من الأحدين؛ لأنه ليس منهم, وإنما استثنيت رؤيته من الرؤية المتقدمة لأنها من جنسها.
وأجيب بأنه قد يمكن أن يستثنى الحمار من أحد وإن لم يكن من جنسه على أوجه من المجاز تأتي إن شاء الله.
قالوا: والصحيح مذهب س وجمهور البصريين؛ لأنه إذا ثبت أن الإخراج من الحكم ثبت إخراج الاسم من الاسم؛ إذ محال أن يكون حكم ما بعد إلا خارجًا عن حكم ما قبلها, ويكون الاسم داخلًا تحت الاسم الذي قبلها؛ ألا ترى أن معنى قام القوم إلا زيدًا: إخراج زيد عن القيام, فيلزم من ذلك ألا يكون داخلًا في القوم المحكوم عليهم بالقيام؛ لأنه يكون غير قائم قائمًا, وذلك لا يكون.
وقول المصنف "وهو المخرج"، وقول النحاة "الاستثناء إخراج كذا" ليس بجيد أصلًا ولا بمحرر؛ فإن المستثنى قط ما دخل تحت الاسم الأول ولا تحت حكمه فيوصف بالإخراج؛ إذ لو دخل فيهم أو في حكمهم ما صح إخراجه البتة.
وإصلاح ذلك أن يقال: المستثنى هو المنسوب إليه بعد الأداة/ [4: 28/ب] 1 مخالفة المنسوب إليه قبلها.
وقوله بإلا قال المصنف في الشرح: "الباء في بإلا متعلقة بالمخرج, واحترز بذلك من إلا بمعنى غير, كقوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، والتي بمعنى الواو, كقوله تعالى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا}، أي:

ولا الذين ظلموا، قاله الأخفش، والتي بمعنى إن لم كقوله تعالى {بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ}، والزائدة كالأولى من اللتين في قول الشاعر:
أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معللًا
أي: أرى الدهر منجنونًا بأهله، أي: يتقلب بهم، فتارة يرفعهم، وأخرى يخفضهم، كذا قال ابن جني، ثم قال: (وعلى ذلك تأولوا أيضًا قول ذي الرمة:
حراجيج، ما تنفك إلا مناخةً على الخسف، أو نرمي بها بلدًا قفرا
أي: ما تنفك مناخة، وإلا زائدة). هذا قول ابن جني" انتهى كلام المصنف.
فأما احترازه من "إلا" بمعنى "غير" فكان ينبغي أن يقيد غيرًا بالصفة؛ لأن غيرًا تكون استثناء، وتكون صفة.
وأما قوله "والتي بمعنى الواو" فلا تكون إلا في معنى الواو في مذهب المحققين من النحويين؛ وقد تُؤول ما استدلوا به على أنه من الاستثناء المنقطع.

وأما قوله "والتي بمعنى إن لم" فليس توجد إلا البسيطة التركيب بمعنى "إن لم" بحال من الأحوال؛ والتي ذكر من قوله {إلاَّ تَفْعَلُوهُ} هي "إن" الشرطية و"لا" النافية، ولم تتركبا، بل كل واحدة منهما باقية على موضوعها، وليست بمعنى "إن لم" ولا دخلت إن الشرطية على فعل ماض منفي بلم، فقلبته مستقبلًا، بل دخلت على فعل منفي بـ"لا" مستقبل.
وأما قوله "والزائدة"، وإنشاده:
أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله ..............................
فليست إلا زائدة، بل هي باقية على إيجاب نفي سابق، و"أرى" منفي بـ"لا"، جواب قسم محذوف، ولا يجوز حذفها في جواب القسم، كقوله:
فقلت: يمين الله أبرح قاعدًا ............................
أي: لا أبرح، فالتقدير في البيت: والله لا أرى الدهر إلا منجنونًا بأهله، فهو موافق في المعنى للرواية الشهيرة في البيت، وهو قوله:
وما الدهر إلا منجنونًا بأهله ............................
وأما إنشاده البيت وأن آخره "معللًا" فالذي ينشده النحاة:
......................... وما صاحب الحاجات إلا معذبًا
وأما: حراجيج ..... البيت - فقد أُول على عدة من التأويلات، ذُكرت في باب كان، وإنما خرجه على زيادة إلا الأصمعي، وكان يُضعف في النحو، وتبعه ابن جني على ما ذكر المصنف.

وبدأ المصنف بـ"إلا" لأنها أم الباب بدليل كثرة تصرفها في باب الاستثناء؛ إذ تُستعمل وما قبلها تام وغير تام، ولا يستعمل غيرها إلا حيث يكون تامًا، إلا غيرًا، فإنها تُستعمل استعمال إلا، إلا أن الغالب عليها الوصفية، بخلاف إلا، فإن / [4: 29/ أ] الغالب عليها الاستثناء. وتُستعمل إلا بين الصفة والموصوف، وبين الحال وصاحبها، ويقع بعدها كل ما يصح أن يكون صفة، كالجمل الاسمية، والفعلية، ولذلك قال س: "فحرف الاستثناء إلا"، يعني أنه حرفه الموضوع له الأصلي فيه.
وقوله أو ما بمعناها هي الأدوات التي يأتي ذكرها في هذا الباب إن شاء الله.
وقد قدم المصنف ذكر نوعي الاستثناء المتصل والمنفصل، وذكر أن الإخراج يكون بإلا أو ما بمعناها، ولا يستوي في الأدوات التي بمعنى إلا الاستثناء المتصل والمنفصل، فإن الأفعال التي يُستثني بها لا تقع في الاستثناء المنفصل، لا تقول: ما في الدار أحد خلا حمارًا، وكان ينبغي للمصنف أن يبين ذلك؛ إذ ظاهر كلامه يقتضي التسوية بين المتصل والمنفصل في إلا وفي بقية الأدوات.
وقوله بشرط الفائدة نبه المصنف بهذا على أن النكرة لا يُستثنى منها في الموجب ما لم تُفد، فلا يقال: جاء قومٌ إلا رجلًا؛ لعدم الفائدة، وإن دخلت فائدة جاز، كقوله تعالى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَامًا}.
وقال أصحابنا: لا يُستثني من النكرة غير العامة النكرة المجهولة عند السامع، نحو: قام رجالٌ إلا رجلًا، لا على الاتصال، ولا على الانقطاع، فإن تخصصتا جاز، نحو: قام رجالٌ كانوا في دارك إلا رجلًا منهم، فإن عمت جاز، نحو: ما جاءني أحدٌ إلا رجلًا.

ولا تستثنى المعرفة من النكرة التي لا تعم ولم تُخصص، نحو: قام رجال إلا زيدًا، فإن عمت، نحو: ما قام أحدٌ إلا زيدًا، أو تخصصت، نحو: قام رجالٌ كانوا في دارك إلا زيدًا منهم - جاز. ولا من المعرفة النكرة التي لم تخصص، نحو: قام القوم إلا رجلًا، فإن تخصصت جاز، نحو: قام القوم إلا رجلًا منهم.
ونص أصحابنا على أنه لا يجوز أن يكون المستثني مستغرقًا للمستثني منه ولا زائدًا عليه؛ لا يجوز أن تقول: عندي عشرةٌ إلا عشرةً، ولا: عندي عشرةٌ إلا أحد عشر، وذكروا اتفاق النحاة على ذلك. وهذا مخالف لما نقله المصنف عن الفراء أنه يجوز: له علي ألفٌ إلا ألفين، وسيأتي الخلاف في قدر المستثني عند تعرض المصنف له إن شاء الله.
واختلف النحويون في الاستثناء من العدد على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: أنه يجوز مطلقًا، وهو اختيار شيخنا الأستاذ أبي الحسن بن الضائع.
والثاني: المنع مطلقًا، وهو اختيار ابن عصفور.
والثالث: التفصيل بين أن يكون المستثنى عقدًا فلا يجوز، نحو: له عندي عشرون إلا عشرة، أو غير عقد فيجوز، نحو: له عندي عشرة دراهم إلا اثنين.
فأما من أجاز ذلك فاستدل بقوله تعالى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَامًا}. فقد استثنى عددًا من عدد، وهو استثناء عقد، ففيه رد على من فضل فمنع استثناء عقد.

وأما من منع ذلك مطلقًا فقال: أسماء العدد نصوص، ولا يجوز أن ترد على ما وُضعت له، فكما لا يجوز أن تخرج عن النصية في غير الاستثناء فكذلك في الاستثناء، إلا إن كان اسم العدد قد أُخرج عن النصية إلى أن صار مما يُكثر به ولا يراد به ظاهره، فيصير إذ ذاك ظاهرًا في العدد، فيجوز /أن يستثنى منه؛ لأنه صار كسائر الظواهر التي يُستثنى منها، وعلى ذلك جاء قوله تعالى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عَامًا}؛ إذ لو لم يستثن لجاز أن يكون قوله {أَلْفَ سَنَةٍ} يراد به الزمان الطويل، بل كان يكون ذلك راجحًا من حيث العادة؛ لأن حياة إنسان ألف سنة مما تُحيله العادة، والألف والمئة والسبعون مما يُكثر به من ألفاظ العدد، كما قال الشاعر:/ [4: 29/ ب]
هو المنزل الآلاف من جو ناعط بني أسد، حزنًا من الأرض، أوعرا
وقال الآخر:
الواهب المئة المعكاء، زينها سعدان تُوضح في أوبارها اللبد
وقال تعالى {إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}.
ولما اختار ابن عصفور هذا المذهب رد عليه ابن الضائع على عادته معه؛ فقال: "وهذا الذي ذهب إليه فاسد، فقوله (أسماء العدد نصوص) يقال له: نعم،

ما لم يقترن بها ما يزيل نصيتها، وقد سلم ذلك في الأعداد التي يراد بها التكثير، ثم الآية دليل عليه، فإنه لم يرد بها التكثير، فقد أوقع الألف على ما دونه، وإبداؤه بعد سببًا على ما ظن لا يقدح في أن الألف ليس بنص إذا اقترن به الاستثناء؛ ثم ما ذكر ليس بسبب موجب، فلو كان يمتنع الاستثناء من العدد لنصيته لقال: تسعمئة وخمسين عامًا.
فإن قال: لما كان العدد للكثير قد صار غير نص لكونه يستعمل في التكثير ولا يراد به تحقيق العدد.
قلت: ما من عدد إلا ويتصور فيه التكثير بالنظر إلى ما دونه إذا كان المعدود يتعدد فيه، أو يقل مثل ذلك العدد، فقد يقول القائل لشخص ما: إنك لم تأتني اليوم، فتقول له: قد أتيتك عشر مرات، قاصدًا بذلك التكثير، وهذا موجود في الفطر، لا ينبغي أن يكون مختصًا بلغة دون لغة، وقد تقول لشخص: لم لم تنتظرني؟ فيقول لك: قد انتظرتك عشر ساعات أو أكثر، وهذا لا ينكره أحد. ثم النحويون مجمعون على جواز: عندي عشرة إلا واحدًا إلا ثلاثةً، ثم اختلفوا في المقر به: فزعم أكثرهم أنه أقر بستة، وزعم آخرون أنه أقر باثني عشر، وسيأتي بيانه.
وقد تكلم ابن عصفور في هذه المسألة، وصحح الرأي الأول، ونسي مذهبه في امتناعه، إلا أن يكون تكلم على تسليمه على مذهب من أجازه". انتهى ما رد به ابن الضائع على ابن عصفور ومن قال بقوله.
ورده ليس بشيء، وفيه تحامل كبير على ابن عصفور، وكان أستاذنا أبو جعفر بن الزبير يقول لنا: من كثرة ولوعه بالرد عليه قد نزل في بعض رده عليه،

وقد سلم ابن الضائع له أنها نصوص، وادعى أنه يقترن بها ما يزيلها عن النصية، وهذا أمر مدركه اللغة، ولا يكاد يوجد استثناء من عدد في شيء من كلام العرب إلا في الآية الكريمة لما كانت الألف مما يكثر به؛ وقد طالعت كثيرًا من دواوين العرب جاهليها / [4: 30/ أ] وإسلاميها فلم أقف فيه على استثناء من عدد؛ وأول ما رد به ابن الضائع هو من باب الجدال والمغالطة، ليس فيه شيء من التحقيق، وقوله "ما من عدد إلا يُتصور فيه التكثير" إلى آخره دعوى، لا يكثر بأربعة عشر ولا بسبعة لا بما أشبهها، إنما يكثر بما كثرت به العرب.
وأما قوله "وهذا موجود في الفطر السليمة" فلا يسلم له ذلك؛ لأن اللغة ليست توجد من الفطر ولا من الذوق، بل هي تراكيب، وضعها أهلها، ولذلك نجد الفطر متساوية في نسب، ثم يختلف التركيب في تلك النسب بالتقديم والتأخير والحذف والإثبات وغير ذلك.
وأما قوله "ثم النحويون مجمعون" كيف ينقل الإجماع والخلاف موجود، هذا عجب!
وقال ابن عصفور: "فإن قال قائل: ما المانع من أن يقال: جاءني إخوتك العشرة إلا تسعةً منهم، وعندي عشرة إلا واحدًا، على أن يكون المخبر قد توهم أولًا أن الإخوة العشرة جاءوه، وأن العشرة عنده، ثم تذكر بعد ذلك أن الذي جاءه إنما هو واحد الإخوة، وأن الذي عنده هو تسعة، فاستثنى من الإخوة الذي تحقق أنه لم يجئه، ومن العشرة الذي تحقق أنه ليس عنده.
فالجواب: أن العرب إنما تستعمل في هذا المعنى بل، فتقول: جاءني إخوتك العشرة بل واحد منهم، وعندي عشرة بل تسعة، ولا يُحفظ من كلامهم استعمال إلا في هذا المعنى، فإن وُجد من كلامهم استعمالها في هذا المعنى ساغ ذلك" انتهى. وأحال في جواز ذلك على استعمال العرب، وهو الصحيح.

وأما من فصل، فمنع ذلك في العقد، فلم يُجز: عندي مئة إلا عشرة - فلأن الكلام مبني على الاختصار، فقولك "عندي تسعون" أخصر، ويجوز عنده: عندي مئة إلا خمسة؛ لأنه ليس "عندي خمسة وتسعون" بأخصر منه. قال: ولذلك جاء في القرآن في الآية المتقدمة، وهذا مبني على جواز الاستثناء من العدد، وقد بينا أنه لا يجوز من الألفاظ التي يُكثر بها لخروجها عن النصية إلى الظهور. وأيضًا يلزمه في غير العقد مما يكون غيره أخصر منه ما يلزم في العقد من المنع؛ فتخصيصه العقد بالمنع غير سديد؛ ألا ترى أنه قال: له عندي تسعة إلا ثلاثة يقوم مقامه: له عندي ستة، وهو أخصر، فكان ينبغي له ألا يجوز الاشتراك هذا وما أشبهه مع العقد في علة الاختصار.
وقوله فإن كان بعض المستثنى منه حقيقةً فمتصل، وإلا فمنقطع أي: فإن كان المُخرج. وهذا الذي ذكره المصنف من أنه إذا لم يكن بعض المستثنى منه حقيقة هو المنقطع هو مذهب الأستاذ أبي علي.
ورده بعض أصحابنا بقوله تعالى {لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى} فالموتة /الأولى هي بعض الموت، والاستثناء مع ذلك منقطع، ولا يمكن فيه الاتصال؛ لأن الجنة لا موت فيها، ولأن الموتة الأولى قد انقضت في الدنيا، وما انقضى في الدنيا لا يمكن أن يكون هو بعينه في الآخرة.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن الاستثناء المنقطع ألا يكون المستثنى من جنس المستثني منه؛ أي: لا يكون المستثني من آحاد جنس المستثنى منه.

ورد ذلك بقوله {لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى}، فهذا من جنس المستثني منه، وهو منقطع. وبقولك: رأيت ريدًا إلا وجهه، فالوجه ليس من جني زيد؛ لأنه ليس من آحاد جنسه، وهو مع ذلك استثناء متصل باتفاق من النحويين.
والصحيح أن يقال: الاستثناء المنقطع هو ألا يكون المستثني بعض المستثنى منه، أو يكون بعضه إلا أن معنى العامل غير متوجه عليه.
وهذا النوع من الاستثناء أنكره بعض الناس، وزعموا أنه غير جائز في الكلام؛ لأن معقول الاستثناء عندهم إخراج الشيء مما دخل فيه هو وغيره بلفظ شامل لهما؛ وذلك غير موجود فيما هو منقطع من الأول. وتأولوا ما استدل بظاهره على وجود ذلك في كلام العرب، فقالوا في قوله {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ}: إن الظن يسمى علمًا، وقوله {إلاَّ رَبَّ العَالَمِينَ} بأنه اندرج تحت قوله {مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ}؛ لأنهم كانوا يعبدون الله، وقوله {إلاَّ إبْلِيسَ}؛ لأنه من الملائكة، وهو مندرج في عموم (اسجدوا) للملائكة، وقول النابغة:

إلا الأواري .................. ..........................
بأن أحدًا في قوله:
........................ ........... وما بالربع من أحد
هو يقع على ما يعقل، تقول: ركبت أحد الفرسين
وهذه التأويلات كلها مدخولة، لا تصح في النظرة.
وقد جاء هذا النوع فيما لا يمكن فيه تأويل على الاتصال أصلًا، نحو قوله تعالى {ومَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى (19) إلاَّ ابْتِغَاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى}، فـ (ابتغاء وجه الله) ليس جزءًا من (نعمة) ترتبت لأحد غير الله. ونحو قوله {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ولا تَاثِيمًا (25) إلاَّ قِيلاً سَلامًا سَلامًا} استثنى القول الطيب الذي هو (سلامًا سلامًا) من اللغو والتأثيم، وليس من جنسهما.
وقوله مُقدر الوقوع بعد لكن عند البصريين قال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "المستثنى الذي ليس من جنس ما قبله ليس مستثنى منه حقيقة، فإذا قلت ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا فلا شك في أن الحمار ليس بمستثنى من أحد، والدليل على ذلك أنه لا يصلح أن تقول: استثنيت الحمار منهم، فإذا هذه إلا توجد بمعنى لكن؛ وذلك أن ما بعدها مخالف لما قبلها، كما أن لكن كذلك، فاتسعوا فيها - أعني في إلا - فأجروها مجرى لكن، فهي بالحقيقة استدراك، غير أنهم

لما أوقعوا بعدها اللفظ المفرد كما يقع بعدها وهي استثناء سموها استثناء؛ فإذا قلت ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا فالمعنى: لكن فيها حمارًا، ويُفهم هذا من مخالفة / [4: 31/ أ] ما بعدها لما قبلها، إلا أن لكن لا يجوز فيها ذلك حتى يقع بعدها كلام تام، إلا أن تكون عاطفة، فلذلك سموا لكن الخفيفة حرف ابتداء واستدراك، بمعنى أنها حرف يقع بعدها كلام مبتدأ، ولم يصح ذلك في إلا لأنها لا يقع بعدها كلام مستأنف، فلقبوها بالاستثناء تشبيهًا بها إذا كانت استثناءً حقيقة، وتفريقًا بينها وبين لكن لاختلاف حكمهما" انتهى كلامه.
وتقدير إلا بلكن هو تفسير معنى؛ لأن لكن كما ذكر يكون بعدها كلام مستأنف، وإلا مع ما بعدها ليست بكلام مستأنف، فلم يبق إلا أن تكون من تمام الكلام الأول، وإذا كانت من تمامه وجب أن يُعتقد فيما بعدها أنه منصوب على الاستثناء؛ إذ ليس له نظير من المنصوبات إلا المنصوب على الاستثناء المتصل؛ ألا ترى أنه واقع بعد إلا، ومنتصب عن تمام الكلام الأول، وخارج عن حكم ما قبله، كما أن الاسم الواقع بعد الاستثناء المتصل كذلك، لا فرق بينهما أكثر من أن ما يبقى بعد إلا في الاتصال لولا الاستثناء لكان داخلًا فيما قبله، وفي الانقطاع ليس كذلك.
وزعم بعض النحويين - ومنهم أبو الحجاج بن يسعون - أن إلا مع الاسم الواقع بعدها إذا كان منقطعًا من الأول تكون كلامًا مستأنفًا؛ فزعم أن مثل قوله:
...................... ............... وما بالربع من أحد
إلا أواري ............... ...................................

"إلا" فيه بمعنى لكن، الأواري: اسم لها منصوب بها، والخبر محذوف، كأنه قال: لكن الأواري بالربع، وحذف خبر إلا كما حذف خبر لكن في قول الشاعر:
فلو كنت ضبيًا عرفت قرابتي ولكن زنجيًا عظيم المشافر
أي: لا يعرف قرابتي.
وهذا المذهب غير صحيح، وقد رده الفارسي في بغدادياته بأنه لو كان المنصوب له خبر مقدر للزم أن يقدر خبرًا مرفوعًا بعد غير في قول ذي الرمة.
عشية ما لي حيلةٌ غير أنني بعد الحصى والخط في الأرض مولع
وذلك باطل لأنه ليس له ما يرفعه. انتهى.
فإن قلت: تقدير الأداة في الاستثناء المنقطع بـ"لكن" يدل على مخالفة ما بعدها لما قبلها؛ فكيف ادعيتم الانقطاع في قول الشاعر:
فتى كملت خيراته غير أنه جوادٌ، فما يُبقى من المال باقيا
وتقدير غير بـ"لكن" لا يخالف قوله "كملت خيراته" فكيف صح التقدير: لكنه جواد.
فالجواب: أنه ذهب إلى معنى: لكن عيبه الجود، كما يقول القائل: عيب زيدٍ جوده، على معنى: ليس فيه عيب؛ لأن الجود ليس بعيب، فإذا لم يكن فيه عيب إلا الجود فما فيه عيب، فكأنه قال: كملت خيراته لكن نقصه جوده، فيصير عيبه ونقصه مخالفًا / [4: 31/ ب] لقوله: كملت خيراته.

وقوله وبعد سوى عند الكوفيين قال في البسيط: الفراء يقدره بسوى، وبعضهم جعل إلا هنا بمعنى لكن، فيكون استدراكًا لا استثناءً. ولغة أهل الحجاز فيه النصب، وبني تميم البدل من الأول. وعند البصريين هو المقدر على معنى لكن المشددة. وإنما قُدر بلكن لأنها في حكم جملة منفصلة عن الأولى مستدركة. وانتصب لأنه اسم واقع بعد إلا مخالف حكمه لما قبله كالمتصل، فكان له إعراب المتصل. والعامل فيه الأول، وهو أقوى من البدل، حتى قال بعض النحويين: إن البدل ليس بشيء. فإن أراد أنه لا تشهد له قياسات أصل الاستثناء فمسلم، وإن أراد خلاف ذلك فممنوع، وقد حكاه س.
وقال بعض النحويين: إنه إذا ظهرت لكن فلابد من ذكر الخبر، وقد يظهر الخبر وإن لم تكن لكن، كقوله تعالى {إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا}. فيظهر من هذا أن إلا عنده بمنزلة لكن.
والاستثناء المنقطع يكون في الإيجاب كما يكون في النفي، تقول: ضربت القوم إلا الحمار، وحكي س على الانقطاع في الإيجاب: والله إن لفلانٍ مالًا إلا أنه شقيٌ على معنى: ولكنه شقي، أي: إلا شقاوته، أي: ولكن شقاوته لا تُبقيه، ولأفعلن كذا وكذا إلى حل ذلك أن أفعل كذا، معناه: والله لأفعلن كذا إلا إن فعلت كذا، فجعله حلًا ليمينه.

-[ص: وله بعد "إلا" من الإعراب إن تُرك المستثنى منه وفُرغ العامل له ما له مع عدمها؛ ولا يُفعل ذلك دون نهيٍ، أو نفيٍ صريحٍ أو مُؤول. وقد يُحذف على رأيٍ عامل المتروك. وإن لم يُترك المستثنى منه فللمستثنى بإلا النصب مطلقًا بها، لا بما قبلها معدي بها، ولا به مستقلًا، ولا بـ" أستثني" مضمرًا، ولا بـ"أن" مقدرة بعدها، ولا بـ"إن" مخففة مركبًا منها ومن "لا" "إلا"، خلافًا لزاعمي ذلك، وفاقًا لـ"س" والمبرد.]-
ش: ذكر أن المستثنى يكون على حسب العامل، إن طلبه مرفوعًا رفعه، أو منصوبًا نصبه، أو مجرورًا بحرف جر جر به.
وشرط في ذلك شرطين:
أحدهما: أن يُترك المستثنى منه، وهو الذي كان تسلط عليه العامل بأحد الأعاريب.
والثاني: أن يكون العامل قد فُرغ لما بعد إلا. ومعنى التفريغ: أنه يشغل بالعمل فيه.
واحترز بالشرط الأول من أن يكون العامل قد أثر في المستثنى منه لكونه مفرغًا له؛ وبالشرط الثاني من أن يكون المستثني منه متروكًا، ولكن العالم لم يفرغ لما بعد إلا، نحو: ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا، وما قام زيدٌ إلا عمرًا، فإن ذلك قد تُرك فيه المستثنى منه، ولم يُفرغ العامل لقوله إلا عمرًا؛ إذ قد شُغل بقولك: إلا زيد، وكذلك التقدير في: ما قام زيدٌ إلا عمرًا، حُذف المستثنى منه، ولم يُفرغ قام لقولك إلا عمرًا؛ إذ قد شُغل بزيد: وتقديره: ما قام زيدٌ ولا غيره إلا عمرًا، / [4: 32/ ا] فعمرو مستثنى من هذا المقدر الحذف، وهو قولك: ولا غيره.

وقول المصنف وفُرغ العامل له فيه قصور؛ لأن المفرغ للمستثنى أعم من أن يكون عاملًا أو غير عامل، ولهذا كان قوله في ألفيته:
وإن يُفرغ سابقٌ ................ ........................
أوجز من قوله هنا: وفُرغ له العامل. ومثال تفريغ العامل: ما قام إلا زيدٌ، ومثال تفريغ غير العامل قولك: ما في الدار إلا عمروٌ، فقولك "ما في الدار" يقتضي: إلا عمرو، وليس بعامل فيه الرفع، بل هو مرفوع بالابتداء، كقولك: ما في الدار زيدٌ.
والتفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل ومفعول به وغيره إلا المصدر المؤكد؛ فإنه لا يكون فيه، ولذلك تؤول قوله تعالى {إن نَّظُنُّ إلاَّ ظَنًا} على حذف الوصف، أي: ظنًا ضعيفًا. أو على تضمين نظن معنى نعتقد، فيكون مفعولًا. أو على وضع إلا غير موضعها، والتقدير: إن نحن إلا نظن ظنًا، وعلى هذين التأويلين يُخرج قول الأعشى:

وحل به الشيب أثقاله وما اغتراه الشيب إلا اغترار
وعند أكثر النحاة لا يكون إلا في غير الموجب، وهو النفي والنهي والاستفهام، والموجب ما عداها، نحو الخبر والأمر والتمني والشرط.
وإذا فُرغ لشيء من أسماء الاستفهام فلا يُفرغ إلا لما يدل عليه، لو قلت: متى قام إلا زيدٌ؟ لم يصح؛ لأن التقدير: أشيء من الأزمان قام فيها إلا زيد؟ فيكون تفريغًا على الإيجاب، وهو لا يجوز.
وزعم بعض المتأخرين أن غير الموجب هو الوجه الذي يكون فيه النفي، وما عداه ليس بموجب، وبني عليه أن التفريغ لا يكون إلا فيه، وعزاه إلى س لقوله "فأما الاسم بمنزلته قبل أن تلحق فهو أن تُدخل الاسم في شيء تنفي عنه ما سوه"، وهذا ينبغي أن يحمل النفي فيه على الترك الشامل للنفي والنهي والاستفهام المراد به النفي.
وقوله ولا يُفعل ذلك أي: جعل ما بعد إلا بالنسبة إلى ما قبلها كحاله لو لم تدخل إلا.
وقوله دون نهي مثاله: لا يقم إلا زيدٌ، {ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ}، ولا تمرر إلا بزيد.
وقوله أو نفيٍ صريح مثاله {ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ}، وما قام إلا زيدٌ، وما ضربت إلا زيدًا، وما مررت إلا بزيد.

وقوله أو مؤولٍ ظاهره أن قوله "صريح أو مؤول" قيد في قوله "أو نفي" لا في قوله "أو نهي"، وبين في الشرح أن ذلك راجع إلى النهي، قال: كقوله تعالى: {ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ}، قال: "معناه لا تولوا الأدبار إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة".
وذكر من النفي المؤول الاستفهام، نحو قوله تعالى {هَلْ يُهْلَكُ إلاَّ القَوْمُ الظَّالِمُونَ}، وقولك: زيدٌ غير آكلٍ إلا الخبز، وقوله: {وإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ}، قال: "المراد بالكبر هنا الصعوبة، كأنه قيل: لا تسهل إلا على الخاشعين". / [4: 32/ ب] وقولهم: قل رجلٌ يقول لك إلا زيدٌ، وأقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ. وذكره هذين المثالين في النفي المؤول صحيح، لكنه بالنسبة لما يتكلم فيه ليس بصحيح؛ لأنه يتكلم في النفي المفرغٍ فيه العامل، وفي هذين المثالين لا يُفرغ فيهما العامل لما بعد إلا، فلا يجوز: قل إلا المال؛ لأن "قل" لفظة موجبة، فلا يمكن فيها التفريغ، أما "أقل" فلأنه لازم الإضافة، فلا يمكن أيضًا فيه التفريغ.
فلو كان الموجب لازمًا له نفي، نحو لولا ولو - فذهب المبرد إلى جواز التفريغ، تقول: لولا القوم إلا زيدٌ لأكرمتك، ولو كان معنا إلا زيدٌ [لغلبنا]، قال: يقتضي القياس جوازه لأنه تفريغ كالبدل.

ورد ذلك في لولا بأن التفريغ يدخل في جملة بعد لولا، وهي ثابتة، والجواب خارج عما دخلت فيه إلا. وأما مسألة لو فيأتي الكلام فيها عند تعرض المصنف للوصف بإلا.
ولابد أن يكون النفي محققًا في اللفظ أو في المتضمن، وكل منهما تارة يباشر ما دخلت عليه إلا، نحو: ما ضربت إلا زيدًا، وقلما يقوله إلا زيدٌ، أو غير مباشر، وشرطه أن يكون ما دخل عليه النفي غير مقصود النفي، بل دخل ليبين جهة ما في المنفي الذي هو الخبر، فيكون كالمباشر، وذلك إنما يوجد في أفعال القلوب في بعضها، وهي المفيدة في الجملة وجهًا من وجوه الاعتقاد، نحو: ما علمت أن فيها إلا زيدٌ، وكذا سمعت وشهدت، كأنك قلت: ما فيها أحدٌ إلا زيدٌ في علمي، وما يقول ذلك أحدٌ في ظني، وفي تفريغٍ لما بعد أن وقد تقدمه "ما علمت"، نحو: ما علمت أن فيها إلا يدًا، وهو مثال س - نظرٌ، وينبغي ألا يُقدم على إجازته إلا بسماع.
وأجاز الأخفش التفريغ في نحو، ما علمته، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد، والهاء ضمير الشأن. ومنعه غيره. وقال الأخفش: "لو قلت ما أرى، وما أعلم بقى من الشهر إلا يومان لم يحسن؛ لأنك جئت إلى جنب أرى بفعل، وإنما ينبغي أن تجيء باسم" انتهى.

وأما ما تقدم من قولهم أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيد، وقل رجلٌ يقول ذلك إلا زيد - وإن كانا موجبين صورة - فمعناها النفي، والبدل على المعنى لا على "أقل رجلٍ" وعلى رجل من "قل رجلٌ"؛ لأن المعنى: ما رجلٌ يقول ذلك. ويجوز النصب على الاستثناء.
ودلً كلام المصنف على أن ما قبل إلا يتسلط على ما بعدها، كحاله لو لم تكن إلا، بشرط نهي أن نفي صريح أو مؤول، فدل ذلك على أن الموجب المحض لا يكون فيه ذلك، لا تقول: قام إلا زيدٌ، ولا: ضربت إلا زيدًا ولا: مررت إلا بزيدٍ. قال المصنف وغيره: "لأنه يلزم منه الكذب"، قال: "ألا ترى أن حقيقة قولك رأيت إلا زيدًا: عم نظري الناس إلا زيدًا، وذلك غير جائز. فلو كان في الإيجاب معنى النفي عومل معاملته، نحو: عدمت إلا زيدًا، وصمت إلا يوم الجمعة، فإنهما بمعنى: لم أجد، ولم أُفطر" / [4: 33/ أ] انتهى.
وهذا الذي ذكره سائغ تقديره في كل موجب؛ إذ ما من فعل موجب إلا ويمكن نفي نقيضه، فيقدر قوله {ويَابَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}: لا يريد الله إلا أن يُتم نوره، وتقدير قام إلا زيدٌ: لم يفعل إلا زيدٌ، أو: لم يجلس إلا زيدٌ. والذي يمكن ن يذهب إليه أن الفعل الموجب إذا أمكن تعلقه بعام محذوف جاز أن يُفرغ لما بعد إلا؛ فيعمل فيه، ما لم يكن ذلك العام مرفوعًا بالفعل، نحو: برئت إلا من ذمامك، التقدير: برئت من ذمام كل أحدٍ إلا من ذمامك، وقد جاء نحو من ذلك في أشعار المولدين، وينبغي ألا يُقدم على تجويز ذلك إلا بسماع من العرب.

ونقول: غير الموجب بالنسبة إلى تفريغه لما بعد إلا إما أن يكون ما قبل إلا تامًا في اللفظ، أو غير تام:
إن كان تامًا فإنه يقتضي منصوبًا، أو مجرورًا، نحو: ما ضربت إلا زيدًا، وما مررت إلا بعمرو، فيجوز فيما بعد إلا وجهان:
أحدهما: أن يكون معمولًا لما قبل إلا على سبيل التفريغ، فيكون زيدًا منصوبًا بضربت، وبعمرو متعلقًا بما مررت.
والثاني: النصب فيهما على الاستثناء، ويكون معمول الفعل محذوفًا لأنه فضلة، والفضلات بابها أن يجوز فيها الحذف، ويكون مستثنى من ذلك المعمول المحذوف، ومن ذلك قوله:
نجا سالمٌ، والنفس منه بشدقه ولم ينج إلا جفن سيفٍ ومئزرا
وإن كان غير تام فإما أن يمكن أن يقدر له محذوف يتم به، أو لا يمكن:
فإن أمكن وجب أن يرفع ما بعد إلا إن لم يقدر المحذوف، فإن قدرته جاز فيه الرفع والنصب، ومثال ذلك قوله:
هل هو إلا الذيب لاقى الذيبا كلاهما يطمع أن يُصيبا
روي برفع الذيب، ونصبه على تقدير: هل هو شيء إلا الذيب، فحذف خبر المبتدأ لدلالة المعنى عليه، ويجوز رفع الذيب على أن تجعله خبرًا للمبتدأ، ولا تقدر محذوفًا. فأما قوله:

يطالبني عمرو ثمانين ناقةً وما لي - عفراء - غلا ثمانيا
فيحتمل أن تكون "ما" استفهامية، فلا يُقدر محذوف، وأن تكون نافية، فيقدر مبتدأ محذوف، أي: وما لي نوقٌ، كما قدر الخبر محذوفًا في: "هل هو إلا الذيب".
وإن لم يمكن وجب رفع ما بعد إلا، نحو: ما قام إلا زيد، وإنما وجب الرفع لأنه فاعل، ولا يمكن أن يقدر ما قبل إلا محذوف؛ لأنه يكون فاعلًا، والفاعل لا يُحذف.
وأجاز الكسائي في نحو هذا الرفع على الفاعل، والرفع على البدل / [4: 33/ ب] من الفاعل المحذوف، والنصب على الاستثناء وحذف الفاعل.
وما أجازه من البدل ومن النصب مبني على جواز حذف الفاعل، وهو لا يجوز. ولا يجوز أن يُضمر فيكون التقدير: ما قام هو - أي: قائمٌ - إلا زيدٌ؛ لأنه يلزم أن يكون أحد ركني الإسناد مستفادًا من الآخر، فكأنك لم تأت إلا بالفعل خاصة، والفعل لا يكون منه كلام، ولذلك منع النحاة: رب الجارية سيدها؛ لما كان أحد الجزأين مستفادًا من الآخر.
فأما قول الشاعر:
لم يبق إلا المجد والقصائدا غيرك، يا بن الأكرمين والدا
فروي بنصب المجد وفتح غير، فلا حجة فيه، ولا يكون التقدير: لم يبق أحدٌ غيرك، فحذف الفاعل؛ لاحتمال أن يكون غير مرفوعًا، وبُني لإضافته إلى مبني، كما بني [في] قوله:

لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمائمٌ في غصونٍ ذات أو قال
وأما قول العرب "ما قام إلا امرأةٌ" فلا حجة فيه على البدل من فاعل محذوف - وإن كان ظاهره يقتضي ذلك - من حيث أُسند الفعل بلا علامة تأنيث في فصيح الكلام؛ ولا يُلحقونها إلا في ضرورة، وهي لا تُحذف من فعل المؤنث الحقيقي إلا في نادر أو ضرورة؛ لأنه يحتمل أن يكون المسوغ لحذفها كون الكلام في معنى كلام لا تلحق الفعل فيه العلامة؛ ألا ترى أن "ما قام إلا امرأةٌ" في معنى: ما قام أحدٌ إلا امرأةٌ.
وفي البديع: "أجاز قوم: ما قام إلا زيدًا"، وأنشد:
يُطالبني عمرو .................. .................................
البيت.
وفي الإفصاح ما نصه: وقد زعم بعضهم أن ما بعد العامل هنا بدل، فقولك: ما جاءني إلا زيدٌ، [زيدٌ]: بدل من فاعل دل عليه الفعل، أي: ما جاءني جاء إلا زيدٌ. وكذلك يُقدر في ما رأيت إلا زيدًا، [وما مررت إلا بزيدٍ]: ما رأيت مرئيًا إلا زيدًا، وما مررت بمرورٍ به إلا بزيدٍ.
وقد ردوا هذا بقولهم: ما جاءني إلا امرأةٌ، ولم يقولوا غيره، وبامتناع النصب في الرفع، وقد حكاه أهل الكوفة، ولم يأت ما استشهدوا به إلا فيما يُؤول.

وقوله وقد يحذف على رأي عامل المتروك مثاله قول الشاعر:
تنوط التميم، وتأبى الغبو ق من سنة النوم إلا نهارا
خرجه الفارسي على أنه يريد: لا تغتذي الدهر إلا نهارًا، فحذف "لا تغتذي" وهو عامل في المستثنى المتروك، وهو الدهر، يصف امرأة بالتنغم وكثرة الراحة، فهي تأبى أن تغتبق - أي: تغتذي بالعشي - لئلا يعوقها عن الاضطجاع للراحة.
وقال المصنف في الشرح: "وأولى من هذا التقدير أن يكون أراد: وتأبى الغبوق والصبوح، فحذف المعطوف، وأبقى المعطوف عليه، وهو كثير".
وقوله وإن لم يُترك المستثنى منه فللمستثنى بإلا النصب مطلقًا بها أي: النصب في الموجب وغيره بـ"إلا". وقال المصنف في الشرح: / [4: 34/ أ] "يُنصب في الموجب وغيره، لكن في الموجب لا يُشارك النصب، وفي غير الموجب يشاركه بصحيح؛ لأنه يشاركه النعت على ما يبين، وقد ذكر هو ذلك. وقوله "وفي غير الموجب يُشاركه" لا يقتصر فيه على البدل، بل يجوز فيه النعت على ما يبين.
وقوله لا بما قبلها مُعدي بها هذا مذهب السيرافي، وهو أن الناصب ما قبل إلا من فعل أو غيره بتعدية إلا.

ونقل ابن عصفور عن السيرافي وابن الباذش أنه منصوب بالفعل بوساطة إلا، وانتصب "غير" وما في معناه بالفعل من غير واسطة، وشبهه ابن الباذش في ذلك بالظروف، فكما أن الفعل يصل إلى الظرف المختص بحرف الجر فكذلك ما بعد إلا بمنزلته، فلا يصل الفعل إليه إلا بوساطتها، وغير لإبهامها مشبهة بالظرف المبهم، فكما أن الفعل يصل إلى الظرف المبهم بنفسه فكذلك غير وما في معناها.
ونسب هذا المذهب شيخنا الحافظ أبو الحسن الأبذي إلى الفارسي وابن بابشاذ وأبى علي الرندي.
وقال ابن عصفور: "ذهب جماعة من البصريين والفارسي في هذا الكتاب - بعني الإيضاح - إلى أن الناصب للاسم المستثنى الفعل أو معنى الفعل المتقدم في الجملة بوساطة إلا، وشبهه بالمفعول معه، وصل الفعل بوساطة إلا كما وصل بوساطة الواو".
وقال الأستاذ أبو علي: "هو مذهب المحققين، والصواب نصبه بما قبله فعلًا كان أو غيره".
قال أستاذنا أبو جعفر: هو مذهب س؛ لأنه قال: "انتصب بما قبله"، وشبهه بعشرين. وهو اختيار شيخنا ابن الضائع.
وقال ابن عصفور: هو قول س، والفارسي في تذكرته، وجماعة من البصريين.

وقد رد المصنف مذهب من زعم أنه منصوب بما قبله من فعل أو غيره بوساطة إلا بصحة تكرير الاستثناء؛ نحو: قبضت عشرة إلا أربعة إلا درهمًا إلا رُبعًا؛ إذ لا فعل في المثال المذكور إلا قبضت، فإذا جعل معدي بـ"إلا" لزم تعديته إلى الأربعة بمعنى الحط، وإلى الدرهم بمعنى الجبر، وإلى الربع بمعنى الحط، وذلك حكمٌ بما لا نظير له، فإنه استعمال فعل واحد معدي بحرف واحد على معنيين متضادين. انتهى هذا الوجه من الرد.
ولا حجة فيه؛ لأنه قد يُعدي الفعل بحرفٍ واحد إلى معنيين مختلفين إذا كان الحرف صالحًا لذلك؛ ولا فرق بين كونهما متضادين أو مختلفين، تقول: رأيت زيدًا بثيابه بالبصرة بقصدٍ مني، فالباء الأولى للمصاحبة، والثاني للظرفية، والثالثة للسبب، وكله تتعلق برأيت، فكذلك تعدى الفعل بوساطة إلا إلى هذه المنصوبات؛ لأنه قعد تقرر أن الاستثناء من الموجب منفي، ومن المنفي موجب، فمعنى إلا أربعة: لم أقبضها، ومعنى إلا درهمًا: فقبضته، ومعنى إلا رُبعًا: لم أقبضه.
قال المصنف: "وكذا لو كررت إلا دون / [4: 34/ ب] تخالف في المعنى، نحو: قاموا إلا زيدًا إلا عمرًا، فإن الثاني موافق للأول في المعنى، فإن جُعلا منصوبين بالفعل مُعدي إليهما بإلا لزم من ذلك عدم النظير؛ إذ ليس في الكلام فعل مُعدي بحرف واحد إلى شيئين دون عطف، فوجب اجتنابه" انتهى.
ورد ما نقله ابن عصفور عن السيرافي وابن الباذش بأنه قد ينتصب الاسم بعد إلا ولم يتقدمه فعل؛ نحو قولك: القوم إخوتك إلا زيدًا.

وقوله ولا به مستقلًا أي: ولا بما قبل إلا مستقلًا دون أن يكون تعدى إليه بوساطة إلا. وهذا ذكر المصنف أنه مذهب ابن خروف. وحجته في ذلك انتصاب غير إذا وقعت موقع إلا المنتصب ما بعدها بلا واسطة. قال: "فلو كان المنصوب على الاستثناء مفتقرًا إلى واسطةٍ لم تنصب غير بلا واسطة. وجرأة قول س في باب غير: (ولو جاز أن تقول أتاني القوم زيدًا تريد الاستثناء ولا تذكر إلا لما كان إلا نصبًا) ".
وأجيب عن نصب غير في الاستثناء بأنها انتصبت على الحال، وفيها معنى الاستثناء، وسيأتي الكلام على نصب غير والخلاف في ذلك إن شاء الله.
وأجيب عن كلام س بأنه يُحمل على حذف إلا وإبقاء عملها، أو على حذف غير وإقامة زيد مقامها في الإعراب، كما يفعل في كل مضاف إليه إذا حُذف المضاف وأقيم هو مقامه.
وقوله ولا بـ"أستثني" مضمرًا هذا مذهب المبرد والزجاج فيما حكاه عنهما السيرافي. قال المصنف في الشرح: "وكلامه - يعني المبرد - في المقتضب بخلاف ذلك، فإنه قال في أول أبواب الاستثناء: (وذلك إنك إذا قلت جاءني القوم وقع

عند السامع أن زيدًا فيهم، فلما قلت إلا زيدًا كانت إلا بدلًا من قولك: لا أعني زيدًا، أ: أستثني ممن جاءني زيدًا، فكانت بدلًا من الفعل). فهذا نصه مبينًا بأن العامل إلا، فإنها بدلٌ من الفعل، ولو كان الفعل عاملًا لكان في حكم الموجود، ولزم من ذلك جمعٌ بين البدل والمبدل منه في غير إتباع ولا ضرورة.
وقال أيضا: "هو مردود لمخالفته النظائر؛ إذ لا يُجمع بين فعل وحرف يدل على معناه لا بإظهارٍ ولا بإضمار، ولو جاز ذلك لنصب ما ولي ليت وكأن ولا بأتمنى وأشبه وأنفي، وفي الإجماع على امتناع ذلك دليل على فساد إضمار أستثني".
وقوله ولا بأن مقدرة بعدها هذا المذهب معزو إلى الكسائي، عزاه إليه السيرافي.
وقال ابن عصفور: "حكاه ابن بابشاذ عن الكسائي، وأن التقدير: إلا أن زيدًا لم يقم، فأضمر أن، وحذف خبرها. وهذا شيء لم يحكه أحد من أصحابه عنه، وإنما حكوا عنه أن المستثنى ينصب بخروجه من الوصف، ويعني بذلك أنه خرج عن معنى الجملة المتقدمة عليه من حيث لم يكن ركنًا من أركانها؛ بل فضلة مطلوبةً لها" انتهى.
وهذا قريب من مذهب من زعم أنه منتصب بالجملة المتقدمة عليه بوساطة إلا؛ وهو الذي عزاه أستاذنا لـ"س"، وابن عصفور لـ"س" / [4: 35/ أ] والفارسي في "التذكرة".

ورد مذهب من ادعى إضمار أن بأنه يؤدي إلى إضمار الموصول وإبقاء صلته. وأيضًا فإنها بتأويل مصدر، فلابد لها من عامل، وذلك العامل الذي يعمل فيها ينبغي أن يُجعل عاملًا في الاسم نفسه، ولا يُتكلف إضمار أن. وأيضًا فإن العرب لا تُضمر أن وأخواتها وتُبقي عملها لضعفها عن العمل، ولا يُحفظ في كلامهم شيءٌ من ذلك.
وقال ابن عصفور أيضًا: "ومنهم من ذهب إلى أنه انتصب لمخالفته الأول؛ ألا ترى أنك إذا قلت قام القوم إلا زيدًا كان ما بعد إلا منفيًا عنه القيام، وما قبله موجبٌ له القيام، وهو مذهب الكسائي" انتهى. وهذا هو الذي فهم الفراء عن الكسائي، وهو معنى ما حكي ابن عصفور عنه من أنه انتصب بخروجه من الوصف.
ورد الفراء ذلك بأنه لو كان الخلاف يوجب النصب لأوجبه في قولك قام زيدٌ لا عمرو، وفي: ما قام زيدٌ لكن عمرو؛ لأن ما بعد لا ولكن مخالفٌ لما قبلها.
وقوله ولا بـ"إن" مخففة مركبًا منها ومن لا إلا هذا المذهب عزاه السيرافي إلى الفراء، وهو أن إلا مركبةٌ من لا ومن إن مخففة من إن.
وزاد ابن عصفور في تقرير هذا المذهب أن من نصب في نحو قام القوم إلا زيدًا غلب حكم إن، فجعل زيدًا منتصبًا بها، وخبرها محذوف، و"لا" كافية منه، والتقدير: إن زيدًا لم يقم. ومن رفع غلب حكم لا، فكان زيد معطوفًا بها على

القوم، وكأنه قال: قام القوم لا زيدٌ، قال: وإذا غلبت حكم إن مع المضمر اتصل الضمير بإلا، ومن ذلك قوله:
وما علينا إذا ما كنت جارتنا ألا يُجاورنا إلاك ديار
وإن غلبت حكم لا فصلت الضمير، فقلت: قام القوم إلا أنت، إجراء له مجرى قوله: قام القوم إلا زيد، ومن ذلك قوله:
ويوم الحرب إذ حشدت معد وكان الناس إلا نحن دينا
ورد هذا المذهب بأنك تقول: ما قام القوم إلا زيدٌ، برفع زيد ونصبه، فلو كان الرفع على ما ذكره من تغليب حكم لا لم يجز مع النفي؛ لأن "لا" لا يُعطف بها بعد النفي، لا يقال: ما قام القوم لا زيدٌ، ولو كان النصب على ما ذكره للزم اتصال الضمير المنصوب بها في الفصيح كما يتصل بأن، فتقول: قام القوم إلاك، والعرب لا تقول ذلك إلا في الضرورة، وأما في الفصيح فلابد من فصله: فتقول: إلا إياك.
ورد المصنف هذا المذهب بأن التركيب دعوى لا دليل عليها. ولأنه لو صح التركيب لتغير العمل لتغير المعنى معه، كما تغير الحكم بتركيب إذ ما وحيثما، لما جوزي بهما زال معنى الإضافة والعمل اللائق بهما. ولأنه لو صح لم يلزم نصب ما ولي إلا في موضع، ولكان الإلغاء أولى كما كان قبل التركيب إذا خففت، بل كان يمتنع النصب لازدياد الضعف بالتركيب. ولأنه لو صح لوجب ألا يتم الكلام / [4: 35/ ب] بالمنصوب مقتصرًا عليه؛ كما لا يتم به بعد إن؛ لأن العامل المنقوص لا ينقص عمله. انتهى ملخصًا.

وقوله خلافًا لزاعمي ذلك قد ذكرنا من نُسبت إليهم هذا الأقوال.
وقوله وفاقًا لـ"س" والمبرد أما هذا المذهب - وهو أن النصب بإلا نفسها - فعزاه المصنف إلى س والمبرد وعبد القاهر الجرجاني. قال ابن عصفور: ذهب المبرد والمازني ومن أخذ بمذهبهما إلى أن الناصب للمستثنى ما في إلا من معنى أستثني؛ ألا ترى أن قولك قام القوم إلا زيدًا بمنزلة قولك: قام القوم أستثني زيدًا. وهذا فاسد؛ لأن معاني الحروف لا تعمل لا في ظرف ولا مجرور ولا حال، إلا أن بعضها قد عمل بما فيه من معنى الفعل إذا أشبه الفعل، نحو كأن، فإنها تعمل في الحال، وأما المعنى مجردًا من اللفظ فلا يعمل في شيء في ذلك. وأيضًا فإنك قد تقول: قام القوم غير زيد، فيكون حكم غير في الإعراب كحكم الاسم الواقع بعد إلا، فكما أن معنى الاستثناء المفهوم من غير لا يصح إعماله فيها لأن ذلك يؤدي إلى أن يعمل في الكلمة معناها؛ فكذلك أيضًا لا ينبغي أن يجعل الناصب للاسم الواقع بعد إلا ما فيها من معنى الاستثناء، بل يكون الناصب له هو الناصب لغير.
وقال الرُماني: "روي عن الزجاج أن نصبه بإلا لأنها بمعنى أستثني. ويبطل بنصب غير، ولا يصح معها تقدير أستثني لفساد المعنى، ولأن إعمال الحروف بمعانيها غير مطرد، كـ "ما" النافية، ولأنه ليس تقدير أستثني بأولى من تقدير تخلف أو امتنع مما يرفع، ولأن المستثني يُرفع في مواضع مع وجود إلا، ولأنا إذا قدرنا أستثني صار الكلام جملتين، وتقديره على الجملة الواحدة أولى" انتهى كلام الرماني.
وظاهر نقل ابن عصفور عن المبرد غير موافق لما نقله المصنف عنه؛ لأنه نقل عنه من المقتضب أن إلا بدل من قولك: لا أعني زيدًا، أو: أستثني ممن جاءني زيدًا،

فكانت بدلاً من الفعل. وابن عصفور نقل أن النصب بما في إلا من معني أستثني. وغير موافق أيضاً لما يدل عليه كلام المصنف أنه منصوب بنفس إلا من غير مراعاة أن مدلولها أستثني، ولا أنها بدل من الفعل.
وأما مذهب س فقد تقدم النقل أنه منصوب بالجملة المتقدمة عليه بوساطة إلا. وزعم المصنف أنه منصوب في مذهب س والمبرد والجرجاني بنفس إلا، وهو اختياره، قال: "وقد حفي كون هذا مذهب س علي جمهور الشراح لكتابه، وأنا أستعين الله علي بيان ما خفي عليهم من ذلك بنصوص يعضد بعضها بعضاً، فمن ذلك قوله: (إلا يكون الاسم بعدها علي وجهين:
أحدهما: ألا تغير الاسم عن الحال التي كان عليها قبل أن تلحق، كما إن "لا" حين قلت: لا مرحبا ولا سلام، لم تغير الاسم عن حاله قبل أن تلحق، فكذلك إلا، ولكنها تجيء لمعني كما تجئ "لا" لمعني.
والوجه الآخر: أن يكون الاسم بعدها خارجاً مما دخل فيه ما قبله، عاملاً فيه [4: 36/ أ] / ما قبله من الكلام، كما تعمل عشرون فيما بعدها إذا قلت: عشرون درهماً).
فجعل "إلا" نظيرة "لا" المحمولة علي "إن" في أن ما تدخل عليه تارة تصادفه مشغولاً بعامل غيرها، فتؤثر في معناه دون لفظه، وتارة تصادفه غير مشغول بعامل غيرها فتؤثر في لفظة ومعناه. ثم صرح بأن العامل في زيد من نحو قاموا إلا زيداً ما قبله من الكلام، فإما أن يريد بما قبله "إلا" وحدها، أو الفعل وحده، أو كليهما، فدخول "من" مانع من أن تريد كليهما؛ لأنها للتبغيض لا لبيان الجنس؛ فإن التي لبيان الجنس لا تدخل بعد "ما: إلا علي نكرة، كقوله تعالي {ومَا خَلَقَ اللَّهُ

مِن شَيْءٍ}، {واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ}، {ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ}،فلو كانت "من" في قول س لبيان الجنس لم تدخل علي الكلام معرفاً، بل كانت تدخل عليه منكراً، وإذا لم تدخل عليها إلا معرفاً فهي للتبغيض، ويلزم من ذلك انتفا أن تريد كليهما وثبوت إرادة الفعل وحده أو إلا وحدها، وإرادة "إلا" أولي؛ لأنها قبل المستثني لا قبل غيره، والفعل قبله وقبل غيره، فإرادته مرجوحة، وإرادة "إلا" راجحة. ولأن ما قبل الشيء إذا لم يرد به الجميع حمل علي الذي يلي، ولهذا إذا قال النجوى: (ياء التثنية مفتوح ما قبلها وياء الجمع مكسور ما قبلها) علم محل الفتحة والكسرة. ويعضد إرادة إلا قوله (كما تعمل عشرون فيما بعدها إذا قلت عشرون درهماً)، فجعل موقع المستثني من عامله موقع الدرهم من العشرين، فعلم أنه لم يرد الفعل لأنه منفصل مكتف، بخلاف إلا، فإنها مثل العشرين في الاتصال وعدم الاكتفاء، فكانت مرادة" انتهي ذكره النص الأول من كلام س واستدلاله.
ولا دليل له في شيء منه، بل هو دليل عليه، وكلامه مدخول علي ما نبينه إن شاء الله، وكلام س يدل علي أن الناصب هو الجملة بوساطة إلا كما نسبه الجماعة إليه، فنقول:
أما تشبيهه إلا في الاستثناء المفرغ بـ "لا" الداخلة علي "مرحبا وسلام" فليس فيه أكثر من أن ما بعد إلا مشغول بما قبلها، فهو علي حسبه، لا يجوز فيه إلا شغله بما قبله، فكأنك لم تذكر إلا، كما أن مرحبا مشغول بعامل له ناصب له

مضمر، فكأنك لم تذكر لا؛ لأنها دخلت علي متأثر بشيء قبلها، كما دخلت إلا علي شيء متأثر بشيء قبلها.
وأما أن في ذلك إشعاراً بأن إلا هي العاملة النصب في المستثني فلا.
وأما قوله "فجعل إلا نظيرة لا المحمولة علي إن" إلي آخره فليس كذلك، ليست لا هذه هي المحمولة في العمل علي إن، بل هي للدعاء في قولك: لا مرحبا بهم، ولا سلام علي عمرو، وليست للنفي العام؛ بدليل أن الجملة التي هي فيها ليست خبرية؛ لأنها لا تحتمل الصدق والكذب، بل في تشبيهها بـ"لا" التي للدعاء إشعاراً بأن إلا لا تعمل، كما لا تعمل لا التي للدعاء.
وأما قوله المصنف "ثم صرح بأن العامل في زيد من نحو: قاموا إلا زيداً، ما قبله من الكلام" فهذا هو مدعي الجماعة ومستندهم أن مذهب س أن زيداً منصوب/ [4: 36/ ب] مما قبله من الكلام، وهي الجملة بأسرها، ولذلك عبر بعض أصحابنا عن هذا المعني [أنه انتصب عن تمام الكلام، وهو في ذلك بمنزلة التمييز.
وأما ترديد المصنف في أن يريد ب"قبله" إلا وحدها، أو الفعل وحده، أو كليهما، وحصره ذلك في هذا التقسيم- فليس هذا التقسيم حاصرا؛ إذ بقي قسم، وهو أن ير يد ب"قبله" من الكلام الجملة بأسرها، وهو مدعي الجماعة في أنه مذهب س.
وأما قوله المصنف "فدخول من مانع من أن تريد كليهما" فلا حاجة لهذا؛ لأنه لم يذهب أحد لم يذهب أحد إلي أن الاسم بعد المنصوب بالفعل وإلا معاً.
وقوله "لأنها للتبغيض لا لبيان الجنس" الظاهر أنها لبيان الجنس، هذا إذا فرعنا علي أن من تكون لبيان الجنس، وأما علي من نفي ذلك المعني عنها فتكون

للتبعيض، ومعنى التبغيض هنا أن ما قبل إلا هو كلام من جملة الكلام، ولا يراد بالتبغيض هنا جزء الكلام، بل كلام من جملة الكلام.
وأما قوله "فأن التي لبيان الجنس لا تدخل بعد ما إلا علي نكرة"، وذكره آيات من القرآن جاء فيها، بعد "ما" الاسم المجرور. بمن نكرة فلا يدل ذلك علي أنها لا تجر المعارف بعد "ما"، ليمنع أحد: اشتريت من عندك من الثياب، وما تريد من الفضة أعطيك، ونظرت إلي ما نظرت من الخيل، وأكلت ما أشبعني من اللحم، والقرآن ملآن من مجيء المعرفة بعد "ما"، قال تعالي {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ}، {ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ}، {ومَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتَابِ والْحِكْمَةِ}، {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، {واذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ والْحِكْمَةِ}، فاشتراط التنكير في ذلك ليس بشيء. وهكذا عادة هذا الرجل، يقعد قواعد يستبد فيها برأيه، ولا دليل عليها: ثم كلام المصنف بعد ذلك تكثير لا طائل تحته ولا فائدة.
وقوله"ويعضد إرادة إي قوله كما يعمل عشرون" إلي آخره بل يعضد ما قال الجماعة؛ لأن لفظ س "عاملا فيه ما قبله من الكلام، كما تمل عشرون فيما بعدها" فشبه عمل الجملة بعمل عشرين، وليس في ذلك تشبيه إلا بعشرين.

ثم قال المصنف: "وأظهر من هذا قوله في خامس أبواب الاستثناء: (حدثنا أن بعض العرب الموثوق بعربتيه يقول: ما مرت بأحد إلا زيداً). ثم قال س: (فعلي هذا: ما رأيت أحداً إلا زيداً، فتنصب زيداً علي غير رأيت، وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلاً من الأول، ولكنك جعلته منقطعاً مما عمل في الأول، فيعمل ما قبله كما عمل العشرون في الدرهم)، فصرح بأن نصب زيداً في المثال المذكور علي لغة من لا يبدل، إنما هو بغير رأيت فتعين نصبه بإلا، فلم يكتف بذلك التصريح حني قال (ولكنك جعلته منقطعاً مما عمل في الأول)، فهذان تصريحان لا يتطرق إليهما احتمال غير ما قلناه إلا بمكابرة وعناد" انتهي ما ذكره في هذا النص.
وكلام س عليه لا له؛ لأنه إذا انتصب في الاستثناء لا يدعي س أنه منصوب بالفعل/ [4: 37/ أ] الناصب لأحد في قوله: ما رأيت أحداً، وإنما هو منصوب بالجملة نفسها لا بجزئها الذي هو الفعل، بخلاف جعله بدلاً، فإنه منصوب بالفعل وحده، إما نفس رأيت الناصب لأحد، وإما بتكرره علي الخلاف في العامل في البدل، وسيأتي. وقول المصنف "فتعين نصبه بإلا" لا يتعين من انتفاء نصبه بالفعل وحده أن يكون الناصب إلا، بل الجملة بأسرها. وقول س "ولكنك جعلته منقطعاً مما عمل في الأول" أي: لم يسلط عليه الفعل فينصبه أحداً. ثم قال"وعمل فيه ما قبله" أي: الجملة بكمالها، فهو منتصب عن تمامها لا عن جزئها، ولم يختلف كلام س في أن الناصب له ما قبله.
وقول المصنف "هذان تصريحان" إلي آخره، نعم، هما تصريحان يشهدان بخلاف دعواه، وهو المكابر المعاند.

ثم قال المصنف: وقال - يعني س- في تاسع أبواب الاستثناء بعد أن مثل بأتاني إلا أباك: (وانتصب الأب إذا لم يكن داخلا فيما داخلاً فيما ما قبله، ولم يكن صفة، وكان العامل فيه ما قبله من الكلام)، والذي دخل فيه ما قبله إسناد المعني إلي المعني وتأثر اللفظ، فلزم من ذلك ألا يكون لفظ الأب منصوبا بلفظة أتي، كما لم يكن لمعناه حظ من معناه، فإذا لم يكن النصب بأتي تعين أن يكون بإلا، فحاصل س أن إلا هنا ناصبة ما استثني بها إذا لم يكن بدلاً ولا مشغولاً عنها بما هو أقوي منها، ومن نسب إليه خلاف هذا فقد تقول أو غلط فيما تأول" انتهي ما فهمه عن س في هذا الفصل.
ولا حجة له فيه، بل هو حجة عليه؛ لأن س إنما نفي أن يكون داخلاً في الإتيان الذي دخل فيه القوم، ولم يكن صفة فيتبع ما قبله في الرفع، بل بقي فضلة من الفضلات، عمل فيه ما قبله من الكلام، فليس العامل فيه الفعل، ولا يتعين إذ ذاك في قوله "مقابله من الكلام" أن يكون العامل إلا، لأن ليست كلاماً، وس يقول "يعمل فيه ما قبله من الكلام"، فهذا هو النص علي أن العامل فيه الجملة بأسرها لا الفعل ولا إلا.
وقوله "فحاصل كلام س أن إلا هي ناصبة" إلي آخره ليس بصحيح، بل حاصل كلام س أن الناصب لما بعد إلا ما قبله من الكلام، والذي قبله من الكلام هو الجملة.

وقوله "ومن نسب إليه خلاف هذا- أي خلاف أن الناصب إلا - فقد تقول أو غلط فيما تأول" وهو الذي تقول أو غلط قيما تأول، وكلامه هذا من ضن بنفسه، وهو جسور علي الرد علي الأئمة س فمن دونه، وهي عادة من نظر وحده، واستبد برأيه، وهذا الرجل قليل النظر في كتاب س، ويجهل كثيراً من مذاهبه ومن نقوله عن العرب، فيخالفه، وقد بينا من ذلك كثيراً في هذا الشرح، وحين أمعن النظر في كتاب س في هذه المسألة التي لا يجدي الخلاف فيها شيئا، لأنه خلاف ليس راجعاً إلي اختلاف في المعني - فهم كلام س غير ما فهمه المفتشون كتاب س / [4: 37/ ب] المنقرون عن معانيه، كالأستاذ أبي علي وأصحابه.
ثم قال المصنف "وإذ قد بينت النصوص الشاهدة بأني فيما اخترته موافق ل (س)، فلم يبق إلا تليين ما يدل علي صحة ذلك".
قلت: وأي نصوص شهدت بأنه موافق ل"س"؟ بل شهدت بمخالفته، وقد بينا ذلك.
ثم خذ المصنف في الاستدلال علي أن إلا هي العاملة، وملخص ما طول به أنها مختصة بدخولها علي الاسم، وليست كجزء منه، فيجب لها العمل كوجوبه لسائر الحروف التي هي كذلك، ما لم تتوسط بين عامل مفرغ ومعمول، فتلغي وجوباً إن كان التفريغ محققا، وجوازاً إن كان مقدراً، نحو: ما قام أحد إلا زيد.
ثم اعترض علي نفسه بأن إلا قد ثبت دخولها علي الفعل، فلا تصح دعوي الاختصاص. وأجاب بأن الفعل في موضع الاسم، فلم يزل اختصاصها،

نحو: نشدتك الله إلا فعلت، معناه: ما أسألك إلا فعلك، وما زاد إلا ما نقص، ومنافع إلا ما ضر، أي النقصان، وإلا الضرر، وما تأتيني إلا قلت حقاً، وما أتيتك إلا تكلمت بالجميل، وما زاد إلا نفع، وما قل إلا ضر، وما تكلم إلا ضحك، وما جاء إلا أكرمته، فجميع هذه أحوال، وهي أفعال مؤولة بالاسم، ولو كان مطلق الدخول علي يبطل الاختصاص بالاسم ما أضيف اسم إلي فعل؛ ولا وقع القول حالاً، ولا ثانياً لظن، ولا خير كان أو إن، لأن هذه مسلط عليها عامل الاسم، فكما لم يبطل اختصاص هذه بالأفعال لا يبطل اختصاص إلا بدخولها علي الفعل.
ثم اعترض علي نفسه بأنها لو كانت عاملة لا تصل الضمير بها كما اتصل بإن، فكونه بقوله تعالي {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاَّ إيَّاهُ}، وفي الاستثناء المنقطع: ما في الأرض أخبث منه إلا أيله- دليل علي أنها ليست بعاملة، وبهذا رد [علي] من ذهب إلي أن "إلا" هي الناصية.
وأجاب بأنه انفصل تشبيهاً بالمنصوب علي التحذير والنداء من حيث هو منصوب لا مرفوع معه. وبأنه انفصل حملاً علي انفصاله في التفريغ ليجري الباب علي سنن واحد. وبأن إلا والمستثني بها في حكم جملة مختصرة، فكره واختصار الضمير باتصاله، والاختصار إجحاف. وبأن نسبة ما النافية في موافقة الفعل معني لا لفظاً، وفي الإعمال تارة والإهمال تارة، ومعمول ما إذا كان مضمراً كان منفصلاً، فألحقت بها. وبأن إلا تشبه لا العاطفة في لزوم التوسط

وجعل ما بعدها مخالفاً لمقابلها، والضمير بعد لا منفصل، فجرت في ذلك إلا مجراها، ومع ذلك فللمستحق بعد إلا النصب علي الاستثناء شبه بالمفعول المباشرة عامله، فكان له بذلك حظ في الاتصال إذا كان ضميراً، فنبهوا علي ذلك يقوله:
.......................... ألا يجاورنا إلاك ديار
وقوله:
أعوذ بري العرش من فئة بغت علي، فما لي عوض إلاه ناصر
[4: 38/ أ] /وليس هذا ضرورة لتمكن أن يقال: أن لا يكون لنا ظل ولا جار، وأن يقال: علي فما لي غيره عوض ناصر. وأيضاً فالمعروف من كلام العرب إيقاع المنفصل موضوع المتصل في الضرورة، نحو قوله:
............... قد ضمنت إياهم الأرض ..............
والعكس غير معروف، فلو لم يكن الأصل في الضمير في الاستثناء الاتصال لم يسع في البيتين أن يصلا، كما لا يسوغ في المعطوف ولا في المفعول معه.
قلت: قد نص المصنف في باب المضمر علي أن "إلاك" شاذ، وأما "إلاه ناصر" فلا يتعين أن يكون ضمير نصب، بل يجوز أن يكون ضمير رفع، حذف منه الواو، كقوله:
فبينا هـ يشري رحله ........... .........................

والتقدير: إلا هو، وارتفع بعد إلا وإن كان مقدما كما ارتفع في قوله:
....................... فلم يبق إلا واحد منهم شفر
وأما قوله "وليس هذا بضرورة" إلي آخره فهذا ليس بشيء؛ لأنه ليس من ضرورة إلا ويتمكن الشاعر من أن يبدلها بنظم آخر، فعلي هذا يستحيل أن توجد ضرورة فالمصنف لا يفهم معني الضرورة، وقد تكلمنا معه في ذلك في باب الجوازم كلاماً طويلاً في كتاب التكميل.
ثم اعترض المصنف علي نفسه فقال: "فإن قيل: لو كانت عاملة لعلمت الجر، كما عمل غيرها من الحروف التي لا تشبه الفعل، ولذلك حكم بحرفية عدا وخلا وحاشا إذا جرت، وفعلي إذا نصبت".
وأجاب بأنه لا يسلم ذلك، بل اللائق به عمل لا يصلح للفعل وهو جر أو نصب لا رفع معه، فكان النصب أولي بالأربعة؛ لأنه أخف من الجر، لكن منعت منه عدا وأختاها لأنهن يكن أفعالاً، فتستوجب النصب حينئذ، فلو عملته وهن أحرف لجهلت الحرفية، فتعين الجر بها إذا كن أحرفا، ولم يمنع من النصب مانع، فعملته. أيضاً فإن إلا مخصوصة بكثرة الاستعمال والتعرض للتكرار، فأوثر من بين أخواتها الحرفية بأخف الإعرابيين. انتهي ما لخص من كلامه.

وذكر شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع الخلاف في ناصب المستثني, فقال: "زعم س أنه منتصب بما قبله, كما انتصب الدرهم في قولك: عشرون درهمًا", فظاهر هذا انتصب بعد تمام الكلام على التشبيه بالمفعول به, كما انتصب الدرهم.
ثم ذكر مذهب السيرافي أنه انتصب بالفعل, ومذهب المبرد أنه انتصب بما في إلا من معنى الاستثناء, ومذهب الكسائي أنه انتصب بمخالفته للأول, ومذهب الفراء. وذكر ما ردت به هذه المذاهب.
ثم قال: "المقصود في ذكر هذه العوامل ربط القوانين وتثبيتها في النفس, فأولى هذه بالنظر إلى ذلك المعنى أن يكون انتصابه بما تقدم أولاً على التشبيه, ويكون في ذلك كالتمييز, والأمر في ذلك قريب".

-[ص: فإن كان المستثنى "بإلا" متصلاً مؤخرًا عن المستثنى منه المشتمل عليه نهي أو معناه, أو / [4: 38/ أ] نفي صريح, أو مؤول غير مردود به كلام تضمن الاستثناء- اختير فيه متراخيًا النصب, وغير متراخٍ الإتباع إبدالاً عند البصريين, وعطفًا عند الكوفيين. ولا يشترط في جواز نصبه تعريف المستثنى منه, خلافًا للفراء, ولا في جواز الإبدال عدم الصلاحية للإيجاب, خلافًا لبعض القدماء.]-
ش: غرضه تبيين المواضع التي يشرك فيها بين النصب والبدل, وكان قد ذكر أنه يجوز في المستثنى بإلا النصب مطلقًا, أي: في موجب وغير موجب إذا ذكر المستثنى منه, وإذا حصر المشترك تعين النصب لما سواه.

واحترز بقوله بإلا من المستثنى بغيرها فإن له أحكامًا ستأتي. وبقوله متصلاً من الاستثناء المنقطع, فالنصب فيه راجح أو واجب. وبقوله مؤخرًا عن المستثنى منه من أن يكون مقدمًا عليه. وبقوله المشتمل عليه كذا من الموجب.
وقال المشتمل, ولم يقل: الكائن معه, أو نحوه- تنبيهًا على أنه إذا انتقض النفي أو النهي فلا يكون له حكم, نحو: ما شرب أحد إلا الماء إلا زيدًا, ولا تأكلوا إلا اللحم إلا عمرًا. وكذا إن انتقض الحال, نحو: ما مررت بأحدٍ إلا قائمًا إلا زيدًا. فهذا وما أشبه بمنزلة ما لا نفي فيه ولا نهي؛ إذ المعنى: شربوا الماء إلا زيدًا, وأكلوا اللحم إلا زيدًا, ومررت بهم قائمين إلا زيدًا. ولا يجوز في قائمًا أن يكون صفة لأحد لأن "إلا" لا تعترض بين الصفة والموصوف. ولا حالاً من التاء؛ لأن معنى ما مررت إلا قائمًا: مررت قائمًا, ولو قلت مررت قائمًا بأحد لم يجز, فكذلك ما في معناه, فثبت أن قائمًا حال من أحد, وزيدًا منصوب؛ لأنه بعد إيجاب, ذكر هذا أبو علي في "التذكرة".
وقوله أو معناه أي: معنى النهي. ومثل المصنف بقول عائشة رضي الله عنها (نهي عن قتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين) , فهو محمول على تقدير: لا يقتل جنان البيوت إلا الأبتر, هذكا مثل المصنف هذا المسألة, وخرج هذا الأثر على أن التقدير: لا يقتل جنان البيوت 'لا الأبتر, فالرفع على البدل من

تقدير المرفوع الذي هو معمول لقوله "لا يقتل" الذي هو معنى نهى. ويمكن أن يكون الرفع من تحريف الرواة؛ لأنه لا وجه له؛ لأن [ما] قبله موجب. وإن صحت الرواية بالرفع فله تخريج غير الذي ذكره المصنف, وهو أن يرتفع صفة على الموضع؛ لأن "جنان البيوت"- وإن كان مجرورًا- هو مرفوع الموضع بإضافة المصدر المقدر أن ما ينحل إليه مبني للمفعول, والتقدير: نهى عن أن يقتل جنان البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين.
وقوله والمؤول مثاله {ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ اللَّهُ}، {ومَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ} , فهذا هو استفهام في اللفظ ونفي في المعنى, وأكثر ما يكون ذلك في هل ومن, وقد جاء في أي, ولذلك عطف بعدها ب"ولا", قال:
[4: 39/أ] / فأذهب, فأي فتى في الناس أحرزه عن حتفه ظلم دعج ولا جبل
فلو قيل على هذا: أي الناس ينظر الغني إلا الجاهلون, على الإبدال من ضمير ينظر- لحسن.
ومن النفي المؤول: قل رجل يقول ذلك إلا زيد, وأقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيد, إذا أريد بهما النفي, وارتفاع زيد على أنه بدل من الضمير المستكن في يقول في المسألتين؛ لأن المعنى: ما يقول ذلك إلا زيد. ولا يجوز أن يكون بدلاً من رجل في: رجل يقول ذلك إلا زيد.
وعلل الأستاذ أبو علي ذلك بأمرين:

أحدهما: أن قل لا تعمل إلا في نكرة, ولذلك قيد س قوله: "وقل من يقول ذلك" فقال "إذا جعلت من بمنزلة رجل" يعنى: نكرة.
والثاني: أنها لا تعمل إلا في منفي, فهو بدل من الضمير محمول على المعنى, ولا يجوز في أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيد أن يكون "إلا زيد" بدلاً من "أقل"؛ لأن "أقل رجلٍ" لا يمكن تفريغه لقولك إلا زيد. وأجازه ابن خروف حملاً في المعنى. والمنع مذهب السيرافي، وهو الراجح؛ لأن أقل هي كلمة النفي, ولا يجوز الحمل على المعنى في البدل إلا أن بكون المبدل منه يبقى في اللفظ المقدر المحمول عليه؛ وأقل لا يبقى, فالبدل من الضمير.
فإذا أردت بأقل رجلٍ التقليل لا النفي المحض فزعم ابن خروف أنه لا يجوز في إلا زيدًا إلا النصب؛ لأنه موجب المحض. وأجاز السيرافي فيه البدل؛ لأنه نفي للكثير, فالمعنى: ما يقول ذلك كثير إلا زيد, أي: ما يقوله إلا زيد.
قال بعض شيوخنا: وظاهر كلام س قول السيرافي؛ لأنه لم يفصل في أقل بين أن يكون للنفي المحض أو للتقليل.
ونقول: لا يحتاج فيه إلى التفصيل؛ لأنه قد تقرر أن الموجب لا يكون فيه البدل, فالذي يظهر أن مذهب ابن خروف هو الصواب.
قال المصنف: "ومن التفي المؤول قراءة بعض السلف {فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً}؛ لأن قبله {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي}، فبذلك صار فشربوا بمعني: لم يتركوه" انتهى.

وزعم الفراء وتبعه ابن خروف أن ارتفاع (إلا قليل) على الابتداء, والخبر محذوف, التقدير: لكن قليل منهم لم يشربوا منه, ونظيره ما حكة س من قولهم: والله لأفعلن كذا إلا حل ذلك أن أفعل كذا, أي: لكن حل ذلك, وإلا منقطعة, وحل مبتدأ.
وهذا الذي ذهبا إليه ضعيف؛ لأنه لا دليل على الخبر؛ لأن شربوا لا يدل على أن غيرهم لم يشربوا؛ ألا ترى أنه لو جاء هنا بخبر آخر غير لم يشربوا المقدر لأمكن, فيحتمل: إلا قليل اغترفوا غرفة, وبحتمل: إلا قليل لم يشرب. ولا تدل قراءة النصب على الاستثناء على أن يكون التقدير: إلا قليل منهم لم يشرب. ولا تدل قراءة النصب على الاستثناء على أن يكون التقدير: إلا قليل منهم لم يشرب؛ لأن لكل قراءة حكمها؛ ألا ترى أن س منع في: أكلت السمكة حتى رأسها, بالرفع على أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ لاحتمال أن يكون الخبر لا يقدر ب"مأكول" وإن كانت حتى إذا عطفت أو جرت تدل/ [4: 39/ب] على أن ما بعدها داخل فيما قبلها؛ فلا تجعل قراءة الاستثناء دليلاً على تعين الخبر أنه: لم يشربوا, كما لم يجعل تعين الخبر بعد حتى أنه "مأكول" لأنها إذا جرت أو عطفت كان بعدها داخلاً فيما قبلها, وإذا لم يتعين ذلك فلا دليل على الخبر.
وزعم الزمخشري أنه محمول على المعنى, أي: لم يبق إلا قليل منهم, كذا قدره. واستبعد ابن خروف قول الزمحشري لترك ظاهر اللفظ, وحذف فعل وفاعل, والبدل من شيءٍ مقدر, ولا يكون البدل إلا من ملفوظ به.

وزعم ابن عصفور أن قوله (إلا قليل) صفة للضمير في (فشربوا) , وأن الوصف بإلا يخالف جميع الأوصاف, فتكون صفة للضمير, وسيأتي الكلام على ذلك عند تكلم المصنف على الوصف ب"إلا" إن شاء الله.
وقال شيخنا أبو الحسن بن الضائع: "الأولى عندي أن تكون بدلاً من الضمير, حكم لها بحكم غير, وأبدلت كما أبدلت غير, فلو قال فشربوا منه غير قليل منهم لجاز بالرفع على البدل, فكذلك يجوز في إلا.
فإن قيل: فليجز أن تقول: قام إلا زيد, كما تقول: قام غير زيد.
قلت: من شرط إجراء "إلا" مجرى "إلا" مجرى "غير" جواز الاستثناء في ذلك الموضع الذي تجري مجراها فيه؛ ومع ذلك يجوز الاستثناء؛ لأن الاسم المستثنى منه مذكور, فلا يجوز: قام إلا زيد؛ لأنه لا يجوز أن يكون استثناء هنا.
فإن قيل: ليس أصل غير أن تكون بدلاً, فكيف تحمل على غير فيما ليس أصلاً فيها؟
قلت: "غير" صفة استعملت استعمال الأسماء, فحكمها أن يجوز فيها كل ما يجوز في الأسماء, فلم لا تكون "إلا" مثلها مع إبقاء جواز حكم الاستثناء فيها؟ ثم إن البدل يجوز في إلا في الواجب إذا تؤول فيه معنى النفي, فلم لا يجوز هنا على أن يتأول فيها حكم الغير؟ وهذا أقرب في تأويل الشاذ وتوجيهه" انتهى كلامه, وكان قد قدم أن قراءة {فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} شاذة.

قال المصنف في الشرح: "ومن النفي المؤول ما أنشده الأخفش من قول الشاعر:
لدمٍ ضائعٍ, تغيب عنه أقربوه إلا الصدى والجبوب
ومن قول الآخر:
وبالصريمة منهم منزل خلق .. عافٍ تغير إلا النؤى والوتد
لأن تغيب بمعنى: لم يحضر, وتغير بمعنى: لم يبق على حاله" انتهى. وما ساغ من التأويل في {فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} هو سائغ هنا ومحتمل.
وقوله غير مردود به كلام تضمن الاستثناء مثاله قول القائل: قاموا إلا زيدًا, وأنت تعلم أن الأمر بخلاف ذلك, فتدخل ذلك, فتدخل النفي, وتأتي بالكلام مثل ما كان تعلق به المردود عليه, فتنصب زيدًا, / [4: 40/أ] ولا ترفعه؛ لأنك لم تقصد معنى: ما قام إلا زيد, فتقول: ما قاموا إلا زيدًا. وكذلك إذا قال: لي عندك مائة إلا درهمين, فأردت جحد ما ادعاه- فإنك تقول: ما لك عندي مائة إلا درهمين, فيكون هذا بمنزلة قولك: ما لك عندي الذي ادعيته. ولو رفعت الدرهمين لكنت مقرًا بهما جاحدًا الثمانية والتسعين؛ لأن المستثنى المبدل مما قبله في حكم الاستقلال, فكأنك قلت إذا رفعت: ما لك عندي إلا درهمان.

وهذا الشرط الذي هو "غير مردود به كلام تضمن الاستثناء" لم يذكره أصحابنا؛ إلا أن ابن عصفور ذكر عن ابن السراج أنه ذهب إلى أن قولك "ما جاءني القوم إلا زيد" إن قدر أن الأصل: ما جاءني القوم, ثم أتى بعد ذلك بالاستثناء- فالمختار الرفع. وإن قدر أن الأصل: جاءني القوم إلا زيدًا, ثم دخل حرف النفي- فالنصب؛ لأن حرف النفي لا يغير عمل العامل الذي يدخل عليه.
قال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه من دخول حرف النفي في هذا الباب على إيجاب ملفوظ به قبل ذلك ليس من كلام العرب؛ بدليل أن قولك قام القوم إلا زيدًا معناه: قام القوم ولم يقم زيد, وأنت إذا نفيت قام القوم ولم يقم زيد احتمل الكلام ثلاث معان: أحدها ألا يكون واحد من القوم قد قام. والثاني أن يكون جميعهم قد قاموا. والثالث أن يكون بعضهم قد قام وبعضهم لم يقم. فلو كان النفي من قولك ما قام القوم إلا زيدًا داخلاً على الإيجاب كان الكلام محتملاً لهذه المعاني الثلاثة, وليس كذلك, بل لا يستعملون هذا الكلام إلا إذا أرادوا أن يجيزوا أن زيدًا قام من القوم ولم يقم غيره.
وقوله اختير فيه متراخيًا النصب مثاله: ما ثبت أحد في الحرب ثباتًا نفع الناس إلا زيدًا, ولا تنزل على أحد من بني تميم إن وافيتهم إلا قيسًا؛ لأنه قد ضعف التشاكل بالبدل لطول الفصل بين البدل والمبدل منه, وهذا أيضًا لم يذكره المصنف.
قال المنصف: "والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يختلي خلاها, ولا يعضد شوكها). فقال العباس: يا رسول الله, إلا الإذخر. فقال: (إلا الإذخر). وقد

يكون من هذا: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة).
وعلل قوم هذا النوع بعروض الاستثناء, قال ابن السراج: فإن لم تقدر البدل, وجعلت قولك: ما قام أحد, كلامًا تامًا لا تنوى فيه الإبدال من أحد, ثم استثنيت- نصبت, فقلت: ما قام أحد إلا زيدًا, فعلى هذا يكون للزوم النصب بعد النفي سببان: التراخي, وعروض الاستثناء" انتهى.
وقول المصنف "فعلى هذا يكون للزوم النصب بعد النفي سببان) ليس بجيد لفظه ل"لزوم"؛ لأنه قال في الفص: "اختير النصير", فليس بلازم.
وقوله وغير متراخ الإتباع مثاله: / [4: 40/ب] ما قام القوم إلا زيد, وما ضربت أحدًا إلا زيدًا، وما مررت بأحد إلا زيد.
ونذكر تقسيم أصحابنا في المستثنى بالنسبة إلى الموجب وغير الموجب إذا ذكر المستثنى منه وكان المستثنى متصلاً مؤخرًا؛ فنقول:
الموجب: ما ليس بمنفي في المعنى, وسواء أكان في اللفظ منفيًا أم لم يكن, فقام القوم إلا زيدًا, واضرب القوم إلا زيدًا, وإن قام القوم إلا زيدًا, وإن قام القوم إلا زيدًا قمت, وما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا, وما جاء القوم إلا ركبانًا إلا زيدًا, وأمثال هذه- كل هذا موجب, وكل هذا نصب.
وحكي الأخفش عن بعض العرب أنهم جعلوا الاستثناء من المخفوض مخفوضًا, فتقول: مررت بالقوم إلا بزبد. قال: "وهذا ضعيف؛ لأن الباء معدية, وغلا معدية, ولا يجمع بين معديين" انتهى. وينبغي أن تجعل الباء زائدة؛ لأن الجمع

بين أداتي تعدية ليست إحداهما في معنى الأخرى لا يجوز؛ فإن كانت في معناها فربما جاء ذلك في الشعر, نخو قوله:
فأصبحن لا يسألنني عن ما به ............
وغير الموجب: ما هو منفي في المعنى, وسواء أكان في اللفظ منفيًا أم لم يكن, فما قام إلا زيد, ولا تضرب القوم إلا زيدًا, وهل قام أحد إلا زيد, وقل رجل يقول ذلك إلا زيد- كل هذا غير موجب, وحكمه اختيار الإتباع على ما يبين. فأما إذا دخل حرف النفي على المبتدأ, أو على نواسخه, أو كانت أداة النفي هي الناسخة- فسنذكره عند تعرض المصنف لذلك.
مسألة مثل السابقة: قال أبو علي: وتقول: ما أكل أحد إلا الخبز إلا زيدًا. قال ابن هشام: هذا فصل عظيم المنفعة في هذا الباب, وذلك أنه قد تقدم أن المخرج في هذا الباب من المنفي موجب, ومن الموجب منفي, والاستفهام الذي بمعنى النفي كالنفي, والاستفهام الحقيقي إعرابه كالنفي, يفرغ لما بعد إلا العامل, ولا يفرغ, فإذا كان اللفظ نفيًا والمعنى إيجابًا, أو كان الأمر بالعكس, أو التفت هذا المعنى أم اللفظ- فالملتفت في هذا المعنى دون اللفظ, ولذلك لا يجوز في هذه المسألة إلا النصب وإن صدرت بالمنفي؛ لأنك إنما تستثنى زيدًا ممن أوجبت لهم أكل الخبز, وأخرجت زيدًا عنهم فيما أوجبته لهم, وصار المعنى: كلهم أكلوا الخبز إلا زيدًا, فإنه يأكل الخبز, أو أكله وغيره من الأطعمة, أو لم يأكل شيئًا أصلاً؛ إذ المعنى خروجه من حكم الأول, وعلى كل واحد من هذه المعاني يخرج من حكم الأول, فهذا ما تقتضيه جميعه "ما" و"إلا" من الحصر.

ومثل هذا: ما مررت بأحد إلا قائمًا إلا زيدًا, أوجبت لكل واحد منهم حالة القيام, ونفيت عنهم كل ما يتاقضه, وأخرجت زيدًا منهم فيما أوجبت لهم من القيام, فلم يجز فيه إلا النصب.
ومثل ذلك: ما أتاني بنو محمد إلا بنو جعفر إلا خالدًا, فنفيت عن بني محمد الإتيان سوى بني جعفر, ثم أخرجت خالدًا- وهو/ [4: 41/أ] منهم- مما أدخلتهم فيه من الإتيان, فلم يكن فيه إلا النصب لا غير.
وعكس هذه المسألة: أتاني بنو محمد إلا بني جعفر إلا خالد, ترفعه, تحمله على المعنى؛ لأنك حين استثنيت من إيجاب نصبت كما قدمنا, فبنو جعفر قد نفيت عنهم الإتيان, فكأنك قلت: ما أتاني بنو جعفر, ثم استثنيت منهم خالدًا, فأدخلته فيما نفيت, فصار موجبًا له عن نفي, فرفعه على المعنى.
فإن قلت: قد رفعت, ولا ترفع هنا بعد "إلا" ما ترفعه قبلها, أو كان بدلاً من مرفوع.
قلنا: هذه القسمة غير حاصرة, العرب تبدل في هذا الباب على التوهم, كأنك قلت: ما أتاني بنو جعفر, فلذلك قلت: إلا خالد, لاسيما البدل, فإنك تحمله على عامل آخر, فالتقدير: ما أتاني من بني عمك إلا خالد.
ومن هذا الباب: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد, فأفل موجب في اللفظ منفي في المعنى, فكأنك قلت: ما أحد يقول ذلك إلا زيد, فأقل: مبتدأ, وزيد: بدل منه على توهم: ما أحد يقول ذلك.
ثم تقول العرب: قل رجل يقول ذلك إلا زيد, قال س: "فليس زيد بدلاً من الرجل في قل, ولكن قل رجل في موضع: أقل رجل, ومعناه كمعناه, وأقل

رجل: مبتدأ مبني عليه, والمستثنى بدل منه". يريد أن قل رجل لما كان في معنى أقل رجل حملت ما استثنى فيه على ما استثنى فيما هو في معناه؛ فيزيد هنا بدل من متوهم لا ملفوظ به حملاً على المعنى كما قدمنا.
ومثل هذا: ما جئتني فأكرمك, نصبوه بأن, وعطفوه على متوهم من المعنى, لأن ما جئتني [بمنزلة]: لم يكن منك مجيء, ف"أن أكرمك" بمنزلة: فإكرام. انتهى. وتقدم الكلام في أقل رجل يقول ذلك, وقل رجل يقول ذلك.
ومن هذا الفصل ما حكي الخليل وس عن العرب من قولهم: ما علمت أحدًا يقول ذلك إلا زيد, ترفع زيدًا بدلاً من الضمير في يقول من حيث كان منفيًا في المعنى وإن لم يدخل على فعله حرف النفي.
ومن هذا الفصل قولهم: أبيت إلا الخروج, فسلطوا الفعل على ما بعد إلا في الإنجاب لأنه في معنى النفي, كأنه قال: ما أردت إلا الخروج, وقال تعالى {ويَابَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}. ويقولون: أعطيته إلا ثيابي, أي: لم أمنحه. ويأتي هذا في كلامهم, ومنه عندي قول ابن اللبانة:

أنكرت إلا التواءات القيود به وكيف تنكر في الروضات حيات
كأنه قال: لم أعرف, فلعله سمع هذا من كلامهم, وإن كان قاسه فقياس صحيح على ما تمهد مما أعطى أبو علي أصله وإن لم يمد فروعه.
وقوله إبدالاً عند البصريين, وعطفًا عند الكوفيين مذهب س والبصريين أن تبعية المستثنى للمستثنى منه في مثل هذه المسألة هي على طريقة البدل, وهو بدل بعض من كل؛ لأنه على/ [4: 41/ب] تكرار العامل, فيتقدر ما قام القوم إلا زيد: ما قام إلا زيد, ولما كان معنى النصب على الاستثناء والتبعية على البدل واحدًا كان البدل أولى لما فيه من مشاكله الإعراب. ويدل على اختيار الرفع قراءة السبعة {ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ} بالرفع, وقراءة أكثرهم {مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} , وقال أبو عمرة: الرفع في لغة العرب الوجه.
وذهب الكسائي والفراء: إلى أنه تابع على العطفية لا على البدلية. وقد رد أحمد بن يحي ثعلب البدل؛ لأن البدل يكون على وفق المبدل منه في المعنى, وهذا مخالف؛ لأن الأول منفي عنه القيام, والثاني مثبت له القيام, والعطف توجد فيه المخالفة, نحو: ما قام بل عمرو, وما قام جعفر لكن خالد, ف"إلا" إذ ذاك حرف عطف.

قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "وهذا فاسد؛ لأن الذي يعني بالبدل هنا إنما هو بدل البعض من الكل, وبدل البعض من الكل الثاني فيه مخالف للأول في المعنى؛ ألا ترى إذا قلت رأيت القوم بعضهم فتكون رأيت القوم أولاً مجازًا, ثم تبينت بعد ذلك من رأيت منهم, وهو البعض, وإنما يشترط في البدل أن بكون شريك الأول في العامل خاصة, وأنت إذا قلت ما قام القوم إلا زيد كان زيد شريك القوم في العامل, والتقدير: ما قام إلا زيد" انتهى.
وقد وجدنا من البدل ما يكون فيه الثاني مخالفًا للأول, نحو: مررت برجل لا زيد ولا عمرو, فهذا بدل, وليس بعطف؛ لأن من شرط "لا" العاطفة أن تكون مؤكدة, ولو جاز هنا أن تكون عاطفة لجاز: مررت برجل لا زيد, كما تقول: مررت بزيد بلا عمرو, فلزوم تكريرها دليل على أنها ليست بعاطفة. وكما جاز في النعت المخالفة إثباتًا ونفيًا, نحو: مررت برجل لا كريم ولا شجاع, كذلك جاز في البدل.
فإن قلت: إذا كان بدل بعض من كل فلابد فيه من ضمير يعود على المبدل منه؛ حذف فذلك قليل, وهذا البدل لم نجد العرب تصرح [معه] بالضمير إلا قليلاً, كقوله {مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}، {ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ}.

فالجواب: أنه أغنى عن الضمير في أكثر الكلام قوة تشبث المستثنى بالمستثنى منه بالأداة؛ لأنه إذا قيل ما قام القوم إلا زيد علم أن زيدًا من القوم, وأنه أوجب له ما نفي عنهم, ولقوة الاتصال بإلا جاز: ما قام زيد إلا قعد عمرو, فأغنت "إلا" عن الواو وقد, وإن كان الأصل: إلا وقد قعد عمرو.
وقال ابن عصفور: "إلا مع الاسم المقرون بها بمنزلة غير لو أضيف لإلى ذلك الاسم؛ ألا ترى أنك لو قلت ما جاءني القوم إلا امرأة كان معناه ومعنى قولك ما جاءني القوم غير امرأة واحدًا, فكما أن (غير امرأة) بدل من القوم إذ لا يمكن أن يكون معطوفًا عليهم عطف نسق؛ إذ ليس في الكلام حرف عطف, ولا نعتًا له ولا [4: 42/أ] عطف بيان؛ لأنه نكرة, والقوم معرفة- فكذلك (إلا امرأة)؛ لأنه في /معناه" انتهى.
وقد رد مذهب العطف بوجهين:
أحدهما: أنه لو كانت إلا عاطفة لم تباشر العامل في نحو: ما قام إلا زيد, وحروف العطف لا تلي العوامل.
والثاني: أنها لو كانت عاطفة لعطفت في الإيجاب كما عطفت في النفي. وهذا لا يلزم؛ لأن لبعض الحروف خصوصيات في العطف, فهذه "لا" يعطف بها في الإيجاب, ولا يعطف بها في النفي, وهذه لكن, يعطف بها في النفي, ولا يعطف بها في الإيجاب.
وقوله ولا يشترط في جواز نصبه تعريف المستثنى منه, خلافًا للفراء ومذهب الفراء مردود بالسماع والقياس:

أما السماع فهو ما روى س عن يونس وعيسى جميعًا أن بعض العرب الموثوق بعربيتهم يقول: ما مررت بأحد إلا زيدًا, بالنصب بعد النكرة, ويرجح أن يكون من هذا قراءة من قرأ {ولا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إلاَّ امْرَأَتَكَ} في قراءة من نصب لتتفق القراءتان في الاستثناء من شيء واحد, ولأنه قيل: أخرجها معهم, وأمر ألا يلتفت منهم أحد إلا هي, فلما سمعت هدة العذاب التفتت, وقالت: يا قوماه. فأدركها حجر فقتلها. ويحتمل أن تكون قراءة النصب استثناء من {بِأَهْلِكَ} , فيكون من معرفة, فلا يكون في ذلك حجة على الفراء.
قال المصنف في الشرح: "ويمكن في قراءة ابن كثير وأبي عمرو أن تجعل {امْرَأَتَكَ} مبتدأ, و {إنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} خبره, والاستثناء منقطع" انتهى.
وأما القياس فالنصب هو الأصل, والإتباع داخل عليه, وقد رجح عليه لطلب المشاكلة, فلو جعل تقدير ترجيحه عليه مانعًا منه لكان ذلك إجحافًا بالأصل, فضعف بهذا الاعتبار.
وقوله ولا في جواز الإبدال إلى آخر المسألة حكي س عمن لم يسم أن المنفي إذا جاز في لفظه الإيجاب لم يجز فيه إلا النصب على الاستثناء, ولا يجوز البدل, نحو: ما أتاني القوم إلا أباك؛ لأنه بمنزلة: أتاني القوم إلا أباك.

واستدلوا على ذلك بأن الأصل قبل الحرف النافي النصب؛ فإذا دخل حرف النفي لم يتغير الإعراب عما كان عليه, وإنما يجوز ذلك عندهم فيما لا يصلح للإيجاب, نحو: ما جاء أحد إلا زيد.
وما ذهبوا إليه مردود بالسماع والقياس:
أما السماع فقوله تعالى {مَّا فَعَلُوهُ إلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} في قراءة الجمهور, وحكي يونس عن أبي عمرو أن الوجه في اللغة: ما قام القوم إلا عبد الله, بالرفع, و (فعلوه) و"قام القوم" يقع في الإيجاب.
وأما القياس للنفي أحكام لا تكون في الوجوب, منها: حذف المستثنى منه وتفريغ العامل للمستثنى, قال س: " ولو كان حكم الواجب ما جاز: ما أتاني أحد" انتهى. ومسوغ جواز البدل فيما أجمع عليه صلاحيته للتفريغ, وهذا موجود في: ما أتاني القوم إلا زيد, كما هو موجود في: ما أتاني أحد إلا زيد, فوجب تساويهما في الحكم بجواز البدل, كما تساويا في تضمن المسوغ, وهو صلاحية التفريغ.
وزعم/ [4: 42/ب] بعض النحويين أن البدل يختص بما يكون ما بعد إلا مستثنى مما يكون فيه المستثنى منه مفردًا؛ نحو رجل وامرأة.
وقد رد بقوله تعالى {ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ} , فشهداء ليس مفردًا, بل هو جمع, وقد أبدل منه.

-[ص: وإتباع المتوسط بين المستثنى منه وصفته أولى من النصب, خلافًا للمازني في العكس. ولا يتبع المجرور ب"من" و"الباء" الزائدتين ولا اسم "لا" الجنسية إلا باعتبار المحل، وأجاز بنو تميم إتباع المنقطع المتأخر إن صح إغناؤه عن المستثنى منه, وليس من تغليب العاقل على غيره فيخص ب"أحد" وشبهه, خلافًا للمازني.]-
ش: مثال ذلك: ما جاءني أحد إلا زيدًا خير منك, وما قام القوم إلا زيدًا العقلاء, وما بالبادية غنم إلا غنمك خير من غنمي, وما مررت بأحد إلا زيد خير منك, في زيد الإتباع بدلاً, والنصب على الاستثناء, كحاله لو تأخر عن الصفة, وكما كان المختار البدل حال التأخر كذلك هو المختار حال التقدم على الصفة, هذا ظاهر مذهب س, وهو اختيار المبرد أيضًا.
واختلف النقل عن المازني, فالمشهور عنه أنه يجوز الوجهين, ويختار النصب على الاستثناء. ونقل ابن عصفور عنه في تصانيفه أنه لا يجيز فيه المازني إلا النصب على الاستثناء؛ وأن يونس وغيره أجازوا البدل. ونقل عنه في بعض تصانيفه أيضًا أنه يختار النصب, ولا يوجبه, واختلف اختياره: فمرة اختار البدل, ومرة اختار النصب على الاستثناء.
فحجة من احتار النصب أن المبدل منه منوي به الطرح, فلا ينبغي أن يوصف بعد ذلك, بل إذا أردت الوصف نصبته على الاستثناء؛ لأن المستثنى منه إذ ذاك لا يكون منويًا به الطرح, وإذا لم يكن منويًا به الطرح ساغ وصفه.

وأيضًا فإن البدل على نية تكرار العامل, فإذا أبدلت كنت قد فصلت بين النعت والمنعوت بجملة, وإذا نصبت على الاستثناء كنت قد فصلت بينهما بمفرد معمول لما تقدم, فسهل الفصل به. وأيضًا فإن حكم البدل إذا اجتمع مع الصفة أن تكون الصفة مقدمة على البدل.
وحجة من اختار الرفع أن الصفة فضلة, ولا اعتداد بالتقدم عليها, ولأن المستثنى في نحو ما جاء أحد إلا زيد إنما رجح إتباعه على نصبه لأنه إذا أتبع شاكل ما قبله وما بعده؛ فكان إتباعه متوسطًا أولى من إتباعه غير متوسط.
قال المبرد: "والقياس عندي قول س؛ لأن الكلام إنما يراد لمعناه, والمعنى الصحيح أن البدل والمبدل منه موجودان معًا, لم يوضعا على أن يسقط أحدهما إلا في بدل الغلط, فإن المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام".
والبدل- وإن كان في تقدير جملة أخرى- إنما أتى به ليبين المبدل منه, كما أن النعت كذلك والموصوف لما فيها من / [4: 43/أ] تسديد الكلام وإن لم يكن لها موضع من الإعراب- فالأحرى أن يحسن بين المنعوت والنعت بالبدل؛ لأنه مفرد في اللفظ, وتابع لما قبله, ومبين له كالنعت, فالفصل به أيضًا بين المنعوت والنعت أسهل من الفصل بالاستثناء بينهما؛ لأن الاستثناء لا يشبه النعت.
وقال ابن عصفور: "النصب أضعف من البدل؛ لأن فيه الفصل بينهما بالاستثناء". قال: "ولا يجوز الفصل بين الصفة والموصوف إلا في الشعر, كقوله:

أمرت من الكتان خيطًا, وأرسلت رسولاً, إلى أخرى, جريا, تعينها"
ولولا السماع ما أجزنا: ما لي أحد إلا أباك صديق, وكان ينبغي ألا يجوز؛ ألا ترى أنه لا يجوز: ضرب زيد عمرًا العاقل.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "إذا كان الفصل والموصوف بما هو من تمام الموصوف لم يكن ضعيفًا, والاستثناء من تمام المستثنى منه؛ لأنه بيان له, بل إن قيل إنه اتصالاً من البدل كان؛ ألا ترى أن أسماء العدد مع المستثنى قد صار لها دلالة أخرى خلاف ما وضعت له, فإن اسم العدد نص في معدودة, لا يجوز أن تقول: (عندي عشرة) وعندك تسعة, ومع المستثنى تصير العشرة اسمًا للتسعة إذا قلت: عندي عشرة إلا واحدًا, فقياس ابن عصفور الفصل بالاستثناء على ما ذكر فاسد. والصحيح في المسألة أن النصب في المستثنى المتقدم على صفة المستثنى منه أجود من النصب [فيه] متأخرًا ".
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "من لحظ أن الصفة هي في المعنى الموصوف, فإذا تقدم الاستثناء عليها فكأنه تقدم على الموصوف- نصب. ومن لحظ أن المستثنى منه قد تقدم على المستثنى أحاز البدل كما أجازه في مثل قولك: ما قام القوم إلا زيد, والوجهان متكافئان" انتهى.
ومن أمثلة هذه المسألة: ما لي أحد زيد صديق, ومن لي إلا زيد صديق, ف"إلا زيد" بدل مِن مَن, ومًن: مبتدأ, خبره: لي. ومثل س هذا بنصب صديق حالاً مِن مَن, فقال: من لي إلا أبوك صديقًا.

وزعم المبرد أن "إلا أبوك" خبر ل"من" كقولك: ما لي إلا أبوك, وأدخلت إلا على الخبر لأن الكلام في معنى النفي، فإذا أنكر أن يكون له أحد غير الأب صديقًا فكأنه قال: ما لي إلا أبوك, وصديقًا: حال متعلق به. وغره قول س: "لأنك أخليت من للأب", فتوهم أنه خبر له. ومقصود س أن يكون "من لي" مستقلاً, "ولي" هو الخبر, وكأنه قال: أي إنسان كائن لي, ففي "لي" ضمير مرفوع, ومنه استثني, وصديقًا: حال منه, والحال صفة في المعنى, فقد تقدم المستثنى على الصفة, وبهذا دخل في باب تقديم المستثنى على الصفة.
والصحيح أنه بدل؛ لأنه يبقى مجرور لا عامل له؛ لأن من لا تعمل, وكذلك الأب, وقد فصل بين صديقًا وبين ما يعمل فيه بخبر المبتدأ فهو لحن, وس في مسألة تقديم المستثنى على/ [4: 43/ ب] الصفة بدأ بالبدل, ثم حكي النصب عن بعض العرب, ومن ذلك قول الشاعر:
وإني لعبد الضيف ما دام نازلا وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
وفي شرح أبي الفضل الصفار: "س فصل بتابع, فهو بمنزلة الصفة, ولا يجوز: ضرب زيد عمرًا العاقل, ولولا السماع ما أجزنا: ما لي أحد إلا أباك صديق؛ ألا ترى قوله: (وقال بعضهم: ما مررت بأحد إلا زيدًا خير منه) , فهو قد حكاه عن بعض العرب".

وقوله ولا يتبع إلى قوله إلا باعتبار المحل هذه مسائل ثلاث, مثالها: ما في الدار من أحد إلا زيد, ليس زيد بشيء إلا شيئًا لا يعبأ به, لا إله إلا الله. رفعت المبدل من "أحد" لأن أحدًا في موضع رفع بالابتداء, ولم تحمله على اللفظ فتجره لأن معرفة موجب, و"من" الزائدة لا تجر إلا منكرًا غير موجب. ونصبت المبدل من "بشيء" لأنه في موضع نصب إبليس, ولم تحمله على اللفظ فتجره لأنه خبر موجب, ولا عمل للباء الزائدة في خبر موجب. ورفعت المبدل من اسم "لا" لأنه في موضع رفع بالابتداء, ولم تحمله على اللفظ فتنصبه لأنه معرفة موجب, و"لا" إنما تعمل في منكر منفي.
وهذا ظاهر قول س وأبي علي, ومقتضاه أنه يجوز في النكرة. وقد قال بعض النحويين إنه لا يجوز إجماعًا.
وقال ابن هشام: "فإن قيل: إذا كان هذا الاسم نكرة, نحو: لا رجل في الدار إلا رجلاً من بني تميم أو إلا تميميًا- قلنا: قد كان يجوز لولا أمر آخر يمنع من جوازه, وهو أن "لا" لا تعمل في الواجب, بمنزلة من, فلذلك لا يجوز حمل البدل بعد إلا على اللفظ هنا في معرفة ولا نكرة.
وهذا الموضع مما استفدته بنظري ومباحثتي, ولم أستفده بتعليم ولا من كتب القوم" انتهى.
ومن الإتباع على محل الباء الزائدة قوله:
يا بني لبيتى, لستما بيد إلا يدًا, ليست لها عضد
والعطف والبدل من باب واحد, فكما تقول: ما أتاني من أحد لا عبد الله ولا زيد, ولا أحد فيها لا زيد ولا عمرو, فتحمل على الموضع لا على اللفظ- فكذلك تفعل في البدل.

وقال الأستاذ أبو علي: "إن قلت كيف يكون عبد الله في قوله لا أحد فيها إلا عبد الله بدلاً من أحد, وأنت لا يمكنك أن تحله محله؟
فالجواب: أن هذا إنما هو على توهم: ما فيها من أحد إلا عبد الله؛ إذ المعنى واحد, وبلا شك أن هذا يمكنك فيه الإحلال, والتقدير: ما فيها إلا عبد الله".
قال ابن عصفور: "وهذا الإشكال الذي ذكره لا يتقدر في المسألة, وإذا لم يتقدر لم يحتج إلى الانفصال عنه؛ من جهة أنه لا يلزم أن يحل - إلا عبد الله) محل (أحد) الواقع بعد "لا"؛ لأن البدل إنما يلزم أن يكون على نية تكرار العامل, وقد حصل ذلك في هذه المسألة وأمثالها؛ ألا ترى أن (عبد الله) بدل من موضع (لا أحد) [4: 44/أ]، / فيلزم أن بكون العامل فيه الابتداء, كما أن العامل في موضع (لا أحد) الابتداء, وبلا شك أنك إذا أبدلته منه كان مبتدأ في التقدير, وخبره محذوف, وكذلك حرف النفي, لدلالة ما قبله عليه, والتقدير: لا أحد فيها لا فيها إلا عبد الله, ثم حذف, واختصر" انتهى.
وهذا الذي ذكره المصنف في مسألة "ما الدار من أحد إلا زيد" هو على مذهب جمهور أهل البصرة؛ وكذلك مذهب الكوفيين في هذه المسألة لأنهم لا يجيزون دخول من الزائدة على معرفة, فلو كان نكرة جاز عندهم الحمل على اللفظ, نحو: ما أتاني من أحد إلا غلام.
وفي البسيط: ذكر الفراء أن الكسائي يجوز هذا بالجر, فيقول: ما جاءني من أحد إلا رجلٍ, وما من إله إلا إله واحد. قال: وليس ذلك بشيء.
وأما الأخفش فيجيز دخولها على النكرة والمعرفة في الواجب وغيره, فيجوز عنده حمل زيد على اللفظ.

فإن كان الحمل على اللفظ وعلى الموضع لأي يتعذر جاز فيه الوجهان, والاختيار الحمل على اللفظ لما فيه من المشاكلة في لفظ الإعراب, مثاله: ما خشنت بصدر رجل إلا صدر زيد, بخفض صدر على اللفظ, ونصبه على الموضع؛ لأن موضع صدر المتقدم نصب؛ ألا ترى أنه يجوز أن تقول: ما خشنت صدر رجل.
ويجوز النصب على أصل الاستثناء, فتقول: لا رجل في الدار إلا زيدًا, وما جاءني من أحد إلا زيدًا, ومنه قوله:
مهامهًا وخروقًا, لا أنيس بها إلا الضوابح والأصدقاء والبوما
ويجوز جر الاسم فيما كان قبله مجرور, على أن تكون "إلا" وما بعدها صفة لذلك المجرور, وأنشدوا بيت النابغة بالخفض:
إلا الأوراي لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
على الصفة ل"من أحد" من قوله:
............ عيت جوابًا, وما بالربع من أحد
وأنشد الفراء والكسائي:
أبني لبينى, لستما بيد إلا يد, ليست لها عضد

وأجاز هذا الفراء, ولم يجز مثل بيت النابغة. قال: "ورأيت الكسائي يخفضه, وأنزل إلا بعد الجحد بمنزلة غير, وحمله على (إلا يد) , وليس مثله؛ لأن الباء تدخل في الجحد في المعرفة".
وقال بعض أصحابنا: ولا دليل فيه, ولا فرق بين المسألتين, والباء- وإن دخلت على المعارف- لا تدخل في الإيجاب, فهي لا يصح تقديرها داخلة على ما بعد إلا, وإذا كانت إلا لا تدخل بعدها الباء ولا من فقد استويا من هذا الوجه, وهو المطلوب هنا في الإثبات والنفي, وقد ذكرنا أن ذلك يجوز على الصفة, وإنما امتنع ذلك على تقدير البدل.
وقوله أجاز ينو تميم إتباع المنقطع المتأخر إن صح إغناؤه عن/ [4: 44/ب] المستثنى منه مثال ذلك: ما في الدار أحد إلا وتد, فبنو تميم يجعلون المنقطع المؤخر من المستثنيات في غير الإيجاب كالمتصل, والحجازيون ينصبونه وجوبًا.
واحترز بقوله "المتأخر" من أن يكون متقدمًا, نحو: ما في الدار إلا حمارًا أحد, فإنه لا يجوز فيه على مذهب البصريين إلا النصب, وسيأتي ذكر تقديم المستثنى على المستثنى منه فقط, إن شاء الله.
واحترز بقوله" إن صح غناؤه عن المستثنى منه" من كونه لا يصح ذلك فيه, وهو كل استثناء منقطع لا يجوز فيه تفريغ ما قبل إلا للاسم الواقع بعدها, من ذلك قولهم: ما زاد إلا ما نقص, وما نفع إلا ما ضر, ففي زاد ونفع ضميران فاعلان, فالمعنى: لكنه نقص, ولكنه ضر, وما مصدرية, كأنه قال: ما زاد إلا النقص, وما نفع إلا الضر, قال س: "ف (ما) مع الفعل اسم" يعني: هي مصدرية, ولذلك شبهه بقولهم: ما أحسن ما كلم زيدًا! أي: ما أحسن كلامه زيدًا! فلو فرغت

العامل على النقص والضر لم يصح. فهذا النوع لا يجوز فيه عند جميع العرب إلا النصب.
وزعم السيرافي أن المصدر المقدر مبتدأ, خبره محذوف, أي: لكن النقصان أمره, فكأنه قال: ما زاد النهر لكن النقصان أمره, وما نفع زيد لكن الضرر شأنه, ونقله عن مبرمان.
ولو كان على ما ذهب إليه السيرافي لجاز عند أهل الحجاز: ما فيها أحد إلا حمار, على أن يكون مبتدأ, خبره محذوف.
وزعم الأستاذ أبو علي أن المصدر هنا مفعول به حقيقة ل"زاد" والتقدير: ما زاد شيئًا إ النقصان, ثم فرغه له, كـ"ما ضرب إلا زيدًا" وجعله متصلاً, وكان الذي قام مقام الزيادة النقصان, ومقام النفع الضرر.
ورد هذا بأن الضرر لا نسبة بينه وبين النفع.
وجعل ابن طراوة ما زائدة, وخطأ س في جعل ما مصدرية؛ لأنه يكون المعنى: ما زاد إلا النقص, وما نفع إلا الضرر, وهذا خلف؛ لأن الضرر لم ينفع, والنقص لم يزد.
ورد على ابن الطرواة بأن س لم يرد الاتصال, وهو جعله متصلاً, وإنما أراد س: ما نفع, لكن الضرر حصل أو وقع, فلم يجعل الضرر مفرغًا له العامل كما توهمه ابن الطرواة عليه, وإنما قال بزيادتها لأنه لم يفهم عن س إلا أن الفعل مفرغ.
ووجه زيادتها بأن قال: فرقوا بين فعل الذي يكون حالاً, فلا تزاد فيه ما, وما ل يكون حالاً, فزادوا فيه ما.
وهذا الذي قال لم يثبت نظيره, وفيه دعوى الزيادة من غير داعية إلى ذلك.

ومن هذا النوع عند المصنف قوله تعالى {لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَن رَّحِمَ}، ف"من" في موضع نصب عنده؛ لأنك لو حذفت المستثنى منه- وهو عاصم- واستغنيت بالمستثنى عنه -/ [4: 45/أ] لم يصح.
ومنه عنده قول الشاعر:
ألا لا مجير اليوم مما قضت به صوارمنا إلا امرأ كان مذعنا
ومن هذا النوع عند ابن عصفور قوله تعالى {لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى}، فـ (الموتة الأولى) منصوبة على الاستثناء. ولا يجوز أن يجعل مع إلا بدلاً من الموت؛ لأنه لا يستقيم ذلك لفساد المعنى.
وفي قوله وأجاز بنو تميم دلالة على أنه لا يتحتم عندهم البدل, بل الأفصح عندهم النصب, وأما البدل فهو ضعيف؛ لأن لا يتصور إلا على ضربين من التأويل:
أحدهما: أن يكون مجازًا, وتنزيل ما ليس من الجنس منزلة ما هو من الجنس, فإذا قلت: ما في الدار أحد إلا حمار, جعلت الحمار في الدار قائمًا مقام الأناسي, على حد قولهم: عتابك السيف, وقول أبي ذؤيب:

فإن تمس في قبر برهوة ثاويا أنيسك أصداء القبور تصيح
ويكون البدل في هذا الوجه من قبيل بدل بعض من كل.
والثاني: أن يكون الاسم الذي قبل إلا ذكر توكيدًا, فمراده: ما في الدار إلا حمار, وذكر أحد توكيدًا ليعلم أنه ليس بها آدمي. والبدل على هذا من قبيل بدل الإضراب, بمنزلة قوله: ما أعانه إخوانه إلا إخوانكم. وهذان الضربان عامان في كل ما أبدل من الأول وليس بعضه.
وزعم بعض النحويين أن البدل في الاستثناء المنقطع قد يجوز على وجه آخر؛ وهو ألا ترد نفي الأول خاصة, بل نفيه ونفي ما يلابسه؛ لأن الدار إذا علم أنه ليس بها أحد فليس بها ما يلابس الأحدين, كالأوراي وغيرها مما يلابسهم, فجاز لذلك إبدال "الأواري" في قوله:
........ وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها ..........
من "أحد" لعمومه في المعنى, على الطريق بدل بعض من كل؛ لأن أحدًا إذ ذلك بمنزلة الخاص الموضوع موضع العام.
وهذا المذهب لا يصح؛ لأنه لا يطرد في هذا الباب؛ إذا قد يكون ما بعد إلا ليس بعض الأول ولا ملابسًا له, نحو قوله:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير, وإلا العيس
فاليعافير ليس بعض الأنيس ولا ملابسًا له.

وزعم بعض المتأخرين- ونقل ابن الضائع أنه الأستاذ أبو علي- أن البدل يتصور على تقدير حذف العطف والمعطوف، والتقدير: ما في الدار ولا غيره إلا الأوراي, والعرب قد تحذف المعطوف لفهم المعنى.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وهذا غير سائغ عندي لأمرين:
أحدهما: أن حذف المبدل منه وإبقاء البدل لم يثبت من كلام العرب. والآخر: أنه لا يمكن/ [4: 45/ب] أن يكون التقدير: ولا غيره إلا الأواري, لفساد المعنى؛ لأنه لم يرد نفي غير الأحدين عنها؛ إذ معلوم أنه قد يكون بها نبات وشجر ووحش وغير ذلك مما هو غير الأحدين" انتهى.
والوجه الأول قد تنازع فيه, فقد أجازوا: الذي ضربت زيدًا أخوك, استغنت الصلة بالبدل عن لفظ المبدل منه وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله في باب البدل حيث تعرض لها المصنف.
وتقدير" ولا غيره" يخرج أن يكون ما بعد إلا من الاستثناء المنقطع, لأن قوله (الأواري) مندرج تحت عموم تقديره: ولا غيره, فهو تقدير يحيل الاستثناء المنقطع, فلا يجوز.
وذكر المصنف أن بني يقرؤون {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} بالرفع, إلا من لقن النصب وهذا مخالف لما حكيناه عنهم من أن الأفصح عندهم النصب, قال: "وعلى لغتهم:
وبلدة ليس بها أنيس .............

البيت, وقول الفرزدق:
وبيت كريم قد نكحنا، ولم يكن لنا خاطب إلا السنان وعامله"
قال المصنف: "ويلتحق لهذا إتباع أحد المتباينين الآخر، نحو: ما أتاني زيد إلا عمرو, وما إخوانكم إلا أخوانه, وهما من أمثلة س، والأصل: ما أتاني أحد إلا عمرو, وما أعانه أحد إلا إخوانه, فجعل مكان (أحد) بعض مدلوله, وهو: زيد, وإخوانكم, ولم يذكر زيد ولا إخوانكم فيمن نفي عنه الإتيان والإعانة لذاتهما, لكن ذكرا توكيدًا لقسطهما من النفي, ودفعا لتوهم المخاطب أن المتكلم لم يعرض له هذا الذي أكد به, فذكرهما توكيدًا" انتهى. وأنشد:
والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النـ ـجدات والفرس الوقاح
وأنشد أيضًا:
عشية لا تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا المشرفي المصمم

وقوله وليس من تغليب العاقل إلى قوله للمازني وذلك أن أحدًا من الألفاظ الخاصة بمن يعقل، فيقع على ما لا يعقل إذا اختلط بمن يعقل، نحو من، قال تعالى {ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ}.
وهذا الذي ذهب إليه المازني لا يطرد في باب الاستثناء المنقطع؛ لأنهم قد يفعلون ذلك حيث لا يمكن تغليب، نحو قوله:
ليس بيني وبين قيسٍ عتابٌ غير طعن الكلى وضرب الرقاب
فالطعن والضرب ليسا من العتاب، وقد أبدلت "غير" المضافة إليهما مع أنه لا يمكن التغليب.
وقال ابن خروف رادًا على قول المازني: "لا يُتوهم ذلك محصورًا في / [4: 46/ أ] لفظ أحد وما يشبهه؛ لأن ما جاء مما ليس بلفظ أحد أكثر من أن يحصى" انتهى.
والاستثناء إن كان بلفظ "إلا" أو "غير"، وكان لا يمكن توجه العامل عليه - وجب النصب. أو يمكن فالحجاز تنصبه وجوبًا، وتميم تجيز فيه الإبدال، وهذا كما تقدم.
وإن كان الاستثناء بأداة غير لفظ "إلا" و "غير" كان حكم الاسم المستثنى كحكمه إذا كان الاستثناء متصلًا في جميع ما ذكر؛ ومن الاستثناء المنقطع بأداة غير "إلا" و "غير" قول الشاعر:
لم ألف في الدار ذا نطقٍ سوى طللٍ قد كاد يعفو، وما بالعهد من قدم

قوله "ذا نُطق" كلفظ "أحد"، و" سوى طللٍ" استثناء منقطع، فعلى هذا الذي تقرر تقول: ما بالدار أحدٌ ليس حمارًا، أو لا يكون حمارًا، أو عدا حمارًا، أو عدا حمارٍ، أو سوى حمارٍ، وكذلك باقي الأدوات.

-[ص: وإن عاد ضمير قبل المستثنى بـ"إلا" الصالح للإتباع على المستثنى منه العامل فيه ابتداءٌ أو أحد نواسخه أُتبع الضمير جوازًا وصاحبه اختيارًا، وفي حكمهما المضاف والمضاف إليه في نحو: ما جاء أخو أحدٍ إلا زيدٌ. وقد يُجعل المستثني متبوعًا، والمستثني منه تابعًا. ولا يقدم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه والمنسوب إليه معًا، بل على أحدهما، وما شذ من ذلك فلا يقاس عليه، خلافًا للكسائي.]-
ش: مثال ذلك في المبتدأ: ما أحدٌ يقول ذلك إلا زيدٌ. ومثال ذلك في الناسخ: ما حسبت أحدًا يقول ذلك إلا زيدًا، وما كان أحدٌ يجتزئ عليك إلا زيدٌ.
فيجوز في هذه المسائل ونحوها أن تجعل زيدًا تابعًا للمبتدأ، أو المفعول الأول لحسبت، أو لاسم كان، فيكون بدلًا منه على حسب إعرابه؛ لأن المسوغ للإتباع هو النفي، وهو أقرب إلى الظاهر منه إلى المضمر، وهو المختار.
ويجوز أن تجعل زيدًا تابعًا للمضمر الذي في الخبر، أو في المفعول الثاني، أو في خبر كان، فيكون بدلًا منه؛ لأن النفي متوجه عليه من جهة المعنى.
ويشمل قوله وإن عاد ضميرٌ هذه المسائل التي عاد فيها الضمير من الخبر على المبتدأ، أو على المفعول الأول من الثاني لظننت، وعلى اسم كان من خبرها،

وقد مثلنا ذلك، والمسائل التي يعود فيها من صفة المبتدأ عليه، ومن صفة المفعول الأول عليه، ومن صفة اسم كان عليه، ومثال ذلك: ما فيهم أحدٌ اتخذت عنده يدًا إلا زيدٌ، وما ظننت فيهم أحدًا يقول ذلك إلا زيدٌ، وما كان فيهم أحدٌ يقول ذلك إلا زيدٌ، فحكم هذه المسائل في الصفة حكمها في الخبر، فالأولى الإبدال من الظاهر، ويجوز الإبدال من المضمر، وقال س / [4: 46/ ب] عن الخليل محتجًا على جواز الحمل على ما توجه عليه النفي في المعنى بقولهم: ما رأيته يقول ذاك إلا زيدٌ، وما ظننته يقوله إلا عمرو، فالهاء ضمير الأمر، وفاعل يقول ما بعد إلا، وجاز تفريغه وإن كان ليس فيه ضمير المبتدأ لأنه المنفي في المعنى.
ومن ذلك قوله:
يهدي كتائب خضرًا، ليس يعصمها إلا ابتدارٌ إلى موتٍ بإلجام
ففي ليس ضمير الأمر، وابتدار: فاعل بيعصمها .. ويمكن حمل "ليس" هنا على "ما" فلا عمل لها.
ويشمل قوله قبل المستثنى بإلا الاستثناء المتصل، كهده المسائل التي مثلنا بها، والاستثناء المنقطع، نحو: ما أحدٌ يُقيم بدارهم إلا الوحش، فلك أن تُتبع الوحش للمبتدأ، ولك أن تُتبعه للضمير في: يُقيم بدارهم. وكذلك: ما حسبت أحدًا يُقيم بها إلا الوحش، وما كان أحدٌ يُقيم بها إلا الوحش. والدليل على مجيء ذلك في الاستثناء المنقطع قول الشاعر:

ما أحسن الجيد من مليكة واللبات إذ زانها ترائبها!
يا ليتني ليلةً، إذا هجع الناس، ونام الكلاب، صاحبها
في ليلةٍ، لا نرى بها أحدًا يحكي علينا إلا كواكبها
فـ "كواكبها" بدل من الضمير المستكن في يحكي، وهو استثناء منقطع؛ لأن أحدًا وضميره مختص بمن بعقل، و"نرى" هنا بمعنى نعلم، و"يحكي" في موضع المفعول الثاني لها، ومعنى يحكي علينا: يُخبر عنا.
واحترز بقوله قبل المستثنى من أن يكون مذكورًا بعده، فإنه لا يُتصور فيه ذلك، نحو: ما أحدٌ إلا زيدًا يقول ذلك، فهذا لا يكون فيه إلا النصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون بدلًا من الضمير في يقول.
واحترز بقوله بإلا من أن يكون مستثني بأداة غير إلا، فإنه إن كانت الأداة اسمًا فالمستثنى مجرور بالإضافة، أو حرفًا فمجرور بالحرف، أو فعلًا فمنصوب، فلا يمكن فيه الإبدال.
ولم يمثل النحويون إلا المستثنى بإلا، والذي يظهر أن غيرًا حكمها حكم المستثنى بإلا في ذلك، فيجوز: ما ظننت أحدًا يقول ذلك غير زيدٍ، بالنصب تبعًا لأحد، وبالرفع تبعًا للضمير في يقول.
واحترز بقوله الصالح للإتباع من أن يكون ما بعد "إلا" لا يصلح للإتباع، وهو أن يكون استثناء منقطعًا لا يمكن أن يتوجه عليه العامل ولا يفرغ له، مثال ذلك: ما أحدٌ ينفع إلا الضر، وما مالٌ يزيد إلا النقص، فهذا يصدق عليه أنه عاد ضمير قبل المستثنى بإلا على المستثنى منه، إلا أن المستثنى بإلا لا يصلح أن يكون تابعًا، فهذا لا يجوز فيه إلا النصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون بدلًا، لا من "أحد"، ولا من "مال"، ولا من الضمير في يزيد ولا في ينفع.

واحترز بقوله العامل فيه ابتداءٌ أو أحد نواسخه من أن يكون العامل فيه غير ذلك، مثاله: ما شكر رجلٌ أكرمته إلا زيدٌ، وما مررت بأحدٍ أعرفه إلا عمروٍ، / [4: 47/ أ] فيلزم إتباع الظاهر، ولا يجوز إتباع الضمير؛ لأن المعنى: ما شكر ممن أكرمتهم إلا زيدٌ، وما مررت ممن أعرفهم إلا بعمروٍ، ولا تأثير للنفي في أكرمت، ولا في أعرف، بل هما مثبتان، فلذلك امتنع إتباع معموليهما.
والظاهر أن قوله "العامل فيه ابتداءٌ أو أحد نواسخه" يشمل أن يكون المبتدأ أو معمول أحد النواسخ نكرةً ومعرفة، لكن النحويون - فيما وقفت عليه - لا يمثلون إلا بالنكرة، والذي يظهر مساواة المعرفة للنكرة في ذلك، فتقول: ما القوم يقولون ذاك إلا زيدٌ، وما إخوتك يقولون ذلك إلا زيدٌ. وهل تجري الحال مجرى الصفة فيما ذكر، نحو: ما إخوتك في البيت عاتبين عليك إلا زيدٌ، فيكون يجوز في زيد أن يكون بدلًا من القوم، وأن يكون بدلًا من الضمير المستكن في عاتبين؟ في جواز ذلك نظر، والقياس يقتضيه؛ لأن الحال متوجه عليها النفي في المعنى.
ويرد على قوله أو أحد نواسخه أن بعض النواسخ مما دخل عليه حرف النفي أو ما أشبهه لا يجوز فيه ما ذكر؛ وذلك ما زال وأخواتها، فإذا قلت: ما زال وفدٌ من بني تميم يسترفدنا إلا زيدٌ، فإنه لا يجوز في إلا زيد أن يكون بدلًا من وافد، ولا من الضمير؛ لأنه ليس هنا نفي حقيقة، بل هو نفي معناه الإيجاب، فكان ينبغي للمصنف أن يحترز منه؛ لأنه يصدق عليه جميع ما ذكر من القيود في المسألة.
وذكر المصنف وغيره الإتباع في ذلك على البدل يدل على أن المبتدأ أو الناسخ يدخل عليه النفي أو ما جرى مجراه؛ فلا يحتاج في ذلك إلى نص على النفي؛ لأن البدل لا يكون إلا مع النفي أو ما أشبهه، كما ذكره بعضهم، فقال: وإذا توجه النفي على مبتدأ، أو على فعل داخل عليه، ووقع في الخبر ضمير له، ثم

استثنيت من ذلك المبتدأ اسمًا - فإنه يجوز أن تبدله من الظاهر، وأن تبدله من الضمير. وكذلك إذا وصفته بصفة يجوز الحمل على ضميرها.
ومما يلحق بالنفي قولهم: أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ، فـ"زيدٌ" بدل من الضمير في يقول؛ لأن المعنى: ما يقول ذلك إلا زيدٌ.
واختلفوا: هل يجوز أن يكون بدلًا من أقل؟
فذهب السيرافي إلى أنه لا يجوز أن يكون بدلًا من أقل؛ لأنه لا يمكن التفريغ إليه.
وذهب ابن خروف إلى جواز ذلك حملًا على المعنى.
والصحيح ما ذهب إليه السيرافي؛ لأن أقل هي كلمة النفي، ولا يجوز الحمل على المعنى في البدل إلا إن كان المبدل منه يبقى في اللفظ المقدر المحمول عليه، وأقل لا يبقى، فـ"زيد" بدل من الضمير.
وإذا أردت بـ"أقل رجلٍ يقول ذلك" التقليل الذي يقابله التكثير لا النفي المحض فاختلفوا: هل يجوز البدل من الضمير أم لا؟ فأجازه السيرافي، ومنعه ابن خروف، وأوجب النصب في: إلا زيدًا. وهذا أظهر لأنه استثناء من موجب، فلا يجوز فيه البدل. وقال السيرافي: / [4: 47/ ب] "المعنى: ما يقول ذلك كثيرٌ إلا زيدٌ"، أي: ما يقوله إلا زيدٌ.
والمسائل التي يجوز فيها الإبدال من الضمير يجوز فيها النصب على الاستثناء، والبدل أحسن من النصب، نص عليه السيرافي وغيره، وهو ظاهر كلام س.

ويظهر من كلام ابن عصفور أنهما مستويان؛ لأنه قال فيها: "حسن النصب والبدل، النصب بالنظر إلى اللفظ، والبدل بالنظر إلى المعنى".
وقوله وفي حكمهما المضاف والمضاف إليه في نحو: ما جاء أخو أحدٍ إلا زيد، معناه: في حكم الظاهر والمضمر من إتباع "إلا زيد" ما شئت من المضاف، فترفع، ومن المضاف إليه، فتجر.
وقوله وقد يجعل المستثنى متبوعًا والمستثنى منه تابعًا مثال ذلك ما حكاه س، قال: "حدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلا أبوك أحدٌ، فيجعلون أحدًا بدلًا، كما قالوا: ما مررت بمثله أحدٍ، فجعلوه بدلًا" انتهى.
وفي الإفصاح: "وقد قال جماعة: جعله س من باب الصفة وإبدال الموصوف منها، نحو: جاءني مُقبلٌ رجلٌ، أي: شخصٌ مقبلٌ رجلٌ، فهي (إلا زيد) التي تكون صفة.
وهذا باطل أن يكون، مذهبه ما ذكرنا عنه قبل، وهو منصوص في كتابه، فلا يلي (إلا زيد) عامل إذا كان صفة؛ لأنه عنده كأجمعين، وإنما أراد أن هذا اللفظ جعلوه في تقدير الحلول محل (إلا) و (زيد) المتقدمين، وكأنه قال: ما أتاني إلا زيدٌ، والأولى أن يكون (إلا زيدٌ) فاعلًا، والثاني بدل، على تقدير: ما أتاني أحدٌ، وهو صريح مذهبه في البدل تكرير العامل" انتهى.
وأنشد يونس والفراء:
رأت إخوتي بعد الولاء تتابعوا فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر

وأنشد الفراء:
مُقزعٌ أطلس الأطمار، ليس له إلا الضراء وإلا صيدها نشب
وقال حسان:
لأنهم يرجون منه شفاعة إذا لم يكن إلا النبيون شافع
وقال الفراء: أنشدني أبو ثروان:
ما كان منذ تركنا أهل أسمنةٍ إلا الوجيف لها رعيٌ ولا علف
فنصب الوجيف، ورفعه غيره، وأنشدوا:
............... ليس له إلا بنيه، وإلا عرسه، شيع
وينشد: إلا بنوه وإلا عرسه
وهذا الذي ذهب إليه المصنف من جواز جعل المستثنى متبوعًا والمستثنى منه تابعًا فيه خلاف:
قال الفراء في المعاني: "ومن العرب من يرفع الاستثناء / [4: 48/ أ] المتقدم على أن يجعل الثاني بدلًا من الأول".

وقال ابن أصبغ: "إذا قدمت المستثنى على المستثنى منه لم يجز عند البصريين إلا النصب خاصة، وأجاز البغداديون فيه الرفع".
وقال ابن عصفور: "إذا قدمته على المستثنى منه لم يجز فيه إلا النصب، نحو: ما قام إلا زيدًا أحدٌ، ولا يجوز الرفع على الفاعلية وأحدٌ بدل منه؛ لأنه أعم من إلا زيد، والأعم لا يُبدل من الأخص، ولا على البدل وأحد فاعل بقام كما كان لو تأخر؛ لأن البدل لا يتقدم على المبدل منه".
وأجاز الكوفيون الرفع، وأنشدوا شاهدًا على ذلك:
.................... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر
والصحيح أن ذلك من القلة بحيث لا يقاس عليه. ووجهه أن يكون شفر بدلًا من أحد، ووضع العام موضع الخاص.
وقال ابن عصفور أيضًا - وقد ذكر الدليل على امتناع أن يكون ما بعد إلا مبنيًا على ما قبلها - وحكي عن بعض النحويين جوازه، قال: "ويجوز ذلك على وضع العام موضع الخاص، فيكون من بدل الشيء من الشيء، إلا أنه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة، مثل قوله:
....................... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر
ونظير ذلك من وضع العام موضع الخاص قوله:
أحب ريا ما حييت أبدا ولا أحب غير ريا أحدا
وقول الآخر:

نهاني أبي عن لذةٍ أن أنالها قلت: دع التقييد - ويحك - في الخمر
فلست - على ما كان مني - براكبٍ حرامًا سواها ما حييت يد الدهر
فأبدل أبدًا ويد الدهر من: ما حييت، وهما أعم، فكذلك في مسألتنا، تجعل أحدًا بدلًا من إلا زيدٌ، وهو أعم منه".
وقال ابن عصفور أيضًا في "المقرب": "وإن قدمته على المستثنى منه لم يجز فيه إلا النصب على كل حال، نحو: ما قام إلا زيدًا القوم، وقد يجعل على حسب العامل الذي قبله، ويجعل ما بعده بدلًا، وذلك قليل" انتهى.
وقد نص الفارسي وغيره من البصريين على أنه لا يجوز في المستثنى إلا النصب. قال ابن عصفور: "إنما يعني به إذا حملت الكلام على الوجه المختار وإلا فقد حكي يونس أن بعض العرب يقول: ما جاءني إلا زيدٌ أحدٌ؛ ألا ترى أن ذاك لغية ضعيفة، ووجهها أن يكون الاسم العام فيها قد أريد به الخصوص، فإذا قلت: ما جاءني إلا زيدٌ أحدٌ، كان المراد بأحد غير زيد من الآدميين".
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع رادًا على ابن عصفور: "واعلم أن الذي قاله خطأ، وذلك / [4: 48/ ب] أنه زعم أن أحدًا من قولنا ما قام إلا زيدٌ أحدٌ يراد به زيد، وهو بدل منه، وكذلك شفر في البيت، فيلزم على قوله أن يكون أحدٌ وشفر مستعملين في الواجب، وقد نص أئمة اللغة على خلاف ذلك، ولو كان ذلك لجاز: ما قام إلا أحدٌ زيدٌ، وما قام إلا شفرٌ عمرٌ، ووما بها إلا طوريٌ زيدٌ، وذلك غير جائز.

ويلزم على قوله إن قيس مثل هذا أن يقال: ما قام إلا زيدٌ إخوتك، وتريد بالإخوة زيدًا، وهو أقرب على بعده من ذلك الذي أجاز؛ لأن الإخوة ليس يمتنع مجيئه في الإيجاب، وهذا كله خطأ.
والوجه فيه أن يقال: إنه بدل من الاسم مع إلا مجموعين، فيقدر العامل: لم يبق إلا شفر.
فإن قلت: من أي أقسام البدل هو هذا؟
فالجواب: أنه شبيه ببدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فإذا قلت ما قام إلا زيدٌ فهو في قوة: غير زيدٍ، وغير زيدٍ هو أحد، فيصح انطباقه عليه" انتهى كلامه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "لا يُتصور هاهنا في (إلا) أن تكون وما بعدها بدلًا؛ البدل تابع، ولا يتقدم على المبدل منه، ولا صفة لذلك، ولأن إلا التي للصفة لا تلي العامل لضعفها، فتعين النصب على الاستثناء، هذا هو المشهور من اللغة. وزعم يونس أن العرب قد تجيز فيه مع التقدم ما كانت تجيز فيه مع التأخير، فيقولون: ما قام إلا زيدٌ أحدٌ، وأنشد الكوفيون:
....................... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر
ويتخرج على أن يكون شفر بدلًا من واحد، وُضع العام موضع الخاص" انتهى. وقد رده ابن الضائع كما ذكرناه قبل، إلى آخر المسألة.

ومن مسائل هذا: ما أتاني إلا عمرًا إلا بشرًا أحدٌ، وهو جائز على ضعف، ويكون من وضع العام موضع الخاص.
وما أتاني إلا بشرٌ إلا عمرًا أحدٌ، فنصوا على أنه لا يجوز؛ لأن فيه الفصل بالفضلة بين البدل والمبدل منه.
ولا يقدم دون شذوذ إلى آخر المسألة مثاله: إلا زيدًا قام القوم، وهذه المسألة فيها خلاف:
ذهب الجمهور إلى المنع، واستدلوا بأن ذلك لم يُسمع من كلامهم، وأن إلا مشبهة بلا العاطفة وواو مع، نحو: قام القوم لا زيدٌ، وجاء البرد والطيالسة، وهذان لا يتقدمان، فكذلك ما أشبههما.
وذهب الكسائي والزجاج إلى جواز ذلك، واستدل له بقول الشاعر:
خلا الله لا أرجو سواك، وإنما أعد عيالي شعبةً من عيالكا

وقول الآخر:
وبلدةٍ ليس بها طوري ولا خلا الجن بها إنسي
[4: 49/ أ] / ووجه الدلالة من هذا أن الاستثناء بإلا هو الأصل، وسائر الأدوات محمول عليها، وقد صح الاستثناء مقدمًا بها، ولا يقع الفرع في موضع لا يقع فيه الأصل، فلو لم يكن تقديم إلا جائزًا ما جاز ذلك في خلا؛ لأنه لا يتصرف في الفرع أكثر من التصرف في الأصل.
واستدل الزجاج على جواز ذلك بقوله:
خلا أن العتاق من المطايا أحسن به، فهن إليه شوس
وهذا من الزجاج غلط بين؛ لأن الاستثناء لم يتقدم أول الكلام المستثنى منه؛ ألا ترى أن قبل هذا البيت قوله:
إلى أن عرسوا، وأغب عنهم قريبًا، ما يُحس له حسيس
ألا ترى أن المعني: ما يحس له حسيس خلا أن العتاق من المطايا أحسن به.

وقال من تأول السماع: قدر أنه قال: سواك خلا الله لا أرجو. وقدر أنه قال: ولا بها إنسيٌ خلا الجن، فاستجار مع المقدر ما استجار مع المحقق، وخلا الجن استثناء منقطع.
ووهم ابن هشام وابن عصفور في زعمهما أن تقديم المستثنى وجعله أول الكلام لا يجوز باتفاق، لا يقال: إلا زيدًا قام القوم، وقد نص المصنف وغيره على إجازة الكسائي ذلك، ونقله غير المصنف عن الزجاج، ونقله ابن عصفور أيضًا في بعض تصانيفه عن الكسائي، فقال: "تقديمه أول الكلام لا يجوز عند أحد إلا الكسائي، فإنه أجازه، أجاز: إلا زيدًا ما أكل أحدٌ طعامك. والصحيح المنع قياسًا على التمييز في كونها انتصبا عن تمام الكلام" انتهى.
وقال ابن أصبغ: إن قدمته على حرف النفي لم يجز عند الجمهور مطلقًا، وأجازه الفراء إلا مع المرفوع، ومنعه هشام إلا مع الدائم.
وفي البسيط ما معناه: أجمع البصريون على أن المستثنى لا يتقدم على المستثنى منه، فلا تقول: إلا زيدًا ضرب القوم. وخالفهم طائفة من الكوفيين، فجوزوا ذلك. وأطن الاتفاق وقع على عدم تجويزه في المفرغ للفاعل.
ولا يتقدم معمول ما بعد "إلا" عليها، لا تقول: ما قومك زيدًا إلا ضاربون، فإن وقع ففي الشعر، ويؤول على إضمار ناصب من جنس المذكور.
ولا يجوز تقديم معمول معمولها عليه وبعدها، نحو: ما قام قومك إلا زيدًا ضاربين، أي: إلا ضاربين زيدًا، ولم نر نصًا لهم فيه؛ لأن "إلا" بمنزلة الحروف المعدية، ولا يُفصل بين الحرف والمفعول، كالباء وواو المفعول معه.
وشمل قول المصنف والمنسوب إليه - أي: إلى المستثنى منه - أن يكون المنسوب إليه مسندًا إليه، نحو: قام إلا زيدًا القوم، والقوم إلا زيدًا ذاهبون، وفي

الدار إلا عمرًا أصحابك، وهاهنا إلا زيدًا / [4: 49/ ب] قومك، وأين إلا زيدًا قومك، وكيف إلا زيدًا قومك، وهذه الثلاثة من مُثل الأخفش. وواقعًا على المستثنى منه، نحو: ضربت إلا زيدًا القوم.
ولما تنزل المستثنى منزلة الصفة المخصصة ومنزلة المعطوف بـ"لا" كان القياس ألا يجوز تقديمه؛ كما لا يتقدمان، إلا أنه احتمل ذلك إذا تقدم ما يُشعر بالمستثنى منه من مسند إليه أو واقع عليه.
وحسن متقدم المستثنى على المستثنى منه إنما يكون في الرفع، فإن تقدم على المفعول لم يحسن، نحو: ضربت إلا زيدًا قومك، نص عليه الرماني. وإنما ضعف لأن طلب الفعل لما هو فضلة ليس كطلبه لما هو عُمدة، فتقدم ما يطلب العمد بمنزلة تقدمها بنفسها، ولا كذلك ما يطلب الفضلات.
ويظهر من كلام المصنف أنه لا يجوز: ما إلا زيدًا في الدار أحدٌ. ونص على منع جوازه شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع، وقال: "لا يجوز التقديم على المستثنى منه إلا أن يكون المستثنى متوسطًا بين أحد جزأي الكلام".
ويظهر من كلام شيخنا الأستاذ أبي الحسن الأبذي [عدم] إجازته؛ لأنه قال في قوله:
....................... ولا خلا الجن بها إنسي

قال: "لم يقدمه على الكلام بجملته لأنه قد تقدم على الاستثناء (لا) النافية، والتقدير: ولا بها إنسيٌ خلا الجن".
وفي البسيط: وقع الإجماع على جواز تقديمه على أحد جزأي الجملة من فاعل أو مفعول؛ فأما تقدم النفي أو حرف إن فيمنع من ذلك أنه لا يليها إلا، وقد جوزه بعضهم.
ويظهر من كلام المصنف أنه لا يجوز: القوم إلا زيدًا جاؤوا؛ لأن "إلا زيدًا" تقدم على المنسوب إلا المستثنى منه وعلى المستثنى منه، وهو الضمير في جاؤوا؛ لأن زيدًا ليس مستثنى من القوم، بل هو مستثنى من الضمير المسند إليه المجيء.
وقد مثل المصنف بجواز: القوم إلا زيدًا ذاهبون، وهو مستثنى مقدم على المسند، وهو اسم الفاعل، وعلى المستثنى منه، وهو الضمير المستكن في ذاهبون.
وهذه المسألة أعني تقديم المستثنى على المستثنى منه وعلى العامل فيه إذا لم يتقدم، وتوسط بين جزأي كلام، فيها ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه لا يجوز ذلك على الإطلاق، سواء أكان العامل متصرفًا أم غير متصرف، فلا يجوز: القوم إلا زيدًا قاموا، ولا: القوم إلا زيدًا قائمون، ولا: القوم إلا زيدًا في الدار؛ لأن العامل الفعل واسم الفاعل والظرف بما فيه من معنى الفعل؛ وإنما لم يجز ذلك لأن المستثنى يشبه المفعول معه في نصب العامل له بوساطة الحرف الذي هو إلا؛ كما نصب المفعول معه بوساطة الحرف الذي هو الواو، فكما لا يجوز التقديم مع الواو فكذلك لا يجوز مع إلا، وهذا مذهب من يرى العامل في المستثنى الفعل ومعنى الفعل.
المذهب الثاني: جواز ذلك على الإطلاق.

المذهب/ [4: 49/ ب] الثالث: التفصيل بين أن يكون العامل متصرفًا، فيجوز، نحو: القوم إلا زيدًا جاؤوا. أو غير متصرف، فلا يجوز، نحو: القوم إلا زيدًا في الدار، وهو مذهب الأخفش.
قال بعض أصحابنا: "والصحيح جواز ذلك على الإطلاق؛ لأن الناصب للمستثنى إنما هو تمام الكلام، وإذا كان ذلك لم يتقدم على العامل؛ إذ قد تقدم جزء الكلام الذي انتصب التمييز عن تمامه، بل كان يتقدم على العامل لو كان أتى به أول الكلام، والدليل على جواز توسيطه - وإن أدى ذلك إلى تقديمه على المستثنى وعلى العامل فيه - قول ذي الرمة:
معرسًا في بياض الصبح وقعته وسائر السير إلا ذاك منجذب
فـ "إلا ذاك" مستثى من الضمير المستتر في منجذب، ومنجذب عامل فيه" انتهى.
وقال الآخر:
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيمٍ - لا محالة - زائل
فـ"ما خلا الله" استثناء من الضمير المستتر في باطل، وباطل عامل فيه ذلك الضمير. ومثل ذلك قول ابن أبي الصلت:
كل دينٍ يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة بور
وقول الآخر:

تعلم بأن الوفد إلا عويمرًا هم الكاذبون المخلفو كل موعد
والذي نختاره مذهب الأخفش؛ لأن السماع إنما هو محفوظ فيما كان العامل في المستثنى منه متصرفًا، أما إذا كان غير متصرف، نحو: القوم إلا زيدًا في الدار- فينبغي ألا يُقدم على جوازه إلا بثبت من العرب.
وأما إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وحده، نحو: قام إلا زيدًا القوم - فلا خلاف في جوازه، ويصير الوجه الذي كان غير مختار في التأخير مختارًا في التقدم، وهو النصب. وإنما تبع في حال التأخر إعراب المستثنى منه لأنه شبيه ببدل بعض من كل، ولا يجوز في هذا التقدم، فكذلك لا يجوز فيما أشبه.
وشبهه س بنعت النكرة المتقدم عليها، وهو تشبيه حسن، وذلك أنهما مؤخران تابعان ما قبلهما في الإعراب، ويجوز فيهما النصب على الاستثناء والحال ضعيفًا، فإذا تقدما لم يجز فيهما إلا النص، وبطل التبع.
وعلل س لزوم النصب في الاستثناء المقدم وامتناع البدل بأن الأصل في الاستثناء أن يأتي بعد المستثنى منه؛ فحده أن يكون بدلًا لا مبدلًا منه؛ لأن البدل ثان عن المبدل منه، فلذلك لم يجز: ما أتاني إلا زيدٌ أحدٌ، على أن يكون أحدٌ بدلًا من إلا زيد، كأنه في التقدير: ما أتاني إلا زيدٌ ما أتاني أحدٌ، قال س: "فلما لم يكن حده أن يكون مبدلًا منه بل بدلًا، ولم يمكن مع التقديم أن يكون بدلًا - / [4: 50/ ب] حملوه على وجه قد يجوز فيه وهو مؤخر، وهو النصب". ويظهر من س أنه يمكن أن يكون المستثنى منه بدلًا من المستثنى، ولذلك علله بذلك التعليل.

وقد عدل النحويون عن تعليل س، فقالوا: امتنع البدل لأن الثاني أعم من الأول، فلا يجوز أن يقع بدلًا منه؛ لأنه لا بدل كل من بعض في كلامهم، ولذلك قال ابن خروف: "كرهوا أن يبدلوا الأكثر من الأقل"، يعني كلًا من بعض.
فإن قلت: أقول: "إلا زيدٌ" أعم من "أحد"؛ لأن "إلا زيدٌ" بمعنى غير زيد، وغير زيد يكون من الأحدين ومن غيرهم، فإذا أبدلنا أحدًا من إلا زيد كان من إبدال البعض من الكل.
فالجواب أن نقول: إن العرب لا تستعمل "إلا زيدًا" وتريد به كل ما عدا "زيد" من أي الأصناف كان؛ وإنما تريد ما عداه من صنفه؛ ألا ترى أنك لو قلت ما رأيت إلا زيدًا إنما تريد: ما رأيت غير زيد من الناس، ولولا ذلك لكان قولك ما رأيت إلا زيدًا كذبًا؛ لأنه معلوم أنك رأيت السماء والأرض وأشياء كثيرة هي غير زيد، وكذلك كل اسم يقع بعد إلا يراد به: إلا غير ذلك الاسم من صنفه، لا غير من أي صنف كان، وإذا ثبت أن المراد بقوله "إلا زيدٌ" غير زيد من صنفه كان أحد أعم منه؛ لأنه يقع عليه وعلى المغاير له من صنفه، ولم يجز لذلك إبداله منه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وعندي أنهم لم يفهموا عن س، فاعلم أن البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه، فإذا قلت ما قام أحدٌ إلا زيدٌ فليس (زيد) وحده بدلًا من (أحد)، و"إلا زيدٌ" هو

الأحد الذي نفيت القيام عنه، فـ"إلا زيدٌ" بيان للأحد الذي عنيت؛ ألا ترى أن (إلا زيدٌ) هو (غير زيد) في المعنى. وإذا قلت ما أتاني أحدٌ غير زيد فـ (غير زيد) بدل من (أحد)، بدل شيء من شيء، وهما لعين واحدة، فـ (غير زيد) هو الأحد الذي عنيت، و (إلا زيدٌ) هو (غير زيد) في المعنى، فعلى هذا البدل في الاستثناء أشبه ببدل الشيء من الشيء - وهما لعين واحدة - من بدل البعض من الكل.
والدليل على ذلك أن يدل البعض من الكل إنما هو على أن وضعت الكل في موضع البعض مجازًا؛ ثم بينت بالبعض الذي أردته بالكل بيانًا، وليس كذلك في الاستثناء، بل البعض في الاستثناء ليس هو البعض الذي وضعت الكل موضعه، بل هو بعض آخر مخالف لذلك البعض في الحكم.
وأيضًا فالبدل من شرطه وقوعه مكان المبدل منه، والبعض في الاستثناء لا يقع موقع المبدل منه وحده إلا مع إلا، فليس البدل إلا الحرف مع الاسم.
والدليل على أن س أراد هذا الذي فسرت تشبيهه - أعني البدل في الاستثناء - بقولك: مررت برجلٍ زيدٍ، وهذا ليس بدل بعض من كل، ولا تعرض حيث ذكر البدل لبدل البعض من الكل أصلًا، وتعليله في منع البدل في المستثنى / [4: 51/ ا] المقدم دليل على ذلك، ولم يفهم عنه أحد مراده.
ولو قيل إن البدل في الاستثناء قسم على حدته ليس من تلك الإبدال التي بينت في غير الاستثناء لكان وجهًا، وهو الحق وحقيقة البدل فيه؛ لأنه يقع موقع (إلا زيد) لا موع (زيد) وحده" انتهى.

وأنشد س على تقديم المستثنى على المستثنى منه قول الشاعر، وهو كعب بن مالك:
الناس ألبٌ علينا فيك، ليس لنا إلا السيوف وأطراف القنا وزر
وأنشد أبوا القاسم الزجاجي قول الكميت:
وما لي إلا آل أحمد شيعةٌ وما لي إلا مشعب الحق مشعب
فرع: إذا عطفت على المستثنى المقدم المنصوف اسمًا نصبت، نحو: قام إلا زيدًا وعمرًا القوم، ولا يجوز غير النصب، فإن أخرت المعطوف بعد المستثنى منه فالاختيار النصب، نحو: قام إلا زيدًا القوم وعمرًا، ويجوز أن يُرفع حملًا على المعنى؛ لأن قام إلا زيدًا القوم في معنى: لم يقم زيدٌ من القوم، فكما يجوز: لم يقم زيدٌ من القوم وعمرو، فكذلك يجوز: قام إلا زيدًا القوم وعمرو.

-[ص: فصل
لا يُستثنى بأداةٍ واحدةٍ عطفٍ شيئان، وموهم ذلك بدلٌ ومعمول عاملٍ مُضمر لا بدلان، خلافًا لقوم.
ولا يمتنع استثناء النصف، خلافًا لبعض البصريين، ولا استثناء الأكثر وفاقًا للكوفيين. والسابق بالاستثناء منه أولى من المتأخر عند توسط المستثنى، وإن تأخر عنهما فالثاني أولى مطلقًا، وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعًا لفظًا أو معنى، وإن يكنه فهو أولى مطلقًا إن لم يمنع مانعٌ.]-
ش: مثال ذلك بحرف العطف: قام القوم إلا زيدٌ وعمرو، وضربت القوم إلا زيدًا وعمرًا، ومررت بالقوم إلا زيدًا وعمرًا. ومثاله دون حرف العطف: أعطيت الناس [المال] إلا عمرًا الدنانير، قال ابن السراج: "فهذا لا يجوز؛ لأن حرف الاستثناء إنما يُستثنى به واحد، بل تقول: أعطيت الناس الدنانير إلا عمرًا" انتهى.
قال: "فإن قلت: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، وأردت الاستثناء - لم يجز، فإن أردت البدل جاز، فأبدلت عمرًا من أحد، ودانقًا من درهم، كأنك قلت: ما أعطيت إلا عمرًا دانقًا" انتهى.

وهذا التقدير الذي قدره في البدل - وهو: أعطيت إلا عمرًا دانقًا - لا يؤدي إلى أن حرف الاستثناء يُستثنى به واحد، بل هو في هذه الحالة التقديرية ليس ببدل، إنما نصبهما على أنهما مفعولًا أعطيت، وأعطيت المقدرة لا تتوقف على وساطة إلا؛ لأنه استثناء مفرغ، فلو أسقطت إلا، فقلت: ما أعطيت عمرًا درهمًا - جاز علمها في الاسمين، بخلاف عمل العامل في المستثنى الواقع بعد إلا، فهو متوقف على وساطتها.
وذهب الزجاج إلى أن البدل هنا ضعيف، قال: لأنه لا يجوز بدل اسمين / [4: 51/ ب] من اسمين، لو قلت: ضرب زيدٌ المرأة أخوك هندًا، لم يجز، وإنما جاز هنا تشبيهًا لأداة الاستثناء بحرف العطف، فكما يجوز: ضرب عمروٌ وزيدًا وبكرٌ سعدًا كذلك جاز هذا، إلا أنه ضعيف؛ لأن المشبه بالشيء لا يقوى قوة المشبه به.
والسماع على خلاف مذهب الزجاج، وهو أنه يجوز إبدال اسمين من اسمين مع عدم إلا، قال الشاعر:
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعضٍ أبت عيدانه أ، تكسرا
فقوله بعضه بدل من النبع، وببعض بدل من بالنبع.
وأما قول الشاعر:
وليس مُجيرًا إن أتى الحي خائفٌ ولا قائلًا إلا هو المتعيبا

فشاذ، وهو محمول على فعل آخر.
وقال المصنف في الرد على ابن السراج ما نصه: "حاصل كلامه جواز أن يقال: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا، على أن يكون الاسمان بعد إلا بدلين لا منصوبين على الاستثناء. وفي هذا ضعف بين؛ لأن البدل في الاستثناء لابد من اقترانه بإلا، فكان لذلك أشبه شيء بالمعطوف بحرف، فكما لا يقع بعد حرف عطف معطوفان كذلك لا يقع بعد حرف الاستثناء بدلان؛ فإن ورد ما يُوهم ذلك قدر ناصب للثاني كما يقدر خافض للثاني في نحو:
أكل امرئٍ تحسبين امرأ ونارٍ توقد بالليل نارا
انتهى كلامه.
وفيه تعقب؛ لأن قوله "لأن البدل في الاستثناء لابد من اقترانه بإلا" ليس بصحيح؛ لأنه إما أن يعني أن يُبدل من المستثنى منه أو من المستثنى، وكلاهما لا يلزم فيه؛ ألا تقول: ما ضرب القوم بعضهم إلا بعضًا، وما قام القوم إلا أخواتك بعضهم، وقد ذكر هو في الفصل بعد هذا الفصل أنه يجوز أن تكرر إلا على سبيل التوكيد، فتبدل ما يليها مما يليه، نحو: ما مررت إلا بأخيك إلا زيدٍ، ولا خلاف بين النحويين في جواز: ما مررت بأحدٍ إلا أخيك زيدٍ.
وأما قوله "فكان لذلك أشبه شيءٍ بالمعطوف فكما لا يقع بعد حرف معطوفان كذلك لا يقع بعد حرف الاستثناء [بدلان] " فليس بصحيح؛ لأن

حرف العطف يقع بعده معطوفان وثلاثة، تقول: ضرب زيدٌ عمرًا وبشرٌ خالدًا، وضرب زيدٌ عمرًا بسوطٍ وبشرٌ خالدًا بجريدة، وأعلم زيد عمرًا كبشك سمينًا وبشرٌ خالدًا فرسك مُلجمًا، فهذا حرف العطف هنا قد عطف أربعةً على أربعة، والعجب للمصنف في ذلك.
والنحويون من أجاز ذلك منهم علل الجواز بتشبيه إلا بحرف العطف، وجعل ذلك المصنف مانعًا. وإنما علل المنع منهم من منع بأن الحروف المؤدية معنى عمل العامل إلى المعمول لا يُوصل واحد منها العمل إلا إلى معمول واحد، نحو واو مع وحرف الجر، فإذا جعلناهما في مسألة / [4: 52/ أ] "ما أعطيت" بدلين لم تكن "إلا" وصلت أعطيت إليهما؛ لأن أعطيت يتعدى إلى مفعولين.
وهذا الذي ذكر المصنف من أنه لا يجوز أن يُستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان قد أجازه قوم من النحويين؛ ذهبوا إلى إجازة: ما أخذ أحدٌ إلا زيدٌ درهمًا، وما ضرب القوم إلا بعضهم بعضًا.
ومنع ذلك الأخفش والفارسي، واختلفا في إصلاحها:
فتصحيحها عند الأخفش بأن تقدم على إلا المرفوع الذي بعدها، فتقول: ما أخذ أحدٌ زيدٌ إلا درهمًا، وما ضرب القوم بعضهم إلا بعضًا، وهذا موافق لما ذهب إليه ابن السراج والمصنف من أن حرف الاستثناء إنما يُستثنى به واحد.
وتصحيحها عند الفارسي بأن تزيد فيها منصوبًا قبل إلا، فتقول: ما أخذ أحدٌ شيئًا إلا زيدٌ درهمًا، وما ضرب القوم أحدًا إلا بعضهم بعضًا.
ولم ندر تخريجه لهذا التركيب، قيل: هو على أن يكون ذلك على البدل فيهما، كما ذهب إليه ابن السراج في: ما أعطيت أحدًا درهمًا إلا عمرًا دانقًا،

فتبدل المرفوع من المرفوع والمنصوب من المنصوب، أو هو على أن تجعل أحدهما بدلًا والثاني معمول عامل مضمر، فيكون "إلا زيدٌ" بدلًا من "أحد"، و"إلا بضعهم" بدلًا من "القوم" ودرهمًا منصوب بـ"أخذ" مضمرة، و"بعضًا" منصوب بـ"ضرب" مضمرة، كما اختاره المصنف.
والظاهر من قول المصنف خلافًا لقوم أنه يعود إلى قوله: بدلان، فيكون ذلك خلافًا في التخريج لا خلافًا في صحة التركيب، والخلاف كما ذكرناه موجود في صحة التركيب، فمنهم من قال: هذا التركيب صحيح، ولا يحتاج إلى تخريج، لا بتصحيح الأخفش ولا بتصحيح الفارسي، وقد ورد السماع بإبدال اسمين من اسمين في الموجب في قوله:
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعضٍ ..........................
فالمنفى جائز فيه ذلك، وكذلك الإيجاب بعد النفي، فتقول: ما قرعنا النبع بالنبع إلا بعضه ببعضٍ.
وقوله ولا يمتنع استثناء النصف، خلافًا لبعض البصريين، ولا استثناء الأكثر وفاقًا للكوفيين اتفق النحويون على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقًا للمستثنى منه، ولا كونه أكثر منه، وأنه يجوز أن يكون أقل منه، نحو: قام إخوتك إلا زيدًا.
واختلفوا فيما سوى ذلك: فأكثر النحويين على أنه لا يجوز إذا كان المستثنى قدر المستثنى منه أو أكثر، بل يكون أقل من النصف وهو مذهب البصريين، وإياه

اختار ابن عصفور في بعض تصانيفه، وشيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي، وأكثر الكوفيين، وكثير من الفقهاء أجازوا ذلك، وهو مذهب أبي عبيد، والسيرافي، وإياه اختار ابن خروف، والأستاذ أبو علي، وابن عصفور في بعض تصانيفه، على تفصيل ذكره ابن عصفور في الأكثر: فقال: "إن جاز وقوع المستثنى منه على المنفي بعد الاستثناء فلا بعد في جوازه؛ لأن العرب قد توقع اسم الشيء على أقل / [4: 52/ ب] من نصفه، كقوله {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ}، وإن لم يجز لم يجز الاستثناء، نحو: عندي إخوتك العشرة إلا تسعةً منهم؛ لأنك أوقعت الإخوة على واحد منهم، وذلك لا يجوز".
وذهب بعض البصريين وبعض الكوفيين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف فما دون ذلك؛ ولا يجيزون أن يكون أكثر.
واستدل من ذهب إلى جواز استثناء الأكثر بقوله {إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ}، والغاوون أكثر من الراشدين، وبقوله {ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ}، وقوله {فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ}، وبقول الشاعر:

أدوا التي نقصت تسعين من مئةٍ ثم ابعثوا حكمًا بالحق قوالا
وتأول من منع ذلك بأن قوله {إنَّ عِبَادِي} لا يراد به العموم، بل المراد المؤمنون، ويكون العباد جمع عبد، وأضافهم إليه، وهي إضافة تشريف وتقريب، كقوله {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ}، أو يكون جمع عابد، كنائم ونيام، وصاحب وصحاب، وكافر وكفار، قال:
وشق البحر عن أصحاب موسى وغرقت الفراعنة الكفار
ويكون الاستثناء على هذين منقطعًا، أي: لكن من اتبعك من الغاوين فلك عليهم سلطان، والخلاف إنما هو في الاستثناء المتصل.
ويجوز أن يكون متصلًا، ويكون (عبادي) يعم الملك والإنس والجان، فيكون الاستثناء إذ ذاك أقل.
وأما {فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ} فاستثناء منقطع، والإنكار وقع على كل من يرغب عن ملة إبراهيم، وكأنه قال: لكن من سفه نفسه يرغب عنها.
وأما {إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} فاستثناء منقطع والإنكار وقع على كل من يرغب عن مله إبراهيم، وكأنه قال: لكن من سفه نفسه يرغب عنها.
وأما {فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُونَ} فاستثناء مفرغ، ولم يذكر المستثنى منه فيه، وعلى تقدير أن لو صرح بالمستثنى منه قدر عامًا، أي: فلا يأمن مكر الله أحدٌ، و"أحد" يعم العاقل ملكًا وإنسًا وجانًا.
وأما البيت فليس فيه استثناء، لا بـ"إلا" ولا بما هو في معناها.
واستدل من أجاز إخراج النصف فما دونه بقوله تعالى {قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً (2) نِّصْفَهُ}، فـ (نصفه) عنده بدل من قوله (إلا قليلًا)، بدل شيء من شيء، وهما لعين واحدة، وكأنه قال: قُم الليل إلا نصفه، وأطلق القليل على النصف، وليس

القليل معلوم القدر، فأبدل منه النصف على جهة البيان لمقدار القليل، والضمير عائدة إلى الليل، والمعنى: قُم نصف الليل، فالضمير في منه عائد إلى النصف، وكذا الضمير في عليه، والتقدير - والله أعلم - قُم نصف الليل أو أقل منه أو أكثر منه، قاله ابن خروف، قال: "فخرج من هذا أن المستثنى النصف أو أقل منه أو أكثر، ولا يصح عود الضمير إلى القليل؛ لأنه غير معلوم القدر، فلا يُعلم نصفه، ولا يعود الضمير في منه ولا في عليه إلى الليل لفساد المعنى؛ لأنه يؤول إلى: قم أكثر من الليل".
وقال ابن عصفور: "بل ضمير نصفه يعود إلى القليل، وهو بدل منه، بدل بعض من كل، وجاز - وإن كان القليل مبهمًا - لأن القليل قد تعين / [4: 53/ أ] بالعادة والعرف، أي: ما سمي قليلًا في العادة".
قال: "ويدل على بطلان أن يكون القليل هو النصف أن النصف ليس بقليل، فمن قام نصف الليل لا يقال له فيه: قام الليل إلا قليلًا".
ورد شيخنا الأستاذ ابن الضائع على ابن عصفور، فقال: "أما تعين القليل بالعادة فإن أراد به أن العادة قد عينت شخصه حتى صار يقع على ثلث الليل مثلًا أو جزء منه متعين فهو باطل، بل كل ما دون النصف قليل، فيقع على الثلث والربع والسدس إلى غير ذلك، وإن أراد خلاف ذلك، بل ما يقع عليه القليل، فلا فائدة لبيانه بأن يبدل منه نصفه، فلو قال قائل: أكلت قليلًا من الرغيف نصفه، يريد: نصف القليل - لم يكن له معنى؛ لأن القليل يتناوله".

قال: "والأولى أن يقال في الانفصال: إن النصف بدل من الليل بدل إضراب، وهو جائز على مذهب ابن خروف" انتهى.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "وهذا - يعني قول من استدل بالآية على جواز أن يُستثنى النصف - مردود؛ لأن النصف لا يقال فيه أبدًا قليل، فوجب ألا يُجعل من قليل، بل يكون مفعولًا بفعل مضمر، يدل عليه ما قبله، كأنه قال: قم نصفه إن شئت، فلا يكون النصف على هذا مستثنى" انتهى.
وما قاله فيه نظر؛ وذلك أنه يكون قد أمره أولًا بقيام الليل إلا قليلًا، فيكون أمرًا بقيام أكثر الليل، وتقدير قم نصفه أو انقص منه قليلًا أو زد عليه أمرٌ بقيام نصف الليل أو أقل منه أو أزيد؛ وهو مخالف للأمر الأول، فيلزم أن يكون ناسخًا له، وليس كذلك؛ لأنه متصل به، وشرط الناسخ أن يكون الخطاب الثاني متراخيًا عن الأول، كما ثبت في أصول الفقه.
وأجاز بعض النحويين أن يكون (نصفه) بدلًا من الليل، بدل بعض من كل، فيكون قد أُمر بقيام نصف الليل. وغاب عنه أن الليل لم يُرد به جملته، بل الليل المستثنى منه القليل، فيلزم أن يكون أُمر بقيام نصف الباقي من الليل، وذلك مبهم؛ لأن الاستثناء من المبهم مبهم.

والذي ينبغي أن يسلك في مقدار ما يخرج إنما هو ما سمع من لسان العرب؛ لأن هذه تراكب ينبغي أن يراعى فيها التركيب المسموع, والذي لا شك فيه أن المسموع من اللسان هو استثناء الأقل, ويبقى المستثنى منه بعد الإخراج أكثر من المستثنى, قال تعالى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاما}، وقال تعالى {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ {59} إِلاَّ امْرَأَتَهُ}، وقال تعالى {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ}، ولم يثبت من اللسان أن يكون المستثنى قدر المستثنى منه ولا أكثر؛ لأن ما استدلوا به محتمل, وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
وقد استدل بعض النحويين على هذا بأن قال: "إن الاستثناء في الموجب نظير الاستثناء في النفي, فكما أن المستثنى منه في النفي من نحو: ما قام أحد إلا زيد, وفي الاستفهام, نحو: هل قام أحد إلا زيدًا, ونحو ذلك - لا يكون ما يبقى بعد الاستثناء إلا أعم من المستثنى, فكذلك ينبغي أن يكون في الموجب, ويدل على صحة ما ذكرته أن أحدًا لا يجيز: قام زيد إلا عمرًا, وما قام زيد إلا عمرًا" انتهى.
وقوله والسابق بالاستثناء منه أولى من المتأخر عند توسط المستثنى مثال ذلك قوله تعالى {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ}، فـ (إلا قليلًا) قد توسط بين الليل ونصفه, فهو مستثنى من الليل؛ لأن تأخر المستثنى منه هو الأصل, ولا يعدل عنه إلا بدليل.

وقوله فإن تأخر عنهما فالثاني أولى مطلقًا قال المصنف: مثاله: غلب مئة مؤمن مائتي كافر إلا اثنين.
ومعنى مطلقًا أنه سواء أكان الثاني فاعلًا أو مفعولًا مراعاة للقرب.
وقوله وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعًا لفظًا أو معنى مثاله: استبدلت إلا زيدًا من أصحابنا بأصحابكم, فـ"إلا زيدًا" مستثنى من قوله: بأصحابكم.
وقوله وإن يكنه فهو أولى مطلقًا أي: وإن يكن أحدهما مرفوعًا لفظًا أو معنى فهو أولى بأن يكون الاستثناء منه, مثال ذلك وأحدهما مرفوع لفظًا: ضرب إلا زيدًا أصحابنا أصحابكم, ومثال ذلك وأحدهما مرفوع معنى لا لفظًا: ملكت إلا الأصاغر عبيدنا أبناءنا, فـ"أبناءنا" فاعل من حيث المعنى؛ لأنهم هم المالكون للعبيد, فـ"إلا الأصاغر" استثناء منهم لا من عبيدنا.
ومعنى مطلقًا أنه سواء أولى الاستثناء الفاعل لفظًا أو معنى, أم وليه الذي ليس فاعلًا لا لفظًا ولا معنى, نحو: ضرب إلا زيدًا أصحابكم أصحابنا, وملكت إلا الأصاغر أبناءنا عبيدنا.
قال الرماني: ما ضرب إلا زيدًا قومك أصحابنا: إن استثنيته من قومك جاز, أو من أصحابنا لم يجز, والفرق أن الفاعل أصل في الجملة.
وكذا قال الأخفش: إنه إذا تقدم الاستثناء على اسمين: أحدهما فاعل, والآخر مفعول - فالمستثنى من الفاعل, ولا يجوز أن يكون مستثنى من المفعول وإن كان المعنى قابلًا لذلك.
فإذا قلت: ضرب إلا زيدًا القوم إخوتك, فـ"زيد" عنده مستثنى من القوم لا من الإخوة, وسبب ذلك أن الاستثناء من معمول الفعل إنما هو بالنظر إلى الفعل

لما تبين أن الاستثناء من الاسم والفعل لا من الاسم وحده كما ذهب إليه الكسائي. ولا من الفعل كما ذهب إليه الفراء, وإذا كان كذلك وجب أن يجعل من الفاعل؛ لأن طلب الفعل له أقوى من جهة أن الفعل مبني له لا للمفعول.
وقوله إن لم يمنع مانع يعني: فيكون المستثنى على حسب المعنى, ولا يلحظ فيه تقديم ولا تأخير ولا توسيط, نحو: طلق نساءهم الزيدون إلا الحسنيات, فـ"إلا الحسنيات" استثناء من نسائهم؛ لأنه لا يمكن أن يكون مستثنى من الزيدون. وتقول: أصبى الزيدين نسائهم إلا ذوي النهى, فـ"إلا ذوي النهي" استثناء من الزيدين؛ لأنه لا يمكن أن يكون مستثنى من "نساؤهم", وتقول: استبدلت إلا زيدًا من إمائنا بعبيدنا, وضرب إلا هندا بنونا بناتنا, فهذه المسائل تركت فيها القرينة اللفظية لأن المعنى يمنع من الحمل عليها.

-[ص: وإذا أمكن أن يشرك/ [4: 54/ أ] في حكم الاستثناء مع ما يليه غيره لم يقتصر عليه إن كان العامل واحدًا,] وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى [.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "وإذا ذكر شيئان أو أكثر, والعامل واحد, فالاستثناء معلق بالجميع إن لم يمنع مانع, نحو: أهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح, فـ"من صلح" مستثنى من الجميع؛ إذ لا موجب للاختصاص.
فلو ثبت موجب فعلى مقتضاه, نحو: لا تحدث النساء ولا الرجال إلا زيدًا, وقد تضمنت الأمرين آية المائدة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} إلى {إِلاَّ ذَكَّيْتُمْ} ,

فاشتملت على ما فيه مانع, وهو (ما أهل) وما قبله, وعلى ما لا مانع فيه, وهو ما بين (به) و (إلا) , فـ (ما ذكيتم) مستثنى من الخمسة؛ إذ كانت تذكيته سبب موته" انتهى.
وينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كرر العامل للتأكيد لا للتأسيس, نحو: اهجر بني فلان واهجر بني فلان إلا من كان صالحًا.
ويعني بكون العامل واحدًا العامل الذي يعمل فيما يصلح أن يكون المستثنى منهما.
وقوله وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى قال المصنف في الشرح: "نحو قوله تعالى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} إلى {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}.
واختلف في الاستثناء] في [نحو: لا تصحبه ولا تزره ولا تكلمه إلا تائبًا من الظلم: فمذهب مالك والشافعي تساوي الاستثناء والشرط في التعليق بالجميع, وهو الصحيح للإجماع على سد كل منهما مسد الآخر في نحو: اقتل الكافر إن لم يسلم, واقتله إلا أن يسلم" انتهى.
وهذه المسألة قلما تعرض لها النحويون, ولم أر أحدًا تكلم فيها فيما وقفت عليه غير هذا المصنف, وغير رجل يعرف بالمهاباذي, قال في "شرح اللمع" من

تصنيفه: "إذا استثنيت من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلا من الجملة التي تليه, نحو قوله {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {4} إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} , فـ (الذين تابوا) مستثنى من الفاسقين لا غير, وحمله على أنه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون معمولًا لعاملين مختلفين, ويستحيل ذلك, ولأنك لو حملته على أنه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا" انتهى كلامه, وهو مخالف لما قاله المصنف.
وإنما أجاز المصنف أن يعود إلى الجميع لأن العامل عنده في المستثنى إنما هو إلا لا الأفعال السابقة المسلطة على المستثنى منهم, بخلاف قول المهاباذي, فإنه علل منهم ذلك بأنه لا يجوز أن يكون معمولًا لعاملين مختلفين, ويستحيل ذلك لأنه يفهم من كلامه أن المستثنى بعد إلا هو معمول لما هو عامل في المستثنى منهم, فلا يمكن أن تكون تلك العوامل جميعها عاملة في المستثنى.
والذي نختاره هو أن الجملة الأخيرة هي المستثني منها.
وأما تسوية المصنف الاستثناء بالشرك فليس بسديد؛ لأن الشرط ليس معمولًا لشيء قبله, بخلاف المستثنى, فإنه معمول لما قبله, وإن كانوا قد اختلفوا في العامل, وإذا كان كذلك ظهر الفرق بين الاستثناء والشرط, فلا يلحق به.
ومذهب أبي حنيفة أن الاستثناء راجع إلى المسند إليه الحكم في الجملة الأخيرة؛ ولا يجوز أن يعود إلى الجمل كلها, وهذه المسألة تكلم عليها في أصول الفقه وفيها خلاف وتفصيل مذكور في ذلك العلم.

-[ص: فصل
تكرر "إلا" بعد المستثنى بها توكيدًا, فيبدل ما يليها مما تليه إن كان مغنيًا عنه, وإلا عطف بالواو, وإن كررت لغير توكيد ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض شغل العامل ببعضها إن كان مفرغًا, ونصب ما سواه, وإن لم يكن مفرغًا فلجميعها النصب إن تقدمت, وإن تأخرت فلأحدهما ما له مفردًا, وللبواقي النصب, وحكمها في المعنى حكم المستثنى الأول.]-
ش: يقول إذا كررت "إلا", وكان معناها التوكيد - جعلتها كأنها زائدة لم تذكر, نحو: قام القوم إلا محمدًا إلا أبا بكر, إذا كان أبو بكر كنية لمحمد, وكقولك: ما قام القوم إلا زيد إلا أخوك, وشرط في هذا التكرار أن يكون الثاني يغني عن الأول, فإذا قلت: قام القوم إلا أبا بكر, أو ما قام القوم إلا أخوك - أغنى ذلك عن ذكر محمد, وعن ذكر زيد؛ لأن أبا بكر هو محمد, وأخوك هو زيد, وأنشدوا:
ما لك من شيخك إلا عملة إلا رسيمه, وإلا رمله
والرسيم والرمل ضربنا من العدو, وهما يغنيان عن قوله: إلا عمله, فلو قلت: ما لك من شيخك إلا رسيمه وإلا رمله أغنى.
وقوله وإلا عطف بالواو أي: وإلا يكن مغنيًا عطف بالواو, ومثاله: قام القوم إلا زيدًا وإلا جعفرًا وإلا خالدًا, وقوله: وإلا رمله؛ لأن قوله "وإلا رمله" لا يغني عن قوله: عمله؛ لأن هذا من البدل التفصيلي الذي تجب في ثانية الواو, نحو قوله:

وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان, فشلت
وهو بدل شيء من شيء, وهما لعين واحدة
وجعل "إلا رسيمه وإلا رمله" في البيت من البدل التفصيلي مذهب ابن خروف, وهما كل عمل الشيخ.
وذهب السيرافي إلى أنه يعني: بالرمل في الطواف, وبالرسيم في السعي - والرسيم: الوطء بشدة - وزعم أنه بدل بعض من كل؛ لأن الرسيم والرمل بعض العمل.
وتقول: ما أتاني إلا زيد وإلا عمرو, وما أتاني أحد إلا زيد وإلا عمرو, قال أبو علي: "ولا يجوز رفعهما جميعًا إلا أن تدخل حرف العطف, فتقول: وإلا عمرو", ويجوز أيضًا: وعمرو, دون إلا.
وذكر أبو علي في "التذكرة" رفع الاسمين بغير حرف عطف, ورواه عن جماعة, وزعم أنه من إيقاع البعض موقع الكل, فقولك "إلا زيد" كقولك: أحد, فكأنك قلت: ما جاءني لا زيد ولا غيره, فرفعت إلا عمرو كما رفعته بعد أحد, وتنصبه/ [4: 55/ أ] كما تنصبه بعد أحد, قال: "ولو أظهرت أحدًا لم ترفع اثنين؛ لأن فعلًا واحدًا لا يرفع دون عطف"،قال: "وإلا زيد هو الفاعل, وليس قبله مضمر ولا محذوف".
قال ابن هشام: "الأجود أن يحمل على حذف حرف العطف, وقد أجازه ابن الطرواة على غير هذا, بل حمل الثاني على المعنى؛ لأن معناه كمعنى الأول, وهو مستثنى منه؛ ألا تراه يجوز عطفه عليه بإلا وبغير إلا, والحمل على المعنى في هذا

الباب قوي. وقد ذكر س ما هو أبعد من هذا إذا تأملته,] إلا أن هذا إذا لم نجد غيره [، وقد ذكر س رفع الاسمين هنا, ولم يذكر في ذلك وجهًا من الثلاثة لما وجد مأخذًا أحسن منها, وأنشد لحارثة:
يا كعب صبرًا على ما كان من حدث يا كعب لم يبق منا غير أجلاد
إلا بقيات أنفاس, نحشرجها كراحل رائح, أو باكر غاد
فجعل غيرًا هنا غير استثناء بل صفة كمثل, ورفعه على حذف الموصوف, ثم أبدل منه إلا بقيات, فصار كقولك: ما جاءني مثلك إلا زيد.
وكذلك أنشد قول الفرزدق:
ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانا
جعل "غير" صفة لـ"دار" لا استثناء, و"إلا دار مروان": بدل من "دار" الأولى, قال: "ومن جعلها - يعني غيرًا - بمنزلة الاستثناء لم يكن له بد من أن ينصب أحدهما".
وهنا قال س: "فأما إلا زيد فلا يكون بمنزلة مثل إلا صفة", يريد: لا تقول: ما جاءني إلا زيد إلا عمرو, على أن تجعل إلا زيد صفة قامت مقام الموصوف, ثم تبدل منها.

وما ذكره س من رفع الاثنين وتأوله على ما ذكرنا بلفظ غير لا يجوز, فإذا ما جاء إلا زيد إلا عمرو لا يصح على ما قال س, ولا يصح فيه ما تأول في غير. وإذا تأولنا تأويل أبي علي في ما جاءني إلا زيد أنه فاعل ليس في الكلام حذف ولا إقامة, و"إلا عمرو" بدل - فكذلك يجوز أن يكون صفة؛ لأنه متى صح البدل صحت الصفة, فيكون في المسألة إذا وجدت هكذا وسمعت أربعة أوجه" انتهى.
و"إلا" المكررة إذا كانت للتوكيد فإما أن يكون ما بعدها هو الأول أو غيره: فإن كان الأول كان ما بعدها جاريًا على ما قبلها في الإعراب كما مثلناه. وإن كان غيره فجميعها مستثنى من الأول, ولا بد من العطف بالواو وتكرارها توكيدًا, ليس على سبيل التحتم, بل يجوز أن تكرر, ويجوز ألا يؤتي بها, فيبدل الاسم مما قبله, أو يعطف عليه بالواو, على حسب المثل السابقة, ومن تكرارها والعطف بالواو لكون الثاني لا يغني عن الأول قول الشاعر:
هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
[4: 55/ أ] / وإنما وجب العطف لأن ما دخلت عليه إلا الثانية مباين بالكلية لما دخلت عليه إلا الأولى, فإن كان المتكلم غالطًا أو مضربًا جاز أن يكون بدلًا على جهة الغلط أو الإضراب, قال ابن عصفور: "ومن البدل على جهة الإضراب:
أما قريش فلن تلقاهم أبدًا إلا وهم خير من يحفى وينتعل
إلا وهم جبل الله الذي قصرت عنه الجبال, فما ساواهم جبل

فأبدل إلا الثانية مع الجملة التي دخلت عليها من إلا الأولى والجملة التي دخلت عليها وإن لم يتحد معنى الجملتين على جهة الإضراب" انتهى.
ولا يعني بالإضراب أنه أضرب عن الجملة السابقة على جهة الإبطال, بل على جهة الانتقال من غير إبطال؛ على أنه لا يتعين هنا الإضراب, بل يجوز أن يكون إبدالًا صحيحًا؛ لأن قوله "إلا وهم خير من يحفى وينتعل" وصف لهم بأنهم خير الناس, وقوله "إلا وهم جبل الله" وصف لهم أيضًا بأنهم العالون في الناس, الراسخ قدمهم في العلياء, وهذا الوصف هو الأول من جهة المعنى, فهو بدل منه لا على جهة الغلط, ولا على جهة الإضراب, بل هُو هو من حيث المعنى؛ لأنه أراد بهاتين الحالتين تفوقهم على الناس.
قال المصنف في الشرح بعد ما أنشد:
ما لك من شيخك .... البيت.
"ومثله قوله الفرزدق:
ما بالمدينة دار غير واحدة دار الخليفة إلا دار مروانًا"
انتهى.
وليس مثله؛ لأن إلا لم تتكرر فيه, لكنه لما كان يقع موقع "غير" هنا "إلا" ذكر س البيت في باب تثنية المستثنى, قال س: "جعلوا غيرًا صفة للدار بمنزلة مثل, ومن جعلها بمنزلة الاستثناء لم يكن له بد من أن ينصب أحدهما, وهو قول ابن أبي إسحاق" انتهى.
قال ابن خروف: "والوجهان متباينان؛ وذلك أنه إذا جعل (غير واحدة) صفة فقد أنبأ أنه ليس بالمدينة دار خليفة إلا دار مروان, وإذا جعله استثناء أخبر أنه

ليس بالمدينة دار إلا داران: إحداهما دار الخليفة, والأخرى دار مروان, وقد زعم بعضهم أنها دار الخليفة" انتهى.
وما تقدم من قول س "لم يكن له بد من أن ينصب أحدهما" نص على أنه لا يجوز رفعهما على أن يكونا بدلين؛ لأنه إذا اجتمع صفة وبدل فالصفة أولى بأن تقدم, ويضعف تقديم البدل, هذا في الصفات المتمكنة, وأما في إلا فينبغي ألا يجوز لقلة تمكنها, على ما نبينه إن شاء الله, ولو جاز هذا لكان قول س "لم يكن بد من نصب أحدهما" خطأ.
وأجاز أبو محمد بن السيد في هذا البيت ثلاثة أوجه: أحدهما ما ذكره س] 4: 56/أ [من أن غيرًا صفة, وإلا/ [4: 56/ أ] دار: بدل, والثاني أن تكون غير بدلًا, وإلا دار: صفة, وقد بينا ضعف ذلك, والثالث أن يكونا صفتين.
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "ولو قال قائل: لا يجوز أن يكونا صفتين؛ لأنه لا يقال: مررت برجل غير زيد غير عمرو؛ لأن قولك (غير زيد وعمرو) أخصر, مع كراهة تكرير اللفظ الواحد في كلام واحد, وإذا لم يتمكن تكرير غير صفة فهو في إلا أبعد - فكذلك ينبغي ألا تجيء إلا صفة بعد غير.
وزعم السيرافي أن المعنى في الرفع على وجهين:
أحدهما: وهو جعل غير صفة - أن يريد: ما بالمدينة ليست دار بواحدة كدور الخلفاء إلا دار مروان, فدار الخليفة بدل, على معنى: مثل دار الخليفة, فمعنى هذا: ما بالمدينة دار تصلح للخلافة إلا دار مروان؛ لأنها بمنزلة دور الخلافة.

والثاني: أن تكون (غير) استثناء, أي: ما بالمدينة دار إلا واحدة, هي دار الخلافة, و (إلا دار مروان): توكيد, ويعني بدار مروان الواحدة التي هي دار الخلافة, فيكون كقولهم: ما فيها أحد إلا زيد إلا أبو عبد الله, وأبو عبد الله كنية زيد, كرره توكيدًا".
وقوله إن كررت إلى قوله ونصب ما سواه مثال ذلك: ما قام إلا زيد إلا عمرًا إلا بكرًا, والذي يلي العامل من هذه الأسماء أولى أن يفرغ له العامل, ويجوز أن يفرغ للأخير, وتنصب المتقدمين, فتقول: ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكر, ويجوز أن يفرغ للمتوسط, فتنصب المتقدم والمتأخر, فتقول:] ما [قام إلا زيدًا إلا عمرو إلا بكرًا.
ودل قول المصنف "شغل العامل ببعضها" على أنه لا يتعين ما يشغل به العامل, فيجوز أن تشغله بالمتقدم وبالمتوسط وبالمتأخر ولكن شغله بما يليه أولى.
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه إذا كررت إلا, ولم يمكن فيها استثناء ما بعدها مما قبلها, وفرغ العامل لما بعد إلا - فيه تفصيل, ذكره بعض شيوخنا, فقال:
"إن كان المفرغ طالب فاعل أو مفعول لم يسم فاعله كان أحد المستثنيات على حسبه: فإن رفعت الأول جاز فيما بعده على الرفع على البدل بدل البداء, والنصب على الاستثناء, وإن رفعت الآخر نصبت المتقدم على الاستثناء, لأن التابع لا يتقدم على المتبوع. وإن رفعت المتوسط لم يجز فيما قبله إلا النصب على الاستثناء، ويجوز فيما بعده النصب على الاستثناء والرفع على التبعية بدل البداء, فتقول: ما قام إلا زيدًا إلا عمرو إلا بكرًا, وإن شئت: إلا بكر.

وإن لم يطلب فاعلًا ولا مفعولًا لم يسم فاعله فإن كان المعمول محذوفًا لفهم المعنى لم يجز في الأسماء التي بعد إلا إلا النصب على الاستثناء, نحو: ما ضربت إلا زيدًا إلا عمرًا, أي: ما ضربت أحدًا إلا زيدًا إلا عمرًا, وإن لم يقدر المعمول محذوفًا لفهم المعنى فلا بد من جعل أحد الأسماء الواقعة بعد إلا على حسب العامل, فإن جعلت الأول كان معمولًا لضربت, والباقي منصوب على الاستثناء أو على البدل المتقدم, وإن جعلته الآخر لم يجز فيما قبله إلا النصب على الاستثناء؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع, وإن جعلته المتوسط كان منصوبًا على الاستثناء, وما بعده إما تابع وإما منصوب على الاستثناء, وكل موضع امتنع فيه البدل في حال انفراد الاستثناء على اللفظ فإنه يمتنع أيضًا ذلك فيه مع التكرار" انتهى.
وتقول على هذا التفصيل: ما مررت إلا يزيد إلا عمرًا إلا خالدًا, وإلا عمرو إلا خالد, وما مررت إلا زيدًا إلا بعمرو إلا خالًا، وإلا خالد، وما مررت إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بخالد.
وقوله في هذا التفصيل "فإن كان المعمول محذوفًا لفهم المعنى" إلى آخره لا يجيء هذا التقسيم؛ لأنه فرض ذلك في تفريغ العامل, فإذا كان معموله محذوفًا لفهم المعنى فلا تفريغ إذ ذاك.
ويجوز في نحو ما جاءني إلا زيد إلا عمرًا أن تعطف بالواو داخلة على إلا, فتقول: ما جاءني إلا زيد وإلا عمرو, وتعطف بغير إلا إن شئت, فتقول: ما جاءني إلا زيد وعمرو, وتزيد على الاثنين ما شئت.
قال أبو علي: "ولا يجوز رفعهما جميعًا إلا أن تدخل حرف العطف: فتقول وإلا عمرو" قال: "لأن فعلًا واحدًا لا يرتفع به فاعلان إلا على جهة الاشتراك بالحرف", يعني حرف العطف.

وقد ذكر أبو علي في "التذكرة" رفع الاسمين بغير حرف العطف, ورواه عن جماعة, وقال: إنه موجود", وزعم أنه من إيقاع البعض موقع الكل, فقولك إلا زيد كقولك أحد, وكأنك قلت: ما جاءني أحد لا زيد ولا غيره, فرفعت إلا عمرو كما رفعته بعد أحد, وتنصبه كما تنصبه بعد أحد, قال: "ولو أظهرت أحدًا لم يرفع اثنين؛ لأن فعلًا واحدًا لا يرفع اثنين دون عطف, وإلا زيد هو الفاعل, وليس قبله مضمر ولا محذوف"، وتقدم الكلام على هذه المسألة وذكر مذهب ابن الطراوة فيها.
وقوله وإن لم يكن مفرغًا فلجميعها النصب إن تقدمت مثاله: ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا خالدًا أحد, وما لي إلا الله إلا إياك ناصر, وقام إلا زيدًا إلا عمرًا القوم, ويعني المصنف بقوله "فلجميعها النصب" أي: على الاستثناء.
وزعم ابن السيد أنه يجوز في ذلك أربعة أوجه:
أحدهما: النصب على الاستثناء, كما نص عليه النحويون.
والثاني: النصب على الحال فيهما, قال: لأنهما متأخرين يجوز أن يكونا صفتين, تقول: ما في الدار أحد إلا زيد, فيكون إلا زيد صفة لأحد, كما تقول: قام القوم إلا زيد, فإذا تقدم إلا زيد على موصوفه انتصب على الحال, وكذلك: قام إلا زيدًا القوم, يجوز أن يكون منصوبًا على الحال.
الثالث: أن تجعل الأول حالًا والثاني منصوبًا على الاستثناء.
والرابع: عكسه وهو جعل الأول منصوبًا على الاستثناء والثاني حالًا, انتهي.
وهذا الذي ذهب إليه ابن السيد من جواز الحال لا يجوز؛ وذلك أنها غير متمكنة في الوصف بها, فلا تكون إلا تابعة لموصوفها في اللفظ, فلا يجوز تقديمها

عليه أصلًا, كما لا يجوز: قام إلا زيد, تريد: قام غير زيد, وإذا كان من شرط وقوعها صفة وقوعها بعد المستثنى منه امتنع فيها الحال عند التقدم.
وأيضًا فنصبهما على الحال ممتنع من جهة أنه لا ينتصب حالان إلا على جهة التشريك, وأيضًا فإنه تضعف الحال في قوله "إلا الله" من قول الشاعر:
...................... وما لي إلا الله غيرك ناصر
مع نصب غيرك على الاستثناء من جهة المعنى؛ لأنه يكون قد نص على أن المخاطب هو الناصر, وليس ذلك في الله تعالى من جهة اللفظ.
ثم فيه من الضعف عكس ما عليه الأصل في إلا وغير, وهو أنه الأصل في إلا الاستثناء, والأصل في غير الصفة, وقد يمتنع الشيء عند زيادة الضعف.
وينبغي على ابن السيد أن يجوز في قام القوم إلا زيدًا النصب على الحال, بل يكون ذلك أولى بالجواز من الذي قال؛ لأنه واقع بعد المستثنى منه.
ومما يدل على أن إلا لا يجوز أن تكون صفة إلا والعامل فيها تبعها للموصوف من كلام س قوله فيها "لا يجوز فيها ذلك إلا صفة"، فلا يعني هنا بالصفة إلا التابعة بدليل تنظيرها بأجمعين, ونصه على أن أجمعين "لا يجري في الكلام إلا على اسم, ولا يعمل فيه رافع ولا ناصب"، يريد: إلا تبعها لاسم قبلها, وفي ذلك نظرها بأجمعين, وقد قال س في باب تثنية المستثنى: "وأما إلا زيد فلا يكون بمنزلة مثل إلا صفة"، وليس يعني بالصفة هنا إلا التابعة, ولا يريد الصفة المعنوية.

وقوله وإن تأخرت فلأحدها ما له مفردًا وللبواقي النصب مثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا, وما جاء أحد إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا, فيجوز في الإيجاب الرفع في الجميع على النعت, ونصب الجميع على الاستثناء, ورفع أحدها على الصفة ونسب الباقي على الاستثناء, هكذا قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي, واتبع في جعل إلا المكررة صفة فيهما ابن السيد, وقد تقدم رد شيخنا أبي الحسن بن الضائع على ابن السيد ذلك في قوله:
ما بالمدينة دار ............ البيت.
ويجوز في النفي الرفع على البدل فيها, والنصب على الاستثناء فيها, والرفع فيها على النعت, وتقدم رد ابن الضائع لذلك, ورفع أحدها على البدل أو النعت والباقي على الاستثناء.
وقوله وحكمها في المعنى حكم المستثنى الأول يعني أن ما بعد الأول من هذا النوع مساو له في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجب, وفي الخروج إن كان من موجب.

-[ص: وإن أمكن استثناء بعضها من بعض استثنى كل من متلوه, وجعل كل وتر خارجًا, وكل شفع داخلًا, وما اجتمع فهو الحاصل, وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة, خلافًا لمن يخرج الأول والثاني, وإن قدر المستثنى الأول صفة لم يعتد به, وجعل الثاني أولًا.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "نحو عندي مئة إلا خمسين [4: 57/ ب] /إلا عشرين إلا عشرة إلا خمسة, أخرج أول وثالث وما أشبهها في الوترية, وأدخل ثان ورابع وما أشبههما في الشفعية, فالباقي بعد الاستثناء بالعمل المذكور خمسة وستون؛ لأنا

أخرجنا من المائة خمسين لأنهما أول المستثنيات, فهي إذً وتر, وأدخلنا عشرين لأنها ثانية المستثنيات, فهي إذا وتر, فصار الباقي ستين, ثم أدخلنا خمسة لأنها ثالثة المستثنيات, فهي إذًا وتر, فصار الباقي ستين, ثم أدخلنا خمسة لأنها رابع المستثنيات, فهي إذا شفع, فصار الباقي خمسة وستين, وما زاد من المستثنيات عومل بهذه المعاملة" انتهى.
ونقول: إذا أمكن استثناء بعضها من بعض فأربعة مذاهب:
أحدها: أنها كلها راجعة إلى الاسم المستثنى منه, فإذا قال: له على مئة درهم إلا عشرة إلا اثنين, لزمه ثمانية وثمانون درهمًا, وإلى هذا ذهب أبو يوسف القاضي.
المذهب الثاني: أن الأخير مستثنى من الذي قبله, والذي قبله مستثنى من الذي قبله, إلى أن تنتهي إلى الأول, ويكون المقر به على هذا اثنين وتسعين درهمًا, وهو مذهب أهل البصرة والكسائي.
والمذهب الثالث: أن الاستثناء الثاني منقطع, ويكون المقر به أيضًا على هذا المذهب اثنين وتسعين؛ لأنه يصير المعني: له عندي مائة غير عشرة سوى الاثنين اللذين له, فإنها عندي, فيتحد مدلول الإقرار في هذا المذهب والمذهب الذي قبله وإن اختلف التخريج, وهذا مذهب الفراء, وإنما ذهب الفراء إلى الانقطاع لأنك إذا رددت المستثنيات إلى الأول, أو رددت بعضها إلى بعض إلى أن تصير إلى الأول - كان في ذلك من عي الطول والإسهاب ما لا يخفى؛ لأن قولك له عندي عشرة إلا أربعة أخصر من قولك: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا واحدًا, وله عندي عشرة إلا اثنين أخصر من قولك: له عندي عشرة إلا ثلاثة إلا واحدًا.
والمذهب الرابع: أنه يجوز فيه الأمران, وهو أن تعود كلها إلى الاسم الأول, وأن يعود بعضها إلى بعض حتى تنتهي إلى الاسم الأول, وصحح بعض أصحابنا هذا المذهب, وقال: "إلا أن الأظهر فيه أن يكون الاستثناء من الاستثناء؛ لأنه يجيء عليه صرف الاستثناء إلى الأقرب" انتهى.

فعلى هذا إذا استثنيت من عدد عددًا يليه, ثم منه عددًا يليه, وهكذا إلى أن تنتهي إلى مبدأ العدد - فلا يخلو أن يكون المستثنى منه شفعًا أو وترًا: فإن كان شفعًا فحكمه حكم الوتر الذي تحته, وإن كان وترًا فحكمه حكم الشفع الذي فوقه, فإذا كان شفعًا فعد الأوتار, وأسقط لكل وتر واحدًا, فما بقي فهو الباقي المستثنى منه, وما سقط فهو المستثنى, وإن كان وترًا فعد الأشفاع, وأسقط لكل شفع, واحدًا, فما بقى فهو الباقي المستثنى منه, وما سقط فهو المستثنى, تمثيل ذلك في الشفع: له عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة/ [4: 58/أ] إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا, الأوتار تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحد، أسقط لكل وتر واحدًا، فيصير امسقط خمسة، ويصيؤ الباقي المقر به خمسة. وتمثيل ذلك في الوتر: له أحد عشرة إلا عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا, فالأشفاع عشرة وثمانية وستة وأربعة واثنان، أسقط لكل شفع واحدًا، فيصير المسقط خمسة،, ويصير الباقي المقر به ستة.
وطريقة أخرى, وهي أنك تجمع الأشفاع ضامًا كل شفع إلى ما يليه, وتضبط ما انتهى إليه جميعها من العدد, ثم تخرج مجموع الأوتار من مجموع الأشفاع, فما بقي هو الباقي. مثال ذلك في التمثيل المتقدم أنك تجمع الأشفاع عشرة وثمانية وستة وأربعة واثنين, فيصير الجميع ثلاثين, ثم تجمع الأوتار تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحدًا, فيصير الجميع ثلاثين, ثم تجمع الأوتار تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحدًا, فيصير الجميع خمسة وعشرين, ثم تخرجها الأشفاع التي هي ثلاثون, فالباقي خمسة, ومثال ذلك في التمثيل الثاني أنك تجمع الأوتار أحد عشر وتسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحدًا, فيصير الجميع ستة وثلاثين, ثم تجمع الأشفاع عشرة وثمانية وستة وأربعة واثنين, فيصير الجميع ثلاثين, ثم تخرجها من الأوتار التي هي ستة وثلاثون, فالباقي ستة.
وطريقة أخرى, أنك تأتي إلى آخر العدد, فتسقط واحدًا من اثنين, فيبقى واحدًا, فتسقطه من ثلاثة, فيبقى اثنان, فتسقطهما من الأربعة, فيبقى اثنان,

فتسقطهما من الخمسة, فيبقى ثلاثة, فتسقطهما من الستة فيبقى ثلاثة, فتسقطهما من السبعة, فيبقى أربعة, فتسقطهما من السبعة فيبقى خمسة, فتسقطهما من العشرة, فيبقى خمسة.
وطريقة أخرى, أنك تسقط الاستثناء الأول من المستثنى منه, ثم تضيف ما بقي إلى ما بعد المسقط, ثم تخرج من الجميع ما بعده, ثم تضيف ما يبقى إلى ما بعد المسقط, إلى أن تنتهي إلى الآخر, فما بقي فهو المقر به, تمثيل ذلك المثال السابق, تسقط تسعة من عشرة, فيبقى واحد, تضيفه إلى ما بعد المسقط - وهو ثمانية - يصير تسعة, تخرج منها ما بعده - وهو سبعة - فيبقى اثنان, تضيفه إلى ما بعد المسقط - وهو أربعة - فيبقى سبعة, تسقط منها ما بعده - وهو ثلاثة - فيبقى أربعة, تضيفه إلى ما بعد المسقط - وهو اثنان - فيبقى ستة, تسقط منها ما بعده - وهو واحد - فيبقى خمسة, ولاستخراج ذلك طرق غير هذه الأربعة, وهذا كله مخرج على قول من أجاز استثناء الأكثر.
وأما من لم ينجزه ففي ذلك وجهان:
أحدهما: أن جميع الاستثناء باطل؛ لأن الأول قد بطل؛ لأنه استثناء الأكثر, فيبطل ما تفرع عليه.
والوجه الثاني: أنه يبطل الأكثر إلى أن تصل إلى النصف, فيصح,/ [4: 58/ ب] ثم تنظر في الباقي على هذا السياق.
ومخرج أيضًا على مذهب من أجاز الاستثناء من العدد, وقد تقدم أن فيه ثلاثة مذاهب, يفرق في الثالث بين أن يكون المستثنى عقدًا, فلا يجوز, أو يكون غير عقد, فيجوز, وأن الصحيح أنه لا يجوز إلا فيما كان اسم العدد قد أخرج عن النصية إلى أن كثر به وبولغ, فيجوز.

وعلى أنه يجوز مطلقًا بني الفقهاء مذاهبهم في الأقارير, ولا يلزم من ترتيب الأحكام على الألفاظ أن تكون التراكيب عربية, بل الأحكام تلزم بمقتضى الألفاظ, سواء أكان التركيب على قانون كلام العرب أم لم يكن, فلو قال: أنت طالق إن تدخلي الدار, فدخلت - لزمه الطلاق وإن لم يكن هذا التعليق على قانون كلام العرب؛ لأن العرب لا تحذف جواب الشرط لدلالة ما تقدم عليه إلا إذا كان فعل الشرط ماضيًا, يقولون: أنت ظالم إن فعلت, ولا يقولون: أنت ظالم إن تفعل.
فإن قال قائل: ما المانع من أن تقول: جاءني إخوتك العشرة إلا تسعة منهم, وعندي عشرة إلا وحدًا, على أن يكون المخبر قد توهم أولًا أن العشرة جاءوه, وأن العشرة عنده, ثم تذكر بعد ذلك أن الذي جاءه إنما هو واحد من الأخوة, وأن الذي عنده إنما هو تسعة, فاستثنى من الأخوة الذي تحقق أنه لم يجئه, ومن العشرة الذي تحقق أنه ليس عنده.
فالجواب: أن العرب إنما تستعمل في هذا المعنى بل, فتقول: جاءني إخوتك العشرة بل واحد منهم, وعندي عشرة بل تسعة, ولا يحفظ من كلامهم استعمال إلا في هذا المعنى, فإن وجد من كلامهم استعمالها في هذا المعنى ساغ ذلك.
وقوله وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة, خلافًا لمن يخرج الأول والثاني قال المصنف في الشرح: "أشرت بذلك إلى قول السيرافي: (فإن كان بعض المستثنيات أكثر من الذي قبله, نحو: له على عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة, فالفراء يستثني الثلاثة, ويزيد على السبعة الباقية الأربعة, فيكون المقر به أحد عشر. وغير الفراء يستثنى من العشرة الأربعة إلا بعد استثناء الثلاثة, فيكون المقر به ثلاثة". قال المصنف: "وقول الفراء عندي هو الصحيح؛ لأنه جار على القاعدة السابقة, أعني جعل الاستثناء الأول إخراجًا والثاني إدخالًا". انتهى.

وهذه المسألة من المسائل التي لا يمكن استثناء بعضها من بعض؛ ألا ترى أن قوله "إلا أربعة" لا يمكن استثناؤه نم المستثنى الذي قبله, وهو "إلا ثلاثة", وقد تقدم لنا أنه إذا لم يمكن ذلك, نحو: قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا - كانت مستثنيات من الاسم الأول, فينبغي في العدد أن كذلك, وأنه إذا قال: لفلان عندي عشرة إلا واحدًا إلا ثلاثة, تكون مستثناة من الأول, فيكون مقرًا بستة, وإلى هذا ذهب أكثر النحويين.
ولم يبين المصنف مذهب الفراء في كونه جعله مقرًا بأحد عشر, وذلك أنه لما لم يكن له أن يجعل وله/ [4: 59/ أ] "إلا أربعة" مستثنى من قوله "إلا ثلاثة" عدل إلى أنه من الاستثناء المنقطع, فالمعنى عنده: له عنده عشرة إلا ثلاثة سوى الأربعة التي له عندي, فلذلك كان مقرًا بأحد عشر.
وقد رد على الفراء بأن حمله على الاتصال يمكن, فلا يحمل على الانفصال.
وله أن يقول: يتعين الحمل على الانفصال؛ لأنه لو أراد استثناءهما منه لقال: إلا سبعة, فتخصصية الثلاثة بالاستثناء من الأول, ثم جاء بالأربعة - دليل على أن الأربعة تزاد على ما أقر به أولًا, وهي السبعة.
وهذا] يكون [إذا لم يكن المستثنى الثاني بعض المستثنى الأول] كما في مسألة العدد, فأما إن كان بعضه [, نحو: قام القوم إلا إخوتك إلا زيدًا - وزيد بعض الإخوة - فهو مستثنى, ولابد, فيجب أن يكون زيد قد قام, ولا يجوز أن يكون مستثنى مع الإخوة؛ لأن الأخوة تشمله, فلم يحتج لتخصيصه.

وقوله وإن قدر المستثنى الأول صفة لم يعتد به, وجعل الثاني أولًا قال المصنف "إن له عندي مئة إلا عشرين إلا عشرة إلا خمسة, فالعشرون خارجة من المائة, فيصير ثمانين, والعشرة داخلة فيصير تسعين, والخمسة خارجة, فالباقي إذًا خمسة وتسعون" انتهى.
وقوله "فالعشرون خارجة من المائة فيصير ثمانين" إلى آخره ليس بصحيح؛ لأن قوله "إلا عشرين" صفة, فكأنك قلت: إن له مائة تغاير عشرين, فلم تدخل العشرين في المائة فتخرج, ومتى كانت إلا مع ما بعدها صفة فليس فيها معنى الاستثناء, وكذلك "غير" إذا كانت صفة ليس فيها معنى الاستثناء, وهذا هو المفهوم من كلام س, ونص على ذلك ابن السراج, قال: "إذا قلت: لك عندي مائة إلا درهمين, فقد أقررت بثمانية وتسعين" قال: "وإذا قلت: له عندي مائة إلا درهما, فجعلت إلا صفة, فقد أقررت له بمائة؛ لأنك زعمت أن له عندك مائة غير درهمين؛ وذلك أن غيرًا نقيضة مثل, فإذا قلت: له عندي مثل درهمين, فأردت أن تنفي هذا قلت: أي: ليست مثل درهمين" انتهى, وسيأتي الفرق واضحًا بعد هذا - إن شاء الله - بين معنى إلا التي يستثنى بها وبين إلا التي يوصف بها.

-[ص: فصل
تؤول "إلا" بـ"غير" فيوصف بها وبتاليها جمع أو شبهه منكر أو معرف بأداة جنسية, ولا تكون "إلا" كذلك دون متبوع, ولا حيث لا يصلح الاستثناء.
ولا يليها نعت ما قبلها, وما أوهم ذلك فحال أو صفة بدل محذوف, خلافًا لبعضهم.
ويليها في النفي فعل مضارع بلا شرط, وماض مسبوق بفعل, أو مقرون بـ"قد" ومعنى أنشدك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلك.]-
ش: أصل "غير" أن تكون وصفًا, وأصل "إلا" أن تكون استثناء ثم قد تحمل إحداهما على الأخرى فيما هو أصل فيها.
وقد اضطرب كلام النحويين في الوصف بإلا, فالظاهر أنه يراد به/ [4: 59/ ب] الوصف الصناعي, وهذا هو المتفهم من كلام الأكثرين.
وقال بعضهم: "قول النحويين (إنه يوصف بها) يعنون بذلك أنه عطف بيان".
والذين قالوا إنه وصف صناعي اختلفوا: فقال الأخفش في (الأوسط): إلا والاسم الذي بعدها تكون صفة للاسم الذي قبلها إذا كانت في معنى الاستثناء, أو كان الاسم نكرة, أو فيه ألف ولام, نحو: مررت بالقوم إلا أخيك, وجاءني القوم إلا أخوك, قال الشاعر:

................. قليل بها الأصوات إلا بغامها"
انتهى.
وقول الأخفش "إذا كانت في معنى الاستثناء" إن عنى به أنه يوصف بها حيث تصلح أن تكون للاستثناء فهو قريب, وقد ذكروا أن ذلك شرط في الوصف بإلا, وسيأتي ذلك عند ذكر المصنف لذلك, وإن عنى أن إلا تكون صفة للاسم حال كونها في معنى الاستثناء فليس بصحيح, وقد بينا ذلك قبل.
وقال بعض أصحابنا: "إن الوصف بالا يخالف سائر الأوصاف بأنه يجوز أن يوصف بها الظاهر والمضمر والمعرفة والنكرة".
وقال صاحب "الضوابط" أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل السلمي ما معناه: "تجري إلا مجرى غير, فيوصف بها, وذلك إذا كان المستثنى منه نكره, نحو: قام كل أحد إلا زيد, فإن قلت: قام إخوتك إلا زيد, لم يجز إلا النصب, ولا يجوز الرفع على الصفة".
وقال بعض أصحابنا: إن كان ما بعد إلا معرفة جرت مجرى غير إذا أضيفت إلى معرفة, فتجري وصفًا على النكرة, نحو قوله:
وكل أخ مفارقة أخوة لعمر أبيك إلا الفرقدان
يريد: وكل أخ غير الفرقدين مفارقة أخوه, وعلى المعرفة, نحو قوله:
................... قليل بها الأصوات إلا بغامها
أي: قليل بها الأصوات غير بغامها.

وإن كان ما بعد إلا نكرة جرت مجرى غير إذا أضيفت إلا نكرة, فتجري وصفًا على النكرة دون المعرفة, فتقول: قام كل أحد إلا غلام من غلمانك, كأنك قلت: قام كل أحد غير غلام من غلمانك, ولا يجوز: قام القوم إلا غلام من غلمانك, كما لا يجوز ذلك مع غير لأنها مضافة إلى نكرة.
وقد تجري إلا مع ما بعدها على المضمر قبلها, غلا أن ذلك لا يكون نعتًا؛ لأن المضمر لا ينعت, بل يكون ذلك عطف ببيان, وعليه قوله:
وبالصريمة منهم منزل خلق عاف تغير إلا النؤي والوتد
فـ"إلا النؤي" عطف بيان من المضمر المستكن في تغير.
وقول من قال "إنه يوصف بها" فيه تجوز؛ لأن الحرف لا يوصف, ولا يوصف به, لكنه مع ما بعده يؤدي معنى الوصف, وهو المغايرة, فالصفة إنما استفيدت من مجموعهما, والشيئان حالة الاجتماع يحدث لهما حكم لا يكون في كل واحد منهما حالة انفراده, وهذا معنى قول المصنف "فيوصف بها وبتاليها".
ولتأصل "غير" في الوصفية يوصف بها جمع, وشبه جمع, وما ليس جمعًا ولا شبه الجمع, نحو: جاء رجال غير زيد":
وكفى بنا فضلًا على من غيرنا ............................
ورجل غيرك أحب إلي, وجاز أن يحذف الموصوف بها وتقام مقامة كما يحذف الموصوف بـ"مثل" وتقام مقامه, و"إلا" الموصوف بها لا يعامل بذلك.
وقوله فيوصف بها وبتاليها جمع أو شبهه منكر أو معرف بأداة جنسية قال بان السيد: "الوصف حصل من إلا والاسم بعدها, وكل واحد بالانفراد لا

يعطيه, كما في قولك: دخلت إلى رجل في الدار, فإن كون في الدار صفة لم يكن إلا بالمجموع؛ لأنه يحدث مع المجموع معنى لا يكون في الإفراد, وكقولك: مررت برجل لا قائم ولا قاعد, إذ الصفة للمجموع من الاسمين بواسطة الحروف, ولا يكونان وصفًا إلا بها" انتهى.
ومثال الجمع المنكر: جاءني رجال قرشيون إلا زيد, ومثال شبه الجمع: ما جاءني أحد إلا زيد, إذا أعربت "إلا زيد" صفة, إذا أعربت "إلا زيد" صفة, وقول الشاعر:
لو كان غيري - سليمي - الدهر غيره وقع الحوادث إلا الصارم الذكر
فـ"غيري" شبيه بالجمع المنكر, ووصف بقوله: إلا الصارم الذكر, التقدير: لو كان غيري غير الصارم الذكر غيره.
ومثال المعرف بأداة جنسية قول الشاعر:
ويوم الحزن إذ حشدت معد وكان الناس إلا نحن دينا
أي: وكان الناس المغايرون لنا دينًا, وقول الآخر:
أنيخت, فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها
أي: الأصوات غير بغامها, قاله س, وقد أثبت بها أصواتًا قليلة.
وأجاز السيرافي أن يكون "قليل" بمعنى النفي, كأنه قال: ما بها أصوات إلا بغامها, وهو استثناء وبدل صحيح, كما تقول: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد.

ورد ذلك عليه الأستاذ أبو علي, وقال: "لا يتصور البدل في هذا؛ لأنه يؤول إلى التفريغ, وذلك فاسد؛ ألا ترى أنه لم يرد أن يقول: ما بها إلا بغامها, وكيف يقول ذلك وبها القائل والراحلة ورحلها وغير ذلك, وإنما أراد: ما بها صوت مغاير لبغامها" انتهى.
وهذا الذي اختاره المصنف من كون "إلا" لا يوصف بها إلا جمع أو شبهه منكر أو معرف بأداة جنسية تبع في ذلك ابن السراج, فإنه قال ما معناه: "إنها لا تكون وصفًا إلا بعد جماعة, أو واحد في معنى الجماعة, إما نكرة, وإما فيه الألف واللام على غير معهود".
وقال الأستاذ أبو علي: "الأصوات - يعني في البيت السابق - جنس, فيجوز أن ينعت بغير, قال: ولا يجوز ذلك في المعهود غير الجنس/ [4: 60/ ب] إلا أن تريد بغير المعرفة".
وقال المبرد في (المقتضب): "لا يوصف بها إلا ما يوصف بغير, وذلك النكرة, والمعرفة التي بالألف واللام على غير معهود, نحو: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك, وقد أمر بالرجل غيرك فيكرمني" انتهى.
وقال المصنف في الشرح: "وإنما وصفت الأصوات - وهي معرفة - بما في معنى غير - وغير نكرة - لأن التعريف بالألف واللام الجنسية, وتعريفها كلا تعريف, ولذلك وصف ما هما فيه بالجملة في قوله {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} , فكما وصف ما هما فيه بـ (غير) في قولهم: إني لأمر بالرجل غيرك

فيكرمني, وصف بـ (إلا) الواقعة موقعها وبما بعدها" انتهى, وقد تكلمنا معه في تخرج قوله {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ} في باب المعرف بالأداة.
وقال المصنف في الشرح: "وحاصل هذا الفصل أن إلا الموصوف بها لا يوصف بها مفرد محض, ولا معرفة محضة, فلا يجوز أن يقال: قام رجل إلا زيد, لأن رجلًا مفرد محض, ولا يجوز: جاء الرجال إلا زيد, على أن يكون الرجال معهودين؛ لأن تعريفهم تعريف محض, فلو قصد الجنس لم يمتنع" انتهى.
وفي البسيط: "جمهور النحويين على جواز كون غير تجري على المعرفة, فكذلك إلا"، وفيه أيضًا: والظاهر أنها تقع فيما تقع فيه غير إلا الموضع الذي لا يتقدمها موصوف, سواء أكان في النفي أم الإثبات, أو منفردًا, أو مجموعًا, أو منكرًا, أو معرفًا على قصده في التعريف, ولما كانت غير من أخوات مثل وشبه, وكان يصح فيها قصد التعريف - صح جربها على المعرفة والنكرة, فكذلك إلا بمعناها, تجري على النكرة وعلى المعرفة, ويجوز فيها البدل إذا كانت بمعنى غير كما يجوز في غير.
وهل يجوز فيها الحال كما في غير؟ فيه نظر, وأجازه ابن السيد, وقال: إنها قد تكون صفة للنكرة, وتتقدم, وتنتصب على الحال, فتقول: هذا رجل إلا ضاحك ثم تقول: هذا إلا ضاحكًا رجل, وكذلك أجاز في قوله:

.............. وما لي إلا الله غيرك ناصر
أربعة أوجه: أن يكونا معًا حالين من ناصر, واستثناءين مقدمين, أو أحدهما استثناء والآخر حال, قال: "وأكثر النحويين ينكرون هذا" انتهى.
وتمثيله هذا رجل إلا ضاحك على الصفة منازع فيه؛ لأنهم قالوا: "لا تكون صفة إلا حيث يصح أن تكون استثناء"، ولا يصح أن يكون (إلا ضاحك) استثناء.
وأما س فإنه قال: "وهذا باب ما تكون فيه إلا وما بعدها وصفًا بمنزلة غير ومثل, وذلك] قولك [: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا, والدليل على أنه وصف أنك لو قلت: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا - وأنت تريد الاستثناء - لكنت قد أحلت" انتهى.
يعني س أن "لو" لا يفرغ معها العامل كما يفرغ مع النفي, وإذا كان كذلك فارتفاع "إلا زيد" على الصفة لا على البدل, فـ"لو" -وإن استلزمت امتناع الفعل - فلم تجرها العرب مجرى النفي؛ ألا ترى أنها لا يعمل الفعل بعدها في مختص بالنفي, كأحد وعريب وكتيع, ولا تزاد في النكرة بعد فعلها, ولا ينتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء جوابًا لها إلا إذا أشربت معنى التمني, و"لو" في اللفظ كالموجب؛ لأنها كان, ولا يجوز: إن قام إلا زيد قمت.
وقال س: "ونظير ذلك قوله عز وجل {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} انتهى, يعني أنه ارتفع (إلا الله) على الوصف.
وهذا الذي قاله س من أن "لو" لا يصح التفريغ معها ولا البدل واقفة عليه المبرد في كتابة "المقتضب", وأبو الحسن الأخفش.

ونقل أبو بكر بن السراج عن المبرد إجازة التفريغ والبدل, قال: "لو كان معنا إلا زيد لغلبنا أجود كلام وأحسنه".
وقيل هذا النقل عن المبرد ابن ولاد, والأستاذ أبو علي وأصحابه.
وأنكر ابن خروف ثبوته عن المبرد.
وعلى تسليم هذا النقل عن المبرد شيوخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع, والأستاذ أبو الحسن الأبذي, ونقله ابن عصفور عنه أيضًا, قال المبرد: "الدليل على ذاك أنك إذا قلت لو كان معنا إلا زيد لغلبنا فزيد معك, كقولك: ما معنا إلا زيد" قال: وكذلك {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}.
وقال السيرافي في قول س "لكنت قد أحلت": "لأنه يصير المعنى: لو كان معنا زيد لهلكنا؛ لأن البدل بعد إلا في الاستثناء موجب, وكذا لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، لو كان على البدل لكان التقدير, لو كان فيهما الله لفسدتا, وهذا فاسد" انتهى.
قال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وفي هذا الذي قاله السيرافي نظر, فإنه لا يلزم أن يكون حكمه هنا في التفريغ حكم النفي, فإذا قلت ما قام القوم

إلا زيد فالمعنى إثبات القيام لزيد، وإذا قلت هل قام أحد إلا زيد فمن أين يلزم أن يكون المعنى: لو قام زيد لقمت، والبدل معناه معنى الاستثناء".
وقد ذكر أبو جعفر بن مضاء في كتابه "المشرق" أن قول السيرافي "معنى ما قام إلا زيد: قام زيد" مسلم أن القيام موجب لزيد، وكذلك لو أسقطت لو وجوابها كان المعنى: كان معنا زيد، فكما تسقط "ما" في النفي تسقط "لو" وجوابها، وأما أن يعامل "لو كان معنا زيد" كـ "قام زيد" فخطأ فاحش؛ لأن لو عنها كان العموم، كما كان العموم في النفي لـ "ما"، فيجوز إذًا في زيد البدل والنعت.
وقال الأستاذ أبو علي: معنى قول س (قد أحلت) أنك إذا قلت: لو كان معنا أحد إلا زيد لغلبنا فمعنى (غير) فيه: لو كان معنا أحد مكان زيٍد لغلبنا، فهذا معنى.
وإذا جعلت إلا استثناء أو بدلًا فمعناه: لو كان معنا أحد ليس فيهم زيد لغلبنا، فأراد س: لو قلت إلا زيدًا أو إلا زيد، تريد البدل مع أنك تريد المعنى الأول، لأحلت، وإنما نزل المسألة على الآية، وذلك أنه لا يصح في الآية الاستثناء ولا البدل؛ لأنه يلزم أن يكون المعنى: لو كان فيهما آلهة ليس الله فيهم لفسدتا، ومقصود الآية: لو كان فيهما / [4: 61/ ب] آلهة لفسدتا، فاشترطا ألا يكون الله فيهم يفسد المعنى.

فإن قلت: إن الوصف أيضًا بهذا المعنى.
فالجواب: أن الوصف قد يكون تأكيدًا، فلا يكون قيدًا وشرطًا فيما قبله، ولا يكون الاستثناء إلا كذلك.
قال: فلا بد أن يكون المعنى في البدل والوصف: ليس الله فيهم، إلا أن الوصف قد يكون توكيدًا، وليس بشرط فيما قبله، ولا يفسد المعنى إلا بجعله شرطًا.
قال: ولا يجوز أن يكون المعنى: آلهة ليسوا الله؛ لأنه لا يصح أن يقال: ليس الجمع الواحد؛ لعدم الفائدة".
قال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "هذا الذي زعم الأستاذ أبو علي من التفريق بين الوصف والبدل لا يصح على ما قال؛ لأنه إذا كان معنى الوصف: ليس الله فيهم، فهذا هو معنى الاشتراط، ثم هو اشتراط مناقض للمعنى المقصود؛ ألا ترى أن المعنى: لو كان فيهما آلهة مع الله لفسدتا، على الإطلاق، كان الله فيهم ومن جملتهم أو لم يكن، بل المراد: لو كان فيهما آلهة مع الله لفسدتا. وقولنا ليس الله فيهم نقيض هذا المعنى. وإذا كان المعنى في الوصف والبدل واحدًا فأي فائدة لمجيء الوصف مؤكدًا في غير هذا الموضع.
ثم لقائل أن يقول: قد يكون البدل أيضًا مؤكدًا، وقد نص عليه س.
فاعلم أنه لا يصح المعنى عندي إلا على أن تكون إلا في معنى غير التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي: بدل الواحد الذي هو الله لفسدتا، وهذا المعنى أراد س في المسألة التي جاء بها توطئة، ولذلك زعم أن البدل فيها محال على ذلك المعنى" انتهى كلام الأستاذ أبي الحسن.

ولا يريد الأستاذ أبو علي ما فهمه عنه؛ لأن معنى قول الأستاذ أبي علي "فلا بد أن يكون المعنى في البدل والوصف: ليس الله فيهم" إذا حملنا الوصف على التأسيس لا على التأكيد.
ثم قال الأستاذ أبو علي: "إلا أن الوصف قد يكون توكيدًا"، فهذا فرق ما بين البدل والوصف، وهو أن البدل في باب الاستثناء إذا كان مفيدًا ما يفيده الاستثناء لا يمكن أن يراد به التوكيد؛ وقد بين الأستاذ أبو علي أنه لا يصح في الآية الاستثناء ولا البدل، وقد فال هو: "فاشتراط ألا يكون الله فيهم يفسد المعنى"، فإذا كان قد ذكر اشتراط ذلك يفسد المعنى فكيف يقدر في الآية: ليس الله فيهم، وإنما أشار إلى أن الوصف حقيقته هكذا، ثم قد يكون للتأكيد، فهو في الآية للتأكيد، ولا يريد أنه ليس في الآية للتأكيد كما فهم عنه الأستاذ أبو الحسن؛ لأنه قد ذكر أن تقدير ليس الله فيهم يفسد المعنى.
وأما الذي اختاره الأستاذ أبو الحسن من أن المعنى: لو كان فيهما آلهة عوض الله وبدل الله، فهو قول الأستاذ أبي علي الذي قدمناه من أن قولك: لو كان معنا أحد إلا زيد لغلبنا، أي: مكان زيد.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: زعم المبرد في المسائل التي ردها على س أن قوله تعالى {إلاَّ اللَّهَ} ينبغي أن يجعل (إل الله) بدلًا من (آلهة)؛ لأن ما بعد لو غير موجب في المعنى، والبدل / [4: 62/ أ] في الكلام غير الموجب أحسن من الوصف.
واستدل على أن ما بعد لو غير موجب من جهة المعنى بأنك إذا قلت لو قام زيد قام عمرو كان قيام زيد غير واقع؛ كما أن القيام من زيد غير واقع إذا قلت: ما قام زيد.
ومما لا يستدل لهذا المعنى أن يقال: الدليل على أن ما بعد لو غير موجب استعمال أحد بعدها، وهي من الأسماء التي تختص بالنفي، قال الشاعر:

لو كنت من أحٍد يهجى هجوتكم يا بن الرقاع، ولكن لست من أحد
فاستعمل أحدًا بعد لو.
ولا حجة له في شيء من ذلك؛ لأن أحدًا في البيت بمعنى ناس، حكي الكسائي أن العرب تقول: ما أنت من الأحد، أي: ما أنت من الناس، وأنشد:
وليس يطلبني في أمر غانيةٍ إلا كعمرٍو، وما عمرو من الأحد
وتعريفها بالألف واللام يدل على أنها ليست المختصة بالنفي؛ لأن تلك لا يجوز تعريفها. ومما يبين لك ذلك أن أخوات "أحد" التي لا خلاف في اختصاصها بالنفي كعريب وطوري لا يحفظ من كلامهم استعمالها بعد لو.
وما ذكره من أن الفعل بعد لو غير واقع كما أنه بعد أداة النفي كذلك فصحيح، إلا انه - وإن كان غير واقع- فهو مقدر الوقوع، ومفروض الوقوع، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون الأحكام تابعة للفرض والتقدير، كما أن "إلا" إذا كان الفعل واقعًا لم يتبع ما بعدها لما قبلها على البدلية أيضًا.
ومما يبين لك أن إلا وما بعدها وصف لا بدل أنه لم يسمع من كلامهم: لو قام إلا زيد قام عمرو، ولو كان بدلًا لما منع من ذلك مانع، فلما لم يسمع ذلك من كلامهم دل على أن إلا وما بعدها وصف؛ لأنها إذا كانت وصفًا لم يجز حذف الموصوف الذي جرت عليه.

وقال صاحب كتاب "المشرق": "لو كان عندنا رجل إلا زيد لغلبنا، إلا صفة، ولا يجوز أن يكون ما بعد إلا بدلًا مما قبل؛ لأنه لا يصلح أن يقال: لو كان عندنا إلا زيد لغلبنا، هذا مذهب س.
وقال غير س: ذلك جائز. والدليل على جوازه دخول أحد في هذا الموضع، لو قيل لو كان عندنا أحد غير زيد لغلبنا لساغ، كما يسوغ قولنا: ما قام أحد غير زيد، فكما تقول ما قام إلا زيد كذلك تقول لو كان عندنا إلا زيد، ولو لم يصح الاستثناء لما صح أن تكون صفة؛ لأن إلا لا تكون صفة إلا في الموضع الذي يصلح أن تكون فيه استثناء.
ومما يقوي صحة الاستثناء أن القائل إذا قال لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا فإنه لو أسقط من كلامه إلا زيد وقعت الغلبة مع كون زيد معهم، فدل ذلك على أن زيدًا وغيره داخل في عموم رجل، فإذا أراد المتكلم أن يخرج زيدًا من هذا العموم، ويعلم أن زيدًا كان معهم، وأن كونه معهم هو الموجب لئلا يغلبوا - قال: إلا زيدًا، فكم زيد غير حكم غيره من الرجال؛ لأن غيره من الرجال / [4: 62/ ب] لو كان معهم لغلبوا، وكون زيد معهم هو الموجب لئلا يغلبوا، فهو إذًا بمنزلة: ما كان معنا رجل إلا زيد، في أن زيدًا لو سكت عنه لكان داخلًا تحت النفي، وباستثنائه خرج من النفي، وليس بمنزلة: معنا رجل إلا زيد، لو قيل؛ لأن رجلًا هو واقع على واحد بعينه، لو اقتصر عليه لاحتمل أن يكون زيدًا وغيره" انتهى.
وما ذكره غير س ليس بصحيح:
أما جواز دخول أحد الذي يختص بالنفي العام في هذا الموضع فليس بجائز، لا يحفظ من كلامهم: لو جاء أحد لكان كذا، وكذلك لا يحفظ من كلامهم ما بناه على الجواز من أنك تقول: لو كان عندنا إلا زيد، من التفريغ للفعل بعد لو.

وأما قوله "ولو لم يصح الاستثناء" إلا آخره فنحن نتكلم على ذلك، وهل من شرط الوصف بـ "إلا" أن تصلح للاستثناء، حيث تعرض له المصنف، إن شاء الله.
وأما قوله "ومما يقوي صحة الاستثناء" إلى آخره فهو مبني على جواز إسقاط رجل وتفريغ الفعل بعد لو لما دخلت عليه إلا؛ وقد ذكرنا أن ذلك لا يحفظ من كلامهم.
وأما التفرقة بين ذكر "إلا زيد" وعدم ذكره فذلك مستفاد من الصفة كما يستفاد من الاستثناء، و "رجل" الواقع في: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، ليس موضوعًا في هذا التركيب للعموم الاستغراقي، إنما هو موضوع لعموم البدل، فالمعنى إذا وصفته بقولك "إلا زيد" أن زيدًا معهم هو من حيث مفهوم الصفة، فيكون وقوع الغلبة على تقدير وجود رجل ليس زيدًا معهم، ومفهومه أنه إذا كان ذلك الرجل زيدًا لم يغلبوا. أما لو حذفت "إلا زيد" فقلت: لو كان معنا رجل لغلبنا - فمن حيث عموم البدلية صلح أن يدخل تحته زيد، كما صلح أن يدخل تحته غير زيد، فتكون الغلبة تقع على تقدير وجود رجل أي رجل كان على سبيل البدل، و"زيد" صالح لإطلاق رجل عليه، فكانت الغلبة تقع على ذلك التقدير.
وقوله ولا تكون "إلا" كذلك دون متبوع يعني أن موصوفها لا يحذف وتقام هي وما بعدها مقامه، وهذا حكم خالف فيه الوصف بـ "إلا" الوصف بـ "غير"، فلا يجوز أن تقول في قام القوم إلا زيد: قام إلا زيد، وتحذف الموصوف لدلالة المعنى عليه، وتسند الفعل لقولك: إلا زيد، ويجوز ذلك في غير، فتقول في قام القوم غير زيد: قام غير زيد. وعلة ذلك أن الوصف بها ليس بمتأصل، فلم يكونوا

ليحذفوا الموصوف بها ويقيموها مقامه، وقد نص س على منع ذلك، وشبه إلا هذه التي يوصف بها بأجمعين، في أنها لا تكون إلا تابعة، ولا ينكر أن تكون صفة لا يجوز أن تقام مقام موصوفها؛ ألا ترى أن الجمل والظروف والمجرورات إذا وقعت صفات لا تقام مقام موصوفها. والوصف بـ "إلا" يجوز فيما يجوز فيه البدل وفيما لا يجوز فيه.
وزعم أبو العباس أن الوصف بـ "إلا" لم يجيء إلا فيما يجوز فيه البدل، ولذلك منع: قام إلا زيد، بحذف الموصوف وجعل إلا صفة؛ لأنه لا يجوز فيه البدل.
وما / [4: 63/ أ] ذهب إليه خلف؛ لأنه قد جاء الوصف بـ "إلا" حيث لا يجوز البدل، نحو قوله:
وكل أخ مفارقه أخوه - لعمر أبيك- إلا الفرقدان
فـ "إلا الفرقدان" صفة، ولا يمكن فيه البدل.
ورد عليه الزجاج بقوله:
................... قليل بها الأصوات إلا بغامها
وقيل: وللمبرد أن يقول: يجوز هنا؛ لأن قليلًا قد تستعمل في النفي.
وقوله ولا حيث لا يصلح الاستثناء هذا أيضًا من الفرق بين الوصف بـ "إلا" والوصف بـ "غير"، فيجوز أن تقول: عندي درهم إلا دانق، فتكون وصفًا؛ لأنك لو قلت إلا دانقًا لصح، ولا يجوز أن تقول: عندي درهم إلا جيد؛ لأنك لو قلت عندي درهم إلا جيدًا لم يجز. ويجوز ذلك في غير، فتصف بها ما يمكن من الاستثناء فيه وما لا يمكن، فتقول: عندي درهم غير دانق، وعندي درهم غير جيد.

وهذا الفرق الذي بين الوصف بـ "إلا" وبين الوصف بـ "غير" كالمجمع عليه من النحويين. وفي كلام س ما يقضي ظاهره بخلاف ذلك، وذلك قوله: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، فـ "إلا زيد" عند س وصف لرجل، ولا يجوز أن يستثنى منه فتقول: إلا زيدًا، وقد منع س الاستثناء المفرغ فيه، وكذلك الاستثناء غير المفرغ. وسبب ذلك أن رجلًا في قولك لو كان معنا رجل ليس عامًا استغراقيًا، وإنما هو مطلق، فعمومه عموم بدل، فلا يصح الاستثناء منه. وكذلك قوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ}، لا يصح النصب فيه على الاستثناء؛ لأن (آلهة) ليس بعام عموم الاستغراق، فيندرج فيه ما بعد إلا، بل هو عام عموم البدل.
وقد تكلم أهل أصول الفقه في الاستثناء أهو مما لو لم يستثن لوجب أن يدخل في حكم الأول، أو هو مما لو لم يستثن لجاز أن يدخل في حكم الأول، والأصح عندهم القول الأول.
وأما النحويين فكالمجمعين على أن المستثنى المتصل لا بد أن يكون يندرج تحت المستثنى منه لو لم يستثن. وإذا تقرر هذا فما بعد إلا في تمثيل س وفي الآية ليس مما وجب اندراجه في رجل ولا في آلهة؛ فقولهم "إن الوصف بإلا شرطه صحة الاستثناء" لا يصح.
وقد انفصل بعض أصحابنا عن ذلك بأنه لا يعني بصحة الاستثناء الاستثناء المتصل بل الاستثناء مطلقًا، سواء أكان متصلًا أم منفصلًا، قال:
فإن قال قائل: الدليل على أن إلا مع ما بعدها ليس وصفًا في الآية أنه لا يجوز النصب على الاستثناء لما تقدم من أن الوصف لا يجوز إلا حيث يجوز

الاستثناء؛ وإنما امتنع النصب على الاستثناء لأن معنى الآية يكون إذ ذاك: لو كان فيهما آلهة ولم يكن الله في تلك الآلهة لفسدتا، وهذا المعنى غير مستقيم؛ لأنه يلزم عنه أنه لو كان فيهما آلهة فيها الله لم تفسدا، وذلك باطل.
فالجواب أن تقول: إن الاستثناء إنما يمتنع في الآية إذا قدر متصلًا، وأما إذا قدر منقطعًا فمعنى الاستثناء / [4: 63/ ب] صحيح؛ لأن المعنى إذ ذاك يكون: لو كان فيهما آلهة لفسدتا، لكن فيهما الله، وهو واحد، فلم تفسدا، فلما ساغ الاستثناء المنفصل ساغ الوصف؛ لأن الوصف إنما يكون حيث يتصور الاستثناء على وجه من الوجوه، والاستثناء المنفصل في الآية سائغ، فالوصف أيضًا سائغ، ولذلك قال الجرمي والمبرد في قوله تعالى {فَلَوْلا كَانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ}: لو رفع القليل على الصفة للمرفوع قبله لكان حسنًا لو قرئ به. فأجازا الوصف بـ "إلا" وما بعدها مع أن الاستثناء بها في الآية لا يكون إلا منقطعًا.
ومما يدل على أن الوصف بـ "إلا" حيث لا يكون الاستثناء إلا منقطعًا سائغ قول أبي زبيد:
لدم ضائع، تغيب عنه أقربوه إلا الصبا والجبوب
فـ "أقربوه" موصوف بـ "إلا الصبا والجنوب"، والصبا والمعطوف عليه ليس من جنسه، قال أبو الحسن الأخفش: "والقصيدة التي منها هذا البيت مرفوعة" انتهى.
وكما تؤول الآية يمكن أن يؤول المثال الذي ذكره س، وهو: لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا، أي: لكن معنا زيد فلا نغلب.

وتقول: جاءني رجل غير زيد، ورجلان غير زيد، ورجال غير زيد، ولا تدخل إلا مكان غير. وما جاءني إخوتك إلا زيد أصلح منهم، وجاءني رجل غير صالح، لا تدخل إلا لأنه لا يصلح فيه الاستثناء. وما رأيت أحدًا إلا زيد خير منه، ولا أقوم إلا أن تقوم، لا تكون فيهما غير. وعندي أصحابك غير جلوس، لا يجوز: إلا جلوسًا، جعلوا الحال هنا كالصفة، و {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} من هذا عند بعض المتأخرين، أي: لا يستوي القاعدون أصحاء. ويدل على ذلك ذكر س الآية في (باب ما تكون فيه إلا وما بعدها صفة)، وذكره فيما لا يكون إلا صفة من الأمثلة، ثم فصل ما يجوز فيه الوجهان، ورجع لباقي الباب.
وقوله ولا يليها نعت ما قبلها، وما أوهم ذلك فحال أو صفة بدل محذوف قال أبو الحسن في (كتاب المسائل): "لا يفصل بين الموصوف والصفة بإلا". ثم قال: "ونحو ما جاءني رجل غلا راكب تقديره: إلا رجل راكب، وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم".
وقال أبو علي في (التذكرة): "تقول: ما مررت بأحد إلا قائما إلا أخاك، لا يجوز كون قائمًا صفة لأحد؛ لأن إلا لا تعترض بين الصفة والموصوف. ولا كونه حالًا من التاء؛ لأن معنى ما مررت إلا قائمًا: مررت قائمًا، ولو قلت مررت قائمًا بأحد لم يجز، فكذلك ما في معناه، فإذا بطل هذان ثبت أن قائمًا حال من أحد، وإذا ثبت ذلك تعين أن تنصب أخاك؛ لأنه بعد إيجاب صحيح".

قال المصنف في الشرح: "وما ذهبا إليه هو الصحيح؛ لأن الموصوف والصفة كشيء واحد، وشيئان هما كشيء واحد لا يختلفان بنفي الحكم عن أحدهما وإثباته للآخر، كالمتوسط بينهما إلا، فإن الصفة توضح موصوفها كما توضح الصلة / [4: 64/ أ] الموصول، وكما يوضح المضاف إليه المضاف، فكما لا تقع إلا بين الموصول والصلة، ولا بين المضاف والمضاف إليه - كذا لا تقع بين الموصوف والصفة، ولأن إلا وما بعدها في حكم جملة مستأنفة، والصفة لا تستأنف، ولا تكون في حكم مستأنف".
وقوله خلافًا لبعضهم هو الزمخشري، قال في ما مررت بأحد إلا زيد خير منه: "يكون ما بعد إلا جملة ابتدائية واقعة صفة لأحد"، وزعم في الكشاف في قوله تعالى {ومَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إلاَّ ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} أن قوله {ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} واقعة صفة لقرية، ووسطت الواو بينهما لتوكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب.
وفي البسيط: "ما ضربت أحدًا إلا عمرو خير منه، معناه: إلا مفضلًا عليه عمرو، فهي مفرغة للحال. وقال الزمخشري: (إن ما بعد إلا صفة لما قبله - وهو أحد- و (إلا) لغو في الكلام، معطية في المعنى فائدتها، جاعلة عمرًا خيرًا ممن ضربت).
وإذا جاز أن تدخل على الجملة التي هي صفة على هذا صح أن تدخل على الصفة المفردة، فتقول: ما مررت برجل إلا صالح، فتكون إلا إيجابًا في العمد وفي

الفضلات وفي التمامات، ولا تدخل في البدل الذي هو عين الأول، ولا في عطف البيان، ولا في كل تابع هو الأول؛ لأن الشيء لا يكون منفيًا موجبًا. قال: وإنما كانت هذه في موضع الصفة لأنها لو كانت حالًا لدخلت الواو. وأجيب بأن إلا أغنت عن الواو لأجل الاتصال، ولأنه فيها ضمير الأول، وأنت تقول: مررت بزيد أبوه قائم" انتهى.
وتابعه صاحب البديع وابن هشام.
وقد رد عليه المصنف في قياسه في ذلك الصفة على الحال - وبينهما فروق- بجواز تقديمها على صاحبها، وتخالفها في الإعراب، وبالتنكير والتعريف، وإغناء الواو عن الضمير، وبأنه مذهب لم يعرف لبصري ولا كوفي، فلا يلتفت إليه، وبأنه معلل بما لا يناسب؛ لأن الواو تدل على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مستلزم لتغايرهما، وهو ضد لما يراد من التوكيد. ولأن الواو فصلت الأول من الثاني، ولولا هي لتلاصقا، فكيف يقال: إنها أكدت لصوقها. ولأن الواو لو صلحت لتوكيد لصوق الموصوف بالصفة لكان أولى المواضع بها موضع لا يصلح للحال، نحو: إن رجلا رأيه سديد لسعيد، فـ (رأيه سديد) جملة نعت بها، ولا يجوز اقترانها بالواو لعدم صلاحية موضعها للحال، بخلاف {ولَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}، فإنها جملة تصلح في موضعها الحال؛ لأنها بعد منفي، والمنفي صالح لأن

يجعل صاحب حال، كما هو صالح لأن يجعل مبتدأ، وإذا ساغ في شبه النفي في قوله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغى متخوفًا لحمام
فليجز بعد النفي، وهو أولى؛ لأن النهي لا يصحب المبتدأ، والنفي يصحبه. انتهى رده / [4: 64/ ب] على الزمخشري، وفيه تلخيص وبعض حذف.
وقوله ويليها في النفي فعل مضارع بلا شرط يعني أنه لا يشترط في مجيء المضارع بعد "إلا" إلا وجود النفي، سواء تقدمه فعل أم اسم، نحو: ما كان زيد إلا يضرب عمرًا، وما خرج زيد إلا يجر ثوبه، وما زيد إلا يفعل كذا.
وقوله وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ "قد" مثال الماضي المسبوق بفعل قوله تعالى {ومَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}. ومثال المقرون بفعل مصحوب بـ "قد" قوله:
ما المجد إلا قد تبين أنه بندى وحكم لا يزال مؤثلا
قال المصنف في الشرح: "وإنما أغنى اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل لأن اقترانه بها يقربه من الحال، فيكون بذلك شبيها بالمضارع. وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط في وقوعه بعد إلا لشبهه بالاسم، والاسم بـ (إلا) أولى؛ لأن المستثني لا يكون إلا اسمًا أو مؤولا بالاسم. وإنما ساغ بتقديم الفعل وقوع الماضي

بعد إلا لأن تقدم الفعل مقرونا بالنفي يجعل الكلام بمعنى: كلما كان كذا وكذا كان كذا وكذا، فكان فيه فعلان، كما كان مع كلما" انتهى.
وقال أبو بكر بن طاهر: لا يجوز: ما زيد إلا قام، فإن قلت إلا يقوم صح، ولم يقل من تقدم من النحاة أكثر من هذا. وأجاز المبرد: ما زيد إلا قد قام، قال: لأن قد تقربه من المضارع ومن الأسماء؛ ألا تراه يصلح للحال بها، ولا يصلح دونها.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: "لا تدخل (إلا) إلا على الاسم، أو على الجملة الاسمية، أو على الفعل المضارع، فتقول: ما قام إلا زيد، وما زيد إلا أبوه قائم، وما زيد إلا يقوم. ولو قلت: ما زيد إلا قام، لم يجز، وسبب ذلك أن إلا إنما هي أبدا للاستثناء في اللفظ أو في المعنى، فلما كان الذي يتصور استثناؤه إنما هو الاسم لم تدخل (إلا) إلا عليه، أو على ما أشبهه، وهو المضارع؛ لأنه يشبهه، ولذلك أعرب. وكذلك الجملة الاسمية؛ لأن إلا إذا دخلت عليها كانت في اللفظ مباشرة للاسم، فأشبه دخولها على الجملة الاسمية دخولها على الاسم، ولما كان الماضي ليس باسم ولا يشبهه لم يجز دخولها عليه" انتهى، وفيه بعض اختصار.
وولاية الفعل المضارع إلا والماضي بشرطه من الفوارق بين إلا وغير، فلا يلي غيرا فعل، وكذلك لا يليها جملة ابتدائية، وتلي إل، فتقول: ما رأيت أحدًا إلا زيد خير منه، ولا تقول: غير زيد خير منه، برفع زيد؛ لأن غيرًا لا تضاف إلى الجمل، فلو خفضت زيدًا بعد غير، ورفعت غيرًا بالابتداء، وخير خبر عنه - جاز

ذلك، واختلف مدلول إلا وغير؛ لأنه في مسألة إلا أن: كل من رأيته زيد خير منه، وفي مسألة غير المعنى: ما رأيت أحدًا متصفًا بأن غير زيد خير منه، ولم تقصد تفضيل زيد على أحد، وإنما نفيت أن يكون غير زيد خيرًا منه، وهذا معنى يخالف المعنى / [4: 65/ أ] الأول.
وإن قلت: قد منع النحويون: ما زيد إلا قام، إلا بدخول قد على قام، فتقول: ما زيد إلا قد قام، وشرطوا في مجيء الماضي بعد إلا أن يتقدم إلا فعل منفي، نحو {ومَا يَاتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}، أو يكون النفي سابقًا على اسم دون فعل، ويكون ذلك الماضي مقرونًا بقد، نحو: ما زيد إلا قد قام. وإذا كان كذلك فما تصنع بقول الشاعر:
وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جريها واحتفالها
قلت: قد زعموا أن كلهم في تأويل الجحد، والمعنى: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته، فهو نظير: أنشدك بالله إلا فعلت.
وفي البديع: "لو قلت: ما زيد إلا قام - لم يجز، فإن أدخلت قد أجازها قوم".
وقوله ومعنى أنشدك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلت: ما أسألك إلا فعلك أنشدك صورته صورة واجب، فكان القياس ألا تجيء بعده إلا، فكما لا يجوز ضربت إلا زيدًا كان ينبغي ألا يجوز: أنشدك إلا فعلك، لكنه كلام محمول على معنى النفي، كما جاء "شر

أهر ذا ناب" صورته صورة المثبت، والمعنى على لنفي المحصور فيه نسبة الحكم إلى المبتدأ، وقدر فعلت هنا بالمصدر وإن لم يكن فيه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إلى ذلك، فهو كلام يعنون به النفي المحصور فيه المفعول، وقد صرح بـ (ما) المصدرية مع الفعل بعد إلا، قال الشاعر:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
وقال بعض أصحابنا: "قولهم (بالله غلا فعلت) جاؤوا بإلا جوابًا للقسم؛ لأنها في الكلام على معنى الحصر، فدخلت هنا لذلك المعنى، وكأنك قلت: بالله لا تفعل شيئًا إلا كذا، فحذف الجواب، وترك ما يدل عليه؛ لأن الإيجاب لا بد أن يتقدمه نفي: وعمرتك بمعنى ذكرتك وسألتك به، وهو مثبت معناه النفي، أي: ما سألتك بالله إلا ذكرك لنا".
وفي البسيط: "الصحيح أن إلا جواب القسم، والأصل: نشدتك الله لتفعلن كذا، ثم أوقعوا موضع المضارع الماضي، كما قالوا: غفر الله لفلان، ولم يدخلوا لام التوكيد لأنها لا تدخل على الماضي، فجعلوا بدلها إلا، ثم حملوا عليها لما. أو يقال: إنه لما امتنع دخول اللام بنفسها فصلوا بينهما بـ (ما)، فقالوا: لما فعلت، كما يقولون: ربما يكون كذا، فصارت موطئةً، ثم حملت عليه إلا لأنها في معناها من الإيجاب".
وقال في البديع: "قد أوقعوا الفعل موقع الاسم المستثنى في قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت، ونشدتك بالله إلا جئت، وعزمت عليك إلا أجبتني، ومنه قول

ابن عباس للأنصار - وقد نهضوا له- (بالإيواء والنصر إلا جلستم)، التقدير: ما أطلب إلا فعلك، ولا أريد إلا جلوسكم".

-[ص: ولا يعمل ما بعد "إلا" فيما قبلها مطلقًا، ولا ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنًى، أو مستثنًى منه، أو تابعًا له، وما ظن من غير الثلاثة معمولًا لما قبلها قدر له عامل، خلافًا للكسائي / [4: 65/ ب] في منصوب ومخفوض، وله ولابن الأنباري في مرفوع.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "الاستثناء في حكم جملة مستأنفة؛ لأنك إذا قلت: جاء القوم إلا زيدًا، فكأنك قلت: جاء القوم ما منهم زيد، فمقتضى هذا ألا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها على الإطلاق، كما لا يعمل ما بعد (ما) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها، فاستمر على ما اقتضته هذه المناسبة من هذا المنع فيما تقدمها، نحو: ما زيد إلا أنا ضارب، فلا يجوز إعمال ضارب في زيد، بل تقدر هاء عائدة على زيد، وترفع زيدًا بالابتداء" انتهى.
وقال الرماني: "لا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها، كقولك: ما قومك زيدًا إلا ضاربون؛ لأن تقدم الاسم الواقع بعد (إلا) عليها غير جائز، فكذلك معمولة؛ لما تقرر أن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل غذ كان تابعًا له وفرعًا عليه، فإن جاء ذلك في الشعر أضمر له فعل من جنس المذكور".

وقوله ولا ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى يعني: مستثنى فرغ له العامل، نحو: ما قام إلا زيد. وإنما شرط في المستثنى كون العامل فرغ له لأنه إن لم يكن مفرغًا له فنصبه إنما هو بـ (إلا) على مذهبه.
وقوله أو مستثنًى منه نحو: ما قام إلا زيد أحد، أو تابعًا له نحو: ما مررت بأحد إلا زيد خير من عمرو.
وقوله وما ظن من غير الثلاثة هي المستثنى والمستثنى منه وتابعه معمولًا لما قبلها قدر له عامل فإذا وجد مثل: ما ضرب إلا زيد عمرًا، وما ضرب إلا زيدًا عمرو، وما مر إلا زيد بعمرو - قدر له عامل بعد إلا، يفسره ما قبله.
وقوله خلافًا للكسائي في منصوب ومخفوض مثال تأخر المنصوب قوله:
وما كف إلا ماجد ضير بائس أمانيه منه أتيحت بلا من
ومثال تأخر المخفوض قوله تعالى {ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ والزُّبُرِ}، التقدير: كف ضير بائس، وأرسلناهم بالبينات والزبر.
وقوله وله ولابن الأنباري في مرفوع أي: وخلافًا للكسائي وابن الأنباري، ومثال تأخر المرفوع قوله:
تزودت من ليلى بتكليم ساعة فما زادني إلا غرامًا كلامها
وقول الآخر:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في منابتها النخل

وقول الآخر:
مشائيم، ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعبًا إلا ببين غرابها
وهذه المسألة والخلاف فيها عن الكسائي في المنصوب والمجرور، وعنه وعن ابن الانباري] في المرفوع [- تكرر ذكرها للمصنف هنا، وقد سبق له ذكرها في آخر الفصل الثاني من فصلي باب / [4: 66/ أ] النائب عن الفاعل، وأمعنا الكلام عليها هناك، واخترنا هناك مذهب الكسائي. وذكر هنا المصنف في الشرح عن ابن الأنباري فرقًا بين المرفوع وغيره، وقد أشرنا غليه مختصرًا في آخر ذلك الفصل.
قال ابن الأنباري: "الدليل يقتضي ألا يتأخر مرفوع ولا غيره؛ لأن مسائل الاستثناء المفرغ فيها العامل لما بعد إلا حقيقة بأن تختم بالمستثنى. فإن كان الواقع بعده مرفوعًا نوى تقديمه واتصاله برافعه لأنه كجزء منه، وتأخره لفظًا لا يمنع أن ينوى تقديمه، فإنه الأصل، ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختومًا به. وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه؛ لأنه متأخر بالأصالة، وقد وقع في موضعه، فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظًا ولا تقديرًا" انتهى.
وقد وافق الأخفش الكسائي في الظرف، والجار والمجرور، والحال، فأجاز: ما جلس إلا زيد عندك، وما مر إلا عمرو بك، وما جاء إلا زيد راكبًا، والقياس على قوله:

وما كف إلا ماجد ضير بائس .................
لا يمنع، بل هذا أولى، لأنه تسامح في الظرف والمجرور بالتقديم والتأخير والفصل ما لا يتسامح بغيره.

-[ص: فصل
يُستثنى بـ"حاشا" و"خلا" و"عدا"، فيجررن المستثنى أحرفًا، وينصبه أفعالًا، ويتعين الثاني لـ"خلا" و "عدا" بعد "ما" عند غير الجرمي. والتزم سيبويه فعلية "عدا" وحرفية "حاشا"، وإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها، خلافًا للمبرد بل أسميتها لجواز تنوينها. وكثر فيها حاش، وقل حشا وحاش، وربما قيل: ما حاشا، وليس أُحاشي مضارع حاشا المستثنى بها، خلافًا للمبرد، والنصب في "ما النساء وذكرهن" بـ"عدا" مضمرة، خلافًا لمن أول "ما" بـ"إلا".]-
ش: ذكر المصنف من أدوات الاستثناء حاشا وخلا وعدا، وأنه إذا انجر ما بعدهن كن حروفًا، وإذا انتصب كن أفعالًا. وإنما دل على تباين الماهية فيها بالعمل لأن الجر من عمل الحروف، والنصب من عمل الأفعال، ولا يمكن إذا انجر ما بعدهن أن يُدعى فيهن أنهن أسماء؛ لأن عمل الجر بالأصالة إنما هو للحروف، فلذلك أدعي فيها أنها حروف.
ولو زعم زاعم أنها أسماء، وما بعدها انجر بالإضافة، واستثني بها كما استثني بغير وسوى، وشاركت الأفعال في الوزن - لم يكن ذلك ببعيد.
وأما إذا انتصب ما بعدها فهي أفعال، وهي لا تتصرف حالة كونها استثناء، فلا يُستعمل منها مضارع ولا أمر.
ولو زعم زاعم أنها حروف، نصبت ما بعدها حملًا على إلا؛ لأنهما متوافقان معنى - لم يبعد. ولا تكون حجة في اتصال نون الوقاية بها على فعليتها؛ لأن نون الوقاية قد تتصل بالحروف، نحو إنني وليتني.
ولكنا نتكلم على ما قرره النحاة من كونها إذا أنجز ما بعدها حروفًا، وإذا / [4: 66/ ب] انتصب كن أفعالًا، وقد نظموا دليلًا على ذلك، فقالوا: يتعين أن يكن إذا انجر ما

بعدهن حروفًا لأنها لو كانت أسماء - وليست بظروف - لجاز أن يباشرن العوامل كما باشرتها غير، ولو كانت أفعالًا لم يباشرن الجر بغير واسطة حرف جر. ويتعين أن يكن إذا انتصب ما بعدهن أفعالًا لانتفاء الاسمية بما سبق، ولنصب ما بعدهن، ولسن من قبيل الأسماء العاملة، ولانتفاء الحرفية لاستلزام ثبوتها أن يلين العوامل، فكما تقول ما قام إلا زيدٌ كنت تقول: ما قام القوم خلا زيدٌ، بالرفع، ولم يقولوا ذلك. وإذا بطلت الاسمية والفعلية إذا انجر ما بعدهن تعينت الحرفية، وإذا بطلت الاسمية والحرفية إذا انتصب ما بعدهن تعينت الفعلية.
وفي البسيط: مذهب س - وهو الأكثر - أنهما - يعني خلا وعدا - فعلان ضُمنا معنى الاستثناء، أما خلا فالأصل فيه ألا يتعدى، تقول: خلا المكان: بمعنى تفرغ، ويدخله معنى فارق وجاوز وانفصل، فتقول: خلوت من المكان، وخلوت المكان، بمعنى: فارقته وجاوزته، قالوا: خلاك ذم، أي: جاوزك، فلما لحقه معنى المفارقة والانفصال صار فيه معنى الخروج عن الشيء، فضمنوه ذلك، وأدخلوه في الاستثناء، فإذا قلت قام القوم خلا زيدًا فمعناه: خلا بعضهم زيدًان أي: جاوز بعضهم زيدًا، والبعض هنا خلاف زيد من القوم، كأنك قلت: جاوز أكثرهم زيدًا، بخلاف البعض المقدر في ليس ولا يكون؛ لأنه هو زيد في المعنى، فيكون في هذا بمنزلة ليس ولا يكون، بمعنى أنه محذوف الفاعل، وهو غير الأول، فلذلك لم يظهر، وهو بعيد لأن فيه حذف الفاعل، ولا يجوز. وقد يقال: إن خلا خرجت عن أصلها إلى معنى إلا، فصارت بمنزلتها سواء، فلا تحتاج إلى فاعل أصلًا.
وأما عدا فالأصل فيه عدا من العدو، وهو ضرب من المشي السريع، وهو مما تلزمه المفارقة، فضمن ذلك، فصار على معنى: عدا زيدٌ عمرًا، فإن قلنا قام القوم عدا زيدًا كان المعنى: عدا بعضهم زيدًا، أي: جاوز.

والجملتان حكمهما ما تقدم في كونهما في موضع إعراب أم لا، لكن هل يجوز أن تكونا صفة؟ فيه نظر، ونص على منعه بعض النحويين؛ لأنهما لا يبقى فيهما معنى غير، أعني من احتمال الاستثناء.
ومن الجر بـ"حاشا" قول الشاعر:
من رامها حاشا النبي ورهطه في البحر غطمطه هناك المزبد
وقول الآخر:
في فتيةٍ جعلوا الصليب إلههم حاشاي إني مسلم معذور
وقول الآخر:
.................... وما لك حاشا بيت مكة من عدل
[4: 67/ أ] / وقول الآخر:
حاشا أبي ثوبان، إن أبا ثوبان ليس ببكمةٍ فدم
عمرو بن عبد الله، إن به ضنًا عن الملحاة والشتم
وأكثر النحاة يُركب صدر البيت الأول على عجز الثاني، فينشدونه كذا:

حاشا أبي ثوبان، إن به ضنا عن الملحاة والشتم
وعلى الصواب أنشدهما ابن عصفور، والمصنف في الشرح، وهما للجميع الأسدي، وقبلهما:
وبنو رواحة ينظرون إذا نظر الندي بأنفٍ خثم
ثم استثنى، فقال: حاشا أبي ثوبان. وقال المرزوقي: روه الضبي: حاشا أبا ثوبان، بالنصب.
ومن الجر بـ"خلا" قول الشاعر:
خلا الله لا أرجو سواك، وإنما أعد عيالي شعبة من عيالكا
ومن الجر بـ "عدا" قول الشاعر:
تركنا في الحضيض بناتٍ عوجٍ عواكف، قد حضعن إلى النسور
أبحنا حيهم قتلًا وأسرًا عدا الشمطاء والطفل الصغير
ومن النصب بـ"حاشا" قول الشاعر:

حاشا قريشًا، فإن الله فضلها على البرية بالإسلام والدين
وحكي أبو زيد الأنصاري، قال: كنا في جماعة، وفينا رجل يقال له أبو الأصبغ. والدعاء الذي دعا به الأعرابي روي أنه قوله: اللهم اغفر لي ولمن سمعني حاشا الشيطان وأبا الأصبغ. وروى هذا أيضًا أبو عمرو الشيباني، وغيره.
وفي البسيط: مذهب س وأكثر البصريين أن حاشا حرف خافض دالٌ على الاستثناء كإلا. وزعم بعض الكوفيين والمبرد والفراء أنها فعل ناصبة للاسم بعدها بمنزلة: عدا زيدًا، وخلا عمرًا. واستدلوا بالتصريف حاشى يُحاشي، وبدخول حرف الجر، وبالحذف، قالوا حاش، وبحكاية الشيباني. ورد جميع ذلك، وأن ما حكاه الشيباني شاذ. وجوز المبرد في الاستثناء الوجهين. وقال بعض الكوفيين: هي فعل استعملت استعمال الحروف، فحذف فاعلها.
والذي يظهر لي أن س لا يُنكر أن يُنطق بها فعلًا لغير الاستثناء، ففي الاستثناء حرف، وفي غيره فعل، تقول: قد فعل زيدٌ كذا، فنقول: حاشى له أن

يفعل كذا، ومعناه: جانبه ذلك الفعل. ويتعدى بنفسه وباللام: حاشاك السوء، وحاشى لك السوء، حكاه الجوهري.
ومن النصب بـ"خلا" قول الشاعر:
[4: 67/ ب] /وبلدةٍ ليس بها طوري ولا خلا الجن بها إنسي
ومن النصب بـ"عدا" قول الراجز:
يا من دحا الأرض، ومن طحاها أنزل بهم صاعقة، أراها
تحترق الأحشاء من لظاها عدا سليمي، وعدا أباها
ويحتمل أن تكون هنا جارة؛ لأن "سُليمي" مقصور، لا يظهر فيه إعراب، و"أباها" يحتمل أن يكون على لغة من استعمله مقصورًا، فقال: قام أباك، ورأيت أباك، ومررت بأباك. وأوضح من هذا في استعمالها ناصبةً قول الشاعر:
تُمل الندامى ما عداني، فإنني بكل الذي يهوى نديمي مولع
وقوله ويتعين الثاني بـ"خلا" و"عدا" بعد "ما" عند غير الجرمي أي: ويتعين النصب إذا قلت: قام القوم ما خلا زيدًا، وما عدا زيدًا، هذا قول الجمهور إنه يتعين النصب وكونهما فعلين. ومن النصب بعد "ما خلا" قول الشاعر:
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل وكل نعيمٍ لا محالة زائل
وقال الفراء: "إذ استثنيت بـ (ما عدا) و (ما خلا) ضمير المتكلم قلت: ما عداني وما خلاني. ومن نصب بحاشا قال: حاشاني، ومن خفض قال: حاشاي".

و"ما" الداخلة عليهما مصدرية، وانتصاب الاسم بعدهما على أنه مفعول، وموضع ما والفعل نصب. واختلفوا في محل انتصابه: فزعم السيرافي أنه بتأويل مصدر منصوب، وأنه لا خلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين، قال: "وهو مصدر موضوع موضع الحال، وجاز وقوع ما المصدرية مع صلتها موضع الحال إجراء لها مجرى المصدر الذي هي في تقديره، كما وصف بها في قولك: مررت برجلٍ ما شئت من رجلٍ، إجراء لها مجرى المصدر الموصوف به في نحو قولك: مررت برجلٍ عدلٍ".
وزعم ابن خروف أن انتصابه على الاستثناء كانتصاب غير في قولك: جاءني القوم غير زيدٍ؛ ألا ترى أن "ما" وما بعدها بتقدير اسم فيه معنى إلا كما أن غيرًا كذلك.
قال بعض أصحابنا: والصحيح ما ذهب إليه السيرافي بدليل أنها لا يُفرغ لها الفعل، لا يقال: ما جاءني ما خلا زيدًا، ولو كانت بمنزلة غير لجاز ذلك فيها كما يجوز في غير، فلما التزمت العرب فيها أن تكون في موضع نصب دل ذلك على أنها موقع الحال، ولما كانت (ما) مصدرية لم يكن بد من أن يكون لهذا المصدر موضع من الإعراب.
وقال س: "ما هنا اسم، وعدا وخلا صلة له"، وقدره س: أتوني مُجاوزتهم زيدًا.

وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "قول السيرافي أقرب من قول ابن خروف لبقائه على ما استقر فيه قبل الاستثناء، وأقرب عندي من قول السيرافي أن يكون موضع / [4: 68/ أ] ما عدا نصبًا على الظرف، أي: قام القوم في وقت مجاورتهم زيدًا، ودخله معنى الاستثناء، وما المصدرية كثيرًا ما تكون ظرفًا، ولم يثبت فيها النصب على الحال" انتهى.
وفي البسيط: ويحتمل أن ينصبا نصب الظرف، والمعنى: وقت خلوهم، كما تقول: أتاني مقدم الحاج، وخفوق النجم.
وأجاز الكسائي، والجرمي، وأبو علي في "كتاب الشعر"، والربعي الجر بعد: ما خال، وما عدا، فعلى قولهم تكون ما زائدة، وخلا وعدا حرفا جر.
قال بعض أصحابنا: "النصب هو الكثير الشائع، والجرمي يخفض، فإن كان ذلك منه قياسًا فهو فاسد؛ لأنه ليس من مواضع زيادتها، وإن كان حكي ذلك فهو شذوذ" انتهى. والجرمي حكاه عن العرب، ذكر ذلك في باب الجر من كتاب (الفرخ).
فإن قلت: هلا جعلت ما زائدة في النصب كما جعلت زائدة مع الخفض؟
فالجواب: أن دخول ما المصدرية على الفعل جائز منقاس، وزيادة ما قبل الفعل لا تنقاس، فكان حملها على ما ينقاس أولى.
وقوله والتزم سيبويه فعلية عدا وحرفية حاشا لما كان الجر بـ"عدا" قليلًا لم يعرفه س، وكذلك خلا، لم يعرف الجر بها س، وإنما نقل الجر بهما الأخفش، وقال

الأخفش في الأوسط: "كل العرب يجرون بخلا، وقد زعموا أنه ينصب بها، وذلك لا يعرف" انتهى. فهذا الذي التزمه س من النصب بـ"خلا" قال فيه الأخفش: "إنه لا يعرف".
وقال الأخفش في الأوسط أيضًا: "وأما عدا فإنهم ينصبون بها ويجرون، فإذا جروا فهو حرف جاء لمعنى، وُضع للجر بمنزلة من، وإذا نصبوا فهو فعل، كأنك قلت: جاوز بعضهم زيدًا، وكذلك تفسير خلا" انتهى.
وأما حاشا فلا يُجيز س في المستثنى بها إلا الخفض؛ لأنه لم يحفظ النصب بعدها، وأجاز النصب الأخفش، والجرمي، والمازني، والمبرد، والزجاج، وحكي ذلك بالنقل الصحيح عمن يوثق بعربيته، حكاه أبو زيد الأنصاري، والفراء، والأخفش، وأبو عمرو الشيباني، وابن خروف.
وذهب الكوفيون إلى أن حاشا فعل. وهو فاسد لورود الجر، قال الشاعر:
فلا أهل إلا دون أهلك عندنا وما لك حاشا بيت مكة من عدل
وإذا كانت عدا وخلا وحاشا حروفًا فجرت ما بعدها فمن النحويين من ذهب إلى أنها تتعلق بالفعل أو معنى الفعل، فموضع الجار والمجرور نصب به. ومنهم من ذهب إلى أن الجار والمجرور في موضع نصب عن تمام الكلام.

وإذا كانت أفعالًا فنصبت فالنصب بـ"عدا" ظاهر؛ لأنها كانت متعدية قبل أن يُستثنى بها، قالت العرب: عدا فلانٌ طوره، أي: جاوزه.
وكذلك حاشا، هي فعل متعد، حكي ابن سيده أن حاشيت بمعنى استثنيت، / [4: 68/ ب] وأُحاشي بمعنى أستثني. وزعم بعض أصحابنا أنها مشتقة من الحشي، وهي الناحية؛ لأن المستثنى بها لما خالفه المستثنى منه صار لذلك كأنه في حشي خلاف حشاه، أي: في ناحية خلاف ناحيته.
وأما خلا فإنها في غير الاستثناء لا تتعدى البتة، ومعناها مخالف له في الاستثناء، لكنها ضُمنت معنى جاوز؛ لأن من خلا من شيء فقد جاوزه.
واختلف النحويون في فاعل هذه الأفعال: فذهب س وأكثر البصريين إلى أنه ضمير مستكن في الفعل، لا يبرز، عائد على البعض المفهوم من الكلام، ولذلك لا يُثنى، ولا يُجمع، ولا يؤنث؛ لأنه عائد على مفرد مذكر، فإذا قلت قام القوم عدا زيدًا فالتقدير: عدا هو، أي: بعضهم زيدًا، فإذا كان البعض واقعًا على من عدا زيدًا من القوم فينبغي ألا يجوز ذلك على مذهب الكسائي وهشام؛ لأنهما زعما أن بعضًا لا يقع إلا على ما دون النصف، والصحيح وقوعه على أزيد مما ذاكره، قال الشاعر:
داينت أروى، والديون تقضى فمطلت بعضًا، وأدت بعضا
فـ "بعض" في هذا البيت لابد أن يكون واقعًا على النصف أو على أكثر منه، وحكي ابن الأعرابي عن العرب أنها توقع بعضًا على النصف.

وذهب المبرد إلى أن الضمير فيها واقع على "من" المفهوم من معنى الكلام المتقدم، فإذا قلت "قام القوم" علم المخاطب أن ثم من قام، وجعل في نفسه أن زيدًا بعض من قام، فإذا قلت "عدا زيدًا" فالتقدير: عدا هو، أي: عدا من قام زيدًا. وكأن الذي حمله على التقدير الفرار من إيقاع "بعض" على أكثر القوم.
وذهب الفراء إلى أن حاشا فعل، ولا فاعل له - ويمكن القول في عدا وخلا بذلك - وأن النصب بعدها إنما هو بالحمل على إلا، والتزم فيه النصب لأنه لم يتمحض للحرفية، والفروع يُقتصر فيها على بعض الأحكام، ولا يُنكر أن يعرى الفعل من الفاعل إذا استعمل استعمال الحروف؛ ألا ترى "قلما" قد استعملت للنفي المحض، فاستغنت عن الفاعل، فتقول "قلما يقوم زيدٌ" إذا أردت معنى: ما يقوم، فلا تحتاج إلى فاعل، وكذلك هذه الأفعال، لما كانت معانيها في الاستثناء بمعنى إلا، ولم يظهر فرق من جهة المعنى بين قولنا: قام القوم إلا زيدًا، وقام القوم عدا زيدًا - أجريت مُجرى إلا في العرو عن الفاعل.
وقال المصنف في الشرح: "يُقدر أكثر النحويين فاعل عدا وخلا (بعضهم). وفيه ضعف؛ لأن قولك قاموا عدا زيدًا إن جُعل تقديره جاوز بعضهم زيدًا لم يستقم إلا بأن يراد بالبعض [من] سوى زيد، وهذا - وإن صح إطلاق البعض على كل إلا واحدًا - فلا يحسن لقلته في الاستعمال. فالأجود أن يُجعل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فيُقدر قاموا عدا زيدًا: جاوز / [4: 69/ ب] قيامهم زيدًان ويُستمر على هذا السنن أبدًا إذا دعت إليه حاجة" انتهى.

وهذا الذي ذهب إليه لا يطرد له، فإن من صور الاستثناء ألا يتقدم فعل ولا ما جرى مجرى الفعل، نحو قولهم: القوم إخوتك ما عدا زيدًا، والقوم قُرشيون ما خلا زيدًا، فهاهنا لا يمكن أن يقدر: جاوز فعلهم زيدًا؛ لأنه لم ينسب إليهم فعل، وإذا كان كذلك بطل هذا التقدير، ورجعنا إلى تقدير ما هو عام في الاستثناء، وهو ضمير بعض يدل عليه سياق الكلام، إذ هو المطرد دون تقدير المصدر.
واختلف النحويون هل لجملة عدا زيدًا، وخلا زيدًا، وحاشا زيدًا موضع من الإعراب أم لا:
فجوز السيرافي أن تكون في موضع نصب على الحال، والماضي يقع موقع الحال، وكأنك قلت: خالين زيدًا، وعادين زيدًا، ومُحاشين زيدًا، أي: مجاوزًا هو - أي بعضهم - زيدًا. وجوز أيضًا أن تكون الجملة لا موضع لها من الإعراب وإن كانت جملة مفتقرة من جهة المعنى إلى الكلام الذي قبلها - من حيث كان معناها كمعنى إلا، ولا يُنكر ذلك؛ ألا ترى أن قولك "ما رأيته مُذ يومان" الجملة الابتدائية التي هي "مُذ يومان" لا موضع لها من الإعراب، وهي مفتقرة إلى ما قبلها، ولو قطعت "مُذ يومان" من الكلام الذي قبله لم يكن له فائدة.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "والصحيح أنه لا يكون لها موضع من الإعراب؛ لأنك إذا جعلتها حالًا احتاجت إلى رابط يربطها بذي الحال، ولا رابط؛ لأن الضمير في عدا وخلا وحاشا ليس عائدًا على المستثنى منهم، وإنما هو عائد على البعض المفهوم، وهو مضاف إلى القوم، ولا يقال: إذا كان البعض مضافًا إلى القوم فقد حصل الرابط لأنه كالمصرح به، وكأنك قلت: عدا بعضهم زيدًا؛ لأن هذا هو ربط بالمعنى، والربط بالمعنى لا ينقاس؛ ألا تراهم قصروه على السماع في نحو: مررت برجلٍ قائمٍ أبواه لا قاعدين، ومنعوه في: مررت برجلٍ قائمين لا قاعد

أبواه، على إعمال قاعد في الأبوين، لأن الرابط بالمعنى إنما سُمع في الصفة الثانية لا في الصفة الأولى، فلم يتجاوزوا به موضع السماع، وعدا وخلا وحاشا لا يجوز فيها أن تكون صفة لما قبلها إن كان مما يوصف بالجمل، بل يلزم الاستثناء، ولذلك كان الضمير الذي تحملته مفردًا مذكرًا دائمًا".
وذكر في البسيط الخلاف في "ليس" و"لا يكون" في الاستثناء، الجملة موضع من الإعراب أم لا. وحكمها في ذلك الخلاف حكم عدا وخلا وحاشا إذا نصبن، قال: "فقال قوم: لا موضع لها؛ لأنها جملة منفصلة، أُعطيت معنى الاستثناء بإعقابها الجملة الأخرى قياسًا على غيرها من الجمل. وقال قوم: لها موضع من الإعراب؛ لأن تغييرهم لها واختصاصهم هذه من سائر الجمل يدل على إرادة الاتصال كما بعد إلا. وإنما يكون ما كروه في الجمل التي لم تغير هذا النوع / [4: 96/ ب] من التغيير. وأيضًا فإنه كلام يجري تابعًا لا يكون ابتداءً، فدل على الافتقار إلى ما قبل وجعلها جزءًا منه. وهؤلاء قالوا: إنها في موضع الحال، والتقدير: أتوني غير مُلابسين زيدًا، أي: مستغنين عنه وغير كائنين معه. وفيه نظر، فإن هذا التقدير يدفع التقدير المتقدم في حذف الاسم، وإن الاسم البعض لا الأول، وسبك الجملة إنما يكون بما يبقي فيها المعنى الأول" انتهى.
وقال بعض أصحابنا ما معناه: يدل على تشبث (ليس) و (لا يكون) في الاستثناء بما قبلهما أن العرب لو قصدت أن تكونا جملتين منفصلتين يحصل منهما الاستثناء بحكم الانجرار أو أن تكونا حالًا لأتت بالواو فيهما؛ لأن كلام العرب أن تذكر جملة بعد جملة حملتها الواو، فتقول: قام القوم وخرج عمروٌ، ولا تستعمل بغير الواو إلا قليلًا، كذا قال الأخفش. وكذلك لو قصدوا الحال لأتوا بالواو، ولو في موضع واحد، فكونهم لم يُدخلوا عليهما الواو قط دليل على أنهم لحظوا فيهما معنى الاستثناء، فلم يُدخلوا فيهما الواو كما لا يُدخلونها على إلا وغير، ولو قلت: قام القوم ولم يقم زيدٌ، أو: ونقص منهم زيدٌ، لجئت بالواو، فلم يلحظوا معنى الاستثناء إلا في هاتين الجملتين.

وقوله وإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها، خلافًا للمبرد، بل أسميتها لجواز تنوينها قال المصنف في الشرح: "إذا وليها مجرور باللام فارقت الحرفية بلا خلاف؛ إذ لا يدخل حرف جر على حرف جر، وإذا لم تكن حرفًا فهي إما فعل وإما اسم" انتهى.
وذكر غيره أن الفراء زعم أن حاشا فعل، ولا فاعل له، وزعم أن الأصل: حاشى لزيدٍ، لكن كثر الكلام بها حتى أسقطوا اللام، وخفضوا بها. فإذا كان قد زعم في "حاشا زيدٍ" أنها فعل، وأن أصلها حاشى لزيدٍ - فهي فعل إذا وليها مجرور باللام، وإذا قلت حاشى لزيدٍ فليس معناها الاستثناء، وإنما يؤتي بها لتنزيه الاسم المذكور حيث يذكر فيه سوء أو في غيره، وقد يريدون تنزيه الاسم من السوء، فيبتدرون تنزيه اسم الله تعالى على جهة التعجب والإنكار على من ذكر السوء فيمن برؤوه منه، كقوله تعالى {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} كـ"معاذ الله"، و"سبحان الله في ذلك المعنى.
ويمكن أن يستدل للمبرد على فعليتها بأنها قد تثبت فعليتها في الاستثناء حالة النصب، ولم تثبت اسميتها قبل، وانتفت حرفيتها بدخول حرف الجر على الاسم، ولا يدخل حرف جر على حرف جر إلا في الشعر، بشرط أن يكون الفعل يتعدى تارة بهذا الحرف وتارةً بهذا الحرف، كقوله:
فأصبحن لا يسألني عن بما به .....................

و"حاشى لزيدٍ" ليس مدلول حاشى مدلول اللام.
ويلزم على مذهب المبرد أن تكون اللام في لزيدٍ زائدة؛ لأن حاشى تتعدى بنفسها، فيكون نحو قوله:
..................... /أنخنا للكلاكل، فارتمينا
أي: أنخنا الكلاكل، وفاعل حاشى مضمر يفسره سياق الكلام، والمعنى: جاوز هو - أي: السوء - زيدًا.
وذهب الزجاج إلى أن حاشى لله في معنى: براءة لله، وهو مشتق من الحشى، وهو الناحية، يقال: في حشي فلان، أي: في داره وناحيته، وهو من قوله:
.................... بأي الحشي صار الخليط المُباين
قال: فإذا قلت حاشى لزيد فالمعنى: قد تنحى زيدٌ من هذا وتباعد منه، قال: وكذلك تحاشى، أي: صار في حشي منه.
وقال السيرافي: "وعلى هذا زعم بعض أصحابنا أن حاشا في معنى المصدر، قال: ويقال: حاشى الله، وحاش لله، كما يقال: براءة الله، وبراءةً لله".

وقال السيرافي للزجاج: "لم لم ينون حاشا لله إذا جعله مصدرًا؟ فقال: هو مبنى كـ"بله"، جعله س مصدرًا، وهو مبني".
قال: "ويُنقص، فيقال: حاش لله، وحشا لله، كغدٍ في غدو".
وقال المصنف في الشرح: "الصحيح أنها اسم منتصب انتصاب المصدر الواقع بدلًا من اللفظ بالفعل، فمن قال حاشى لله فكأنه قال: تنزيهًا لله. ويؤيد هذا قراءة أبي السمال "حاشى لله" بالتنوين، فهذا مثل قولهم: رعيًا لزيد، وقراءة ابن مسعود "حاشى الله" بالإضافة، فهذا مثل سبحان الله ومعاذ الله، فأما القراءة المشهورة "حش لله" بالا تنوين فالوجه فيها أن يكون (حاش) مبنيًا لشبهه بحاشا الذي هو حرف، فإنه شبيه به لفظًا ومعنى، فجرى مجراه في البناء كما جرى (عن) في قوله:
....................... من عن يميني تارةً وأمامي
مجرى (عن) في نحو: رويت عن زيد.
وقوله وكثر فيها حاش، وقل حشا يعني في التي تستعمل للتنزيه والبراءة من السوء. ولا يُحفظ حاش في المستثنى بها، وحفظ حشا، قال الشاعر:

حشا رهط النبي، فإن منهم بحورًا لا تكدرها الدلاء
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: ويقال: حاشا وحشا وحاش إلا أن حاش لا تستعمل في الاستثناء.
وقوله وربما قيل ما حاشا قال المصنف في الشرح: "قد قيل: ما حاشا، في مسند أبي أمية الطرسوسي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسامة أحب الناس إلى ما حاشا فاطمة) " انتهى.
وقول المصنف "وربما قيل ما حاشا" يُوهم أن ذلك في حاشا المراد بها التنزيه لا المراد بها الاستثناء، وتمثيله بما ورد في الحديث يدل على أنه أراد في الاستثناء.
وقد اختلف النحويون في جواز دخول "ما" المصدرية على "حاشا" في الاستثناء: فمنع من ذلك س، قال س: "لو قلت أتوني ما حاشا زيدًا لم يكن كلامًا".
وأجاز ذلك بعضهم على قلة، وقد سُمع ذلك من كلامهم، ومن ذلك قول الشاعر:
رأيت الناس ما حاشا قُريشًا فإنا نحن أفضلهم فعالا

[4: 70/ ب] /واختلف النحويون في جواز دخول إلا على حاشا:
فذهب الكسائي إلى جواز ذلك إذا جرت حاشا، ومنع ذلك إذا نصبت، نحو: قام القوم إلا حاشا زيدٍ.
ومنع البصريون ذلك على كل حال.
وحكي أبو الحسن الأخفش عن العرب أنهم يقولون: قام القوم إلا حاشا زيدٍ.
وهذا عندنا شذوذ لا ينبغي أن يقاس عليه غيره، وهو جمع بين أداتين على جهة التأكيد.
وقوله وليس أحاشي مضارع حاشا المستثنى بها، خلافًا للمبرد استدل المبرد على فعليه حاشا بقول النابغة:
ولا أرى فاعلًا في الناس يُشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد
قال المصنف في الشرح: "وهذا غلط؛ لأن حاشا إذا كانت فعلًا، وقُصد بها الاستثناء - فهي واقعة موقع إلا ومؤدية معناها، فلا تتصرف كما لا تتصرف عدا وخلا وليس ولا يكون، بل هي أحق بمنع التصرف؛ لأن فيها مع مساواتها للأربع شبهها بحاشا الحرفية لفظًا ومعنى.

وأما أُحاشي فمضارع حاشيت بمعنى استثنيت، وهو فعل متصرف مشتق من لفظ حاشا، كما اشتق سوفت من لفظ سوف، ولوليت من لفظ لولا، ولاليت من لفظ لا، وأيهت من لفظ أيها، وأمثال ذلك كثيرة" انتهى.
وقال بعض شيوخنا: زعم المبرد أنها تكون فعلا كـ (خلا). واستدل على ذلك بتصريف الفعل: حاشيت زيدًا أُحاشيه، وبقولهم: حاشى لزيدٍ، ولو كانت حرف جر لم تدخل على حرف جر.
قال السيرافي: "ولا حُجة له في حاشيت لأنه مشتق من (حاشا) حرف الاستثناء، كهلل، وبسمل، وسوف من سوف".
وقوله والنصب في "ما النساء وذكرهن" بـ (عدا) مضمرة روي من كلام العرب: "كُل شيء مهمةٌ من النساء وذكرهن"، وخرجه المصنف على أن صلة ما محذوفة، وهي عدا، حذفوها، أبقوا معمولها، قال المصنف: "ومعناه: كل شيءٍ يسيرٌ ما عدا النساء وذكرهن".
وقال غيره: والمهمة: الطراوة والنضارة، يقال: زان المرأة مههها، قال الراجز:
إن سُليمى زانها مههها
وإنما أضمر عدا لأنها مُتفق على فعليتها، بخلاف خلا وحاشا، فإنه مُختلف في فعليتها، فكان المتفق علي فعليته أولى بأن يكون هو المحذوف.

وقوله خلافًا لمن أول ما بإلا قال المصنف في الشرح: "وزعم بعض الناس أن ما هاهنا بمعنى إلا، وليس بشيء" انتهى.
وإنما قال "وليس بشيء" لأن ما لم يثبت لها قط معنى إلا في لسان العرب، بخلاف كونها مصدرية، فهو ثابت في لسان العرب، وقد حصر النحويون مواقع ما في نيف على ثلاثين قسمًا، ليس منها أنها تكون بمعنى إلا.
وقال أبو زيد السهيلي: "ليس ما تدخل فيه ليس تحسن فيه ما، فيستثنى بليس دون ما إلا في كلمة جاءت مثلًا، وهي: كل شيءٍ مهمةٌ ما النساء وذكرهن، أي: ليس النساء وذكرهن" انتهى.
فهذا ثالث؛ لأنها عنده نافية، ليست مصدرية ولا بمعنى إلا، / [4: 71/ أ] واستعمال ما النافية كـ"ليس" في الاستثناء غير معهود، وحذف صلة ما المصدرية كذلك أيضًا، فتتكافأ دعوى إضمار عدا ودعوى كون ما بمعنى ليس مستثنى بها، ووقوع الشيء موقع الشيء لاشتراكهما في المعنى أقرب من حذف صلة ما، ولا يوجد حرف مصدري حُذفت صلته، فأما قول الشاعر:
إذا ريدةٌ من حيث ما نفحت له أتاه برياها خليلٌ يواصله
فقد قدره المصنف: من حيث ما هبت، فحذف صلة ما.
وقد تكلمنا عليه في باب المفعول المسمى ظرفًا، وخرجناه على غير تخريج المصنف بما ظهر لنا أنه أرجح، فيُنظر هناك.
وقال بعض أصحابنا: وزعم الفراء والأحمر أن العرب تستثني بـ (ما)، وحكيا من كلامهم: كل شيءٍ مهمةٌ ما النساء وذكرهن، وهذا شيء لا يُحفظ منه غير هذا

الذي حكيناه، وقد يتخرج على أن يكون (النساء) منصوبًا بفعل استثناء مضمر يدل عليه المعنى، فالتقدير: ما خلا الماء وذكرهن، فأبقى ما المصدريةً والمفعول وحذف الفعل، كما قالوا: أما أنت منطلقًا انطلقت معك، أبقوا أن المصدريةً، وحذفوا الفعل الذي هو كان، وأبقوا اسمها وخبرها.

-[ص: ويستثنى بـ ((ليس)) و ((لا يكون))، فينصبان المستثنى خبرًا، واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف، وكذا فاعل الأفعال الثلاثةً. وقد يوصف على رأي المستثنى منه منكرًا او مصحوب أل الجنسية بـ (ليس)) و ((لا يكون))، فيلحقهما ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامةً.]-
ش: مثال ذلك: قام القوم ليس زيدًا، وخرج الناس لا يكون عمرًا، و ((لا)) قيد في ((يكون))، وهو أن تكون منفيةً بـ ((لا))، فلو كانت منفيةً بما أو بلم أو لما أو لن أو إن لم تقع في الاستثناء؛ وتكون هي الناقصة ولا يدعى أنها أخرى ارتجلت للاستثناء؛ لأن كونها الناقصة التي تقررت ممكن فيها، فلا يعدل إلى غيره.
ومن وقوع ليس استثناء قول الشاعر:
عددت قومي كعديد الطيس إذ ذهب القوم الكرام ليسي
يريد: ليسني. وقال أخر:
فأصبح ما في الأرض مني ثقية لناظرها ليس العظام العواريا
وذكر في الحديث قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب)، وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

يخرج من الخلاء يقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة).
وقول واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الخذف هذا الذي قاله لم يذهب إليه أحد من النحويين، وهو أن اسمها- كما قال - بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف، بل اتفق البصريون والكوفيون على أنه مضمر فيهما ليس ظاهرًا محذوفًا،/ [71:4/ب] بل هو مضمر مفرد مذكر، قال البصريون: هو عائد على البعض المفهوم من الكلام السابق؛ لأن القائل ((قام القوم)) يسبق إلى فكرة أن بعضهم زيد، فقيل: ليس زيدًا، أو: لا يكون زيدًا، أي: ليس هو زيدًا ولا تكون هو زيدًا.
وقال الكوفيون: هو عائد على الفعل المفهوم من الكلام السابق، ولذلك كان مفردًا مذكرًا على كل حال، كما أن الفعل كذلك، فإذا قلت قام القوم ليس زيد فمعناه: ليس هو زيدًا، أي: ليس فعلهم فعل زيد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
ورد هذا المذهب بأن فيه دعوى مضاف محذوف لم يلفظ به قط.
وأقول: قد يأتي الاستثناء بما حيث لا يقدر ما قدره الكوفيون، نحو قولك: القوم إخوتك ليس زيدًا، أو: لا يكون زيدًا، وما أشبه هذا، فهنا لا يمكن تقدير: ليس فعلهم فعل زيد؛ إذ لم يسند إليهم فعل البتة.

وإنما التزم إضماره لجريان هذه الأفعال بجري أداة الاستثناء التي هي أصل فيه، وهي إلا، فكما أنه لم يظهر بعد إلا سوى اسم واحد فكذلك بعد ما جرى مجراه.
وإنما أفرد لكونه عائدًا على مفرد كما قررناه، ولذلك تقول: جاء الناس ليس الزيدين، أو: ليس الزيدين، أو: ليس هندًا، أو: ليس الهندات، وكذلك لا يكون، فأفرد إذ التقدير: ليس هو، أي: بعضنهم.
وإنما لم يذهبوا إلى أن اسم ليس لا يكون ظاهرًا محذوفًا لأن اسم كان وأخوها لا بحذف لأنه مشبه بالفاعل، والفاعل لا يحذف، فكذلك ما شبه به، وإنما هو من باب الإضمار.
إلا أن في البسيط ما يوافق قول المصنف، قال: هما باقيان على أصلهما في رفعهما الاسم ونصبهما الخبر، وإنما خرجا عن أصلهما تنبيها على معنى الاستثناء في أن اسمهما لا يظهر لفظًا ولا يثنى، ولا يجمع، وكأنه محذوف من باب حذف المبتدأ لدلالة الكلام، وليسا حرفي استثناء، وإنما فهم الاستثناء من التأليف وإعقابهما الجملة المتقدمةً، والجمل الباقيةً سواء في ذلك، إلا أنه اختصت هذه سماعًا بذلك، فلو أتيت بجملة نحو جاء القوم لكن زيدًا ما جاء لم يكن استثناء؛ لأنه لم يغير تغييرا يلزم عنه أن يكون في حكم أدواتهما، وهذا التغيير هو أن حذفوا الاسم، وذلك لقوة دلالة الكلام عليه، فإن القائل إذا قال جاء القوم فكأنه توهم عليه أن بعضهم زيد، فقال: لا يكون زيدًا، أي؛ لا يكون بعضهم زيدا، ولو حذفوا الخبر لجاز، لكنهم لم يقولوا إلا هذا لأنه أقوى، وفيه الفائدة.
ويدل على أنه محذوف وجهان:

أحدهما: أنه لم يقدم ذكره فيضمر؛ لأنه ليس إلا ذكر القوم.
والثاني: أنه لا يتبع الأول لا في التأنيث ولا في الجمع ولا في التثنية، تقول: جاء الرجال؛ لا يكون زيدًا، وجاءت النساء لا يكون هندًا.
وقيل: إنما كان ذلك لأنها جعلت في معنى إلا، و ((إلا)) لا تغير بحسب ذلك، فلم يتغير ما هو بمعناه. ويدل على جعلها بمنزلة ((إلا)) إنك لا تقول: جاءني القوم ليس زيدًا ولا عمرا؛ لأنها صارت بمعنى إلا، وخرجت عن معنى الجحد الذي بسببه العطف بـ ((لا)).
وقدره بعضهم لا يكون الآتي زيدًا، وليس القائم زيد، يقدره باسم الفاعل الذي تدل عليه الجملة. وهذا لا يطرد له في قولك: القوم إخوتك ليس عمرًا.
وما ذهب إليه صاحب البسيط والمصنف من حذف اسم ليس واسم لا يكون لا يجوز لأنه مشبه بالفاعل؛ وأفعال هذا الباب - أعني باب كان - مشبهه بالمتعدي إلى واحد، فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه، فكذلك أسماء هذه الأفعال.
واختلف النحويون في ليس ولا يكون إذا استثني بهما هل لهما موضع من الإعراب أو لا موضع لهما عن الإعراب؟ والخلاف فيهما كالخلاف في عدا وخلا وحاشا إذا كن أفعالا، وقد سبق الكلام في ذلك.
وقوله وكذا فاعل الأفعال الثلاثة يعني عدا وخلا وحاشا، فإن فاعلها بعض محذوف مضاف إلى ضمير المستثنى منه، وقد سبق لنا ذكر الخلاف في ذلك، وأنه اختار في الشرح غير ما ذكر في الفاعل مصدر أن الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى

منه، فيقدر في قاموا عدا زيدًا؛ جاوز قيامهم زيدا، وظاهر كلامه هذا أن الفاعل مصدر لازم الحذف، كما ادعى أن ليس ولا يكون حذف اسمهما، وقد رددنا عليه ذلك.
وقوله وقد يوصف على رأي الحق منه منكرًا أو مصحوب آل الجنسية بـ (ليس)) و ((لا يكون)) لفظ ((وقد)) يشعر بالقلة، وكذا لفظ س قال س: ((وقد يكونان صفةً، وهو قول الخليل، وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا، وما أتاني رجل لا يكون بشرا، إذا جعلت ليس ولا يكون بمنزلة قولك: ما أتاني أحد لا يقول ذلك)) انتهى.
وقوله ((على رأي)) مشعر بالخلاف، ولم يذكر أحد ممن رأينا كلامه في هذه المسألة خلافا. وقال س: ((ويدلك على أنه صفة أن بعضهم يقول: ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً، فلو لم يجعلوه صفةً لم يؤنثوا؛ لأن الذي لا يجيء صفه فيه إضمار مذكر؛ ألا تراهم يقولون: أتيتني لا يكون فلانةً، وليس فلان، يريدون: ليس بعضهن فلانةً، والبعض مذكر)) انتهى.
وقال السيرافي: ((أجازوا الوصف بليس ولا يكون لأنهما نص في النفي عن الثاني، وهو معنى الاستثناء، وليس ذلك في عدا وخلا إلا التضمين)) انتهى. فلا يقال: ما أتتني امرأةً، عدت هندًا، ولا: ما مررت بامرأة خلت دعدًا؛ لأنهما ليسا بلفظي جحد كليس ولا يكون. و ((خلا)) لا يتعدى إلى منصوب إلا هنا لا صفةً ولا حالًا.

وفي قول المصنف ((وقد يوصف على رأي المستثنى منه)) تجوز؛ لأنه إذا وصف بليس ولا يكون لم يكن إذ ذاك مستثنى منه؛ إذ لا تكون أداة استثناء ليس ولا يكون، وإذا لا تكون أداة استثناء فلا يكون ما بعدهما مشتى، وإذا لم يكن مستثنى لم يكن مستثنى منه. وينبغي أن يحمل قول المصنف ((المستثنى منه)) على الذي كان يكون مستثنى منه لو لم يوصف.
وقال المصنف في الشرح: ((ولا يكون الموصوف إلا نكرةً أو معرفًا تعريف الجنس لا تعريف [72:4/ب] /العهد، وذلك قولك: أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وأتاني القوم ليسوا إخوتك، وهما عن أمثلة أبي العباس، مثل بهما بعد أن قال: (فإن جعلته وصفا فمد، وكان الجرمي يختاره)) انتهى.
وتمثيله بقولك أتتني امرأةً لا تكون فلانةً ليس بصحيح فيما ادعاه؛ لأن قوله ((امرأةً)) في سياق النفي، فيصح أن تكون مستثنى منها، وس مثل بها في سياق النفي، فيصح أن تكون مستثنى منه؛ ألا تراه قال: ((ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً)).
وقول النحويين ((إن ليس ولا يكون قد يوصف بهما)) إنما يعنون أنهما يكونان وصفين في المكان الذي يكونان فيه صالحين للاستثناء.
وقول المصفف أيضًا ((إنهما يوصف بهما المعرف تعريف الجنس)) هذا بناء على مذهبه في جواز وصف المعرف تعريف الجنس بالجمل، وذلك عندنا لا يجوز؛ لأن الجمل نكرات، والمعرف تعريف الجنس عندنا معرفةً، فلا يوصف بالنكرات؛ ألا ترى أنه يوصف بالمعرفة. ولم يمثل س في استعمال ليس ولا يكون وصفين إلا وما قبلهما نكرة كما نقلناه عنه.

وقوله فيلحقهما إلى آخره بمعني أنه يطابق الضمير الذي في ليس ولا يكون في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع الاسم الذي جرتا صفةً عليه؛ ويلزم أن يطابق الضمير الاسم الواقع خبرًا، فتقول: ما جاءني نساء لسن الهندات، وما جاءني رجال ليسوا زيدًا، وما جاءني امرأةً ليت فلانةً، كما تقول إذا كان قبلهما ما لا يصلح للاستثناء، نحوت أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وجاءني رجال لا يكونون الزيدين، وصاحبني رجلان ليسا أخويك.
والقياس يقتضي أنه إذا وقع قبلهما ما يصلح للاستثناء، وكان معرفةً، أن يكونا في موضع نصب على الحال، نحو: جاء القوم ليسوا إخوتك، وجاءتني النساء لسن الهندات. ونص على ذلك شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي.
وتمثيل س في الصفة بـ (ليس)) و ((لا يكون)) من قوله: ((وذلك قولك: ما أتاني أحد ليس زيدًا، وما أتاني رجل لا يكون بشرًا))، واستدلاله على أنهما يكونان وصفين بالتأنيث في قولهم: ما أتتني امرأةً لا تكون فلانةً، وما أتتني امرأةً ليست فلانةً، وجعل ذلك بمنزلة قولك ((ما أتاني أحد لا يقول ذلك)) في موضع ((قائل ذلك)) - مما يدل على أن الضمير يطابق في التثنية والجمع كما طابق في التأنيث.
وقد قال بعض أصحابنا: ((لا تجوز الصفة إلا أن يكون الثاني بعدد الأول)). يعني أنه إذا كان الأول جمعًا كان ما بعد ليس ولا يكون جمعًا، وكذلك في التثنيةً والإفراد، فتقول: ما قام رجال ليسوا الزيدين، ولا يكونون الزيدين، وكذلك ما أشبهه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: ((أجاز س أن تكون ليس ولا يكون صفةً لما قبل، وزعم أنه قول الخليل، واستدل؛ على ذلك بقول بعضهم: ما

أتتني امرأةٌ لا تكون فلانةً. قال: (فتأنيث تكون دليل على أنه صفةً). قال: (لأن الذي لا يجيء صفةً فيه إضمار مذكر؛ بدليل قولهم: أتينني لا يكون فلانةً، وليس فلانة، يريد: لا يكون بعضهن). وقياس هذا أن يقال: أتوني ليسوا زيدا، ولا يكونون عمرًا، إلا أن يقول قائل: إنما أجازوا ذلك حيث لم يظهر ضميره في اللفظ، وقد قاسوه، وهو ظاهر)) انتهى.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: ((ويجوز أن يكون الضمير الذي في ليس ولا يكون على حسب الذي تقدمهما، فلا يكونان إذ ذاك استثناءين، بل تكون واحدةً منها مع معموليها في موضع صفةً للاسم المتقدم، نحو قولك: جاءني نساء لسن الهندات، وجاءني رجال ليسوا الزيدين)) انتهى.
وأما قولهم: قام القوم إلا أن يكون زيد، وما جاءني أحد إلا أن يكون زيد - فيجوز فما بعد يكون الرفع والنصب، فالرفع على أن ((يكون)) تامةً، فرفعه على الفاعلية، هذا هو الظاهر والقول عن الجمهور.
وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنها يجوز أن تكون ناقصةً، ويجوز أن تكون تامةً، قال في قولك: ما جاءني أحد إلا أن يكون زيد: إنما رفعت زيدًا يكونه، وجعك الخبر مضمرًا في يكون، كأنك قلت: إلا أن يكونه زيد. وإن شئت لم نجعل ليكون خبر؛ لأن كان قد تجيء ولا خبر لها، نحو: كان الآمر، وكان الرجل

وهذا الذي ذهب إليه أبو الحسن من تجويز أن تكون الناقصةً، ويكون خبرها مضمرًا محذوفًا - لا يجيزه أصحابنا؛ لأنه لا يجوز عندهم حذف خبر كان ولا أخواتها للعلةً التي ذكرت في باب كان - قال س: ((فالرفع جيد بالغ وهو كثير في كلام العرب)) انتهى.
والنصب جائز، قال س: ((وبعضهم ينصب، على وجه النصب في لا يكون، والرفع أكثر))،.بمعنى أنه يضمر في يكون ضميرًا مفردًا مذكرًا، لا يبرز في تثنية ولا جمع، ولا يؤنث، كما لا يكون ذلك في ((لا يكون)) إذا استثني بها، ويكون التقدير: إلا أن يكون هو - أي: بعضهم - زيدًا.
وقال الأخفش: ((وقد يقول بعض العرب: ما ضربني أحد إلا أن يكون زيدًا، يضمر في يكون اسم الفاعل) انتهى. ويحتمل كلامه هذا أن يكون الفاعل الضمير العائد على أحد، ويحتمل أن يكون ضمير البعض المفهوم الذي في قولك: جاء القوم لا يكون زيدًا.
فأما قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ} وتأنيث (تكون)، فقرئ بالرفع والنصب والتأنيث ظاهر على قراءةً الرفع. وأما مع نصب التجارةً فالقياس لفظ التذكير؛ لأن المراعى البعض، وهو مذكر؛ ألا ترى أن الأول يكون مؤنثًا، والإضمار مذكر.
ولأن المتقدم هنا (الذين) - وهو مذكر - فزعم السيرافي أن التأنيث على إضمار الأعواد، أي: إلا أن تكون الأموال؛ تجارةً، وحسنه أنه اللفظ المستعمل مع الرفع الذي هو أكثر كلام العرب.

وأداة الاستثناء في ((إلا أن يكون)) هي إلا، و ((أن يكون)) في موضع اسم منصوب في لغة أهل الحجاز؛ لأن الكون غير المستثنى منه، والتقدير: ما جاءني أحد إلا كون زيد، كقولك: ما جاءني أحد إلا حمارًا- وهو في لغة بني تميم مرفوع على البدل من أحد، وهو أقيس، وكذا قاله الأخفش في ((الأوسط)).
وقال بعض شيوخنا: ((ينبغي أن تكون هنا تامةً حتى يكون المستثنى وجود زيد؛ لأن وجود الشيء يعبر به/ [73:4/ب] عن ذاته، بل هو ذاته في الحقيقةً، فيكون قولهم إلا أن يكون زيد في تقدير؛ إلا كون زيد، أي: إلا وجوده، أي: إلا زيدًا. ونظير التعبير بوجود الشيء عن ذاته في كلامهم قولهم: ما أحسن ما كان زيد، بالرفع، أي: ما أحسن كونه، أي: وجوده، ولا يتصور أن تكون هنا تامةً إلا برفع الاسم الذي بعدها، فالرفع في التعجب وهنا هو الوجه)) انتهى.
وهو استثناء منقطع؛ لأن كون زيد ليس من جنس الذوات. وقد رام بعض أصحابنا أن يجعله استثناء متصلًا، فقال: ((أن يكون؛ في موضع نصب بإلا، كأنك قلت: إلا كون زيد.
فإن قلت: ليس المعنى على استثناء كون زيد، وإنما المعنى على استثناء زيد. فالجواب: أنه يتصور على أن تكون أن وصلتها في موضع مصدر منصوب على الاستثناء، ويكون واقعًا موقع الاسم، وكأنك قلت: قام القوم إلا الكائن زيدًا، والكائن زيدًا هو زيد، وساغ لأن وصلتها أن تقع موقع الاسم كما يسوغ ذلك في المصدر الذي هي بتقديره، ومن ذلك قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندي
فأوقع أن تنبت اللحى موقع النابتي اللحى)) انتهى.

وهذا الذي ذهب إليه من كونه استثناء متصلًا لا يسوغ؛ لأن المشهور الأفصح هو رفع زيد بعد: إلا أن يكون، وإذا كان الأفصح ذلك، و ((كان)) كما قررنا تامةً - فلا يمكن أن تقدر أن والفعل في موضع مصدر، ويكون واقعًا موقع اسم الفاعل؛ لأنه يلزم من ذلك إضافةً اسم الفاعل إلى الفاعل، وهو لا يجوز؛ إذ التقدير: إلا الكائن زيد، والكائن اسم فاعل من كان التامة، فلا يجوز أن يضاف إلى الفاعل.
وأما إذا نصب زيد فينبغي أيضًا ألا يسوغ؛ لأن أن والفعل لا تجري مجرى المصدر في كل مكان، والمصدر أيضًا لا يجري مجرى اسم الفاعل بقياس، فلا بجري المقدر به مجراه.
وأيضا فلا حجةً في البيت الذي قد استشهد به؛ لأنه يحتمل أن يكون على حذف مضاف، التقدير: لعمرك ما كمان الفتيان أن تنبت اللحى، فان تنبت اللحى باقٍ على وضعه، لا يراد به أنه يتقدر بالمصدر الموضوع موضع اسم الفاعل.

-[ص: فصل
يستثنى بـ ((غير))، فتجر المستثنى معربه بما له بعد ((إلا))، ولا يجوز فتحها مطلقًا لتضمن معنى ((إلا))، خلافًا للفراء، بل قد تفتتح في الرفع والجر لإضافتها إلى مبني. واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز. ويساويها في الاستثناء المنقطع ((بين)) مضافًا إلى أن وصلتها.]-
ش: تقدم أن غيرًا أصل في الوصف، وأنها محمولةً في الاستثناء على إلا، كما حملت إلا في الوصف عليها.
وقوله معربة بما له - أي: للمجرور بها. بعد إلا، فلغير من الإعراب ما للاسم بعد إلا من نصب واجب، أو جائز يرجح على الإتباع، أو مرجح الإتباع عليه، أو كونه مفرغًا للعامل، فيكون في الإعراب على نحو طلبه، فجميع ما يعرب به الاسم الواقع بعد إلا تعرب به غير، فتقول: جاءوني غير زيد، بنصبها، ويجوز الرفع على النعت للضمير على مذهب من يجيز ذلك، أو على عطف البيان عند [4: 74/أ] عن تأول ما ورد عن ذلك على أنه تابع عطف بيان.
فإن قلت: هل يجوز أن تكون غير بدلًا في الإيجاب؛ لأنه يجوز فيه تكرار العامل كما جاز أن تكون بدلًا في النفي في نحو: ما قام القوم غير زيد، لجواز تكرار العامل، وهو في النفي بدل شيء من شيء، وهما لعين واحدةً؛ لأن غيرًا هي المستثنى منه، ولذلك قال س في أتاني القوم غير زيد: ((فغير هم الذين جاؤوا))، فليكن كذلك في الإيجاب؟

فالجواب: أن غيرًا إذا وقعت في الإيجاب الأولى بقاؤها على أصلها من الصفة، ولا تجعل بدلًا، وإنما قيل في النفي إنها بدل لما ضمنت معنى إلا، وظهر منهم إعرابها إعراب الاسم الذي بعد إلا؛ ألا ترى كثرةً النصب في الإيجاب وقلته في النفي، ولو كانت على أصلها لاستوي الإيجاب والنفي في ذلك.
وتقول: ما جاءني أحد غير زيد، برفع غير، وهو أرجح من النصب. وما لزيد علم غير ظن، فتجيء فيه لغة الحجاز ولغة تميم. وما جاءني غين زيد، فيتعين أن يكون على حسب العامل.
وإذا انتصب غير على الاستثناء، نحو: قاموا غير زيد - ففي انتصابه خلاف:
ذهب أصحابنا إلى أن انتصابها انتصاب الاسم الواقع منصوبا بعد إلا، وأن الناصب له كونه جاء فضلة بعد تمام الكلام، وهذا موجود في غير.
وذهب السيرافي وأبو الحسن بن الباذش إلى أنها منصوبة بالفعل السابق، وهي عند ابن الباذش مشبهةً بالظرف المبهم، فكما يصل الفعل إليه بنفسه فكذلك يصل إلى غير بنفسه.
وهذا مردود بقولهم: القوم إخوتك غير زيد؛ إذ لا فعل ولا اسمًا جاريًا مجراه في الجملة السابقةً.
وذهب أبو علي الفارسي في ((التذكرة)) إلى أنها منصوبةً على الحال، وفيها معنى الاستثناء، كما أن ما عدا في نحو قاموا ما عدا زيدًا يتقدر بمصدر في موضع الحال، وفيها معنى الاستثناء. قال المصنف: ((وهو الظاهر من قول س في (باب

غير) بعد تمثيله بأتاني القوم غير زيد: فغير الذين جاؤوا، ولكن فيه معنى إلا)، هذا نصه)).
وقوله ولا يجوز فتحها مطلقًا لتضمن معنى إلا، خلافًا للفراء قال المصنف في الشرح: ((أجاز الفراء بناء غير على الفتح ضد تفريغ العامل، سواء أكان المضاف إليه معربًا أم مبنيًا، نحو: ما جاء غير زيد، وما جاء غيرك، بالنصب، ولم يذكر في الاحتجاج لذلك من كلام العرب غير مضاف إلى مبني، قال: (بعض بني أسد وقضاعة إذا كانت غير في معنى إلا نصبوها، تم الكلام قبلها أو لم يتم، فيقولون: ما جاءني غيرك، وما جاءني أحد غيرك). وكأن حامله على العموم جعل سبب البناء تضمن غير معنى إلا، وذلك عارض، فلا يجعل وحده سببًا، بل إذا أضيفت غير إلى مبنى جاز بناؤها، صلح موضعها بـ ((إلا)) أو لم يصلح، لكن بناؤها إذا أضمت إلى مبني وصلح موضعها لـ ((إلا)) أقوى من بنائها إذا ضيفت إل مبني ولم يصلح موضعها لـ (إلا). فمثال الأول قول الشاعر:
[4: 74/ب] لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت حمامة في سحوق ذات؛ أو قال
السحوق: الشجرةً العاليةً.
ومثال الثاني قول الشاعر:

لذ بقيس حين يأبى غيره تلفه بحرا مفيضًا خيره
انتهى.
وظاهر قول الفراء جواز قولك: قام غير زيد، بالنصب؛ لأنه عمم الحكم في قوله ((نصبوها تم الكلام قبلها أو لم يتم))، ونسبته ذلك إلى بني أسد وقضاعة تجعله مما اختصت يه هاتان القبيلتان من بين العرب، وأنا تمثيله بالمضاف إلى المبني فلا يحصر الحكم العام فيه.
وقوله واعتبار المعنى في العطوف على المستثنى بها جائز تقول: ما أتاني إلا زيد وعمرًا، وجاءني القوم غير زيد وعمرًا، فيجوز في المعطوف وجهان: أحدهما: الجر عطفًا على المجرور بـ (غير)، وهو الأجود.
والثاني: أن يكون إعرابه على حسب إعراب ((غير)) نفسها، ولا يكون إذ ذاك معطوفًا على ((غير)) نسها، قال س - وحكاه عن الخليل ويونس -: ((وذلك أن غير زيد في موضع إلا زيد وفي معناه، فحملوه على الموضع، وشبهوه يقول الشاعر:
.................. فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وظاهر كلام س أنه عطف على الموضع؛ لأن غيرًا دخيلةً في باب الاستثناء، والأصل في الاستثناء أن يكون بأداته التي هي إلا، فمتى استثني بغيرها فليس ذلك بطريق التأصل، فالمستثنى بعد غير أصله أن يكون معمولًا لما قبل إلا، فالمجوز

موجود، وهو طالب الرفع أو النصب، وإن كانت غير قد أضيفت إلى الاسم، فانجز، فنظير الجر بعدها نظير الجر في رب والباء في خبر ليس من حيث إن طالب الرفع أو النصب موجود؛ وهو رب وليس، وطالب الموضع في الاستثناء موجود، وهو تمام الجملة تفريغا على الأصح المنصور، وجواز العطف هنا لا نعلم فيه خلافا، وأنشدوا:
لم يبق غير طريد غير منفلت وموثق ي حبال القد مسلوب
روي بخفض ((وموثق)) حملًا على لفظ طريد، وبالرفع حملًا على المعنى.
وزعم الأستاذ أبو علي أن قول س في ((ما أتاني احد غير زيد وعمرو)) بالرفع ((إنه معطوف على الموضع))، لا يريد به أن زيدا في ((غير زيد)) موضعه رفع؛ لأنه لا عامل رفع هنا، فليس كقوله:
....................... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
ألا ترى أن أصل الجبال هنا النصب، وعامله حاضر يطلب به، قال: ((فإنما معناه أنه لما كان يجوز أن يقع في موضع ((غير زيد)) ((إلا زيد)) نطق بـ ((غير زيد))، وتوهم إلا زيد)).
وهذا الذي ذهب إليه الأستاذ أبو علي يظهر من كلام ابن عصفور؛ لأنه لم يصرح بأنه عطف على الموضع، بل قال: إن ذلك حمل على المعنى. قال: لأن/ [4: 75 /أ] المعنى في جاءني القوم غير زيد وعمرًا؛ جاءني القوم إلا زيدًا وعمرًا، وفي ما جاءني أحد غير زيد وعمرو: ما جاءني أحد إلا زيد وعمرو.
وأما المصنف فقال في الشرح: ((وذلك أن غير زيد في موضع إلا زيد، وفي معناها، فحملوه على الموضع، كما قال:

.................... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
فلما كان في موضع إلا زيد كان معناه كمعناه، وحملوه على الموضع. والدليل على أنك إذا قلت غير زيد فكأنك قلت إلا زيد أنك تقول: ما أتاني غير زيد وإلا عمرو)) انتهى.
ولا يجوز أن يكون المعطوف - وإن أعرب إعراب غير - معطوفًا على ((غير)) نفسها مع إرادةً هذا المعنى؛ لأنه يلزم إذ ذلك تشريك المعطوف مع غير في العامل، ويصير معنى أخر غير ذلك المعنى، فإذا قلت: ما أتاني غير زيد وعمرو، وجعلته معطوفًا على غير - كان المعنى: ما أتاني غير زيد وما أتاني عمرو، وهذا خلاف ذلك المعنى؛ لأنك إذا لحظت في ((غير زيد)) معنى ((إلا زيد))، وعطفت مراعيًا لهذا المعنى - كان زيد وعمرو آتيين، وكأنك قلت: ما أتاني إلا زيد وعمرو، فيلزم من إرادة هذا المعنى أن تنزل غير منزلة إلا، ويعرب عمرو بإعراب ما بعد إلا، وبإعراب ما بعد غير، ومراعاة ذلك في العطف تقتضي مراعاةً ذلك في سائر التوابع، نحو النعت وعطف والبيان والتأكيد والبدل، فتقول على هذا: ما جاءني غير زيد نفسه، أو غير زيد العاقل، أو غير زيد أبي حفص، أو غير زيد أخيك، فالقياس يقتضي جواز هذا كله بالجر والرفع، ولم ينصوا إلا على العطف.
إلا أن في لفظ ابن عصفور ما يقتضي العموم، لأنه قال: ((وأما المستثنى بغير- وهو الاسم الوقع بعدها - فلا يكون إلا مخفوضًا بالإضافةً، وكذلك تابعه، نحو قولك: جاءني القوم غير زيد وعمرو. وقد يجوز في تابعه أن يكون إعرابه على حسب إعراب غير نفسها حملًا على المعنى، فتقول: جاءني القوم غير زيد وعمرا، بنصب عمرو، وما جاءني أحد غير زيد وعمرو، برفع عمرو)) انتهى.
وظاهر كلام المصنف أنه لا يراعى موضع مجرور غير إلا إذا كانت استثناء لا صفةً؛ لأنه قال: ((واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز)).

وفي البسيط: ((وإذا كانت غير صفةً جاز العطف على موضع الاسم بعدها، وذلك إذا كانت صفةً في الموضع الذي تصح فيه إلا، تقول: ما جاءني غير زيد وعمرو، فلك أن تحمل على المعنى فترفع، لأن المعنى: ما جاء إلا زيد، وكذلك: جاء القوم غير زيد وعمرا، نصبا؛ لأن المعنى؛ جاءني القوم إلا زيدًا. وأما إن كانت صفةً فيما لا تصلح فيه إلا فلا موضع لها؛ لأنه تقدير تفريغ في الإيجاب.
وأما إذا كانت استثناء فيجوز الحمل على اللفظ والحمل على الموضع، وهو أقوى من الصفةً؛ لأن الأول حمل على المعنى، وهذا على اللفظ، وهذا ذكره س، واحتج على جوازه انه في معنى إلا.
وقال قوم: إنه خاص بالاستثناء، فلا يكون [75:4/ب] / في الصفةً. والظاهر جوازه، ولا فرق بينهما في المعنى أعني في الحمل على اللفظ والحمل على الموضع.
ويجوز وجه أخر، وهو القطع على الابتداء كما كان في الاستثناء)).
وإذا عطفت على المستثنى إلا فلا يجوز في المعطوف إلا مشاركة ذلك الاسم في الإعراب؛ فإذا قلت قام القوم إلا زيدا وعمرا فلا يجوز عمرو، بالخفض على تقدير: قام القوم غير زيد وعمرو؛ لأن زيدًا بعد إلا لا موضع له يخالف لفظه، بل لفظه وموضعه واحد.
وقد ذهب بعض النحويين - ومنهم ابن خروف - إلى إجازة ذلك، وحمل عليه قول الشاعر:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة تغنت على خضراء سمر قيودها

روي برفع سمر على لفظ حمامةً، وبجره، قال: على معنى: وما هاج هذا الشوق غير حمامة سمر قيودها.
ومن منع ذلك تأول الجر في سمر على أنه خفض على الجوار أو على أن سمرا نعت لخضراء، والمراد بالقيود عروق الشجرة، وقد حكي ذلك لغة.
وفي الاستدلال بقوله ((سمر قيودها)) على أن يكون نعتًا لحمامةً، على تقدير ((إلا حمامةً)) بـ ((غير حمامةً)) - دليل على إجراء النعت مجرى العطف؛ فعلى هذا يجوز أن يراعى المعنى في قولك: ما جاء غير زيد العاقل، برفع العاقل على معنى: ما جاء إلا زيد العاقل، فلا تتقيد المسألةً بالعطف كما قيدها المصنف وأكثر النحويين.
وإذا كانت غير استثناء ففي العطف بعدها ب ((لا)) خلاف:
فذهب أبو عبيدة والأخفش وابن السراج والزجاج وأبو علي والرماني إلى جواز ذلك، إما على تقدير زيادةً لا، وإما على الحمل غير المعنى؛ لأن الاستثناء فيه معنى النفي، فإن قولك جاءني القوم إلا زيدًا معناه: جاءني القوم لا زيد، وهو هنا أولى لأن غيرًا في أصلها تعطي المعني، ويدل عليه أنك تقول: أنت غير القائم ولا القاعد.
وذهب الفراء وثعلب إلى أنه إذا كانت استثناء فلا يجوز العطف بعدها بـ ((لا)) كما لا يكون بعد إلا، فلا تقول: جاءني القوم غير زيد ولا عمرو، كما لا تقول: جاءني القوم إلا زيدًا ولا عمرًا.

وأجاز النحويون: عندي غير زيد ولا عبد الله، ولم يجيزوا: عندي سوى عبد الله ولا زيد.
وأجاز بعضهم: أنت زيد غير ضارب، ولم يجيزوا: أنت زيد مثل ضارب، لجعلهم غيرا بمنزلة لا.
مسألة: ما لي إلا زيدًا صديق وعمرو، بالنصب، وعمرو بالرفع، فالنصب عطف على إلا زيدا، والرفع على الابتداء، والخبر محذوف لأنه تقدمه ما يدل عليه، كأنه قال: وعمرو لي صديق أيضًا، وحذفت لأن معنى ما لي إلا زيدًا صديق في معنى: زيد صديقي، كما حذفت في: إن زيد قائم وعمرو؛ لأن معنى إن زيد قائم: زيد قائم، وهذا تخريج الخليل.
وقال غيره: إلا زيدا كان يجوز فيه الرفع على أن يبدل منه صديق، كما جاز: ما لي إلا عمرو أحد، وهو ومنع العام موضع الخاص،/ [76:4/أ] وقد كان لو وقع في موضعه اختير فيه الرفع، فرفع الثاني حملًا عليه؛ ألا ترى أن ما لي صديق إلا زيد كان يختار فيه الرفع، وهذا قد وقع موقعه، فرفعوه بالعطف على التوهم، ولا يجوز على هذا: ما لي صديق إلا زيدًا وعمرو، ويعطف على زيد لأنه قد يرتفع؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك، فإنما سمع الرفع في الآخر على هذه الصورة، وهو الفصل بينه وبين المستثنى الأول، فوجهت على ما ذكر.
وقوله ويساويها في الاستثناء المنقطع بيد مضافًا إلى أن وصلتها قال المصنف في الشرح: ((مثاله قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من

قريش, واسترضعت في بني سعد))) انتهى. وكون ((بيد)) بمعنى ((غير)) كما ذكر هو المشهور.
وذهب الأموي إلى أن معنى ((بيد)): ((على)) , وأورد الحديث المذكور.
وقال في البديع: ((وأما بيد فأكثر ما تستعمل مع أن, تقول: ذهب الناس بيد أني لم اذهب, ومعناه معنى غير, وقد تكون بمعنى على, وقد تبدل من بائها ميم)).

-[ص: ويساويها مطلقا سوى, وينفرد بلزوم الإضافة لفظا, وبوقوعه صلة دون شيء قبله, والأصح عدم ظرفيته ولزومه النصب. وقد تضم سينه, وقد تفتح, فيمد.]-
ش: يعني بقوله ((ويساويها)) أي: يساوي غيرا, ويعني بقوله ((مطلقا)) أي: في الاستثناء المتصل, والاستثناء المنقطع, والوصف بها, فتقول: قام القوم سوى زيد, قال:
كل سعي سوى الذي يورث الفو ز فعقباه حسرة وخسار
وتقول: ما في الدار احد سوى حمار, وقال:

لم ألف في الدار ذا نطق سوى طلل ...........................
وتقول: جاءني رجل سوى زيد, قال:
أصابهم بلاء كان فيهم سوى ما قد أصاب بني النضير
قال المصنف في الشرح: ((وتساويها أيضا في قبول تأثير العوامل المفرغة رافعة وناصبه [وخافضة] في نظم ونثر)) انتهى. وسنورد ما أورده المصنف في ذلك والخلاف فيه قريبا, إن شاء الله.
وقوله وينفرد بلزوم الإضافة لفظا, وبوقوعه صلة دون شيء قبله أي: وينفرد سوى عن غير بلزوم الإضافة لفظا, يعني أنها لما ساوتها فيما ذكر من الاستثناء المتصل والمنفصل والوصف وتأثير العوامل انفردت عنها بأنها لازمة الإضافة لفظا دون معنى, وسيأتي ذلك إن شاء الله.
ولا يعترض على سوى بقوله تعالى {مَكَانًا سُوًى} , فإنها هنا قد استعملت بلا إضافة لأنها مغايرة لها في المعنى, إذ هي هنا بمعنى مستو, فـ ((سوى)) لفظ مشترك.
وأما وقوعه صلة فتقول: مررت بالذي سواك, فتصل به الموصول في فصيح الكلام, وسنذكر علة ذلك,/ ولا تصله بـ ((غيرك)) , لو قلت ((جاءني الذي غيرك)) لم يجز فصيحا إلا عند الكوفيين.
وقوله والأصح عدم ظرفيته ولزومه النصب يعني انه لا يكون ظرفا البتة, ولا يلتزم فيه النصب, يعني انه مرادف ل، ((غير)) أبدا, فكما أن غيرا لا تكون ظرفا, ولا يلتزم فيها النصب, فكذلك سوى.

وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أن الأصح عدم ظرفية سوى لا نعلم له سلفا في ذلك إلا الزجاجي, فإن شيخنا الأستاذ أبا الحسن بن الضائع نقل عنه أنها أسماء غير ظروف كغير, قال: ((وإنما غلطه في ذلك أنها ليست أمكنة)). والمشهور بل المنقول أن سوى ظرف.
وإنما الخلاف فيه أهو متصرف أو غير متصرف, بمعنى انه يستعمل ظرفا وغير ظرف:
فذهب س والفراء وأكثر النحويين إلى انه لازم الظرفية.
وذهب بعضهم- ومنهم الرماني والعكبري- إلى انه ظرف متمكن, أي: يستعمل ظرفا كثيرا وغير ظرف قليلا.
فعلى المذهب الأول لا يجوز أن يفرغ العامل لها كغير ظرف غير متمكن.
وعلى المذهب الثاني يجوز, وحكاه شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع عن ابن عصفور, قال: ((وزعم ابن عصفور أن سوى ظرف متمكن, ورد على أبي

عليٍّ الفارسي لأنه سوى بينها وبين الممدودة, وقد زعم س أن الممدودة غير متمكنة, فزعم ابن عصفور أن الأصل في الظروف التمكن, فلا يجوز أن يقال في شيء منها غير متمكن إلا بثبت, وقد اثبت س أن الممدودة غير متمكنة, ولم ينص في المقصورة على ذلك, فالأولى أن تحمل على الأصل)).
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن: ((وليت شعري! ما الفرق بين النص من س على أن المقصورة متمكنة والنص على ذلك من أبي علي؟ فإن كان النص من س محمولا على أنه عن العرب فكذلك يكون عن أبي علي.
فإن قال: س باشر العرب, فيحمل كلامه على النقل, وليس كذلك أبو علي.
قلت: هما مستويان في النفي؛ فإن س إذا نفى تمكن سواء الممدودة فنحمله على الاستقراء, أي: لم يسمعها من كلامهم إلا كذا ظرفا, وأي فرق بين س وأبي على في ذلك؟ فكلام العرب مروى موجود, فنقول: يمكن لكل متأخر أن يتتبعه ويستقريه. وأيضا فكلام أبي علي إذا أطلقه كذا فقال ليس بمتمكن إنما يحمل على ما قد ثبت عنده- ولا بد- إما من استقراء كلام العرب أو من النقل من كلام الأئمة.
ثم إذا كانت سوى في معنى سواء الممدودة فالقياس أن يكون حكمهما واحدا, فاللفظان المتفقان ينبغي- ولا بد- أن تكون أحكامهما متفقة, لاسيما والظرفية فيها ليست متمكنة)) انتهى كلام الأستاذ أبي الحسن شيخنا.
ولا ادري من أي موضع نقل هذا الاختيار عن ابن عصفور, والذي نص عليه ابن عصفور في غير ما تصنيف له موافقة الجمهور من أن سوى ظرف غير

متمكن, قال ابن عصفور: ((ولم يتصرف سوى وسواء لأنهما بمعنى مكانك الذي يدخله معنى عوضك وبدلك؛ ألا ترى انك إذا قلت (مررت برجل سواك) فمعناه: مررت/ [4: 77/ أ] برجل مكانك, أي: عوضك وبدلك, ومكان إذا أريد به هذا المعنى لا يتصرف, فكذلك ما هو في معناه. وسبب ذلك أن مكانك بهذا المعنى ليس بمكان حقيقي؛ لان مكان الشيء حقيقة إنما هو موضعه ومستقره, فلما كانت الظرفية على طريقة المجاز لم يتصرفوا فيه كما يتصرفون في الظروف الحقيقية)).
وقال: سوى وسواء لا يرفعان, لا يقال: قام سوى زيد, ولا: قام سواء زيد, ولا ينتصبان على غير الظرفية إلا أن يجئ شيء من ذلك في ضرورة شعر.
وقال أيضا: ((سوى وسوى وسواء بمنزلة غير في المعنى, إلا أن يكون أبدا في موضع نصب على الظرف, فإذا قلت: قام القوم سواك وسواك وسواءك فكأنك قلت: القوم مكانك وبدلك.
ولا تستعمل بعد عامل مفرغ, فلا تقول: ما قام سواك, كما تقول: ما قام غيرك, وكذلك لا تقول ما ضربت سواك, ولا: ما مررت بسواك, كما تقول: ما ضربت غيرك, وما مررت بغيرك؛ لأنها لزمت الظرفية)).
وقال المصنف في الشرح ناصرا لمذهبه الذي اختاره: ((وتساويها أيضا في قبول تأثير العوامل المفرغة رافعة وناصبة وخافضة في نثر ونظم, كقول النبي عليه السلام: (دعوت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسهم) , وقوله: (ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود, أو كالشعرة السوداء

في جلد الثور الأبيض) , وكقول بعض العرب: أتاني سواؤك, نقله الفراء, ومن أمثلته: أتيت سواك, وكقول أبي داود:
وكل من ظن أن الموت مخطئه معلل بسواء الحق مكذوب
وكقول الآخر:
أأترك ليلى ليس بيني وبينها سوى ليلة, إني إذا لصبور
وكقول الآخر:
لديك كفيل بالمنى لمؤمل وان سواك من يؤمله يشقى
وكقول الآخر:
وإذا تباع كريمة أو تشتري فسواك بائعها, وأنت المشتري
وكقول الآخر:
ذكرك الله عند ذكر سواه صارف عن فؤادك الغفلات
وكقول الآخر:
فلما صرح الشر فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا

وكقول الآخر:
وقال نساء: لو قتلت لساءنا سواكن ذو الشجو الذي أنا فاجع
وكقول الآخر:
فقلت لهم: بني ذبيان عودوا كما كانت أوائلكم تعود
على المولى بالا تخذلوه فإن أخا سوائكم الوحيد
وجعل س سوى ظرفا غير متصرف, فقال في باب ما يحتمل الشعر مما لا يحتمل في غيره: (وجعلوا مالا يجري في الكلام إلا ظرفا بمنزلة غيره من الأسماء, وذلك قول المرار العجلي:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم إذا جلسوا منا ولا من سوائنا)
ثم قال: (فعلوا ذلك لان معنى سواء معنى غير).
قلت: قد صرح س بأن معنى/ [4: 77/ ب] سواء معنى غير, وذلك يستلزم انتفاء الظرفية كما هي منتفية عن غير؛ فإن الظرف في العرف ما ضمن معنى في من أسماء الزمان والمكان, وسوى ليس كذلك, فلا يصح كونه ظرفا, ولو سلم كونه ظرفا لم نسلم لزوم الظرفية للشواهد التي تقدم ذكرها نثرا ونظما.
فإن تعلق في ادعاء الظرفية بقول العرب: رأيت الذي سواك, فوصلوا الموصول بسواك كما وصلوه بـ (عندك) ونحوه من الظروف- فالجواب أن يقال: لا

يلزم من معاملته معاملة الظرف كونه ظرفا؛ فإن جرف الجر يعامل معاملة الظرف, ولم يكن بذلك ظرفا, وان سمي ظرفا فمجاز. وان أطلق على سوى ظرف إطلاقا مجازيا لم يمتنع, وإنما يمتنع تسميته ظرفا بقصد الحقيقة, وان كان ذلك مع عدم التصرف فامتناعه أحق.
فإن قيل: فلم استجيز الوصل بـ ((سوى)) , ولم يستنجز بـ ((غير)) , وهما بمعنى واحد؟
فعن ذلك جوابان:
أحدهما: أن هذا في النوادر كنصب غدوة بعد لدن, وكإضافة ذي إلى تسلم في قولهم: اذهب بذي تسلم.
والثاني: أن ((سوى)) لازمة الإضافة لفظا ومعنى, فشبه لـ ((عند)) و ((لدى)) في ذلك مع كثرة الاستعمال, فعومل في الوصل به معاملتهما, ولم تعامل ((غير)) هذه المعاملة لأنها قد تنفك عن الإضافة لفظا.
فإن قيل: فما موضع ((سوى)) من الإعراب بعد الموصول؟
قلت: يحتمل أن يكون موضعه رفعا على انه خبر مبتدأ مضمر, ويحتمل أن يكون موضعه نصبا على انه حال, وقبله ((ثبت)) مضمرا, كما اضمر قبل أن في قولهم: لا افعل ذلك ما أن حراء مكانه. ويقوي هذا الوجه قول من قال: رأيت الذي سواءك. ونظيره أيضاً قولهم: كل شيء مهة ما النساء وذكرهن. ولنا أن نجعل سواءك بعد الموصول خبر مبتدأ مضمر على أن يكون مبنيا لإبهامه وإضافته إلى مبنى, كما فعل ذلك بـ ((غير)) في قوله:

لذ بقيس حين يأبى غيره تلفه بحرا مفيضا خيره))
انتهى كلام المصنف في الشرح.
وإنما كثر الشواهد على زعمه لأنه ذهب مذهبا قل أن يتبع عليه؛ لان مستقري اللغة وعلم النحو لا يكاد احد منهم يذهب إلى مقالته, وهي عندهم منصوبة على الظرف, ولا حجة فيما كثر به من الشواهد؛ لأنها كلها جاءت في الشعر, وهو محل ضرورة, ولم يجئ شيء منه في الكلام.
وأما ما جاء في الحديث فقد تكلمنا معه في ذلك, وبينا أن النحاة لم يستدلوا بما ورد في الحديث على إثبات القواعد النحوية, وبينا العلة في ذلك.
وأما رواية الفراء ((أتاني سواؤك)) فهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه, وناهيك أن س حكي أن سواءك لا يجري في الكلام إلا ظرفا, وانشد بيت المرار على انه ضرورة, وكذلك عجز بيت الأعشى, وصدره:
تجانف عن أهل اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا
[4: 78/ أ] / وأما كلامه في تخريج ((سوى)) إذا كانت وصلا للموصول فهو في غاية التكلف ومخالف لكلام الناس.
وذكر في البسيط أن الكوفيين ذهبوا إلى أنهما- يعني سوى وسواء-قد يكونان اسمين بمنزلة غير, واحتجوا بقوله:
ولم يبق سوى العدوا ن ....................................
وقوله:

................ وما قصدت من أهلها لسوائكا
وقوله:
........................... معلل بسواء الحق مكذوب
وقالوا في الكلام: أتاني سواؤك, أي: غيرك. وقال البصريون: هذا من الشاذ.
وأما ((سواء)) من قوله {فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} , وقولهم ((مررت برجل سواء والعدم)) , وسواء على أقمت أم قعدت, و {فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ}، و:
....................... ............ في سواء القبر ملحود
وقوله {مَكَانًا سُوًى} - فهما اسمان لا ظرفان اتفاقا.
وقال بعضهم: ((الفرق بين (سوى) و (غير) أن غيرا تضاف إلى المعرفة والنكرة, وسوى لا تضاف إلا إلى المعرفة)) انتهى.
وما ذكر هذا القائل من أن ((سوى)) لا تضاف إلا إلى المعرفة فقد تقدم إنشادنا:
................. سوى طلل ....................
و:
.............................. سوى ليلة ..................
وهما نكرتان.

وقوله وقد تضم سينه، وقد تفتح فيمد المعنى أن سوى الواقعة في الاستثناء تضم سينه، فيقال: قام القوم سوى زيد، وقد تفتح فيمد، فيقال: قام القوم سواء زيد، وروى ضم السين والقصر الأخفش، وروى فتح السين والمد س، ولم يذكر فيما يستثنى به منهن إلا سوى المقصورة المكسورة السين، وظاهر كلام الأخفش أنه يستثنى بالثلاثة. وذكر ابن الخباز الموصلي في "شرح ألفية ابن معط" لغة رابعة، وهي كسر السين مع المد.
وقال ابن عصفور في الشرح الصغير: "الصحيح أن جميعها - يعني سوى وسوى وسواء- منتصب على الظرف، ولم يشرب منها معنى الاستثناء إلا سوى المكسورة السين، فإن استثنى بما عداها فبالقياس عليها" انتهى. ولذلك لم يمثل س إلا بـ "سوى" المكسورة السين، قال س في الاستثناء في باب لا يكون وليس: "وأما أتاني القوم سواك فزعم الخليل - رحمه الله- أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك، إلا أن في سواك معنى الاستثناء".
وقال غير س: سوى وسوى لا يحكم على موضعهما إلا بالنصب؛ لأنهما ظرفان بمنزلة بدلك وموضعك، ومتى مددت ظهر الإعراب، إلا أنه لا يكون إلا نصبًا، نحو: قام القوم سواءك، وما مررت بأحد سواءك، ولا يجر إلا في الشعر.
وزعم عبد الدائم بن مرزوق القيرواني أن سواء مبنية على الفتح. وكأنه لما رأى قولهم: قام القوم سواءك، وما مررت بأحد سواءك، يلتزم في همزة سواء الفتح، ولم تتغير تغير غير بوجوه الإعراب، وهي في هذه المواضع بمعنى غير - ادعى أنها مبنية.

و"سواء" المعربة إنما هي بمعنى مستو، نحو قوله تعالى {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ}، أو بمعنى وسط، نحو قوله تعالى {فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ}، أو بمعنى حذاء، نحو قولهم: زيد سواء عمرو، أي: حذاء عمرو.
ولما ذكره عبد الدائم وجه من القياس، وهو أن /سواء بنيت لتضمنها معنى الحرف - وهو إلا- مع قلة تصرفها؛ ألا ترى أنها لا يبتدأ بها، ولا تكون مفعولًا صريحًا، ولا تجر إلا في الشعر ضرورة، بخلاف غير، فإنها يكون فيها ذلك. ويلزم عبد الدائم أن يقول ذلك في سوى وسوى، أو يبدي فرقًا بين هذين وسواء.
والصحيح أن الفتحة في سواء هي فتحة إعراب، وهي ظرف ملتزم فيها الظرفية إلا في الشعر.

-[ص: وقد يقال: "ليس إلا"، و"ليس غير"، و"غير" إذا فهم المعنى، وقد ينون، وقد يقال: "ليس غيره"، و"ليس غيره"، و"لم يكن غيره" و"غيره" وفاقًا للأخفش.]-
ش: يجوز حذف ما بعد "إلا" وبع "غير"، وذلك بعد ليس خاصة، تقول: جاءني زيد ليس إلا، وليس غير، أي: ليس الجائي إلا هو، أو غيره.
وتقول: قبضت عشرة ليس إلا، وليس غير وغير، فالأول على تقدير: ليس غير ذلك مقبوضًا، والثاني على تقدير: ليس المقبوض غير ذلك.
وليس قولهم "جاءني زيد ليس إلا، وليس غير" استثناء من الأول؛ لأنه يكون تابعًا لما ليس متبعضًا كالشخص، ولأن ما بعد ليس هو الأول كيف كان.

وقدر س في "ليس غير" الخبر محذوفًا، و"غير" هو الاسم، أي: ليس غير ذلك جاءني.
وجوز الأخفش أن يكون المحذوف الاسم، فيكون "غير" الخبر، لكنه مبني، كذا نقل في "البسيط".
وذكر ابن خروف أن قول س "ليس غير" في "باب مجاري أواخر الكلم من العربية" روي بفتح الراء وضمها، والأخفش يجعلها معربة في الحالين، ونزع التنوين للإضافة، والمضاف إليه ثابت في التقدير.
وكذا قال في "الإفصاح"، قال: قال أبو الحسن: ليس غير: غير اسم ليس، وحذفوا التنوين لاعتقاد الإضافة، والخبر محذوف للاختصار، والمعنى: ليس غير ذلك موجودًا. وروي فيه "ليس غير" بالنصب، قال: وهو خبر ليس على ذلك التقدير. وذكر أن بعض العرب ينون غيرًا مرفوعةً ومنصوبةً لأنه في اللفظ غير مضاف.
وذهب الجرمي والمبرد وأكثر المتأخرين إلى أن قولك "ليس غير" الضمة فيه حركة بناء، وحكاه صاحب البسيط عن س. وكان البناء على الضم للقطع عن الإضافة، وتكون مبنية سواء أكانت اسم ليس أم خبرها تشبيهًا بقبل وبعد في الإبهام والقطع عن الإضافة ونية المضاف إليه. وإن شئت قلت: ضمنت معنى إلا؛ لأن العرب تقول في هذا الموضع: ليس إلا.

ويستدل للإعراب بتنوينها؛ لأنه إما أن يكون للصرف أو للعوض من المضاف إليه، وأيا ما كان لزم كون ما فيه معربًا؛ لأن تنوين الصرف لا يلحق مبنيًا، وتنوين العوض يبقى ما دخله على حاله السابق من إعراب، نحو كل وبعض، أو من بناء، نحو حينئذ.
وتجوز إضافة غير، فيرفع أو ينصب، فيقال: ليس غيره، فتقول في تقدير الرفع: ليس الجائي غيره، وفي تقدير النصب: ليس الجائي غيره. وهذا التقدير يصح في "ليس إلا"، أي: ليس الأمر إلا ذاك، أو ليس الأمر إلا ذاك، فتحذف الاسم أو الخبر، وتقدره على ما يليق بالمعنى، والأجود التصريح مع "غير" بالمضاف إليه، فقولك قبضت عشرة ليس غيرها، أو ليس غيرها، أجود من ليس غير أو غير.
واختلف / [4: 79/ أ] في الحذف، هل يجوز مع "لم يكن":
فأجاز ذلك الأخفش، فأجاز أن تقول: لم يكن غيره أو غيره، فتحذف الاسم أو الخبر مع "غيره" مضافة كحذفهما مع ليس. ووافقه على ذلك المصنف.
وزعم السيرافي أن هذا الحذف لا يجوز مع "لم يكن"؛ لأن حذف الاسم أو الخبر في "ليس" القياس فيه ألا يجوز؛ لأنها من باب كان، والأصل في كان وأخواتها ألا يجوز فيها حذف الاسم ولا حذف الخبر لعلة ذكرت في باب كان، فلا ينبغي أن يقاس على ما شذ من ذلك في ولهم: ليس إلا، وليس غير.
ص: والمذكور بعد "لاسيما" منبه على أولويته بالحكم لا مستثنى، فإن جر فبالإضافة، و"ما" زائدة، وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف، و"ما" بمعنى الذي. وقد توصل بظرف أو جملة فعلية، وقد يقال "لاسيما" بالتخفيف، ولا سواء ما.

ش: أدوات الاستثناء المتفق عليها والمختلف فيها: إلا، وغير، وسوى، وعدا، وخلا، وحاشا، وليس، ولا يكون، وسوى بضم السين، وسواء بالمد وفتح السين وكسرها، وما النافية، وبيد، وإلا أن يكون، وتقدم الكلام على هذه. ولاسيما، وبله، ولما، وفي كلام بعض الفقهاء الحنفيين ما يدل على أن "دون" من أدوات الاستثناء، ونحن نتكلم على هذه الأربعة، فنقول:
أما "لاسيما" فعدها الكوفيون وجماعة من البصريين كالزجاج وأبي علي والنحاس، ومن أصحابنا أبو جعفر بن مضاء صاحب كتاب "المشرق" وغيره من أدوات الاستثناء.
ووجه ذكرها في أدوات الاستثناء أنك إذا قلت قام القوم لاسيما زيد فقد خالفهم زيد في أنه أولى بالقيام منهم، فهو مخالفهم في الحكم الذي ثبت لهم بطريق الأولوية.
والصحيح أن "لاسيما" لا تعد من أدوات الاستثناء لأنه مشارك لهم في القيام، وليس تأكيد القيام في حقه يخرجه عن أن يكون قائما، ولذلك لم يذكرها س إلا في باب النفي، ودخول الواو عليها يمنع أن تكون من أدوات الاستثناء. ويدل على بطلان كونها أداة استثناء عدم صلاحية "إلا" مكانها، بخلاف سائر الأدوات، فإنه تصلح إلا مكانها، وهذا واضح من دلالتها.
وقال ابن هشام: لما كان ما بعدها بعضًا مما قبلها وخارجًا عنه بمعنى الزيادة كان استثناء من الأول؛ لأنه خرج عنه بوجه لم يكن له، وأقرب ما يشبه به قول النابغة:
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد، فما يبقي من المال باقيا

لأن كونه جوادا خير، لكن زاد في هذا الخير على خيره بما هو خير.
وقوله فغن جر فبالإضافة، و"ما" زائدة يعني: إذا قلت "لاسيما زيد" فمعناه: لا مثل زيد، وزيادة "ما" بين المضاف والمضاف غليه مسموعة من كلام العرب، وإن لم تطرد زيادتها بين كل مضاف ومضاف إليه، وهي في هذا المكان من المسموع عن العرب. ويجوز حذف ما، فتقول: / [4: 79/ ب] ولا سي زيد، نص عليه س.
وقال ابن هشام في "شرح الإيضاح" عن س: إنه زعم أن ما زائدة لازمة لا تحذف. كأنه وقف على أول كلام س فيها، ولم يطالع آخره، فإن س زعم أن ما يجوز حذفها، قال س: "وإن حذفت ما ومن فعربي جيد". يريد "ما" من لاسيما زيد، و"من" من كائن.
وزعم الأستاذ أبو علي أن الخفض ضعيف لزيادة ما، قال: "لأنه ليس من مواضع زيادتها".
وما ذهب إليه ليس بجيد؛ لأن هذا مما علم زيادة "ما" فيه بالسماع فصيحًا، فكما نقول تطرد زيادة ما بعد إذا كذلك نقول تطرد زيادة ما في لاسيما زيد. و"لا" عاملة النصب في سي، وخبرها محذوف لفهم المعنى، والتقدير: لا مثل قيام زيد قيام لهم. وإنما قدرنا الخبر نكرة لان "لا" لا تعمل في المعارف، وإنما عملت في سي زيد لأن سيا بمعنى مثل، فهي لا تتعرف بما تضاف إليه.
وزعم أبو علي في "الهيتيات" أن قولك قام القوم لاسيما زيد ليست "لا" عاملة النصب في سي، بل سي منصوب على الحال من الجملة السابقة، ولم

تتكرر "لا" وإن كان قياسها أن تتكرر، وذلك كما تقول: جاء زيد لا ضاحكًا ولا باكيًا، وكأنه قال: قام القوم غير مماثلين زيدا في القيام.
وما ذهب إليه فاسد لجواز دخول الواو على لا، فتقول: قام القوم ولاسيما زيد، ولو كان منصوبا على الحال لم يجز دخول الواو عليه، كما لا يجوز: جاء زيد ولا ضاحكا ولا باكيا.
ومن غريب القول ما حكاه صاحب "البديع"، وهو أن من النحويين من زعم أن "لا" في "لاسيما" زائدة.
وقوله وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف، و"ما" بمعنى الذي مثال ذلك: لاسيما زيد، فـ "ما" مخفوضة بالإضافة، وزيد خبر مبتدأ محذوف، تقديره: لا سي الذي هو زيد، ونظيره قول العرب: دع ما زيد، أي: دع الشخص الذي هو زيد.
وهذا الوجه فيه ضعف من جهتين:
إحداهما: حذف صدر الصلة من غير طول، وليس الموصول أيا، والتزام حذفه دائما، فلا يحفظ م كلامهم: لاسيما هو زيد.
والثانية: إطلاق "ما" على آحاد من يعقل، والمشهور أن ذلك لا يجوز، وخبر "لا" محذوف، كما كان حين كان "زيد" مخفوضًا. هذا هو المشهور في إعراب "ما" إذا ارتفع ما بعد: لاسيما.
وزعم الأخفش أن سي ليس مضافًا لـ "ما"، بل "ما" موصولة بمعنى الذي في موضع رفع، و"لا" مع "سي" كهي في قولك: لا رجل، و"ما" هو خبر"لا"، فكأنه قال: لا مثل الشخص الذي هو زيد.

وهذا فاسد لأن فيه عمل "لا" في خبرها، وهو معرفة، و"لا" لا تعمل في المعارف.
وأجاز ابن خروف إذا ارتفع ما بعد لاسيما أن تكون "ما" نكرة موصوفة، وزيد: خبر مبتدأ محذوف، في موضع الصفة.
ولم يذكر المصنف في إعراب ما بعد لاسيما إلا الخفض، وبدأبه لأنه أقيس وأقل تكلفا، والرفع، وكلاهما جائز في المعرفة والنكرة.
ولم يذكر س غير الخفض والرفع.
وأهمل المصنف وجها آخر ذكروا أنه جائز في النكرة، / [4: 80/ أ] وهو النصب، وقد ضبط بيت امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح ولاسيما يوم بدارة جلجل
بالرفع والنصب والجر، والنصب في النكرة على التمييز، وفي إعراب "ما" وجهان:
أحدهما: أن تكون في موضع خفض بالإضافة، نكرة تامة، كأنه قال: ولا مثل شيء، ثم ميز وفسر بالنكرة المنصوبة، وهذا الإعراب الذي تلقفناه من أفواه الشيوخ.
وقال الفارسي في تذكرته: "رووا في "ولاسيما يوم" الوجوه الثلاثة، النصب عندي ليس بالسهل، ووجهه أن تجعل ما بمنزلة شيء، وتنصب يوما عن تمام الاسم بالإضافة، مثل: أفضل الناس رجلا. ولا يجوز أن تجعل ما بمنزلة الذي، وتنصب اليوم على الظرف، فتقول: لا مثل الذي يوما بدارة جلجل، وتجعله صلة الذي" انتهى.

وفي البسيط: وذكر بعضهم أنه يجوز النصب في الاسم تمييزا، وتكون "ما" نكرة غير موصوفة، كأنك قلت: لا مثل شيء رجلا. وفيه ضعف؛ لأن مثل يضاف إلى معرفة ليتخصص، فيقال: لي مثله رجلا، وقد روي قول امرئ القيس:
.......................... ولاسيما يوم بدارة جلجل
بالثلاثة الأوجه.
وقال أبو القاسم بن القاسم: هو ظرف صلة لـ "ما"، أراد: ولا مثل الذي اتفق يوما، فحذف للعلم.
قال ابن هشام: وبهذا قال أكثر من رأيت، ومن كلامهم: قد عرفت الذي أمس، أي: الذي وقع واتفق. وحكي س في (باب ما حذف من المستثنى): هذا الذي أمس، قال: "يريد الذي فعل أمس". ومجيء الظرف صلة كثير إلا أن فيه قلقا؛ لأن اليوم لا يقع في اليوم، لكنه يتصور أن يريد: ألا رب وصل يوم، أو لذاذة يوم، فيتصور ذلك.
والوجه الثاني: أن تكون "ما" لا موضع لها من الإعراب، وتكون حرفا كافا لـ "سي" عن الإضافة إلى ما بعدها، فأشبهت الإضافة في قولهم "على التمرة مثلها زبدا" من جهة منعه الإضافة إلى ما بعدها، وهذا توجيه الفارسي.
وحكي عن الأستاذ أبي علي أنه كان يستحسنه. وقال المصنف في الشرح: "ولا بأس به في كل ما وقع بعد لاسيما من صالح للتمييز" انتهى. وجوزه أيضًا شيخنا أبو الحسن بن الضائع، قال: "ويجوز أن ينتصب يوما على

الظرف، كأنه أراد: ولا مثل ما كان لك في يوم بدارة جلجل، هذا تفسير المعنى، وتكون ما كافة".
وقوله وقد توصل بظرف مثاله: يعجبني الاعتكاف ولاسيما عند الكعبة، أو: لاسيما إذا قرب الصبح، وقال الشاعر:
يسر الكريم الحمد لاسيما لدى شهادة من في خيره يتقلب
وجوز المصنف في الشرح في قول امرئ القيس:
........................ ولاسيما يوما بدارة جلجل
أن يكون "يوما" ظرفًا صلة لـ"ما"، و"بدارة جلجل" /صفة لقوله "يوما"، أو متعلقا به لما فيه من معنى الاستقرار.
وهذا الذي جوزه فيه بعد لأن "ما" إذ ذاك موصولة بمعنى الذي، ويعني بها اليوم، كأنه قال: ولا مثل اليوم يوما بدارة جلجل، أي: ولا مثل اليوم الذي في يوم بدارة جلجل.
وقد جوزه أيضًا شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع، فقدره: ولا مثل اليوم الذي ثبت لك في وقت بدارة جلجل. وجوز أيضًا أن يكون التقدير: ولا مثل الصلاح والحسن الذي في يوم بدارة جلجل، لما قال "ألا رب يوم لك منهن صالح" استدرك.
وقوله أو جملة فعلية مثاله: يعجبني كلامك لاسيما تعظ به، وقال الشاعر:
فق الناس في الخير لاسيما ينيلك من ذي الجلال الرضا

وقوله وقد يقال لاسيما بالتخفيف زعم ابن عصفور أنه لا يجوز تخفيف الياء من لاسيما؛ لأن ذلك لم يحفظ من كلام فصيح، ولا يقتضيه القياس؛ لأن تخفيفها يؤدي إلى إبقاء الإسم المعرب على حرفين، وثانيهما حرف علة، وذلك غير محفوظ في حال إفراد ولا في حال إضافة إلا ما جاء من قولهم فوك وذو مال، وهما خارجان عن القياس.
وما منعه الأستاذ أبو الحسن بن عصفور قد حكاه الأخفش في «الأوسط»، قال فيه: «ومن العرب من يخفف لاسيما». وحكا أيضاً أبو جعفر النحاس، وأبو الفتح بن جني، وأبو عبد الله بن الأعرابي في نواره، قال: «يقال: ولاسيما، وقد تخفف، ويرفع بها ويخفض، من جعل سيما حرفاً واحداً رفع ما بعده، ومن جعل ما حشواً خفض به» انتهى كلامه. ونسبة الرفع إليها والخفض على طريق المجاز، ولا يعني أن لاسيما ترفع وتخفض حقيقة، إلا أنه لما كان الرفع في الاسم بعدها والخفض نسب ذلك إليها. وقال الشاعر في تخفيف الياء في لاسيما:
ف بالعقود وبالأيمان لاسيما عقد وفاء به من أعظم القرب
وإذا خففت الياء في لاسيما فما المحذوف؟ أعين الكلمة أم لامها؟ وذلك أن سيا عينها واو، ولامها ياء، فهي من باب طويت، وأصلها سوي؛ لأنها من سويت، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها على حد ميزان، أو لوقوع الياء بعدها، أو لهما جميعاً، وأدغمت في الياء، فقيل سي.
فذهب ابن جني إلى أن المحذوف هو لام الكلمة، وانفتحت الياء بإلقاء حركة اللام عليها، قال: فكان ينبغي أن ترجع واواً لأنها عين، وتصح كما صحت في عوض وحول، وأن يقال: لا سوما زيد، لكنها أقرت على قلبها دلالة على أن المراد سكونها ووقوع الياء بعدها، وإن شئت قلت لأنها الآن قد وقعت طرفاً، فضعفت.

قال ابن يسعون: «وإنما آثر القول بحذف اللام لأنها أولى بذلك» انتهى. وأولويتها بذلك لأن حذف/ اللام أكثر من حذف العين [4: 81/أ]
والأحسن عندي الوقوف فيها مع الظاهر وأن يكون المحذوف العين وإن كان أقل من حذف اللام.
وقد أبدلت العرب سين سيما تاء، فقالوا: لا تيما، كما قالوا في الناس: النات، وفي الأكياس: الأكيات، وقال بعضهم {قل أعوذ برب النات. ملك النات. إله النات}.
وأبدلت أيضاً «لا» بـ «نا»، فقالوا: نا سيما، أي: لاسيما، كما قالوا: قام زيد نا بل عمرو، ويريدون: لا بل عمرو.
وقوله ولا سواء ما أي: يقال: ولا سواء ما، فتقول: قام القوم لا سواء ما زيد. وإطلاقه يدل على جواز الرفع والجر بعد: لا سواء ما، كما جاز ذلك بعد: لا سيما.
وحكي ابن الأعرابي في نوادره وأبو الحسن الهنائي في «المجرد» أن العرب تقول: «لا مثل ما» بمعنى: لاسيما، وأنهما بمعنى واحد. ونص ابن الأعرابي على أن ما بعد «لا مثل» يرفع ويخفض كما بعد: لاسيما.
وقال الهنائي: «لا تر ما، ولاسيما، ولا مثل ما، يمعنى واحد». وذكر ابن الأعرابي «ولو تر ما» بمعنى: لاسيما، إلا أنه قال: «لا يكون فيها إلا الرفع»، يعني أن الاسم الذي بعد «تر ما» لا يكون فيه إلا الرفع. وذكر أن الأحمر ذكر «ولو تر

ما». وإنما لم يكن بعد «تر ما» إلا الرفع لأن «تر» فعل، فلا يمكن أن تكون «ما» بعدها زائدة، وينجر ما بعدها بالإضافة؛ لأن الفعل لا يضاف فينجر ما بعده بالإضافة، فـ «ما» موصولة بمعنى الذي، وهي مفعولة بـ «تر»، وزيد: خبر مبتدأ محذوف.
و «تر» إن كان قبلها لا فتحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون مجزومة بـ «لا»، فتكون لا للنهي، والتقدير: لا تر أيها المخاطب الذي هو زيد، فإذا قلت «قام القوم لا تر ما زيد» فالمعنى: لا تبصر الشخص الذي هو زيد، فإنه في القيام أولى به منهم.
والوجه الثاني: أن تكون «تر» غير مجزومة، وتكون «لا» حرف نفي، وحذفت ألف «تر» على جهة الشذوذ، كما حذفت ياء أدري وأبالي في قولهم: لا أدر، ولا أبال، وهما منفيان، ولهذا قالوا حين أدخلوا الجازم على أبال: لم أبل، بجزم اللام.
وإن كان قبل «تر» «لو» فخذف ألف ترى أيضاً هو على وجه الشذوذ كما ذكرنا حين قدرنا «لا» نافية، وتكون لو حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، وجواب لو محذوف، والتقدير: ولو تبصر الذي هو زيد لرأيته أولى منهم بالقيام؛ إذ القيام بالنسبة إليه أولى منه بالنسبة إليهم.
ونظير ذلك قولك: لقد جاد الناس ولو رأيت زيداً، ولقد قائل العبسيون ولو رايتا عنترة، فجواب لو محذوف، والتقدير: ولو رأيت زيداً لرأيت الجود العظيم، ولو رأيت عنترة لرأيت القتال البليغ، فمعنى هذا الكلام أن زيداً وعنترة هما أولى بالفعل ممن أسند إليهم.

فإن قلت: كيف أدت هذه الجملة الفعلية المركبة من «لا تر ما زيد» أو من «لو تر ما زيد» معنى لاسيما زيد، ولاسيما جملة اسمية؟
فالجواب: أن الشيء قد يشارك الشيء في تأدية المعنى وإن كانا مختلفي الحد؛ ألا/ [4: 81/ب] ترى أن خلا وعدا وحاشا إذا انتصب ما بعدها، وليس ولا يكون- قد أدت معنى «إلا» في الاستثناء وإن كانت قد خالفت «إلا» في الحد، فكما جاز الاستثناء بهذه وتأديتها معنى إلا كذلك جاز أن يدل قولهم «ولو تر ما» «ولا تر ما» على معنى «لاسيما» في دخول ما بعدها في الحكم الذي قبلها على طريق الأولوية. ولم أر لأحد من النحويين كلاماً على «لا تر ما» ولا «لو تر ما»، وإنما خرجنا ذلك على قواعد ما اقتضته صناعة العربية.
ومن أحكام «لاسيما» أنه قد تجئ بعدها الجملة الشرطية، نحو قولك: السؤال يشفي من الجهل لاسيما إن سألت خبيراً، وقال الشاعر:
أرى النيك يحلو الهم والغم والعمى ولاسيما إن نكت بالمدسر الضخم
وحكي الأخفش أنهم يقولون: إن فلاناً كريم ولاسيما إن أتيته قاعداً، «ما» نائبة عن المضاف، تقديره: ولا مثله قاعداً. قال في البسيط: «يكون- يعني قاعداً- على هذا منصوباً على التمييز بعد «ما»؛ لأنها في المعنى ضمير، وكأن المستثنى محذوف، كأنه قال: في جميع حالاته إلا في هذا الحال فهو أكرم ما يكون» انتهى. وفي هذا التخريج نظر.

ومن أحكامها أنه لا تجئ بعدها الجملة بالواو، نحو ما يوجد في كلام كثير من العلماء المصنفين من قولهم: لاسيما والأمر كذلك، أو: لاسيما والحالة هذه، وما أشبه هذا التركيب. ولا حذف «لا» من لاسيما، وقد أولع بذلك كثير من المصنفين أيضاً، لأن حذف الحرف خارج عن القياس، فلا ينبغي أن يقال بشيء منه إلا حيث سمع، وسبب ذلك أنهم يقولون إن حروف المعاني إنما وضعت بدلاً من الأفعال طلباً للاختصار، ولذلك أصل وضعها أن تكون على حرف واحد، أو على حرفين، وما وضع مؤدياً معنى الفعل واختصر في حروف وضعه لا يناسبه الحذف، ولم يسمع حذف لا من قولهم لاسيما في كلام من يحتج به، فلا يجوز حذفها، وإنما سمع ذلك في أشعار المولدين، نحو قول الحسين بن الضحاك الخليع:
كل مشتاق إليه فمن السوء فداه
سيما من حالت الأحـ ـراس من دون مناه
يريد: لاسيما.
وأما «بلة» فمذهب جمهور البصريين أنه لا يجوز فيما بعدها إلا الخفض، وأجاز الكوفيون والبغداديون فيه النصب على الاستثناء، نحو: أكرمت العبيد بله الأحرار. وإنما جعلوه استثناء لأنهم رأوا ما بعدها خارجاً عما قبلها في الوصف من حيث كان مرتباً عليه؛ لأن معنى أكرمت العبيد بل الأحرار أن إكرامك للأحرار يزيد على العبيد.
والصحيح أنها ليست من أدوات الاستثناء؛ بدليل انتفاء وقوع «إلا» مكانها، وأن ما بعدها لا يكون/ [4: 82/أ] إلا من جنس ما قبلها، وبجواز دخول حرف

العطف عليها ولم يتقدمها استثناء، قال شيخنا ابن الضائع: «ومما يضعف إدخال بله ولاسيما في أدوات الاستثناء أنهم لم يأتوا بـ «حتى» في الاستثناء؛ ألا ترى أن قولهم قام القوم حتى زيد قد أخرج زيداً عن القوم لصفة اختص بها في القيام لم تثبت لهم، فلو كان هذا المعنى حقيقة في الاستثناء للزم- ولابد- ذكر حتى في أدوات الاستثناء» انتهى.
وما ذهب إليه الجمهور من البصريين من أنه لا يجوز فيما بعدها النصب ليس بصحيح، بل النصب بها محفوظ من لسان العرب، قال الشاعر:
تمشي القطوف إذا غنى الحداة بها مشي الجواد، فبله الجلة النجبا
وأنشد أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي في كتاب «شجر الدر» لجرير في النصب بـ «بله» يهجو الفرزدق:
وهل كنت يا بن القين في الدهر مالكا لغير بعير، بله مهرية نجبا
وقال آخر:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكف، كأنها لم تخلق
روي بخفض الأكف.

وقد روي الرفع بعد بله على معنى كيف، فيرفع، ذكره قطر ب، وأنكره أبو علي. وفي نختصر العين: بله بمعنى كيف، وبمعنى دع.
فأما الجر بعدها- وهو المجمع على سماعه من لسان العرب- فذهب بعض الكوفيين إلى أنها ذاك اسم بمعنى غير، فينجر ما بعدها بالإضافة، فمعنى قوله «بله الأكف»: غير الأكف، فيكون هذا استثناء منقطعاً.
وذهب الفارسي إلى أنها مصدر لم ينطق له بفعل، وهو مضاف لما بعده، وهي إضافة من نصب. وذهب الأخفش إلى أنها حرف جر.
وأما النصب فيكون على أنه مفعول، وبله مصدر موضوع موضع الفعل، أو اسم فعل ليس من لفظ الفعل، فإذا قلت «قام القوم بله زيداً» فكأنك قلت: تركا زيداً، أو دع زيداً.
وأما الرفع فعلى الابتداء، وبله بمعنى كيف في موضع الخبر، وهو شبيه بقولهم: ما مررت برجلٍ مسلمٍ فكيف رجل راغب في الصدقة.
وقال ابن عصفور: «فأما بله فإدخالها في باب الاستثناء فاسد؛ لأنك إذا قلت قام القوم بله زيداً فإنما معناه عندنا: دع زيداً، ولا يتعرض للإخبار عنه، وليس المعنى: إلا زيداً؛ ألا ترى أن المعنى في البيت: دع الأكف فهذه صفتها، ولم يرد استثناء الأكف من الجماجم».
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن البضائع: «زعم- يعني ابن عصفور- أن معناها في البيت: دع الأكف فهذه صفتها، وهذا مناقض لقوله «كأنها لم تخلق»،

فإنما يريد: إذا كان فعلها في الجماجم كذا فالأكف أحرى بذلك، فكأنها لم تكن قط، فيقال إنها قطعتها، فلا فرق بين معنى لاسيما وبله» انتهى.
وقالت العرب بهل في بله.
وأما «لما» فتكون بمعنى إلا، وهي قليلة الدور في/ [4: 82/ ب] كلام العرب، وينبغي ألا يتسع فيها، بل يقتصر على التركيب الذي وقع في كلام العرب، نحو قوله تعالى {إن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}، {وإن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ} في قراءة من شدد الميم، فـ (إن) نافية، و (لما) بمعنى إلا.
وممن حكي أن لما بمعنى إلا الخليل وس والكسائي، وقرأ ابن مسعود {ومَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}، أي: إلا له. وقالوا: نشدتك الله لما فعلت كذا، وعمرك الله لما فعلت كذا، وقعدك الله لما فعلت كذا، و «لما» مع هذه بمعنى إلا، وقد يحذف نشدتك أو سألتك وما أشبهه، فيقال: بالله لما صنعت كذا، أي: سألتك أو نشدتك بالله إلا صنعت كذا، قال الشاعر:

قالت له: بالله، يا ذا البردين لما غنئت نفساً أو اثنين
فهذه التراكيب وما أشبهها من المسموع ينبغي أن تعتمد في مجيء لما بمعنى إلا.
وزعم أبو القاسم الزجاجي حين ذكر أن لما تكون بمعنى إلا أن يجوز أن تقول: لم يأتني من القوم لما أخوك، ولم أر من القوم لما زيداً، تريد: إلا زيداً.
وينبغي أن يتوقف في إجازة هذه التراكيب ونحوها حتى يثبت سماعها أو سماع نظائرها من لسان العرب، فأما قراءة حمزة: {وإنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} بتشديد (إن) ونصب قوله (كلا) وتشديد (لما) فهي قراءة صعبة التخريج، ولذلك قال المبرد: هذا لحن، لا تقول العرب: إن زيداً لما خارج، ولا: إن زيداً إلا خارج. وقال الكسائي: «ما أدري ما وج هذه القراءة». وقال الفراء: «التقدير: لمن ما، فلما كثرت الميمات حذف منهن واحدة»، فعلى هذا القول هي لام التوكيد. وقال المازني: «إن بمعنى ما، ثم ثقلت». قال أبو جعفر النحاس: «يذهب المازني إلى أن إن إذا كانت خفيفة كانت بمعنى ما، ثم تثقل، كما أن «إن» المؤكدة تخفف، ومعناها الثقيلة» انتهى.

والحكم على هذه القراءة بأنها لحن ضعيف جداً؛ لأنها قراءة تلقفتها الأمة بالقبول لتواترها، وتقدير الفراء والمازني في غاية من الضعف، وقد لاح لي تخريجها على قواعد العربية، والحمد لله، فنقول: (إن) على حالها من كونها حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، و (كلا) أسمها، و (لما) هنا حرف جزم حذف فعله لدلالة الكلام عليه، والتقدير: وإن كلا لما يهمل، أو لما يترك سدى، وما أشبه هذا من التقدير، و (ليوفينهم) جواب قسم محذوف، والكلام يدل على هذا الفعل المحذوف بعد لما، وهذا جائز فصيح- أعني حذف المضارع المجزوم بعد لما لدلالة المعنى عليه- وذلك نحو قولهم: قاربت المدينة ولما، بخلاف حذفه بعد لم، فإنه لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، وإذا كان الفعل بعد لما يجوز حذفه لدلالة الكلام عليه وضح تخريج هذه الآية عليه، ولم أر أحداً تنبه لهذا التخريج الذي خرجناه، إلا أني بعد هذا وصلت في تفسيري للقرآن في كتابي المسمى بـ «البحر المحيط» إلى هذه الآية، فرأيت/ [4: 83/أ] شيخنا مصنف كتاب «التحرير والتحبير» جمال الدين محمد بن سليمان بن حسن المقدسي- عرف بابن النقيب- حكي عن أبي عمرو بن الحاجب تخريج لما على نحو الذي خرجناه.
وأما «دون» فقد تقدم ذكرها في ظروف المكان، فإذا قلت «قعد زيد دون عمرو» فالمعنى أن قعود زيد في مكان منخفض عن مكان قعود عمرو، وكذلك «زيد دون عمرو» معناه: المكان الذي فيه زيد ومنخفض عن المكان الذي فيه عمرو، هذه حقيقة هذه اللفظة.
وقد يطلقون ذلك على المرتبة والمكانة، لكنه مجاز، فيقولون: زيد دون عمرو، يعنون في الشرف لا في المكان.

وقد تكون دلالتها علي المكان مجازية، ولا يراد بها حقيقة الجهة، كقوله تعالي {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ}، وقوله {ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ ولا يَضُرُّهُمْ}، فدلالته في هذا ونحوه علي المكان هو علي سبيل المجاز.
وأما قولهم "الموت دون بلوغ كذا" بمعني أن الموت يحول بينه وبين كذا يجتمعا فمجازه أن مكان الموت منخفض عن مكان بلوغ كذا، وإذا كان منخفضاً عنه لم يجمعنا؛ إذ كل منهما في مكان فير مكان الآخر، وإذا لم يجتمعا وقعت الحيلولة.
وقد يتجوز بـ"دون"، فيصير كالوصف للأفعال، ولا يكاد يلحظ فيه المكان، فيقول: ضربت زيدًا دون عمرو، وأعطيته دون خالد، والمعني أنه ضرب زيدًا ضربًا دون ضرب عمرو، وأعطاه إعطاء خالد، كأن ضرب زيد منخفض، أي: أقل من ضرب عمرو، وكان إعطاءه منخفض وأقل من إعطاء خالد. وأما ما يتبادر إلي أفهام بعض الناس أنك إذا قلت ضربت زيدًا دون عمرو فمعناه أن الضرب حل بزيد دون عمرو- فليس بمفهوم عربي، ولهذا المفهوم زعم بعض الفقهاء أنه إذا قال القائل.

تم بحمد الله وتوفيقه
الجزء الثامن من كتاب "التذييل والتكميل"
بتقسيم محققة، ويليه- إن شاء الله تعالي-
الجزء التاسع، وأوله
"باب الحال"

فهرس الموضوعات
تتمة باب المفعول فيه ... 5 - 98
- الآن: ... 5
- تأصيله ... 5
- مسماه ... 5
- ضرفيته غالبة لا لزمة ... 6
- بناؤه وعلته ... 7
- إعرابه الفراء في أنه منقول ... 9
-"أل" في الآن ... 10
- قط وعوض: ... 10
- تأصيل قط، ومعناه، وبناؤه ... 10
- معني عوض ... 11
- اختصاصهما بالنفي ... 12
- استعمال قط دون نفي ... 12
- ورود عوض للمضي، وإضافته، والإضافة إليه، وإعرابه ... 13
- اللغات في قط ... 13
- اللغات في عوض ... 14
- أمس: ... 14
- معناه، وتعريفه، واستعماله، وبناؤه وإعرابه ... 15
- تنكيره، وإضافته، واقترانه بالألف واللام، وإعرابه ... 22

- فصل: الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة ... 26 - 49
1 - ما دل علي مقدر ... 26
2 - ما دل علي مسمي إضافي محض ... 31
3 - الجاري باطراد مجري الإضافي المحض ... 34
- ما يلازمه غالبًا لفظ في ... 36
4 - ما دل علي محل الحدث المشتق هو من اسمه ... 42
- فصل: ظروف المكان المتصرفة وغير المتصرفة ... 50 - 98
1 - ما كان كثير التصرف ... 50
2 - ما كان متوسط التصرف ... 51
3 - ما كان نادر التصرف ... 54
4 - ما كان عادم التصرف ... 59
-تفصيل القول في بعض الظروف: ... 64
- حيث ... 64
- عند ... 69
- لدن ... 70
- بناؤها ومعناها ... 70
- إعرابها، ولغاتها ... 71
- جبر المنقوصة مضافة إلي مضمر ... 72
- جر ما يليها ... 72
- حكم "غدوة" بعدها ... 73
- لدي: معناها وحكم ألفها عند الإضافة ... 77
- مع: ... 78
- معناها وإعرابها ... 78

- إفرادها ... 79
- خروجها عن الحالية بعد إفرادها ... 81
- التوسع في الظرف المتصرف: ... 83
-ما يسوع فيه إذا جعل مفعولاً به: ... 85
1 - إضمار غير مقرون ب"في" ... 85
2 - الإضافة ... 87
3 - الإسناد إليه ... 90
- ما يمنع هذا التوسع ... 92
- فرع: التوسع في الظرف مع كان وأخواتها ... 96
- فرع: عدم التوسع في الظرف مرتين ... 96
- مسألة: الاتساع علي وجهين ... 96
26 - باب المفعول معه ... 99 - 150
- تعريفه ... 99
- انتصابه والعامل فيه ... 101
- وقوع الولو قبل ما لا يصح عطفه ... 107
- عدم تقدمه علي عامل المصاحب ... 111
- عدم تقدمه علي المصاحب ... 112
- مسائل هذا الباب إلي العطف والمفعول معه: ... 114
1 - مايجب فيه العطف، ولا يجوز النصب علي المفعول معه 114
2 - ما يترجح فيه العطف، ويجوز النصب علي المفعول معه 124
3 - ما تجب فيه المعية، ولا يجوز العطف ... 131
4 - ما تترجح فيه المعية، ولا يجوز العطف ... 132
5 - ما يتساوي فيه العطف والمعية ... 132

- عامل النصب في نحو: حسبك وزيدًا درهم 139
- عامل النصب بعد: ويله، وويلاً له 140
- عامل النصب بعد: ويل له 141
- عامل النصب في: رأسه والحائط، وامرأ ونفسه، وشأنك والحج ... 141
- امتناع نحو: هذا لك وأباك، في الاختيار 143
- الاختلاف في كون باب المفعول معه مقيساً 144
- حكم ما بعد المفعول معه من خبر ما قبله أو حاله 149
- فرع: الفصل بين الواو وما بعدها ... 150
27 - باب لمستثني 151 - 380
- تعريفه ... 151
- الاستثناء من العدد ... 163
- الاستثناء المتصل والاستثناء المنقطع 167
- مذهب البصريين في المنقطع 169
- مذهب الكوفيين في المنقطع 172
- الاستثناء المفرغ ... 173
- إعرابه ... 173
- حذف عامله ... 182
- الاستثناء التام ... 182
- نصبه ... 182
- العامل فيه النصب، ومذاهب النحويين فيه ... 182
- المواضع التي يشرك فيها بين النصب والبدل ... 200
- اشتراط الفراء في جواز نصبه تعريف المستثني منه ... 214
- اشتراط بعضهم في جواز الإبدال عدم الصلاحية للإيجاب ... 215

- إتباع المتوسط بين المستثني منه وصفته أولي من النصب ... 217
- إتباع المجرور بمن والباء الزائدتين واسم "لا" الجنسية 221
- إجازة بني تميم إتباع المنقطع المتأخر 224
- حكم الضمير العائد علي المستثني منه قبل المستثني بإلا ... 231
- جعل المستثني متبوعًا والمسثني منه تابعًا 236
- لا يقدم دون شذوذ المستنثي علي المستني منه والمنسوب إليه معًا ... 241
- فرع: العطف علي المستثني منه والمنسوب إليه معًا 250
- فصل: 251 - 264
- لا يستثني بأداة واحدة دون عطف شيئان 251
- لا يمنتع استثناء النصف، ولا استثناء الأكثر ... 255
- السابق بالاستثناء منه أولي من المتأخر عند توسط المستثني ... 260
- تعدد المستني منه ... 262
فصل: تكرير إلا توكيداً ولغير توكيد 265 - 281
- تكريرها توكيداً ... 265
- تكريرها لغير توكيد: ... 271
- أ: عدم إمكان استثناء بعض المستثنيات من بعض ... 271
1 - في الاستثناء المفرغ 271
2 - في الاستثناء التام ... 273
-ب: ما أمكن فيه استثناء بعض المستثنيات من بعض ... 275
- الاستثناء من العدد 275
- حكم نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة ... 279
- فصل: تأويل "إلا" ب"غير" 282 - 309
- الوصف ب"إلا" وبتاليها 282

- ما يوصف بها وبتاليها ... 284
- عدم جواز حذف موصوفها وإقامتها هي وما بعدها مقامه 295
- لا يوصف بها حيث لا يصلح الاستثناء ... 296
- لا يليها نعت ما قبلها ... 299
- ما يليها في النفي 302
- معني: أنشدك إلا فعلت ... 304
- عمل ما بعد إلا فيما قبلها 306
- عمل ما قبل إلا فيما بعدها 307
- فصل: الاستثناء بـ "حاشا"، وخلا، وعدا، وليس، ولا يكون 310 - 340
- استعمال حاشا وخلا وعدا أحرفا تارة، وأفعالاً تارة أخري 310
- تعين نصب المستثني بخلا وعدا بعد "ما" عند غير الجرمي 315
- التزام سيبويه فعليه عدا وحرفية حاشا ... 317
- إن ولي حاشا مجرور باللام لم تتعين فعليتها، بل أسميتها 323
- اللغات في حاشا ... 325
- أحاشي ... 327
- النصب في "ما النساء وذكرهن" بـ "عدا" مضمرة 328
- الاستثناء بـ"ليس"، و "لا يكون" 320
- فاعل عدا وخلا وحاشا 333
- وصف المستثني منه "ليس" و"لا يكون" 334
- فصل: الاستثناء ب"غير" و "بيد"، و "سوي"، وأحكام المذكور بعد "لاسيما". و"بله"، و"لما"، و "دون" 341 - 380
- الاستثناء بـ"غير": 341
- إعرابها ... 341

- إجازة الفراء فتحها مطلقًا 343
- جواز اعتبار المعني في المعطوف علي المستثني بها ... 344
- الاستثناء بـ"بيد" في الاستثناء المنقطع 349
- الاستثناء بـ"سوي" 350
- ما ينفرد به "سوي" 351
- الأصح عدم ظرفية سوي ولزومه النصب 351
- اللغات في سوي 360
- جواز حذف ما بعد "ليس إلا"، و "ليس غير"، و "غير" 261
- قولهم "ليس غيره"، و "لم يكن غيره" 363
- أحكام المذكور بعد "لاسيما" 363
- أدوات الاستثناء ... 364
- حكم المجرور بعد "لاسيما" 365
- حكم المرفوع بعد "لاسيما" ... 366
- وصل "لاسيما" بظرف أو جملة فعلية 369
- "لاسيما" بتخفيف الياء ... 370
- لا سواء ما، ولا تر ما، ولا مثل ما 371
- وقوع الجملة الشرطية بعد "لاسيما" ... 373
- لا تجيء بعد "لاسيما" الجملة بالواو 374
- لا تحذف "لا" من "لاسيما" 374
- بله ... 374
- "لما" بمعني "إلا" ... 377
- دون ... 379

من إصدارات الدار
للأستاذ الدكتور حسن محمود هنداوي
• التذييل والتكملة في شرح كتاب التسهيل لأبي حيان النحوي الأندلس 1/ 8. [تحقيق].
• سر صناعة الإعراب لأبي الفتح عثمان بن جني (مجلدان). ... [تحقيق].
• إيضاح الشعر (شرح الأبيات المشاكلة في الإعراب) لأبي علي الفارسي (مجلد) [تحقيق].
• مناهج الصرفية ومذاهبهم (مجلد) ... [تأليف].
• المسائل الحلبيات لأبي علي الفارسي (مجلد) ... [تحقيق].
• المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة لأبي الفتح عثمان بن جني ... [تحقيق].
• كتاب مقاييس المقصور والممدود لأبي علي الفارسي ... [تحقيق].
• المسائل الشيرازيات لأبي علي الفارسي (مجلدين) ... [تحقيقا].
• فهارس التراكيب النحوية في كتاب سيبويه ... [تأليف].
• المخترع في إذاعة سرائر النحو لأبي الحجاج يوسف الشنتمري ... [تحقيق].

الصفحات [151] [152] [153] [154] [155] [156] [157] [158] [159] [160] [161] [162] [163] [164] [165] [166] [167] [168] [169] [170] [171] [172] [173] [174] [175] [176] [177] [178] [179] [180] [181] [182] [183] [184] [185] [186] [187] [188] [189] [190] [191] [192] [193] [194] [195] [196] [197] [198] [199] [200] [201] [202] [203] [204] [205] [206] [207] [208] [209] [210] [211] [212] [213] [214] [215] [216] [217] [218] [219] [220] [221] [222] [223] [224] [225] [226] [227] [228] [229] [230] [231] [232] [233] [234] [235] [236] [237] [238] [239] [240] [241] [242] [243] [244] [245] [246] [247] [248] [249] [250] [251] [252] [253] [254] [255] [256] [257] [258] [259] [260] [261] [262] [263] [264] [265] [266] [267] [268] [269] [270] [271] [272] [273] [274] [275] [276] [277] [278] [279] [280] [281] [282] [283] [284] [285] [286] [287] [288] [289] [290] [291] [292] [293] [294] [295] [296] [297] [298] [299] [300] [301] [302] [303] [304] [305] [306] [307] [308] [309] [310] [311] [312] [313] [314] [315] [316] [317] [318] [319] [320] [321] [322] [323] [324] [325] [326] [327] [328] [329] [330] [331] [332] [333] [334] [335] [336] [337] [338] [339] [340] [341] [342] [343] [344] [345] [346] [347] [348] [349] [350] [351] [352] [353] [354] [355] [356] [357] [358] [359] [360] [361] [362] [363] [364] [365] [366] [367] [368] [369] [370] [371] [372] [373] [374] [375] [376] [377] [378] [379] [380] [381] [383] [384] [385] [386] [387] [388] [389] [390]  المجلد[8]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب أفعال المقاربة

العنوان الحالي : باب المستثنى

العنوان التالي : باب الحال  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة