التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب كم وكأين وكذا
كم: اسم لعدد مُبهم، فيفتقر إلى مميِّز، لا يُحذف إلا لدليل، وهو إن استفهم بها كمميز عشرين وأخواته، لكن فصله جائز هنا في الاختيار، وهناك في الاضطرار، وإن دخل عليها حرف جرٍّ فجرُّه جائز بـ «من» مضمرة لا بإضافتها إليه، خلافًا لأبي إسحاق. ولا يكون مميزها جمعًا، خلافًا للكوفيين، وما أَوهمَ ذلك فحال، والممِّيز محذوف.]-
ش: مناسبة هذا الباب لأبواب العدد ظاهرة من حيث إنّ كم اسم لعدد
مبهم، وكأّيِّن وكذا كذلك أيضًا، وكل منها مفتقر إلى تمييز.
واختلف النحويون في كم: أهي مفردة، وهو قول الجمهور، أو مركبة من كاف التشبيه وما الاستفهامية، وحُذفت ألفها كما تُحذف مع سائر حروف الجر، كما قالوا: ِلمَ وِبمَ وعَمَّ، وكُثر الاستعمال لها، فأسكنت، وأجرت مجرى ما يكون مُسَكُنًا في الشعر، نحو قول الشاعر:
فِلمْ دَفَنتُم عُبَيدَ الله في جَدَث ... ولِمْ تَعَجَّلتُم، ولِمْ ... تَرُوحُونا
وهذا مذهب الكسائي والفراء.
ورُدَّ هذا المذهب بأنه لو كان كما ذهب إليه لقيل في جواب من قال: كم
ماُلك؟ كمالِ زيدٍ، كما يقال في جواب من قال: كمَن زيدُ؟ كبكرٍ، وهذا لا
يقوله أحد، فدلَّ على فساد قوله. انتهى.

ولا حجة في هذا؛ لأنه يقول: هذا هو الأصل، ولما رُكّب الكاف و «ما»
صُيِّرا شيئًا واحدًا، فحدَث لهما بالتركيب معنًي غير الذي كان لكل واحد
منهما، كما قال النحويون في لولا وفي هلاُ، فإنهم زعموا أنها مركبة من «لو» ومن «لا»، ومن «هل» و «لا»، ثم صار لهما بالتركيب معنًي لم يُلحظ فيه معنَى كل واحد منهما، وحُكمُ لم يكن لواحد منهما، وصار مدلولهما غير مدلول كل واحد منهما، والكسائي لم يدَّعِ أنَّ كلاَّ من كاف التشبيه و «ما» الاستفهامية باقٍ على مدلوله قبل التركيب.
ورُدَّ مذهبه أيضًا بدخول حرف الجر عليها، واستعمالِها مبتدأةً ومفعولةً في
فصيح الكلام، فدلً على فساد مذهبه، لأنَّ كاف التشبيه لا تُستعمل اسمًا إلا في ضرورة الشعر. انتهى.
ولا حجة في هذا؛ لأنَّ حرف الجر يدخل على «كذا»، وهي مركبة من
كاف التشبيه ومن اسم الإشارة، فتقول: اشتريته بكذا، فلا ينافي دخول حرف الجر علي ما هو مركَب من كاف التشبيه وغيره؛ لأنه قد أُميت فيه مدلول حرف التشبيه وما رُكِّب معه الذي كان له قبل التركيب، وأريد به معنًى آخر، حدث بالتركيب. وكذلك استعملوا «كذا» مبتدأةً، فقالوا: له عندي كذا. وكذلك «كأيَن»، هي مركبة من كاف التشبيه و «أيّ»، واسُتعملت مبتدأَ ومفعولاً بها؛ لأنه حدث لها بالتركيب معنًى لم يكن لكل واحد منهما حالة الإفراد.
ويؤنِّس ما قاله الكسائي من التركيب أنّ «كم» كناية مثل كأيِّن وكذا،
فكما أنَّ كأيَّن وكذا مركبان /من كاف التشبيه وشيء آخر، كذلك ينبغي أن تكون «كم»؛ لتجري الكنايات علي نسق واحد في أنَّ أصلها كلمتان صُيِّرتا كالكلمة الواحدة، وصار لها معنًى خلاف ما كان لكلِّ واحد منهما قبل التركيب.
وقوله اسمُ استبدالً علي اسميتها بدخول حرف الجر عليها، وبالإضافة إليها، وعودِ الضمير عليها، والإسناد إليها، وكونِها تكون معمولة لعوامل النصب.

ولا نعلم في اسميتها خلافًا إلا ما ذكره صاحب «البسيط» في الخبرية أن
بعضهم ذهب إلى أنها حرف للتكثير في مقابلة «رُبَّ» الدالَّة علي التقليل؛ فقال: «وهو فاسد لوجوه: أحدها أنك تقول: كم رجلُ أفضل منك، فترفع، ولا يكون كلام بمرفوع واحد. ولأنَّ حروف الجر تدخل عليها، بخلاف رُبَّ، تقول: بكم مررت. وتقول: كم رجلاً ضربت، فتكون مفعولا، ولذلك فرّغت. ولأنها بمعنى كأيِّن، وهي اسم».
وقوله لعدد مبهم، فيفتقر إلى ممِّيز «كم» تنظم العدد أولاً وآخرًا. قال
الرماني: «الحكمة في وضعها الاختصار والعموم الذي لا يُستفاد بصريح العدد، لو قلت: أعشرون رجلاً جاؤوك؟ لم يلزمه أن يجيبك بكمية، بل يقول: لا، أو: نعم، وإن قال «لا» لم يحصل لك غرض السؤال مع الإطالة. ولو قلت: كم رجلاً جاءك؟ استغنيت عن لفظ الهمزة والعدد، وألزمت الجواب بالكمية» انتهى.
وزعم بعضهم أنها في الاستفهام للتكثير. والصحيح أنها وُضعت مبهمة، تقبل قليل
العدد وكثيره لصلاحية الجواب بالأقل، حكى الأخفش عن العرب: كم مكثَ
عبد الله أيومًا أم يومين؟ وهي أشدُّ إبهاما من أسماء العدد؛ لأنه ينبهم معها العدد
والمعدود، وأسماءُ العدد نصُّ فيه، فلا إبهام فيه، لكنها لا تدلُّ علي جنس المعدود،
فيحتاج من أجل ذلك إلي ذكر جنسه ليتميز به العدد. واحتياجُ كم إلى مميِّز أشد من احتياج أسماء العدد.
وقوله لا يُحذف إلا لدليل تقول: كم مالُك؟ وكم غلمانُك؟ وكم درهُمك؟
وكم سرتَ؟ وكم زيدُ ماكث؟ وكم جاءك بكرً؟ والتقدير: كم دينارًا أو درهًما
ماُلك؟ وكم نَفْسًا غلمانُك؟ وكم دانِقًا درهُمك؟ وكم فَرسَخًا سرتَ؟ وكم يومًا أو شهرًا زيدُ ماكثُ؟ وكم مرةً جاءك بكرُ؟ وقال الشاعر:

ولم نَدْرِ ـ إن جِضْنا عن الموتِ جَيْضةً ـ ... كمِ العُمرُ باقٍ، والَمدَى مُتَطاوِلُ
وظاهر قول المصنف ولا يحذف إلا لدليل يشمل تمييز الاستفهامية وتمييز الخبرية.
ونصَّ بعض شيوخنا وأبو المحاسن مُهَلًب بن حسن في كتاب «نَظم الفَرائد وحَصر الشَّوارد» من تأليفه علي أنه لا يجوز حذف مميِّز الخبرية، قال مُهَلًب: «لأنَّ المضاف لا يُقتصر عليه دون المضاف إليه، فكما لا يجوز: عندي ثلاثُة، تريد: أثوابٍ، فكذلك لا تقول كم وأنت تريد: غلمانٍ، ولا يجوز حذفها وإقامة المضاف إليه مقامها لذهاب لفظ الكَمِّية وبُطلان المعنى لذلك» انتهي.
وقال صاحب البسيط وابن عصفور: يجوز حذف تمييز الخبرية إذا دلً عليه
الدليل. قال ابن عصفور: «ويَحسُن إذا كان ظرفًا، نحو:
كَمْ عَمَّةُ لكَ ــــ يا جَريرُ ــــ وخالةُ ... ...............................
في رواية من رفع».

ومَّثل صاحب البسيط بهذا البيت، وبقوله:
كَمْ بجُودٍ مُقْرِفُ نالَ العُلا ... ...........................
في رواية مَن رفع مُقْرفُ، وكم قد أتاني زيدُ، وكم عبدُك ضاربُ زيدًا.
والذي ينبغي أن يقال في الحذف أنه إن قُدِّر تمييز الخبرية منصوبًا أو مجرورًا بـ «من» جاز الحذف لدليل، وإن قُدِّرَ مجرورًا بالإضافة فلا يجوز حذفه. وقيل: يَقُبح حذفه إلا أن يُقَدَّر منصوبًا.
وقوله وهو إن استُفهِم بها كمميِّز عشرين وأخواته إنما قال «إن استُفهم
بها» لأنها تأتي على قسمين: استفهامية، وخبرية. وشرعَ المصنف يذكر أحكام
الاستفهامية، فبدأ منها بتمييزها، فذكر أنه كمميَّز عشرين وأخواته، يعني من
العقود، أي: منصوب كما هو منصوب بعد عشرين. قال المصنف في الشرح:
«لَّما كانت الاستفهامية بمنْزلة عددٍ مقرون بهمزة الاستفهام أشبهت العدد المركَّب،
فأجريتْ مُجراه بأن جُعل ممَّيزها كمميَّزه في النصب والإفراد، ثم قصد امتياز
الخبرية، فحُملت من العدد على ما يضاف إلي مميَّزه» انتهي. ويعني: فَجُرَّ التمييز
وقال الرماني: نُصب تمييزها لأنها جُعلت بمنْزلة عدد متوسط، وهو من أحدَ
عشرَ إلى تسعة وتسعين؛ لأنُ المستفهِم جاهل بالمقدار، فجُعلت للوسَط لقربه من القليل والكثير.

فإن قلت: لو كانت للوسَط لم يجز أن يُبدَل منها القليل ولا الكثير، وقد
جاز: كم رجلاً جاءك أخمسةُ أم مئة؟
/قيل: الجيَّد أن يبدَل منها العدد الوسَط لِما ذكرنا، وإنما جاز خلافه لأنَّ
كم مبهمة في نفسها، تحتمل القليل والكثير والوسَط، ولهذا يصحُّ الجواب بكلِّ
منها، وإنما جُعلت بمنْزلة الوسَط في نصب التمييز فقط.
وفي البسيط: «كم وُضعت وضعًا صالًحا لجميع المقادير، وعند بعضهم هي
للتكثير، والظاهر الأول لصلاحية الجواب بالأقلِّ» انتهى.
وقوله لكنَّ فصله جائز هنا في الاختيار، وهناك في الاضطرار أي: فصله
من كم جائز في سعة الكلام، وأمَّا في عشرين وأخواته فلا يجوز إلا في ضرورة
الشعر، وقد تقدَّم ما أنشدناه على ذلك. قال المنصف في الشرح:
«وإنما كان الأمر كذلك لأنَ العدد المميَّز بمنصوب مُستَطال بالتركيب إن كان مركُبًا، وبالزيادتين في آخره إن كان ... العشرين أو إحدى أخواتها، فموقع التمييز
منه بعيد دون فصل، فلو فصل منه ازداد بُعيدًا، فمنع الانفصال إلا في ضرورة، وكم
بخلاف ذلك، فلم يلزم اتصال ممِّيزها» انتهى. فعلى هذا يجوز أن تقول: كم لك درهًما؟ وكم أتاك رجلاً؟ وكم ضربتَ رجلاً؟ ولكن اتِّصال التمييز هو الأصل، وهو أقوى.
وزعم س أن السبب في جواز فصل تمييزها منها أنها لَمَّا لزمت الصدر، ونظيرُها من الأعداد التي ينصب تمييزها ليس كذلك، بل يقع صدرًا وغير صدر ـــ جُعل هذا القدر من التصرف فيها عوضًا من ذلك التصرف الذي سُلِبَتْه.

وزعم ثعلب أنه إنما جاز ذلك في المنصوب أن تجعله في آخر كلامك لأنه
ليس مما يُسأل عنه، لأنك إذا قلت: كم ماُلك؟ فـ «كم» سؤال عن العدد، والمال
مسؤول عن عدده، وقولك «درهما» إنما هو شيء تصنعه من قِبلك ليُعلم أنك
إنما سألتَ عن عدد المال لتميِّزه به، ولو لم تذكره به لم يَعلم المسؤول ما يميِّز مالَه
لك به؛ لأنه قد يكون له أموال مختلفة، فإذا قلت: كم ماُلك درهمًا؟ عُلم أنك إنما تريد
الدراهم، وأنَّ عنايتك بها، وأنك إنما سألتَ عن المال من أجلها، فأنت محتاج إليه
في تعريفه إياك العدد، وهو محتاج فيما سألتَه إلي معرفة النوع الذي تمِّيز له به العدد، فلذلك وُضع مخرجًا عن الجملة.
قال ابن عصفور: «وهذا الذي ذكره عندي حسن جدَّا. فإن قيل: فلأيِّ
شيء كان الأكثر في الكلام أن يتصل تمييز «كم» بها؟ فالجواب أن تقول: إنَّ
السبب في ذلك كونها عاملة فيه، وهي من العوامل الضعاف، فكان الأحسن في
ذلك ألاَّ يُفصَل بينهما، ومن فصل راعى المعنى الذي ذكره ثعلب» انتهى.
وزعم الأخفش الصغير أنهم جعلوا ذلك الذي يقع به الفصل يقوم لـ «كم»
مقام التنوين، فلذلك حسُن الفصل به في «كم» ولم يَحسُن في عشرين وأمثاله.
ويعني أن الاسم الذي ينتصب تمييزه إنما ينبغي أن يكون منوَّنًا، فجعلوا ذلك الفصل
كأنه عوض من التنوين في اللفظ، وكأنهم لم يكتفوا بنيَّة التنوين فيه.
قال ابن عصفور: «وهذا التعليل فاسد؛ لأنَّ العرب لم تَرع ذلك، بدليل
أنهم لم يُجيزوا الفصل في خمسةَ عشرَ وأمثاله في فصيح الكلام مع أنه غير منوَّن» انتهى.

وللأخفش أن يقول: الفرق بينهما أنَّ خمسةَ عشرَ وأمثاله كانت قبل التركيب منوَّنة جزآها، وبعد التركيب حكمها حكم المنوَّن، بخلاف كم فإنه ليس فيها تنوين لا في الأصل ولا في التقدير.
وزعم السيرافي وأبو علي الدِّينَوَريّ /أنَّ السبب في ذلك أنهم أرادوا أن يجعلوا الفصل عوضًا من التمكين الذي سُلبته. وعنى بالتمكن الإعراب، قال ... 2:
«وذلك أنها مستحقة للإعراب بحق الأصالة لأنها اسم، فمُنعت ذلك لعارِض عَرض
فيها، فجُعل هذا التصرف عوضًا عن ذلك».
واعتُرض عليه بخمسةَ عشرَ وبابه. فاعتذر بأن «كم» خَرجت عن التمكين
أكثر من خروج الأعداد المركَّبة من حيثُ بناؤها على السكون، وتلك الأعداد مبنَّية على حركة. وأيضًا فـ (كم) كُثر استعمالهم لها لأنها تُستعمل في كل مستفهَم عنه
من المقدار، وما يَكثر استعماله يَكثر تصرُّفهم.
قال بعض أصحابنا: «وما ذهب إليه أقيس؛ لأن العِوض فيه من جنس المعرَّض منه، أعني أنك عوَّضت تصُّرفًا من تصرُّف، وليس الإعراب من جنس التصرف
بالتقديم والتأخير» انتهى.
وهذه كلها علل تسوَّد الأوراق، وليس تحتها طائل، وهي من العلل التي نحن ننكرها.
وهذا الفصل يكثر بالظرف والمجرور، وقد يُفصل بالخبر، نحو: كم قد أتاني
رجلاً. وبعاملها نحو: كم ضربتَ رجلاً. وإذا فصلتَ جاز دخول مِن على التفسير
لُبعده عنها بالفصل، ويَقبح دونه لأنَّ من إنما تكون مع الجمع.

ويجوز أن تميز «كم» بـ «مثلك» و «غيرك» و «أفعل من»، فتقول: كم
مِثله لك؟ وكم غيرَه لك؟ وكم خيرًا منه لك؟ قال س: «لأنه يجوز بعد عشرين
فيما عم يونس» انتهى. وتقدَّم لنا ذكر الخلاف في باب التمييز، وأن الفراء منع:
لي عشرون مثله، وعشرون غيرَه.
وفي كتاب «رؤوس المسائل» لابن أصبغ: «أجاز س 1: كم غيره مثله
لك؟ وحكاها عن يونس، ومنعها غيرهما» انتهي. ولم ينص علي المانع من هو،
وهو مقتضى مذهب الفراء؛ إذ ذاك نصُّ منه، منع التمييز بمثلك وغيرك في العشرين.
وقال س: «تقول: كم غيَره مِثلَه لك؟ انتَصب (غير) بـ (كم)، وانتصب المِثل
لأنه صفة له» انتهي.
فرع: لا خلاف في جواز قولك: كم رجلاً رأيتَ ونساءه، أو نساءهم،
فإن قلت «وامرأته» أجازها الجمهور، ومنعها الفراء.
وقوله وإن دخل عليها حرف جر فجره جائز بـ «من» مضمرة لا بإضافتها إليه، خلاًفا لأبي إسحاق هذه مسألة خلاف، وهو: هل يجوز حمل مميَّز الاستفهامية على مميِّز الخبرية؟ فمنهم من أجاز ذلك، ومنهم من منع، ومنهم من أجاز ذلك بشرط أن يدخل على «كم» حرف جر، مثاله: على كم جِذعٍ بيتُك؟ قال س ... :
«وسألته ــــ يعني الخليل ـــــ عن قولهم: على كَم جِذعٍ بَتُك مَبنُّي؟ فقال: القياسُ

النصب، وهو قول عامَّة الناس. وأمَّا الذين جَرَّوا فإنَّهم أرادوا معنى مِنْ،
ولكنَّهم حذفوها تخفيفًا، وصارت (على) عوضًا منها» انتهى.
ومذهب س والخليل والفراء والجماعة أنَّ الخفض هو بإضمار من، إلا الزجاج، فإنَّ النَّحاس حكى عنه أنه مخفوض بإضافة كَم لا بإضمار مِن. قال ابن خروف: «ولا يكون الخفض بها؛ لأنَّها بمْنزلة عدد ينصب ما بعده قولاً واحدًا، فيجب لِما حُمل عليه ونُزِّل منْزلته أن يكون
كذلك» انتهى.
وقال شيخنا /أبو الحسن الأبَّذيّ: «حين خفضوا بعد الاستفهامية لم يَخفضوا إلا بعد تقدُّم حرف جر، فكونُهم لم يتعدَّوا هذا دليلُ لما ذكره س مِن أنَّ الخفض بإضمار من، وحُذفت تخفيفًا، وصار حرف الجر المتقدِّم عوضًا منه، أي: دليلاً عليه، إلا أنه عاِمل في كم خاصةً، وجِذْع مخفوض بإضمار من. ومثل س
ذلك بقولهم: ها الله لا أفعلُ ذلك، يقول: مما حُذف منه حرف الخفض للعوض منه. وحين لم يكن عوضًا لم يخفضوا، كما قالوا: كم جذعًا؟ فنصبوا، فلما قالوا (على كم) أمكن أن يقولوا (جذعٍ) بالخفض لتقدُّم العوض» انتهى.
ولا يلزم أن يقع العوض موقع المعوض منه، ألا ترى أنَّ التاء في زنادقة عوض من الياء في زَناديق، ولم تقع موقعها.
والدليل على أنَّ حرف الجر عوض من «منْ» أنهما لا يجتمعان، فلا تقول: على كم مِن جِذعِ، والحذف للعوض كثير، كقولهم: آلله؟ ولا ها اللهِ، فالهمزة والهاء عوض من حرف القسم.

ولو كان الخفض هو على الإضافة، كما ذهب إليه الزجاج من أنها خُفضت حملاً على الخبرية، وأنه لو كان على إضمار من على الأصل لكان مجموعًا، فتقول: كم الأجذاع؟ كما تقول: عشرون من الدراهم ـــ لجاز الخفض مع عدم الحرف الداخل على كم.
وأمَّا الحمل على الخبرية فلا يصح لأنهم لَمّا خَفضوا في الخبرية جعلوها بمنْزلة عدد مضاف، وهذا النوع يجوز فيه النصب، وأمَّا الاستفهامية فهي بمنْزلة ما فيه نون كعشرين، وهو لا يقبل الإضافة، فلا يُحمَل على الخبرية.
وقول الزجاج «لو كان لَجُمع» لا يلزم؛ لأنَّا لو سَلَّمنا أنَّ الأصل الجمع
لقلنا: حَذفوا الجمع حين حذفوا اللام، كما حذفوا في: أفضل رجل، وكان الأصل حذف مِن لما تقدم، لكنهم أَبقَوا عملها دونها ليخالفوا باب «عشرين رجلاً» لا من كل وجه، بل بالعمل فقط، ولَمّا كان الحذف مع العمل عَوَّضوا.
وذهب بعض النحويين إلي أن مِنْ إذا حُذفت جاز فيما بعدها الجر والنصب في الاستفهامية والخبرية مطلقًا وهو قول الفراء وأكثر النحويين.
وقال المنصف في الشرح: «لو خَفضت ما بعدها مرةً ونَصبته مرة لزم تفضيل الفرع على الأصل؛ لأنها بمنْزلة عدد يَنصب ما بعده، ولو كانت صالحة للجر بها إذا دخل عليها حرف جر لصَلَحت للجرِّ بها إذا عَرِيَتْ من حرف الجر؛ إذ لا شيء من المميزات الصالحة لنصب ممّيِزها ولجره بإضافتها إليه يُشترط في إضافته أن يكون هو مجرورًا، فالُحكم بما حَكم به الزجاجُ ومَن وافقه حُكمُ بما لا نظيرَ له، فخُولِف مُقْتَفِيه، ورُغب عنه لا فيه»

ونَصبُ التمييز هنا أجودُ في الاستفهامية، ويجوز فيه الخفض لتقدُّم حرف الجر ولم يذكر س الخفض إلا هنا، وذكره الفراء في كل موضع، كالنصب في الخبرية، وكذا ذكر أبو بكر والزجاج وجماعة، وعليه حَمل أكثرُهم:
كَمْ عَمَّةً ............................ ... ..........................
وقوله ولا /يكون ممَّيزها جمعًا خلافًا للكوفيين إلى آخر المسألة مثال ذلك؛: كم غلمانًا لك؟ وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب جمهور البصريين أنه لا يجوز أن يكون تمييز الاستفهامية جمًعا.
الثاني: أنه يجوز، وهو مذهب الكوفيين، حكاه عنهم الأخفش، كما يجوز ذلك في تمييز الخبرية.
الثالث: أنك إذا أردت بالجمع أصنافًا من الغلمان جاز، فتقول: كم غلمانًا لك؟ تريد: كم عندك من هذه الأصناف، وهو مذهب الأخفش. وإليه جنح بعض أصحابنا، فقال: «كم الاستفهامية لا تُفسَّر بالجمع، إنما هو بشرط أن يكون السؤال بها عن عدد الأشخاص، وأمَّا إن كان السؤال عن الجماعات فيسوغ تمييزها بالجمع؛ لأنه إذ ذاك بمنْزلة المفرد، وذلك نحو: كم رجالاً عندك؟ تريد: كم جمعًا من الرجال عندك؟ إذا أردت أن تسأل عن عدد أصناف القوم الذين عندك لا

عن مبلغ أشخاصهم، ويسوغ باسم الجنس، نحو: كم بَطَّا عندك؟ تريد: كم صنفا من البطّ عندك؟» انتهى.
وقال صاحب «رؤوس المسائل»: «لا خلاف في جواز: كم لك غلمانًا؟ فإن قلت: كم غلمانًا لك؟ جازت عند الكوفيين، وامتنعت عند البصريين» انتهى.
أمَّا المسألة الأولى فيخرِّجها البصريون علي أنَّ غلمانًا انتصب على الحال، والتمييز محذوف مفرد، التقدير: كم نفسًا لك؟ و «لك» في موضع الخبر، وجاءت الحال جمعًا على المعنى؛ إذ يجوز أن يُراعى لفظ كم، فيفرد
الخبر والحال، كما أجازوا في: كم لك غلامًا؟ نصب الغلام على الحال من الضمير في «لك» والتمييز محذوف، ويجوز أن يُراعى المعنى، فيكون ذلك على حسَبه.
وأمَّا الكوفيون فذلك عندهم تمييز ل «كم»، وجاء جمعًا على مذهبهم في
إجازة الجمع في تمييز الاستفهامية.
وأمَّا المسألة الثانية فمعنها البصريون؛ لأنَّ انتصاب غلمانًا عندهم على
الحال، والعامل فيها عندهم معنى الفعل، وهو: لك، وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لم يجز أن تتقدم الحال عليه. وأمَّا الكوفيون فذلك عندهم تمييز، وهو يجيء جمعًا ومفردًا، فجاء هذا جمعًا.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون من كون تمييز الاستفهامية لا يكون إلا مفردًا. والدليل على ذلك وجهان: أحدهما أنه لم يُسمع من كلامهم: كم غلمانًا

لك؟ والثاني هو أنه حين دخل عليه مِنْ لم يأت إلا مفردًا منكرًا، نحو: كم من رجلٍ عندك؟ بخلاف تمييز العدد من أحدَ عشرَ إلى تسعة وتسعين، فإنه إذا دخلت عليه مِن لزم جمعه وتعريفه بأل، هذا وإن كانت كم خَرت مجراه فالتزام التنكير فيه منصوبًا ومجرورًا بـ «منْ». وكذا إن كانت مجرورة بـ «مِنْ» مقدَّرة على مذهب س إذا دخل عليها حرف جر أو بالإضافة على مذهب أبي إسحاق دليلُ على أن إفراده شرط فيه.
وبخط بعض أصحابنا ما نصه: «ويجوز في الباب: كم ثلاثٍة لك؟ وأعشرون ثلاثة لك؟ وأأربعون عبِدين لك؟ تجريها مجرى المفرد على قول أبي الحسن» انتهى.
ومن أحكام الاستفهامية أنها تقتضي جوابًا، وإذا أُبدل منها أُعيد مع البدل همزة الاستفهام، وأنه يجوز حذف تمييزها إذا دلَّ الدليل عليه، وإذا دخلت إلا في حَّيزها كان إعراب ما بعدها /على حد إعراب كم، وأفادت معنى التحقير والتقليل، ولا يُعطف عليها بـ «لا».
وزاد أبو المحاسن مهلَّب بن حسن ـــ من تلاميذ أبي محمد بن برِّي ــ أنه لا يتحكم فيها التكثير، بخلاف الخبرية، وسيأتي الخلاف في هذه المسألة ــ إن شاء الله ـــ عند الكلام على الخبرية.
وتقول: كم ضربتَ رجلاً؟ فيجوز أن يكون رجلاً مفعولاً بضربتَ، وتمييز كم محذوف، فإذا دخلت مِن على رجل لزم أن يكون «مِن رجلٍ» هو التمييز.
وقال الروماني: وقد تُرفع النكرة بعد كم إذا كانت استفهامًا، ويكون التمييز محذوفًا، ويقّدر ما يحتمله الكلام، كقولك: كم رجلُ جاءك؟ أي: كم مرة أو يومًا؟ ورجلُ: مبتدأ، وما بعده الخبر. وإذا رفعت لم يتعدد الرجل، بل تتعدد فَعَلاته.

-[ص: وإن أخبر بـ «كم» قصدًا للتكثير فممَّيزُها كممّيز عشرة أو مئة مجرورُ بإضافتها إليه لا بـ «من» محذوفة، خلافًا للفراء. وإن فُصل نُصب حملاً على الاستفهامية، وربما نُصب غيرَ مفصول، وقد يُجرُّ في الشعر مفصولاً بظرف أو جارِّ ومجرور، لا بجملة ولا بهما معًا.]-
ش: هذا هو القسم الثاني لـ «كم»، وهو أن تكون خبرية. وما ذكره المصنف من كون كم الخبرية يراد بها العدد الكثير هو مذهب المبرد ومَن بعده مِن النحاة إلا أبا بكر بن طاهر وتلميذه ابن خروف، فإنهما زعما أنها تقع على القليل والكثير من حيث كان معناها معنى رُبَّ، فكما أنَّ ربَّ تكون للتقليل، وتكون للتكثير في مواضع المباهاة والافتخار، فكذلك كم.
وزعما أنَّ ذلك هو مذهب س والكسائي، قال س: «ومعناها معنى ربَّ» وقال الكسائي: وتقول كم رجلٍ كريمٍ قد أتاني، فكم إخبار بمعنى رُبَّ، ورجل خفض بـ «كم»، وكريم: نعت، و «قد أتاني» خبر كم، والمعنى: رُبَّ رجلٍ كريمٍ قد أتاني، إلا أنَّ كم اسمُ مبتدأ، وقد أتاني خبره، ورُبَّ حرف. قالا: «فهذا نص منهما على أنها تقع على القليل والكثير، كما أنَّ ربَّ كذلك». قال ابن خروف: «ومن الدليل على وقوع كم على القليل ما حكاه الأخفش عن العرب: كم مكث عبد الله أيومًا أم يومين؟ ففسر بالواحد والاثنين». فوجه الدليل من ذلك عنده أنَّ كم الاستفهامية هي كم الخبرية في اللفظ والمعنى، لا تفارقها في أكثر من أنها متضمنة لحرف الاستفهام، وإلا فهما معًا واقعان على عدد مبهم، فكما أنَّ كم الاستفهامية تقع على القليل، فكذلك الخبرية؛ إذ لا يختلف مسمى الاسم بالنظر إلى الاستفهام والخبر.

قال ابن عصفور: «ومما ينبغي عندي أن يستدلَّ به على أنَّ كم الخبرية تقع على القليل والكثير قول الفرزدق:
كَمْ عَمَّةٍ لك ـــ يا جَريرُ ـــ وخالةٍ ... فَدْعاءَ قد حَلَبَتْ عليَّ عِشاري
شَغَّارةً، تَقِذُ الفصيلَ برجْلها ... فَطَّارةَ لقَوادِمِ الأَبْكار
كُنَّا نُحاذِرُ أنْ تُضيعَ لِقاحَنا ... وَلْهَى إذا سَمِعَتْ دُعاءَ يَسارِ
ألا ترى أنه لا يمكن أن يكون لجرير عمَّات وخالات كثيرة كلُّهن فُدْع
يَقِذن الفُصلان بأرجلهن حالبات لِعشار الفرزدق كَلِفات براعيه يسار؟ ومما يبين أنه ليس يريد تكثير العمات /والخالات روايةُ من رَوى برفع عمّة وخالة؛ ألا ترى أنَّ العمة والخالة إذ ذاك لا يراد بهما إلا الإفراد، وأنَّ كم
واقعة على المراد، فهذه الرواية مبنية ما ذكرته من أنه لم يُرِد تكثير العمات والخالات».
وقوله فمُمَيَّزها كمميَّز عشرة أو مئة يعني أنه يكون جمعًا مجرورًا كمميز عشرة، ومفردًا مجرورٍا كمميَّز مئة، فمن الجمع قولُ الشاعر:
كَم مُلُوكٍ بادَ مُلكُهُمُ ... ونَعيمِ سُوقَة بادُوا

وقولُ الآخر:
كَم دُونَ سَلمى فَلَواتٍ بِيدِ ... مُنْضِيَةٍ للبازِلِ القَيْدُودِ
والإفراد أكثر من الجمع، وقال الشاعر:
وكَم لَيلةٍ قد بِتُّها غيرَ آثِمٍ ... بِساجِيةِ الحِجْلَينِ، مُفْعَمةِ القُلبِ
وتشبيه المصنف تمييزها بتمييز عشرة وبتمييز مئة مُشعرُ بأنَّ سبب الإفراد والجمع هو التشبيه بهما في أنَّ تمييزها يكون مفردًا كتمييز مئة، وجمعًا كتمييز عشرة، وهو قول مخالف لِما نُقل عن النحويين في سبب ذلك؛ لأن بعضهم قال:
جَرَتْ في تمييزها بالمفرد مجرى ثلاثمئة وأربعمئة، وهو قول الفارسي
وجماعة، زعموا أنه لَّما كما معناها معنى التكثير جَرَت لذلك مجرى ثلاثمئة وأربعمئة، فكما أنَّ الثلاث والأربع يضافان إلى مئة ـــ وهي مفردة ـــ فكذلك كم. ومَن أضافها إلى الجمع فعلى قول مَن قال:
ثلاثُ مِئين ...................... ... ..................
ولذلك كانت إضافتها إلى المفرد أفصح، كما أنَّ ثلاثمئة أفصح من ثلاث مئين، وتقدَّم الخلاف في «ثلاث مئين» أهو مما لا يقال إلا في الشعر، أو هو لغة.
وقال الفارسي 3: «والقياس أن تُبَيَّن بالواحد مِن حيث كان عددًا كثيرًا، أمَّا تبيينهم لها بالجمع فعلى القياس المتروك في ثلاثمئة ونحوها».

وقال بعضهم: سبب ذلك شبهها بـ «رُبَّ» في الوجوه التي سيأتي ذكرها عند الكلام على بنائها، فكما أنَّ رُبَّ تجرُّ المفرد والجمع أخرى، نحو قوله:
ورُبَّ ... أُمورٍ ... لا ... تَضيرُكَ ... ضَيرةً ... ولِلقَلبِ مِن مَخْشاتِهِنَّ وَجِيبُ فكذلك كم.
وإضافة كم إلى المفرد أكثر من خفضها للجمع لأنه أخفّ، وهو يفيد من المعنى ما يفيده الجمع، ولهذا السبب كان خفض رُبَّ للمفرد أكثر من خفضها للجمع. وإلى هذا ذهب ابن كيسان.
ويمكن أن يقال: إنَّ المنصف ما قصد بالتشبيه السبب في أن جَرَّت الجمع والمفرد، وإنما قصد أنها تجُرُّهما كما أنَّ عشرة تَجُرُّ الجمع، ومئة تّجُرُّ المفرد، إلا أنَّ في كلام المصنف ما يشعر بتساوي الوجهين الجمع والإفراد، أو ترجيح الجمع على الإفراد؛ إذ قدمه، فقال «كمُمَيِّز عشرة»، ونصوص النحويين على خلاف ذلك؛ إذ ذكروا أن الإفراد أكثر وأفصح من الجمع، بل زعم بعضهم أنَّ تمييزها بالجمع شاذ،
قال العكبري في «شرح الإيضاح»: «كم الخبرية تُمَيَّز /بالمفرد، وتُمَيَّز شاذا بالجمع. وإنما كان الإفراد أَولَى لأنَّ الخبرية تضاف إلى ما بعدها، والمضاف إليه كجزء من المضاف، فلم يَطُل الكلام به، وأمَّا العدد المنوّن والجاري مجراه فقد طال إمَّا بالتركيب أو بالنون، فلم يَطُل أيضًا بتمييزه بالجمع، فاقتصروا منه على واحد مَنكور تخفيفًا، وقد ذكرنا في باب التمييز أنه قد مُيَّزَ بالواحد ما يجوز تميزه بالجمع، كقوله تعالى {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} انتهى.

وقيل: يكون الجمع على معنى الواحد، فإذا قلت: كم رجالٍ، كأنك قلت: كم جماعةٍ من الرجال.
وقوله مجرورُ بإضافتها إليه لا بـ «مِنْ» محذوفة، خلافًا للفراء قال المصنف في الشرح: «وزعم الفراء أنَّ الجر بعدها بـ (مِن) مقدرةً. ولا سبيل إلى ذلك، كما لا سبيل إليه فيما حُملت عليه، ولأنَّ الجر بعدها لو كان بـ (مِن) مقدرةً لكان جوازه مع الفصل مساويًا لجوازه بلا فصل؛ لأنَّ معنى مِن مراد، واستعمالها شائع مع الاتصال [فلو كان عملها بعد الحذف جائز البقاء مع الاتصال لكان جائز البقاء مع] الانفصال في النثر والنظم، وفي كون الواقع بخلاف ذلك دلالة على أنَّ الجر بالإضافة لا بـ (مِن) مقدرة» انتهى.
وهذا المذهب الذي نسبه المصنف إلى الفراء نسبه غيره إلى الكوفيين،
زعموا أنَّ الخفض هو بـ «من» مقدرة، وحُذفت، وأُبقي عملها، كقولِ العرب: «لاه أنتَ»، وكقولهم: «الله لأَفعَلَنَّ»، وقولِ الشاعر:
رَسْمِ ... دارٍ ... ، ... وَقَفْتُ ... في ... طَلَلِهْ ... ............................

وقولِ الآخر:
رأينَ خلِيسًا ... بعدَ أَحْوَى، تَلَفَّعَتْ ... بِفَوْدَيْهِ سَبعُونَ السَّنينَ الكَوامِل
أي: سَبعُونَ مِن السَّنين. وقال الأعشى:
يا ... عَجَبِ ... الدَّهرِ متى ... سُوَّيا ... كَمْ ضاحِكٍ مِنْ ذا، ومِنْ ساخِرِ
قالوا: يريد: كَم مِن ضاحِكٍ مِن ذا، بدليل قوله: ومِن ساخِر.
وضُعَّف مذهبهم بأنَّ إضمار حرف الجر وإبقاء عمله إنما هو في ضرورة أو شذوذ من الكلام، والخفض بعد كم فصيح، فدلَّ على أنه ليس على الإضمار.
وبأنه لا حجة في البيت لأنه يحتمل أن يكون عامَل «كم ضاحك من ذا» ـــــ
وإن كان مجرورًا بالإضافة ـــ معاملتَه في قولك: كم مِن ضاحكٍ من ذا، لَما كانا في معنَى واحد، فعطف عليه المجرور لذلك.
وقوله وإن فُصل نُصب حملاً على الاستفهامية مثاله قول الشاعر:
تَؤُمَّ سنانًا، وكَمْ دُونَهُ ... مِنَ الأَرضِ مُحْدَوْدِبًا غارُها

وقال الآخر:
كَمْ نالَنِي مِنهُمُ فَضلاً على عَدَمٍ ... إذْ ... لا أَكادُ مِنَ الإقْتارِ أَحْتَمِلُ
وزعم بعض قدماء النحويين أنَّ الأصل في تمييز كم الخبرية والاستفهامية النصب، ولا يكون الخفض فيهما إلا بتقدير مِن، كما تقدم في: على كم جِذعٍ؟ ويدلُّ عليه ظهورها.
وقَوّاه /الخليل بأنَّ حروف الجر قد تُضمَر وتَعمل، كقوله «لاه أبوك»
ولقيتُه أمسِ، تريد: بالأمس؛ لأنهم لا يستعملونه إلا بالباء؛ لأنه صار كالاسم للظرف، وقد تحذف رُبَّ، وتُبدَل منها الواو.
وضَعَّف س هذا بوجوه:
أحدهما: أنَّ الأكثر في الاستفهام النصب، فأُوَّل جَرُّها، والأكثر هنا الجر فلا يُؤَوَّل.
والثاني: أنَّ إضمار حرف الجر ليس بقياس، فلا يُصار إليه. وأمَّا «لاهِ أبوك» فشاذ، وأمَّا «لَقيتُه أمسِ» فيحتمل أن تستعمله هنا ظرفًا كما في الأصل مراعاة لأصله، كما تقول: لَقيتُه بالأمس.
فعلى هذا المذهب الذي لبعض القدماء لا يكون النصب في الخبرية حملاً على الاستفهامية، إنما يكون على الأصل، والخفض مُتَأَوَّل على إضمار مِنْ

وقوله وربما نُصب غير مفصول مثاله:
كَمْ عَمَّةً لكَ ــــ يا جَريُر ـــ وخالةً ... ..........................................
في رواية من نصب عَمَّة وخالةً.
وزعم بعض النحويين أنَّ هذا النصب بلا فصل هو لغة تميم، وذكره س عن بعض العرب، وهي لغة قليلة. ولَّما حُملت في الخفض على ثلاثمئة فيمن علَّل بذلك أُجريت مُجرى ذلك إذا نوّن، فكما يقال ثلاثُ مئة قالوا: كم رجلاً. ومن علَّل الجر بجِّر رُبَّ ما بعدها قال: هي محمولة عليها أيضًا في لغة من قال: رُبَّه رجلاً، فكما انتصب رجلاً في هذه اللغة انتصب بعد كم.
قال بعض أصحابنا: وهذا الوجه عندي أَولَى؛ لأنَّ (رُبَّه رجلاً) فصيحُ،
وكذلك (كم رجلاً) فصيح، وإن كان (كم رجلٍ) أفصح منه، وأمّا (ثلاثُ مئة) فلا يُتكلم به إلا في ضرورة الشعر.
وزعم بعض النحويين أنَّ السبب في نصب تمييزها في هذه اللغة الحمل على كم الاستفهامية؛ لأنها أصل لها من جهة أنها مبهمة، والإبهام يناسب
الإبهام؛ لأن المستفهِم إنما يَسأل عمَّا انبهمَ عليه ليُفسَّر له، والخبر ليس بابه الإبهام؛ لأنه موضوع إبانه. وإلى ذلك ذهب السيرافي.
وإذا نُصب تمييز الخبرية بفصل أو بغير فصل في هذه اللغة جاز أن ينصب مفردًا وجمعًا، كما كان ذلك حالة خفضه. ونصَّ على جواز الجمع في هذه اللغة القليلة السيرافي 4، وفي كتاب س ما يدلُّ على ذلك، قال س: «واعلم أنَّ ناسًا

من العرب يُعملونها فيما بعدها في الخبر كما يعملونها في الاستفهام، فينصبون، كأنها اسم منوَّن ويجوز لها أن تعمل في جميع ما عملت فيه رُبَّ» انتهى. ولا خلاف في أنَّ رُبَّ تعمل في المفرد والجمع.
وذهب الأستاذ أبو علي إلى أنها إذا انتصب تمييزها التُزم فيه الإفراد.
وحَمَلَه على ذلك أنه رأى كل ما يكون تمييزه من الأعداد أو الكنايات عنها ـ نحو كم الاستفهامية، وكذا وكذا، وكأيَّن ــ منصوبًا التَزمت العرب فيه الإفراد، فلمَّا كانت كم الخبرية كناية عن العدد ومميَّزه بمنصوب في هذه اللغة وجب عنده أن يكون تمييزها مفردًا.
قال بعض أصحابنا: والصحيح جواز جمعه، كما كان ذلك حالة الجر؛
لحملها في النصب على رُبَّ أو على ثلاثمئة، كما يقال ثلاث مئين إذا نون العدد، وإنما يلزم الإفراد إذا /كان النصب واجبًا، وأمَّا في كم فيجوز نصبه وخفضه، فجاز أن يجيء مجموعًا في حالة النصب كما جاز ذلك في ثلاثمئة.
ثم ذكر هذا المصحَّح أنَّ السيرافيَّ أجاز ذلك في هذه اللغة، وأنَّ في نص س دليلاً على ذلك.
ولا حجة في كلام س إلا لو نصَّ على ذلك، وإنما أَخذ ذلك المصحَّح من
عموم قول س «في جميع ما عملت فيه رُبَّ»، ولا حجة في هذا العموم؛ لأنَّ مِن مجرور رُبَّ الضمير، ولا تَجُرَّ كم الضمير، ومن مجرور رُبَّ «مَنْ»، كقوله:
رُبَّ ... مَنْ ... أَنْضَجتُ ... غَيظًا ... صَدرَهُ ... .............................
ولا تُفَسَّر كم بِمَنْ وما ولا بنحوهما مما توغَّل في البناء، ولا بما توغَّل في الإبهام، نحو: شيء، وهذا منصوص عليه.

وفي «الإفصاح»: «ظاهر كلام أبي على وكلام س وأبى العباس أنه يجوز نصب مميَّز الخبرية مفردًا كان أو جمعًا، وعلى الظاهر حمله بعضهم».
وقال ابن هشام: «لا يكون منصوب كم ــ يعني الخبرية ــ جمعًا لأنه تمييز، والتمييز يلزمه ألاَّ يُجمع إلا ما استُثني منه» انتهى، وفيه بعض تلخيص وتقديم وتأخير.
وقوله وقد يُجَرُّ في الشعر مفصولاً بظرف أو مجرور مثال ذلك قول الشاعر:
كَمْ ــ بِجُود ـــ مُقْرِفٍ نالَ العُلا ... وكَريمٍ، بُخْلُهُ قد وَضَعَهْ
وقول الآخر:
كَمْ ــــ في بَني بَكرِ بْنِ سَعْدٍ ـــ سَيَّدٍ ... ضَخمِ الدَّسيعِة، ماجِدٍ، نَفَّاعِ
وقول الآخر:
كَمْ ـــ فِيهمِ ـــ مَلِكٍ أَغَرَّ وسُوقةٍ ... حَكَمٍ بِأَرْدِيةِ ... المَكارِمِ يَحْتَبِي
وهذه المسألة فيها مذاهب:
أحدهما: ما ذهب إليه الكوفيون من أنه يجوز ذلك في الكلام؛ لأنَّ الخفض عندهم هو على إضمار مِنْ، فكما يجوز ذلك مع إظهارها، كقول الشاعر:

وكَمْ دُونَ بَيِتكَ مِنْ مَهْمَهٍ ... وَدَكْداكِ رَمْلٍ وأَعْقادِها
كذلك يجوز مع إضمارها. وتقدَّم الكلام على خفض ما بعدَ كَم.
وذكر صاحب «البسيط» أن مذهب الكوفيين هو رأي يونس؛ لأنَّ الفصل بين المضافين جائز في الضرورة، وأجوز منه بالظرف والمجرور، لكنه لَّما كانت هذه يجوز الفصل بينها وبين معمولها في النصب كان موطئا لجوازه في الخفض في غير الضرورة، ولأنها مجرورة بـ «مِن»، وذلك لا يختلف تقديمًا ولا تأخيرًا.
المذهب الثاني: أنَّ ذلك لا يجوز إلا في الشعر؛ لأن في ذلك فصلاً بين المضاف والمضاف إليه، وذلك في الشعر، وهو مذهب جمهور البصريين، وسواء أكان الظرف والمجرور تامَّا أم ناقصًا.
المذهب الثالث: أنه يجوز إذا كان الظرف أو المجرور ناقصًا، ولا يجوز إذا كان تامَّا، فتقول: كم بك مأخوذٍ أتاني، وكم اليومَ جائعٍ جاءني، تجعل بك متعلقا بمأخوذ، واليوم /منصوبًا بجائع، وهو مذهب يونس. وهو باطل؛ لأنَّ العرب لم تفرق بين الظرف التام والناقص في الفصل، بل تُجريهما مُجرًى واحدًا، وقال الشاعر:
كَمْ ـــ دُونَ سَلْمَى ـــ فَلَواتٍ بِيدِ ... .....................................
وقال الآخر:

كَمْ ـــ دُونَ مَيَّةَ ـــ مَوْماةٍ، يُهال لها ... إذا تَيَمَّمَها الخِرِّيتُ ذو الَجلَدِ
فصل بالظرف التامّ بين «كم» و «فَلَوات»، وبين «كم» و «مَوماة»، و «دُونِ» ظرف تامّ.
وقوله لا بجملة مثاله: كم جاءني رجلٍ، بخفض رجل. وهذه المسألة فيها مذهبان:
أحدهما: أنه لا يجوز في كلام ولا شعر؛ لأنَّ الفصل بالجملة بين المضاف والمضاف إليه لا يجوز البتة، وهو مذهب البصريين.
والمذهب الثاني: أنه يجوز ذلك في الكلام، وهو مذهب الكوفيين. وبَنَوا جواز ذلك على أنَّ الجر للتمييز هو بإضمار مِنْ، وتقدَّم الكلام على ذلك. وحكى بعضهم خفض «فضل» من قول الشاعر:
كَمْ ناَلنِي مِنهم فَضْلٍ على عَدَمٍ ... ..................................
فإن ثبت فهو من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه لا في كلام ولا في شعر.
وظاهر كلام المبرد أنه يجيز الفصل بالجملة في الشعر؛ لأنه أنشد قول الشاعر:
وكَمْ قد فاتَنِي بَطَلٍ ... كَمِيِّ ... وياسِرِ فِتيةٍ ... سَمْحٍ ... هَضُومِ
قال: «ولولا أنَّ القافية مخفوضة لاختير الرفع أو النصب». فنصُّه بالاختيار ينبيء أنه يجيز الجر مع الفصل بغير الظرف في الشعر. وس يمنع ذلك. ورَوى س قوله:

وكَمْ ... قد ... فاتَنِي ... بَطَلُ ... كَمِىُّ ... ...............................
بالرفع، ولم يجز فيه الجر.
وقوله ولا بهما يعني ولا بالجملة والظرف أو المجرور، وإذا لم يجز بالجملة وحدها فلاًن لا يجوز بها وبالظرف أو المجرور أولى.
ويجوز دخول مِنْ على تمييزها، ويَكثر اتصال تمييز الخبرية بها، نحو قوله تعالى {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ}، {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ}. ولا يكثر في الفصل، نحو: كم فيها مِن رجل، فلا يَكثر استعمال مِن فيه كثرته إذا اتَّصل.
ولا يجوز أن يكون التمييز منفيَّا لا في الاستفهامية ولا الخبرية، لو قلت في الاستفهامية: كم لا رجلاً ولا رجلينِ جاءك؟ لم يجز، كما لا يجوز: له عشرون لا رجلاً ولا رجلين. ولو قلت في الخبر: كم لا رجلٍ ولا رجلينِ صحبتُ، لم يجز أيضًا، نصَّ على ذلك س.
وأجاز بعض النحويين: كم لا رجلاً ولا امرأةً عندك، وعندي عشرون لا رجلاً ولا امرأةً. فإن أراد: كم عندك غيرَ رجل وامرأة، أي: كم عندك بهيمةً غير رجل وامرأة، جاز. وإن أراد أنَّ لا رجل هو الممِّيز فهو فاسد لا نبهامه، ولا يظهر ذلك من مقصده. وإن أراد أنَّ المجموع هو المميِّز على معنى بهيمة أو شيء يصح العطف عليه بلا فهو شيء لا يوجد. وإن أراد أن المميِّز محذوف للعلم به، فحُذف

المعطوف عليه، وتُرك المعطوف ـــ فهو سائغ. هكذا رَدَّد بعض أصحابنا في /كلام هذا المجيز. والذي يظهر أنه قصد به التمييز لا أنه معطوف؛ ألا ترى أنه أورده مع قوله: له عشرون لا رجلاً ولا امرأةً، على أنَّ هذا مما يحتمل حذف التمييز، وهو المعطوف عليه. والذي يقال إنه لم يسمع ذلك من كلام العرب.
ويجوز أن يُعطَف على كم بالنفي، فتقول: كم أتاني لا رجلُ ولا رجلان،
أي: كثيرُ أتاني لا رجلُ ولا رجلان. وكذلك: كم فَرَسٍ ركبتُ لا فرسًا ولا فرسَين، أي: كثيرًا من الأفراس ركبتُ لا قليلاً.

-[ص: فصل

لَزِمَت «كم» التصدير، وبُنِيتْ في الاستفهام لتَضَمُّنِها معنَى حرفه، وفي الخبر لشبهها بالاستفهامية لفظًا ومعنًى. وتقع في حالتها مبتدأً، ومفعولاً ومضافًا إليها، وظرفًا، ومصدرًا.]-
ش: قال المصنف في الشرح: أداة «الاستفهام منبهة للمستفهَم، ومؤذنة بحاجة المستفهم إلى إبداء ما عنده، فتنَزلت مما في حيزها منْزلة حرف النداء من المنادى في استحقاق التقدم، فلذلك امتنع تأخيرها، والتُزم تصديرها، ولا فرق في ذلك بين كم وغيرها، فذلك وجب رفع صاحب الضمير في نحو: زيدُ كم ضربتَه؟
كما وجب في نحو: زيدُ أينَ لَقيتَه؟ وبشرُ متى رأيتَه؟ والخبرية مجرى الاستفهامية في وجوب التصدير، فلذلك لا يجوز في نحو: زيدُ كم دراهمَ أعطيتُه، إلا الرفع» انتهى.
فأمَّا ما ذكر من لزوم كم التصدير في الاستفهام والخبر فعليه مناقشتان فيهما:
أمَّا في الاستفهام فإنه ذكر التزم تصدير كم، وأنه لا فرق في ذلك بين كم وغيرها. وهذا ليس على إطلاقه كما ذكر، بل بعض أدوات الاستفهام في الاستثبات يجوز ألاَّ تتصدر، وأن يتقدمها العامل اللفظي غير الجارّ، وذلك مَن وما وأيّ، فتقول لمن «لقيتُ زيدًا» إذا استثبت: لقيتَ من؟ ولمن قال أكلتُ خبزًا: أكلتَ ما؟ ولمن قال ضربتُ رجلاً: ضربتَ أيَّا؟ ومُجَوِّز ذلك هو أنَّ الذي تكلم

بالكلام قبلك قد كان أجرى الفعل في كلامه، فاستغنيتَ به عن إعادة آخر مثله، فوقع ذكرك لذلك الفعل كالتكرار، فكأنك لم تذكر قبل أداة الاستفهام فعلاً، ولذلك لم يفعلوه إلا في الاستثبات، ولا يجوز ذلك في بقية أدوات الاستفهام، يقول القائل: خرجتُ يومَ الجمعة، فتقول في الاستثبات: متى خرجتَ؟ ولا تقول: خرجتَ متى؟ ويقول: سرتُ ضاحكًا، فتقول في الاستثبات: كيفَ سرتَ؟ ولا تقول سرتَ كيفَ، ويقول: قعدتُ خلفَ بكر، فتقول في الاستثبات: أين قعدتَ؟ ولا تقول: قَعدتَ أين؟ وقد حكي في أين دخول العامل عليها في الاستثبات، وإجراؤها في ذلك مجرى مَن وما وأيّ، حكي من كلامهم: إنَّ أينَ الماءَ والعشبَ؟ جوابًا لمن قال: إنَّ في موضوع كذا الماءَ والعشبَ. وتقول لمن قال: اشتريتُ عشرين فرسًا، إذا استثبتَّ: كم فرسًا اشتريتَ؟ ولا تقول: اشتريتَ كم فرسًا. وقد يجيء ذلك في كم في العطف، حكي من كلامهم: قبضتَ عشرين وكم؟ إذا استثبتَّ من قال: قبضتُ عشرين كذا وكذا. ومحسِّن ذلك هو أنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف /عليه. فهذه مناقشة على المصنف في نفس كم إذ جاز تقدم العامل عليها في العطف وكونها لم تلزم الصدر، وعلى قوله «ولا فرق في ذلك بين كم وغيرها»، وقد بيَّنَّا الفرق بينها وبين بعض أدوات الاستفهام في كون أيّ ومَن وما للاستفهام يجوز ألاَّ تقع صدرًا، وأن يتقدم عليها العامل في الاستثبات.
وأمَّا في الخبر فإنه ذكر أنَّ الخبرية تجري مجرى الاستفهامية في وجوب التصدير. وهذا الذي ذكره بالنسبة إلى أشهر اللغات، وأمَّا في بعض اللغات فإنه يجوز ألاَّ تتصدر، ويتقدمها العامل، فتقول: فككتُ كم عانٍ، وملكتُ كم غلامٍ، وهي لغة قليلة، وهذه اللغة كانت القياس لأنها بمعنى كثير، فإذا قلت: كم عانٍ فككتُ، فالمعنى: كثير من العُناة فككتُ، فكما يجوز: فككتُ كثيرًا من العُناة،

وهو الأصل، أعني تقديم العامل هنا، فكذلك كان ينبغي أن يجوز في كم الخبرية.
وهذه اللغة حكاها الأخفش. واضطُرِبَ في القياس عليها، فقيل: يقاس عليها، فيجوز: ملكتُ كم غلامِ. وقيل: هي من القلُة بحيث لا يُلتفت إليها. والأول هو الصحيح لأنها لغة، فينبغي أن يقاس عليها.
ويناقض قولَ المصنف إنما لزمت التصدير قولُه بعدُ حين ذكر مَحالَّ
إعرابها: «ومضافًا إليها»، فإنها إذا كانت مضافًا إليها لم تلزم التصدير؛ إذ قد تقدَّمها ما عمل فيها وما انخفضت بسببه. وكذلك إذا دخل عليها حرف جرّ لم تلزم التصدير، نحو: بكم درهمٍ اشريتَ ثوبك؟ لأنه دخل عليها عامل يخفضها، فكان ينبغي أن يقيِّد كلامه فيها، فيقول: كم لَزِمت التصدير إلا إذا أُضيف إليها، أو دخل عليها حرف جر، أو كانت استفهامًا وعُطفت في الاستثبات، فإنه يجوز ألاَّ تتصدر. أو كانت خبرًا في اللغة الشهرى، وأمَّا في اللغة الأخرى فيجوز ألاَّ تتصدر.
وقوله وبُنيت في الاستفهام لتضمُّنها معني حرفه هذا الذي قاله هو قول النحاة وهو أنه لَّما تضمَّنت معنى همزة الاستفهام بُنيت، ومذهب المصنف يقتضي أنها بنيت في الاستفهام والخبر لمشابهتها للحرف في الوضع على حرفين، وقد نصَّ هو في الشرح على ذلك، فقال: «وهي أيضًا ــ يعني الخبرية ــ مساوية لها ــ أي للاستفهامية ـ في وجوب البناء لتساويهما في مشابهة الحرف وضعًا وإبهامًا)).
وقوله وفي الخبر لشبهها بالاستفهامية لفظًا ومعنًى يريد بقوله ومعنًى أنها لعدد مبهم كما أنَّ الاستفهامية كذلك. وقال في الشرح حين ذكر تساويهما في

مشابهة الحرف وضعًا وإبهامًا، قال: «وتنفرد الاستفهامية بتضمَّن معنى حرف الاستفهام، والخبرية بمناسبة رُبَّ إن قُصد بها التكثير، وبمقابلتها إن قصد بها التقليل، وهو الغالب على رُبَّ» انتهى.
وما ذكره المصنف في بناء كم الخبرية
هو قولان للنحويين: زعم بعضهم أنها ُبنيت لشبهها بالاستفهامية في أن ... لفظهما واحد، وهي كناية عن عدد مبهم كالاستفهامية.
وزعم بعضهم أنها بنيت لشبهها بـ «رُبَّ» في أنَّ كل واحدة منهما تُستعمل
/في المباهاة والافتخار، ولذلك عُطف كم على رُبَّ، قال عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
فإنْ تَكُنِ الأيامُ شيَّبْنَ مَفْرِقِي ... وكَثرْن أَشْجاني، وفَلّلْنَ مِنْ غَرْبِي
فيا رُبَّ يومٍ قد شِرِبْتُ بمَشْرَبٍ ... شَفَيتُ به عَنِّي الظّما باردٍ عَذبِ
وكَمْ لَيلة، قد بِتُّها غيرَ آثِمٍ ... بِساجِية ... الحِجْلَينِ مُفْعَمةِ ... القُلْبِ
فاستعمل رُبَّ وكم في معنًى واحد حيث أراد أن يفتخر بكثرة الجواري اللواتي تمتَّع بهن.
وقيل: حُملت على رُبَّ في البناء لأن ربَّ للتقليل، وكم للتكثير، والشيء يحمل على نقضيه كما يحمل على نظيره.
وقال الأستاذ أبو علي: بُنيت لتضمنُّها معنَى حرفٍ للكثرة، فلم يُستعمل، وذلك أنهم كما جعلوا للتقليل حرفًا انبغى لهم أن يجعلوا للتكثير كذلك، كما

جعلوا للإيجاب حرفًا كما جعلوا للنفي، فلم يفعلوا ذلك، لكنهم ضمَّنوا كم معناه، فلذلك بُنيت.
قال ابن هشام: ولا أعرف أحدًا قال هذه المقالة، ولا نظير له من كلامهم،
والقياس لا يعطيه؛ لأنَّ التضمن فرع على الوجود، فإذا لم توجد الكلمة لم ينبغ أن تُضَمَّن كلمة معناها.
وقوله وتقع في حالتيها مبتدأ حالاتها هما الاستفهام والخبر. أخذ المصنف في ذكر محاّلها من الإعراب لئلا يُتَوَهَّم أنها لَّما أشبهت رُبَّ كانت حرفًا. ومن استعمالها مبتدأة قول العرب: كم رجلٍ أفضلُ منك، برفع أفضل، ولا يقولون: رُبَّ رجلٍ أفضلُ منك، في فصيح الكلام، فأمَّا قوله:
........................ ... ......................... ورُبَّ قتل عارُ
فـ ((عار)) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عارُ، وقد أظهره الشاعر في قوله
يا رُبَّ هَيْجَا، هِيَ خَيرُ مِن دَعَهْ ... ......................................
وإنما جاز ذلك في رُبَّ تشبيهًا للصفة بالصلة، فكما لا يجوز ذلك في الصلة إلا في الطول، فكذلك في الصفة في باب رُبَّ، ولما كان تمييز كم مبهمًا كما أنها مبهمة كان ــ إذا كانت مبتدأة ــ الأحسن في خبرها أن يكون فعلاً أو اسمًا نكرة،

نحو قولك: كم رجلٍ قائمُ، وكم رجلٍ ذهب، وكم رجالٍ قاموا، وكم رجالٍ ذاهبون، ويقبح أن يكون خبرها اسمًا معرفة، نحو قولك: كم رجالٍ قومُك.
وكم غلمانٍ غلمانُك، تريد قومًا معهودين أو غلمانًا معهودين. فإن لم تُرد ذلك، بل أردتَ أن تقول: كم رجالٍ هم قومُك، وكم غلمانٍ هم غلمانُك ــ جاز ذلك. وكذلك أيضًا لا يحس أن يُخَبر عنها بالظرف ولا بالمجرور؛ لأن في ذلك ضربًا من التخصيص؛ ألا ترى أنَّ قولك «كم غلمانٍ لك» معناه ومعني قولك «كم غلمانٍ غلمانُك» سواُء، فضعُف لذلك.
ومما يبين لك أنَّ الأحسن في خبرها أن يكون مبهمًا أنه لا يجوز الإخبار عنها بالموقت، لوقلت: كم رجلٍ عشرون، وكم امرأةٍ ثلاثون ـــ لم يَسغ ذلك؛ لأنَّ الإخبار عنها بالموقت ينافي ما وُضعت له الإبهام.
وإذا قلت: كم رجلٍ جاءني، فكم مبتدأ، وجاءني خبره. ونقل العكبري عن العبدي أنه أجاز أن يكون «أتاني» صفة لرجل، ويُحذف الخبر، ويُقَدَّر /بما يليق بالمعنى، قال ــ يعني العبدي ـ: «ويجوز ألا تحتاج إلي خبر؛ لأنَّ الصفة قد أغنت عنه، وهذا كقولهم: أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيد، فأقلُّ مبتدأ، ويقول صفة رجل، وأغنت الصفة عن الخبر» انتهى. ويظهر الفرق بينهما؛ لأنه لمدَّع أن يقول هو الخبر. ولئن سلمنا أنه صفة فإنما أغنت عن الخبر لأنَّ المعنى: قلَّ رجلُ يقول ذلك،
بخلاف: كم رجلٍ جاءني، فلمَّا كان في معنى ما لا يحتاج إلى خبر أغنت الصفة عنه.
وقال بعض أصحابنا: وجاز الابتداء بها ــ يعني الخبرية ــ لأنها ــ وإن كانت نكرة ــ محمولُة على الاستفهامية في مواضع، ولأنَّ تمييزها يبينها، فتصير مخصوصةً من جهة المعنى.

وقد يُحذف الخبر إذا دلَّ المعنى عليه، كقوله:
وكَمْ مالىٍء عَينَيه مِنْ شيء غيرِهِ ... إذا راحَ نحوَ الجَمرِة البِيضُ كالدُّمَى
كأنه قال: في الحج، أو: بِمِنَى، لدلالة الكلام عليه.
وإذا كانت كم مبتدأة فلا يدخل عليها من العوامل إلا ما يعمل فيما قبله،
نحو ظننت، تقول: كم ظننت إخوتك؟ وكم عبدًا علمتَ ملكًا لزيدٍ؟ وكم كان إخوتُك؟ ولا تعمل إنَّ وأخواتها ولا ما؛ لأنها لا تعمل فيما قبلها.
وذكر أبو علي إعمال الظن فيها وإلغاءه، فقال: كم تُرى الحرورية رجلاً؟ بنصب الحرورية على الإعمال، ورفعها على الإلغاء، ويقدر بناؤها للمتعدي إلى ثلاثة، ولم يُستعمل ذلك، وإن لم يكن بُدُّ من تقديره.
وقوله ومفعولاً يريد: ومفعولاً به، سواء أتعدّى الفعل إليه بحرف جر أو بنفسه، مثال ما وصل إليه الفعل بنفسه: كم غلامًا اشتريتَ؟ وكم غلامٍ اشتريتُ، فموضوع كم نصب على المفعول به، وكأنك قلت: أعشرين غلامًا اشتريتَ أم ثلاثين؟ وكثيرًا من الغلمان اشتريتُ. والدليل على أنَّ كم مفعول بها أنَّ اشتريت فعل متعدَّ إلى واحد، وهو مفرَّغ للعمل في كم؛ لأنه لم يشتغل بغيرها، فوجب لذلك أن يُحكَم عليها بأنها في موضوع نصب على المفعول باشتريت؛ لأنك لو لم تفعل ذلك لكنت قد هيَّأت العامل للعمل، وقطعتَه عنه، وذلك غير جائز. ومثال وصول الفعل بحرف جر: على كم مسكينٍ تصدقتُ، أو تصدقتَ؟

وقوله ومضافًا إليها مثاله: غلامَ كم رجلٍ ضربتَ؟ ورقبةَ كم أسيرًا فككتَ؟ قال بعض أصحابنا: وذلك بشرط أن يكون الاسم المضاف معمولاً لما بعدها، نحو ما مثًلنا به، فغلام معمول لضربت، ورقبة معمولة لفككت.
وهذا الشرط الذي شرطه يقتضي ألاَّ يجوز: غلامُ كم رجلٍ قام، أو أتاك؟ ولا: غلامُ كم رجلاً دخل في ملكك؟ ولا أرى هذا إلا جائزًا. ولا فرق بين كم والمضاف إليها،
فكما أنَّ كم تقع مبتدأة في: كم رجلٍ قام، أو زارك؟ وفي: كم غلامًا دخل في ملكك؟ فكذلك ما أضيف إليها.
وقوله وظرفًا ومصدرًا مثال ذلك: كم ضربهً ضربتَ زيدًا؟ وكم ميلاً سرتَ؟ وكم يومًا صمتَ؟
فهذه خمسة مواضع ذكرها المصنف لموضع إعراب كم، وترك ثلاثة مواضع:
أحدها: /أن تكون خبرًا للمبتدأ، مثاله: كم درهُمك؟ في أحد الوجهين، فإنه يجوز أن تُعرب كم مبتدأة، ويجوز أن تُعرب خبرًا، ودرهُمك هو المبتدأ، وهو أقيس الوجهين.
الثاني: أن تكون خبرًا لـ «كان» وأخواتها المتصرفة في معمولها، نحو قولك: كم غلامًا كان غلمانُك؟ وكم كريمٍ كان قومُك.
الثالث: أن تكون مجرورة بحرف جر، بشرط أن يكون ذلك الحرف متعلقًا بالفعل بعدها، نحو قولك: بِكَمْ درهمًا اشتريتِ ثوبك؟ وبِكَمْ جارية تمتعتُ، ولِكم غرضٍ قصدتَنِي. إلا أنَّ من قاس على اللغة التي حكاها الأخفش في الخبرية من أنه يتقدم عليها العامل في نحو «ملكتَ كم غلامٍ» يجوز في قوله أن يتقدم هنا الفعل الذي يتعلق به حرف الجر، فيقول: تمتعتُ بِكَمْ جاريٍة.

ويوجد في كلام س وأبي علي الفارسي أنه تكون فاعلةً، وليس المعنى أنه يتقدم الفعل مسندًا إليها، وإنما يعنون أنها تكون مبتدأة فاعلةً من حيث المعنى،
نحو: كم رجلٍ أتاك، ولا تكون فاعلةً في اللفظ؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى إخراجها عما وُضعت عليه مِن أن تكون صدرًا.
وزعم ابن هشام أنها أيضًا تكون مفعولاً لها، نحو: لكَمْ إكرامًا لك وصلتُ.
قال: ولا بُدَّ من حرف العلة؛ لأنه لا يُحذف إلا في لفظ المصدر. وتوقف أبو عبد الله السُّوسي من نحاة تونس في إجازة ذلك. ولا نعلم أحدًا نصَّ على جواز ذلك غيره. قال ابن هشام: ولا تكون ــ يعني كم ــ مفعولاً معه؛ لأنه لا يتقدم.
وهذه تنبيهات: قال بعضهم: إذا كانت كم استفهامًا نصبت النكرة الواقعة بعدها التي تحسن فيها مِن كما تنصب في العدد. وقال أيضًا: إذا قلت: كم درهمًا عندك؟ فالتقدير: أيُّ عدد من الدراهم حاصل عندك؟ فاختير للتمييز بصلاحية دخول مِن عليه. وقدَّر كم في المثال المذكور بقوله: أيُّ عدد؟ وتقول في الاستفهامية: كم مالُك إلا درهمان؟ وكم عطاؤك إلا عشرون؟ إذا كنت تستقلُّه،
كما تقول: هل الدنيا إلا ظلُّ زائل، فما بعد إلا بدل، ترفعه إذا كانت كم رفعًا، وتنصبه إذا كانت نصبًا، نحو: كم أعطيتَ إلا درهمًا؟ وتجرُّه إذا كانت جرَّا، نحو: بكم أخذتَ ثوبَك إلا بدرهمٍ؟ ولا يكون هذا البدل في الخبرية لأنه استثناء من موجب.

وتقول في الخبرية: كم رجلٍ جاءك لا رجلُ ولا رجلان، فتعطف على كم بـ «لا» لأنَّ الكلام موجب، ولا يكون هذا في الاستفهامية لأنًّ «لا» لا
يُعطف بها في الاستفهام.
وتمييز كم يجوز دخول مِن عليه، سواء أكان متصلاً بها أم متأخرًا عنها، وسواء أكانت خبرية أم استفهامية، إلا إذا كان قد دخل على كم الاستفهامية حرف جر، فلا يجوز أن تدخل على تمييزها مِن؛ لأنَّ ذلك الحرف جُعل عوضًا مِن «مِن»، فلا يجتمعان.
و «كم» لفظها مفرد، ومعناها الجمع، واللفظ يتبع تمييزها في التذكير والتأنيث، تقول: كم رجلٍ لقيتُه، وكم امرأةٍ رأيُتها، قال تعالى {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}
.ويتبع المعنى، فيكون العائد جمعًا، فتقول: كم رجلٍ رأيتُهم، وكم امرأةٍ رأيُتهنَّ، / وقال تعالى {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا}.
والحمل على اللفظ هو الأقيس؛ لأنَّ الضمير والمظهر من قبيل الألفاظ. فإن كان التمييز جمعًا ــ وذلك في الخبرية ــ فلا يعود الضمير إلا ضمير جمع، نحو قوله:
كَمْ مُلُوكٍ بادَ مُلْكُهُم ... ............................
ولا يعود مفردًا، لا تقول: كم رجالٍ قام. وقد تقدَّم ذكر المصنف
الإشارة إلى الحمل على لفظ كم وعلى معناها من الجمع في باب الموصول في أوائل الكتاب في أول الفصل الثاني من الباب في شرح الحمل على مَنْ وما بالنسبة إلى اللفظ والمعنى.

وفي «الإفصاح»: إذا حملوا تارةً على اللفظ وتارة على المعنى، وسبق الحمل على اللفظ ــ فلا خلاف في جواز هذا وحسنه وكثرته، فإذا كان الأمر بالعكس فلا يخلو أن يكونا في كلام مرتبط متصل غير منفصل، أو في منفصل، فإن كان في منفصل فقد منعه قوم لأنه عدول عن مراعاة اللفظ، فالرجوع إلى ما عُدل عنه نكث، والصحيح أنه جائز لأنه الأصل.
وقال بعضهم: أصل كم أن تكون استفهامًا، والخبر داخل على الاستفهام،
فالاستفهامية أصل للخبرية، والدليل على هذا أنها إذا كانت خبريةً تلزم الصدرَ، فلا يعمل فيها ما قبلها، فلولا أنَّ الاستفهامية أصل للخبرية ما امتنع أن يعمل في الخبرية ما قبلها؛ لأنها في معنى: كثير من كذا عندك. قال شيخنا أبو الحسن الأُبَّذيّ: «وهذا يمكن أن يكون بالحمل للشبه اللفظي والمعنوي، فلا تكون إحداهما أصلاً للأخرى» انتهى.
كلّ واحدة من «كم» و «رُبَّ» لا تُستعمل إلا في الماضي أو المستقبل المتحقق الوقوع، تقول: كم عالمٍ لقيتُه، ورُبَّ عالمٍ لقيتُه ولا تقول: كم عالمٍ سألقاه، ولا: رُبَّ عالمٍ سألقاه، وقال تعالى {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ}،
و (يَوَدُّ) مستقبل متحقق الوقوع ثابت، كما أنَّ الماضي متحققُ وقوعه.
ومثلُه قول الشاعر:
فإنْ أَهْلكْ فَرُبَّ فَتَى سَيبَكي ... عليَّ، مُخَضَّبٍ، رَخْصِ البَنانِ
ولو وقعت كم هنا، فقيل: كم فَتى سيبكي ــ لساغ ذلك.
وتقول: كم تُرى الحروريةَ رجلاً، إذا أعلمت تُرى، وهذا الكلام معزوّ إلى الحَجّاج بن يوسف. وكم يحتمل أن تكون استفهامية كما ذكره أبو علي في

الإيضاح، وخبرية كما أجازه في تذكرته، ولا يكون إذ ذاك قصده السؤال عن مبلغهم، بل تكثير عددهم، وتُرى مبنيَّة للمفعول، وتقدم الكلام عليها في باب ظننت. ويجوز إلغاؤها وإعمالها، فإن أعملتها فـ «كم» في موضوع نصب مفعول ثانِ لها، والحرورية الثالث، والضمير فيها المستكنّ هو المفعول الأول.
وأجاز أبو علي في تذكرته أن تكون كم المفعول الأول مما دخلت عليه تُرى، والحرورية المفعول الثاني مما دخلت عليه تُرى، قال: لأنَّ كم ترتفع بالابتداء في نحو هذا؛ ألا ترى أنَّ س قد قال في: كم جَريبًا أرضك؟ إنَّ كم مبتدأ، ويكون في تُرى ضمير مرفوع بها مستترًا، وهو المفعول الأول الذي بُنيت له تُرى.
وإن ألغيتَها كانت كم في موضع رفع على /الابتداء، والحرورية خبر، أو مبتدأ، وكم خبره. والأحسن: كم رجلاً تُرى الحرورية؟ أو كم رجلٍ تُرى الحَروريةّ.
والحَروريّة صنف من الخوارج، يقال: إنّ عليَّا سّماهم بذلك نسبة إلى حَرُوراء ـ موضع ــ قالوا فيه حَرُوريّ، وهو من شاذّ النسب.
وتقول: بكم ثوبُك مصبوغًا؟ النصب على الحال، وهو يسأل: كم يساوي
الثوب في تلك الحال؟ ويكون خبر الابتداء في المجرور الذي قبله. وإن قال: بِكَمْ ثوبُك مصبوغُ؟ فهو يسأل: بِكَمْ صُبغ الثوبُ؟ فثوبك: مبتدأ، ومصبوغُ: خبره وبِكَمْ: متعلق بمصبوغ.

تقييد في إعراب كم: إن تقدم عليها حرف جر فهي مجرورة به، وإن لم يتقدم عليه حرف جر: فإن كانت كنايةً عن مصدر أو ظرف زمان أو ظرف مكان فهي في موضع نصب على المصدر، أو الظرف. وإن لم تكن كناية عن ذلك: فإن لم يكن بعدها فعل، أو كان فعل لازم بعدها، أو فعل متعدِّ مسندُ إلى ضمير كم أو إلى سببيَّها ــ فهي في موضع رفع على الابتداء، أو مسندُ لغير ضميرها وغير سببيِّها، ولم يأخذ معموله ـ فهي معمولة له، أو أَخذ معموله، فيجوز في كم الرفع على الابتداء والنصب على الاشتغال.
جواب كم الاستفهامية يجوز أن يكون مرفوعًا وإن اختلف موضع كم
من الرفع والنصب والجر. ويجوز أن يكون على حسب موضعها، إنْ رفعًا فرفعُ، وإنْ نصبًا فنصبُ، وإنْ جرَّا فجرُّ، وهذا هو الأولى والأجود. مثال ذلك: كم عبدًا دخلَ في ملكك؟ وكم عبدًا اشتريتَ؟ وبكم عبدًا استعنتَ؟ فيجوز في جواب هذه كلها أن تقول: عشرون عبدًا، ويجوز أن تقول في المثال الأول: عشرون، وفي المثال الثاني: عشرين، وفي المثال الثالث: بعشرين. وكذلك إذا كانت إذا كانت مما يَسوغ فيها الاشتغال، نحو: كم عبدًا اشتريتَه؟ يكون في الجواب إن اعتقدت أنَّ كم مبتدأة الرفع، وإن اعتقدت أنها منصوبة بإضمار فعل يكون في الجواب الرفع والنصب.

-[ص: فصل

معنى «كأيِّن» و «كذا» كمعنى «كم» الخبرية، ويقتضيان مُمَيِّزًا منصوبًا مفردًا، والأكثرُ جرُّه بـ «مِن» بعد كأيِّنْ. وتنفرد من «كذا» بلزوم التصدير، وأنها قد يُستَفهَم بها، ويقال: كَيْءٍ، وكاء، وكَأ، وكَايٍ. وقلَّ ورود «كذا» مفردًا، أو مكررًا بلا واو. وكنى بعضهم بالمفرد المميَّز بجمع عن ثلاثة وبابه، وبالمفرد المميَّز بمفرد عن مئة وبابه، وبالمكرَّر دون عطف عن أحدَ عشرَ وبابه، وبالمكرَّر مع عطف عن أحد وعشرين بابه.]-
ش: «كأيِّن» زعموا أنها مركبة من كاف التشبيه و «رأيّ» قال بعضهم: الاستفهامية، وحُكيت، وصارت كـ «بِزَيدٍ» لو سُمِّي به، فإن يُحكى، ويُحكم على موضعه بالإعراب.
قال ابن عصفور: «والكاف فيها زائدة؛ ألا ترى أنك لا تريد بها معنَى تشبيه، وهي مع ذلك لازمة كلزوم ما الزائدة في قولهم: افعلْه آثًرًا ما،
وقولهم: لا سَّيِما زيدٍ. وهي غير متعلقة بشيء؛ لأن حروف الجر الزوائد لا تطلب ما تتعلق به. والدليل /على أنَّ الكاف وأيَّا صُيِّرَتا كالكلمة الواحدة استعمالها مبتدأة، نحو قوله: كأين مِن رجلٍ ضربتُ،

ومجرورةً، نحو: بِكَأَيِّن من رجلٍ مررتُ، ولو لم يكونا كالكلمة الواحدة ما ساغ ذلك» انتهى.
ولا تلزم «ما» في «لا سِيَّما زيدٍ» كما ذكر، وقد نص س
علي أنِّ حذف ما في «لا سِيَّما زيدٍ» عربي.
وقال بعض أصحابنا ــ وقد قرر أنها مركبة من كاف التشبيه ومن أيِّ الاستفهامية عن العدد، وصارت بمنْزلة كم في الخبر والاستفهام ــ قال: «ويحتمل أن تكون بسيطة» انتهى.
وهو الذي كنتُ أذهب إليه قبل أن أقف على قول هذا القائل إنه يحتمل أن تكون بسيطة. ويدلُّ على ذلك تلاعب العرب بها في اللغات التي سيأتي
ذكرها إن شاء الله تعالى.
وأجاز ابن خروف أن تكون مركبة من كاف التشبيه ومن أيِّن، وهو اسم على وزن فَيْعِل، فالنون من أصل الكلمة. ولم يُستعمل هذا الاسم مفردًا بل مركًبا مع كاف التشبيه، وهو مبني على السكون من حيث استُعمل في معنى كم قبل.
وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ جَعْلَها مركبة مما استقرَّ في كلام العرب وعُرف معناه أَولى مِن جَعْلِها مركبة من كافِ الجر ولفظٍ لم يَستَقرّ في كلامهم، ولا عُرف له معنًى.
وأمَّا «كذا» فقالوا هي مركبة من كاف التشبيه ومن «ذا» اسم الإشارة، أوقع على عدد مبهم.
قال ابن عصفور: «الكاف في قولك كذا وكذا زائدة؛ لأنه لا معنَى للتشبيه في هذا الكلام، إنما معناه: لي عليه عدد ما، وزيادتها فيه كزيادتها في قولهم: فلان كذي الهيئة، يريدون: ذو الهيئة، ولزمت لزوم ما الزائدة في «آثرًا ما»، وذا مجرورة

بالكاف الزائدة كانجرارها بالكاف الزائدة في كأيِّن، ولا تتعلق بشيء، وصُيِّرت مع ذا كالشيء الواحد، وكُني بهما عن عدد مبهم. ويدلُّ على أنهما كالكلمة الواحدة أنّ ذا لا تختلف بحسب المشار إليه، تقول: له عندي كذا وكذا ملحفةً، ولا تقول: كذه وذه ملحفة، فجرت مجرى حبَّذا، وعلى هذا قالوا: إن كذا وكذا مالُك فرفعوا المال» انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقال العكبري في «شرح الإيضاح»: «كذا مركبة من الكاف [وذا، والكاف] للتشبيه وذا اسم إشارة، أوقع على عدد مبهم. وإذا جعلت الكاف حرفًا لم تحتج إلى ما تتعلق به؛ لأن التركيب غيَّر حكمها كما غيَّر حكم كأنَّ. فإذا قال: له عندي كذا درهمًا، فـ (كذا) في موضع الصفة لمبتدأ محذوف، أي: شيء كالعدد، أو الكاف اسم مبتدأ كمثلٍ» انتهى.
وإذا جعلنا كذا في موضع الصفة لزم أن تتعلق الكاف بمحذوف ضرورة، كما تقول: قام رجلُ كأسدٍ، أي: كائنُ كأسد، فلا يصح في كذا إذ ذاك دعوى التركيب.
وقال صاحب (البسيط): «له عليَّ كذا وكذا درهمًا، أصلها ذا التي للإشارة،
تقول: عنده ذا العددُ تشير إليه، ثم تَركبتْ مع كاف التشبيه، كأنك قلت: عنده
عددُ كهذا العدد، ثم تركّيبا بمنْزلة حبَّذا وكأيِّن، فصارت اسمًا واحدًا مبينَّا بالتركيب، ودخله الإبهام، وصلاحيتُه /للأعداد بحسب أصله، وجُعل كالكنايات عن أعدادٍ معلومة؛ لأنَّ الإشارة إنما تكون إلى معلوم، أو تقيِّده، فجُعل مبهمًا في المعلوم منه، فلذلك كان كنايةً كـ (فلان)؛ لأنها كناية عن علم» انتهى.
وتلخص لنا من هذه النقول الخلاف في كذا، أهي باقية على أصل وضعها
مِن أنَّ الكاف للتشبيه وذا للأشارة، وهو المتفهم مِن جَعْل مَن جعَلها صفة لمبتدأ

محذوف إن كانت الكاف حرفًا، أو جعَل الكاف اسمًا مبتدأة عاملة الجر في اسم الإشارة، أم هي مركبة من كاف التشبيه الزائدة واسم الإشارة، وُجعلا كالكلمة الواحدة، أم هي مركبة من كاف التشبيه غير الزائدة واسم الإشارة، ثم جُعلت بالتركيب اسمًا واحدًا مبنيَّا.
وقوله معنَى كأيَّن وكذا كمعنى كم الخبريَّة أمَّا «كم» فقد تقدَّم فيها
الخلاف إذا كانت خبريَّة: هل موضوعها العدد الكثير، أو تكون للتقليل، وتكون للتكثير.
وأمَّا «كأيِّن» فالذي يظهر من استعمال العرب لها أنها للتكثير.
وأمَّا «كذا» فالذي يظهر أنها لم توضع للتكثير، بل هي مبهمة في العدد، سواء أكان كثيرًا أم قليلاً.
ومما يدلَّ على أنَّ كأيِّن بمعنى كم الخبرية قولُ الكُميت:
وكائنْ وكَم مِن مُحدِثٍ قد أَجَرْتُمُ ... بِلا سَبَبٍ دانٍ إليكم ولا صِهْرِ
عطفَ كم على كائن توكيدًا، كأنه قال: كَمْ وكَمْ.
وزعم س أنَّ معنى كأيَّن معنى رُبَّ. قال بعض أصحابنا: وذلك غير خارج عما قاله غيره من النحويين من أنها بمعنى كم؛ لأن معنى رُبَّ وكم وكأيِّن واحد؛ لأنَّ جميعها تستعمل في المباهاة والافتخار.
وقوله ويقتضيان ممِّيزًا منصوبًا يعني أن كأيِّن وكذا تمَّيزان بمنصوب، مثال ذلك في كأيِّن قول الشاعر:

اطْرُدِ اليأسَ بالرَّجا، فَكَأَيِّنْ ... آمِلاً، حُمَّ يُسرُهُ بَعدَ عُسْرِ
وقول الآخر:
وكائنْ لنا فَضلاً عليكم ونِعمةً ... قَديمًا، ولا تَدرُونَ ما مَنُّ مُنعِمِ
وقال س: «وكذلك: كأيِّنْ رجلاً قد رأيتُ، وزعم ذلك يونس، وكأيِّنْ قد أتاني رجلاً)). ومثالُ ذلك في كذا قوله:
عِدِ النَّفسَ نُعْمَى بعدَ بُؤساكَ ذاكِرًا ... كذا وكذا لُطفًا به نُسِيَ الجَهدُ
ولا يجوز أن تضاف كأيِّن وكذا إلي التمييز؛ لأنَّ المحكيَّ لا يضاف، ولأن في آخر كأيَّن تنوينًا، فهو مانع من الإضافة أيضا، وفي كذا اسم إشارة، واسم الإشارة لا يضاف.
وقوله والأكثُر جَرُّه بـ «من» بعدَ كأيِّن قال س بعد أن ذَكر النصب، قال: «إلا أن أكثر العرب إنما يتكلمون بها مع مِن» انتهى. ويظهر من كلام س أنها لتأكيد البيان، فهي زائدة، وقد يقال: إنها لا تزاد في غير الواجب، فيقال: إنَّ هذا رُوعيَ فيه /أصله من الاستفهام، وهو غير واجب، ولَمَّا تعذَّرت الإضافة لم يَبق إلا النصبُ أو جرُّه بِمِنْ، وكان جرُّه بِمِنْ أكثر من استعماله منصوبًا؛ لأنَّها بمنْزلة كم الخبرية في المعنى، وكم الخبريةُ يقلُّ نصب تمييزها إذا لم يُحَلْ بينها وبينه.
وذهب أبو العباس إلى أنَّ الاختيار في جرِّه بِمِنْ سببُه أنه مع عدمها لا يتعين أن يكون المنصوب هو التمييز، بل يحتمل في نحو قولك «كأيِّن رجلاً

ضربتُ» أن يكون رجلاً مفعولاً بضربت، ويكون التمييز محذوفًا، ويقدر: كأيِّن مرةً رجلاً ضربتُ، فيكون رجلاً واحدًا لفظًا ومعنًى. ويحتمل أن يكون تمييزًا، فيكون واحدًا في معنَى جمع، و «مِن» تَرفع هذا اللبس، فاستُعمل التمييز مقرونًا بها، وليست في ذلك مثل كم الخبرية؛ لأنَّ اللبس يرتفع بالإضافة، وكأيِّن لا تضاف إلى التمييز، بل إذا حُذفت مِن انتصب ما بعدها. انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وهذا الذي قاله أبو العباس مبنيُّ على أنه هل يجوز حذف تمييز كأيَّن أم لا يجوز؟ وإيراد النحويين كلام أبي العباس من غير اعتراض عليه في تقدير حذف التمييز دليل على جوازه.
وقال صاحب البسيط: «وأمَّا حذفه فضعيف فيه لِلُزوم مِن؛ لأنه حذفُ عامل ومعمول» انتهى.
ومَن يقول بجواز حذفه لا يلتزم أنه حُذف وهو مجرور بِمِنْ، بل حُذف وهو منصوب كما حُذف من كم الاستفهامية وهو منصوب. ولا يُحفَظ جرُّ التمييز بعد كأيِّن، فإن جاء كان بإضمار مِن، وهو مذهب الخليل والكسائي. ولا يُحمل على إضافة كأيِّن كما ذهب إليه ابن كسيان لِما تقدَّم مِن أنه لا يجوز إضافة كأيِّن إلى ما بعدها. وقال س: «وقال إنْ جَرَّها أحد من العرب فعسى أن يَجُرَّها بإضمار مِن» انتهى.
وقال ابن خروف: «يكون في ممَّيزها النصب، ويجوز الجر بِمِنْ وبغير مِنْ، بفصل وبغير فصل، ومعناها التكثير، ولها حكم كم الخبرية في جميع أحوالها».
والوقف عليها على ما زعم السيرافيُّ بغير تنوين، وهو القياس، وإنما كُتبت بالنون لَمَّا أشبهت اسمَ الفاعل مِن (كان) في الوزن واللفظ، ثم حُمل سائر اللغات عليها.

ويقتضي الاستقراء أنَّ تمييز كأيَّن لا يكون جمعًا، فليست مثل كم الخبرية في التمييز إذ الصحيح والمسموع أنه يكون جمعًا، وإن كان الأكثر أن يكون مفردًا. وأمَّا تمييز كذا فملتزَم فيه النصب.
واختلف النحاة في الوقف على كأيَّن: فذهب السيرافي والفارسي وجماعة من البصريين إلى أنه بحذف التنوين؛ لأنه الذي كان في أيِّ. وذهب ابن كيسان، وتعبه ابن خروف، إلي أنها لَّما تَركّبتْ جُعل التنوين فيها كالنون الثابتة في الحرف، فوُقف عليها بالنون، وكُتبت بالنون.
وقوله وتنفرد مِن كذا بلزوم التصدير يعني أنَّ كأيَّن تلزم الصدر، بخلاف كذا، فإنه لا يُلتزم فيه التصدير، بل يجوز أن تتقدم عليها العوامل، وقد تقدَّم في تمثيل ابن عصفور أنه يدخل عليها حرف الجر، فمثل بقوله: بكأيِّن مِن رجلٍ مررتُ وقد تقدَّم ابنَ عصفور إلى ذلك ابنُ قتيبة، فقال في «الكتاب الجامع» له في النحو: «كأيِّن. بمعنى كم، تقول: بكأيَّن /تبيع هذا الثوب؟ أي: بكَمْ تَبيعه؟».
وقال ابن تقي: «كأيَّن أصلها أيُّ التي يُسأل بها عن كل شيء، فلمَّا دَخلت الكاف عليها لزمت بجملتها العدد، وزالَ معنى الاستفهام منها، فكان الأصل: كأيَّ عددٍ عددُ دراهمك؟ ثم حذفوا الثاني، ونَوَّنوا، ورَكَّبوا، وغَلَّبوا الاسمية، وصارت لا يعمل فيها ما قبلها؛ لأن أحد جزأيها في الأصل استفهام» انتهى.
ويحتاج دخول حرف الجر عليها إلى نقل، ولا ينبغي أن تقاس في ذلك على كم الخبرية؛ لأنَّ قياس كأيَّن عليها يقتضي أن يُضاف إليها أيضًا كما يُضاف إلى

كم الخبرية، فتقول: غلاَم كأيَّن مِن صديقٍ أكرمتُ، كما تقول: غلامَ كم مِن صديقِ أكرمتُ، ولا يُحفظ هذا من كلامهم.
وتكون مبتدأة، نحو {وكَأَيِن مِن نَبِىَّ قَتَلَ}، وقد استقرأت جملةً مما وقعتْ فيه مبتدأ، فوجدت الخبر لا يكون إلا جملة فعلية مصدَّرة بماضٍ أو مضارع، ولم نقف على كونها اسمًا مفردًا، ولا جملةً اسمية، ولا مصدَّرةً بمستقبل، ولا ظرفًا، ولا مجرورًا، فينبغي ألاَّ يُقْدَم على شيء من ذلك إلا عن سماع من العرب.
ومفعولةً، نحو قوله:
وكائنْ رَدَدْنا عَنكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ ... يَجيءُ أَمامَ القومِ يَرْدي مُقَنَّعا
والقياس يقتضي أن تكون في موضع نصب على المصدر، وعلى الظرف، وعلى خبر كان، كما كان ذلك في كم.
وفي «البسيط» أنها تكون مبتدأ وخبرًا ومفعولاً.
وقوله وأنها قد يُستَفهَم بها الذي وقفنا عليه من كلام النحويين ينصُّ على أنَّ كأيِّن استُعلمت في الخبر، وهذا المصنف ذكر أنها قد يُستَفهَم بها، فقال في الشرح: «وانفردت كأيِّن أيضًا ــ يعني من كذا ــ بأنَّها قد يُستَفهَم بها، كقول أبي ابن كعب ــ - رضي الله عنه - ... ـ لعبد الله ـ - رضي الله عنه - ـ: (كأيِّنْ تقرأ سورة الأحزاب؟ أو: كأيِّنْ تَعُدُّ سورة الأحزاب؟). فقال عبد الله: (ثلاثًا وسبعين) فقال أُبَيّ: (قَطُّ). أراد: ما كانت كذا قِطُّ». انتهى كلامه.

ولم يَذكر دليلاً على أنه يُستَفهَم بها سوى هذا الخبر، وقد تقدَّم لنا الكلام معه في أنه مخالف للنحاة في إثبات القواعد النحوية بما ورد في الآثار، كهذا الأثر وغيره، وبيَّنَّا العلة التي عدَل النحويون لأجلها عن الاستشهاد بذلك.
وقوله ويقال كَيْءٍ وكاءٍ وكَأٍ وكَايٍ تقدمت اللغة الأصلية التي ذكروا فيها أنها مركبة من كاف التشبيه ومن أيَّ، وهي أفصح اللغات فيها.
وهذه اللغة بياء ساكنة بعد الكاف وبهمزة مكسورة منونة، وهذه اللغة حكاها المبرد، قال المصنف في الشرح: «وأصله كَيَّأٍ، بتقديم الياء على الهمزة، ثم عُوملت معاملة مَيَّت، فقيل: كَيْءٍ، ثم أُبدلت ياؤه ألفًا، فقيل: كاءٍ، وبه قرأ ابن كثير، ثم حُذفت ألفه، فقيل: كَأٍ. وأمَّا كَايٍ فمقلوب كَيْء، وبه قرأ ابن مُحيصن والأشهب» انتهى.
ودلَّت قراءة ابن محيصن والأشهب بها على صحتها، وحكاها ابن كَيسان والأعلم.
وزعم ابن خروف أنَّ الأعلم غلطَ فيها، وإنما هي كايٍ بالألف والياء.
وليس ذلك بغلط لِما ذكرناه /مِن قراءةِ مَن قرأ بها، ولِحكاية ابن كيسان لها، وضبطًها ضبطًا لا يلبس، قال ابن عصفور: «وأمَّا ما قاله ابن خروف مِن أنها

كايٍ بالألف والياء، فلم يَحك ذلك غيره، وهي جائزة في القياس، كما أبدلوا الهمزة في راس، فقالوا راس، لَما كانت كَايٍ أبدلوها» انتهى. وليست جائزة في القياس، بل كونها مسهَّلة لقلبها ياءً بعد الألف هو على غير قياس.
وأمَّا كائن فهي تلي كأيِّن في الفصاحة، واختلفوا في تعليل تغييرها من كأيَّن:
فقال المبرد: حذفوا الياء الأولى من كأيَّن، وجعلوا التنوين عوضًا من الياء المحذوفة. والذي يوجبه مذهبه أنهم بنوا من كأيِّن اسمًا على وزن فاعِل، الكاف منه فاء الفعل، وبعد الكاف ألف فاعِل، وبعدها الهمزة التي هي أوّل أيّ في موضع عين الفعل، والياء الباقية في موضع لام الفعل، ودخل عليه التنوين الذي كان في أيّ، فسقطت الياء لاجتماع ساكنين، فصار كاء، ولزمت النون عوضًا.
وقال الزجاج: لّما صَيَّروا الكاف مع أيَّ كالكلمة الواحدة أبدلوا الهمزة ألفًا، على حدِّ قولهم في سألَ: سال، وخفضوا الياء، فصار كايٍ، فدخل في باب قائل وبائع، فهُمز.
وقال الفارسي: قلبوا، فصار: كَيَّأٍ، ولحق الهمزةَ التنوينُ كما لحق الياءَ المشددة، وجاز القلب فيما تركْب من كلمتين ــ وحكمُه أن يكون في كلمة واحدة، نحو قِسِيّ ــ لكونهما صارا كالكلمة الواحدة، ولكثرة الاستعمال، كما قالوا: رَعَمْلِي في لَعَمْرِي، ثم حُذفت الياء المتحركة كما حذفت من كَيّنُونة، فقالوا: كَيْنونة، فصار كَيْءٍ، مثال كَيْعٍ، وإذا كانوا قد حذفوها من أيِّ قبل التركيب في نحو قول الشاعر:

تَنَظّرتُ نَصْرًا والسِّماكَينِ أَيْهُما ... عَلَيَّ مِنَ الغَيثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ
فالأحرى بعد التركيب؛ لأنَّ الطول أدعى للتخفيف، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفًا، كما قالوا في دُوَيْبَّة: دُوَابَّة، وكما قالوا طائيّ في النسب إلى طيِّئ.
قال أبو علي في «البغداديات»: «وهذا قول بعض البصريين. إلا أنه لم يشرحه هذا الشرح».
وقال ابن خروف: قلبوا الياء المتحركة قبل الهمزة، ثم قلبوها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحذفوا الياء الساكنة، وكسروا الهمزة لَما صارت طرفًا، وكان السبب في حذف الياء الساكنة على هذا اجتماعها مع النون، وهي ساكنة.
قال بعض أصحابنا: «وما ذهب إليه الفارسي أولى؛ لأنَّ ما ادَّعاه من القلب والتخفيف قد ثَبَتَ في هذه الكلمة سماعًا؛ بدليل قولهم فيه كَيْءٍ، فوجب أن يُجعل أصلاً لـ (كاءٍ) لقربه منه، وأن يُقَدَّر أن ألف كائن بدل من ياء على حدِّ دُوابَّة في دُوَيْبّة. وما ذهب إليه المبرد والزجاج وابن خروف لم يرد به سماع، وإنما أجازوه بالقياس من عندهم» انتهى.
وفي الوقف أيضًا على كائن خلاف: فابن كيسان والمبرد يقفان بالنون. وعلة ابن كيسان ما تقدم في وقفه على كَأَيِّ. وعلة المبرد أنَّ النون صارت عوضًا من الياء المحذوفة، فلزمت لذلك.
وذهبت جماعة إلى الحذف؛ لأنها التنوين الذي كان في أيَّ، فحُذف كما حذف.
وأجاز الفارسي الوجهين، قال في «الحجة»: «فأمَّا النون فهو التنوين، وقياسه الحذف وتسكين الهمزة المجرورة للوقف، وقياسُ من قال مررت /بِزَيدِي أن يقول: كائي، فيبدل من التنوين ياء.

ولو قال قائل: إنه بالقلب الذي حدث في الكلمة صارت بمنْزلة النون التي من نفس الكلمة، كما جعلت النون في لدن بمنْزلة التنوين الزائد في قول من قال: لَدُنْ غُدْوةً ــ لكان قولاً».
وقال ابن يسعون: «يمكن أن يكون كائن مشتقَّا من قولهم: كاءَ يكيء كَيْئا وكَيْئة: إذا رجع وارتدع، وأيضًا إذا هاب، فهو كاء من هذا اللفظ، كجاءٍ ونحوه، ثم أُلزم الاستعمال بمعنى كم من حيث كان الرجوع والارتداع تردُّدًا وانضمامًا واجتماع بعض الشيء إلي بعضه؛ وهذا المعنى قريب من العدد والكثرة»
وينبغي أن يكون الوقف عليه في هذا القول بحذف النون لأنها تنوين. وهذا القول فاسد لأنها لو كانت اسم فاعل من كاءَ في الأصل لجاز إضافتها إلى التمييز كإضافة ما هي في معناه، وهي كم؛ إذ لا مانع من ذلك، لكنها بمنْزلة المحكي، فتمتنع الإضافة.
وحكى قطرب عن يونس أن كائن اسم فاعل من كان، وعلى هذا تثبت النون وقفًا وخطَّا لأنها من نفس الكلمة.
وهذا فاسد؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن لبنائه وجه إلا حمله على كم من حيث استُعمل في معنى كم، ولو كان كذلك لوجب أن تكون نونه متحركة حتى يكون بناؤه على حركة؛ لأنه معرب في الأصل، طرأ البناء عليه. وأيضًا فإن قولهم فيه كَأَيِّنْ وكَيْءٍ يبين فساد ذلك.

وأمَّا كَيْءٍ فإنه لما قلب، وحذفت الياء تخفيفًا، لم تقلب الياء ألفًا.
ومن قال كَايٍ فكأنه قلبُ من هذا مراجعة للأصل؛ إذ الهمزة في الأصل متقدمة على الياء، ولكثرة تلعبهم بهذه الكلمة.
وأمَّا كَئنْ فانه كائن في الأصل حذفوا الألف منه اجتزاءً بالفتحة عنها، كما قالوا: أمَ والله لقد كان كذا، ولو تَرَ أهل مكة، أي: أمَا، ولو ترى.
وقال ابن جني: «من قال كَأٍ فإنه حذف الياء من كَيْءٍ». وهذا الوجه يَرجح الأولَ بقلَّة العمل، ورَجَحه الأول بكون المحذوف قد بقي ما يدلُّ عليه بعد الحذف، وهو الفتحة.
وفي الوقف على هذه اللغات خلاف: فمنهم من يحذف لأنه التنوين الذي كان في أيِّ، فحَكم له بحكمه. ومنهم من يُثبته لأنها كالنون التي هي من نفس
الكلمة، فجعل الكاف مع أيِّ كالكلمة الواحدة.
وإنما جُعلت هذه اللغات كلها مغيرة من كأيِّن لتقاربها في الحروف واتحادها في المعنى.
وقد انتهى الكلام في تعليل هذه اللغات وجريانها على قوانين العربية،
وذكرنا اختلاف الناس فيها، وهي جميعها تسويد للورق، وإكثار في الكلام، ولا طائل تحته، فالأولى ادَّعاء البساطة في هذه الكلمة؛ إذ هي الأصل، ويكون التغيير فيها كالتغيير الذي جاء في لَدُنْ، وفي رُبَّ، وفي حيث، وما أشبهها. ولو كانت أحكامُ نحوية مكان هذه التعاليل والاختلاف لكان الاشتغال بها أَولى وأنفع، ولكن كل علم لا بد فيه من فضول.

والأفصح اتصال تمييزها بها مجرورًا بـ «مِنْ» وكذا وقعت في القرآن {وكأين من نبي قتل} و {وكأين من ءاية في السموات والأرض} ... ، {فكأين من قرية أهلكنه، و {وكأين من قرية عنت} ... .
ويجوز الفصل بينهما بالجمل، وبالجار /والمجرور، وبالظرف، قال الشاعر، وهو عمرو بن شأس:
وكائنْ رَدَدْنا عَنكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ ... يَجيء أَمامَ الَحيِّ ... يَرْدي ... مُقَنَّعا
وقال الفرزدق:
وكائنْ اليكم قادَ مِن رأسِ فِتنةٍ ... جُنودًا، وأمثالُ ... الجِبالِ ... كَتائبهْ
وقال السُّليك:
وكائنْ حَواها مِن رئيسٍ، سِلاحُهُ ... إلى الرَّوعِ صَحْنٌ، مائلِ الشَّقَّ أَبْكَمِ
وقال ذو الرمة:
وكائنْ تَري مِن رَشْدةٍ في كَريهةٍ ... ومِن غَيَّةٍ تُلْقَى عليها الشَّراشِرُ
وقال أيضًا:

وكائنِ ذَعَرْنا مِن مَهاةٍ ورامِحٍ ... بِلادُ العِدا ليستْ لهُ ... بِبِلادَ
وقال الكميت:
وكائنْ تَرَي فينا مِنِ ابْنِ أَخيذةٍ ... أَبَى العِتْقُ مِنْ خالاتِهِ أنْ تُغَيَّرَا
وقال آخر:
وكائنْ تَرَي فينا مِنِ ابْنِ سَبِيَّةٍ ... اذا لَقِيَ الأَبْطالَ يَضْرِبُهُمْ هَبْرَا
وقال آخر:
وكائنْ تَرَي مِنْ يَلْمَعِيِّ مُحَظْرَبٍ ... وليسَ ... لهُ عندَ العَزائمِ جُولُ
وقال الآخر:
وكائنْ ... بالأَباطِحِ ... مِنْ صَديقٍ ... يَرانِي ... لو أُصِبْتُ هو الُمصابا
وقال الأدْهَم بن أبي الزَّعراء:
وكائنْ بنا مِن ناشِصٍ قد عَلِمتُمُ ... إذا نَفَرَتْ كانتْ بَطيئًا ... سُكُونُها
وجاءت هذه اللغة كثيرة في كلام العرب خصوصًا في أشعارها، وهي تلي في الفصاحة لغة كأيَّن، وقراءة الجمهور (كأين)، وقرأ ابن كثير بهذه اللغة.

ومن غريب الحكايات في هذه اللغة ما حدثني به بعض أدباء تونس ــ والعهدة عليه ــ أنَّ الفقيه المحدَّث أبا القاسم بن البراء كان يحرِّض شيخنا الأديب الحافظ المستبحر أبا الحسن حازم بن محمد بن حازم على أن يشتغل بالفقه، ويكفّ عن الأدب، فحضر حازم وجماعة عند المستنصر أبي عبد الله محمد ابن الأمير أبي زكرياء ملك إفريقية، وذكروا
قراءة ابن كثير (وكائن)، واستغربوها،
وقالوا: لم يجئ منها في كلام العرب إلا قول الشاعر: /
وكائنْ بالأَباطِحِ مِنْ صَديقٍ ... ..................................
فقال لهم حازم: قد جاء منها ما لا يُحصى. فطلبوا منه ذلك، فأنشدهم من هذه اللغة ألف بيت، فدفع له المستنصر ألف دينارٍ من الذهب، فجاء بها إلى ابن البراء، فقال له: هذه مسألة من الأدب، أخذت فيها ألف دينار، فأرنى أنت مسألة من الفقه حصل للمخبر بها ألف دينار؟ انتهى.
والذي أقوله إنَّ هذه المسألة كانت ـــ والله أعلم ـ مبَّيتة، طُولِع فيها دواوين العرب أيامَا كثيرة، على أنَّ حازمًا كان من الحفظ في غاية لا يشاركه فيه غيره من أدباء عصره.
وأمَّا ثلاث اللغات الباقية فنقلها النحويون، ولم يُنشدوا فيها شعرًا فيما علمت.
وقوله وقلَّ ورود كذا مفردًا أو مكررًا بلا واو كنّا قد ألّفنا كتابًا في أحكام كذا، سميناه بـ «كتاب الشذا في أحكام كذا» بسؤال قاضي القضاة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الوهاب الأنصاري الحنفي، عرف بابن الحريري،

أولَ قدومه من الشام متوليًا قضاء الديار المصرية، وجمعنا في آخره الأحكام مجردةً، ثم اخترنا منها ما قام عليه الدليل من لسان العرب، وأناالآن أسرد تلك الأحكام، وأذكر ما اخترناه منها، حرفًا بحرف من ذلك الكتاب، فنقول:
أمَّا الكاف فأصلها التشبيه، و «ذا» أصلها أنها اسم إشارة للمفرد المذكر، فمتى أُبقيت كل واحدة منهما على موضوعها الأصلي فلا تركيب فيها، ولا تكون إذ ذاك كناية عن شيء، وإن أُخرجت عن موضوعها الأصلي فإنَّ العرب استعملتها كناية عن عدد وعن غير عدد، وفي كلتا الحالتين تكون مركبةً، ولذلك لا يثنَّى ذا، ولا يجمع، ولا يؤنَّث، ولا يُتبَع بتابع، لا نعت، ولا عطف، ولا تأكيد، ولا بدل، ولا تتعلق الكاف بشيء، ولا ًتدلُّ على تشبيه؛ لأنهما بالتركيب حدث لهما معنًى لم يكن قبله، ولا تلزم الصدر، ولا تكون مقصورة على إعراب خاصّ، بل تُستعمل في موضع رفع، وفي موضع نصب، وفي موضع جر بالإضافة وبالحرف.
ومن النحويين مَن حكم على موضع الكاف بالإعراب، وجعلها اسمًا
ومنهم مَن حكم عليها بالزيادة، ولزمت، وكل هذا فرار من دعوى التركيب فيها.
فإذا كانت كناية عن غير عدد، فتكون مفردةً ومعطوفة، تقول العرب:
مررتُ بدارِ كذا، ونزل المطرُ مكانَ كذا فمكانَ كذا، وقالت العرب: أمَا بمكانِ كذا وكذا وجْذٌ؟ فقال: بلي، وجاذًا. ولا يراد بالمتعاطفين أنَّ المكان يوصف بصفتين معطوفة إحداهما على الأخرى. وهو كناية عن معرفة، ومن وقوعه على النكرة قوله:

وأَسْلَمَنِي الزَّمانُ ... كَذا ... فلا طَرَبٌ ولا أَنَسُ
أوقع كذا موقع الحال، وهي نكرة. وتقول العرب: مررت بدارٍ كذا،
فتصف به النكرة، فدلّ على أنه نكرة، وبدارِ كذا، واشتريته بثمن كذا، وله عندي كذا.
فإذا كانت كناية عن عدد فاختلف النحويون في ذلك:
فمذهب البصريين أنَّ تمييزها يكون مفردًا، سواء أكانت مفردة أم معطوفة، وأريد بها عدد قليل أو عدد كثير، فتقول: له عندي كذا درهمًا، وله عندي كذا وكذا درهمًا. وبه قال ابن طاهر وابن خروف. وقد نازع ابنُ خروف في إفرادها /في العدد، فزعم أنه غير مستعمل في كلام العرب.
وأمَّا الكوفيون فذهبوا إلى أنها تُفسَّر بما يُفسَّر به العدد الذي هي كناية عنه، فمن الثلاثة إلي العشرة بالجمع المخفوض، نحو: له عندي كذا جوارٍ، وتكون هي مفردة. وعن المركب بالمفرد المنصوب، وتُركّب هي، فتقول: كذا كذا درهًما. وعن العقود بالمفرد المنصوب، وتُفرد هي، نحو: له عندي كذا درهمًا. وعن المعطوف بالمفرد المصوب، وتكون هي معطوفةً علي مثلها، نحو: له عندي كذا وكذا درهمًا. وعن المئة والألف بالمفرد المجرور، وتُفرد هي، نحو: له عندي كذا درهمٍ.
وقد وافق الأخفشُ ـــ على مت نقله صاحب البسيط ـــ والمبردُ وابنُ الدَّهَّان وابن مُعط وابن عصفور الكوفيين في هذا الفصل. وذكر أبو بكر عتيق بن داود اليماني موافقة الأخفش وابن كيسان والسيرافي في المركب والمعطوف

للكوفيين، إلا أنَّ ابن عصفور قال في الكناية عن الثلاثة إلى العشرة، وعن المئة والألف: «له عندي كذا من الدراهم»، فردَّ التمييز إلى الجمع، وعرَّفه، وأدخل عليه مِن، كما يفعل في العدد المركب وغيره من التمييز المفرد إذا أراد إدخال من عليه، تقول: له عندي أحدَ عشرَ من الدراهم.
وأمَّا حكاية ابن السَّيْد من أنَّ الكوفيين والبصريين اتفقوا على أنَّ كذا وكذا كناية عن الأعداد المعطوفة، وأنَّ كذا كذا كناية عن الأعداد المركبة ــ فوجهُ الجمع بينه وبين ما نقلناه من مذهب البصريين أنَّ ابن السِّيْد وقف على قول المبرد أو على قول مَن حكى عنهم عتيقُ اليماني، فتوهم أنه قول البصريين؛ لأنَّ المبرد ومَن ذكر عنه ذلك من كبراء البصريين، ولم يحفظ خلاف غيرهم من البصريين، فجعل ذلك اتِّفاقًا. وقول ابن عصفور إنه يظهر له أنَّ اتفاق البصريين والكوفيين على أنَّ كذا وكذا كناية عن العدد المعطوف، وكذا كذا كناية عن العدد المركب ــ إما هو سماع من العرب، ولذلك لم يختلفوا فيه، بناء من ابن عصفور على ما نقل ابن السِّيْد من الاتفاق؛ لأنَّ ابن عصفور ذكر ذلك مستندًا إلى نقل ابن السِّيْد.
وقد ذكرنا نحن أنَّ مذهب البصريين خلاف ما ذكره ابن السِّيّْد، وتأوَّلنا قول ابن السِّيْد في نقل اتفاقهم. وقد تقدَّم قول ابن خروف في: كذا كذا درهمًا، وزعمُه أنَّ ذلك لا يستعمل في كلام العرب.
وتحصل مما لخصناه أنَّ المذاهب ثلاثة:
مذهب البصريين غير المبرد ومن وافقه أنها كناية عن العدد مطلقًا، سواء أكان مركبًا أم معطوفًا أم عقدًا أم غير ذلك من سائر العدد.

ومذهب الكوفيين ومن وافقهم أنها كناية عن العدد، فتطابق هي وتفسيرها ما هي كناية عنه من إفراد وتفسير بجمع مجرور، أو تركيب وتفسير بمفرد منصوب، أو إفراد وتفسير بمفرد منصوب، أو عطف وتفسير بمفرد منصوب، أو إفراد وتفسير بمفرد مجرور.
ومذهب ثالث ــ وهو مركب من هذين المذهبين ــ وهو موافقة الكوفيين في المركب والعقد والمعطوف، ومخالفتهم في المضاف، وهو الثلاثة إلى العشرة، والمئة والألف واللام مجرور بـ «مِنْ»، وهو اختيار ابن عصفور، وزعم /أنه مذهب البصريين.
وقد اضطرب في ذلك قول أبي علي الفارسي، فمرة قال بقول البصريين على ما حكيناه نحن، ومرة قال بقول الكوفيين.
فلمَّا اطَّلعنا على مذاهب الناس في هذه المسألة واختلافهم فيها رجعنا عند الاختلاف إلى السماع من العرب؛ فما وجدناه منقولاً عنهم أخذنا به، وما لم يُنقل من لسانهم اطَّرحناه، وذلك مذهبنا في إثبات القواعد النحوية، إنما نرجع فيها إلى السماع، فلا نثبت شخصيَّا من الأحكام إلا بعد إثبات نوعه، ولا نثبت شيئًا منه بالقياس؛ لأنَّ كل تركيب له شيء يخصه، فلو قسنا شيئًا
على شيء لأوشك أن نثبت تراكيب كثيرة، ولم تنطق العرب بشيء من أنواعها والقياس الذي نذكره نحن في النحو إنما هو بعد تقرَّر السماع، فلا نُثبت الأحكام بالقياس، إنما نُثبتها بالسماع من العرب، ويكون في الأقيسة إذ ذاك تأنيس وحكمه لذلك السماع، ومَن تأمَّل كلام س وجده في أكثره سالكًا هذه الطريقة التي اخترناها من إثبات الأحكام بالسماع، فنقول: المسموع من لسان العرب أن «كذا» إذا كانت كناية عن غير عدد كانت مفردة، ومعطوفة خاصةً، ولا يُحفظ تركيبها، فإذا كانت

كناية عن عدد فلا يُحفظ إلا كونها معطوفة، ولا تحفظ مفردة ولا مركبة، ولذلك لم يمثَّل بها س والأخفش والفارسي في الأعداد إلا معطوفة.
ثم ذكر س أنها كناية للعدد، فلم يحصّ عددًا من عدد، بل ذكر أنه مبهم في الأشياء، وبذلك ورد السماع، قال الشاعر:
عِدِ النَّفسَ نُعْمَي بعدَ بُؤساكَ ذاكِرًا ... كذا وكذا لُطفًا به نُسِيَ الجهدُ
وسائر التركيب التي أجازها الكوفيون ومن وافقهم ليست من لسان العرب؛ ألا ترى أنَّ ابن خروف قال عند ذكر قول المبرد: «هو دعوى وقياسُ في اللغة، وإن توقيفه كذا وكذا على المعطوف قياس في اللغة، ولا تؤخذ إلا عن أفواه العرب بالمشافهة». وقال ابن عصفور في إجازة الكوفيين: كذا درهمٍ، وكذا دراهمَ: «لم يرد به سماع، ولا يقبله قياس، ونهايتهم أن قالوه بالقياس». وقال ابن أبي الربيع حين حكى مذهب الكوفيين: «وهذا كله إما قالوه بنوع من القياس، ولم يرد به سماع». وقال أبو علي حين سأله أبو الفتح عن التفصيل في كذا وتنزيله على مذهب الكوفيين، فقال: «هذا من استخراج الفقهاء، وليس هو في النحو كذا، إنما كذا بمنْزلة عدد منوَّن». وقد خطّأ هو والزجاجيُّ وابن أبي الربيع وابنُ عصفور من جَرَّ التمييزَ بعد «كذا».
وقال الزجاجي في «شرح مقدمة أدب الكاتب»، وقد بحث في كذا: «إنه عُملت عليه مسائلُ كالمصطلح عليها، وهي عندي غير جائزة». ثم سرد تلك التراكيب على مذهب الكوفيين.

وقال المصنف في الشرح، وقد ذكر التفصيل في كذا: «مستندُ هذا التفصيلِ الرأيُ لا الرواية».
وقال ضياء الدين أبو عبد الله بن العلج، وقد ذكر موافقة الأخفش للكوفيين: «ما ذكره صحيح في القياس، فإن ساعده النقل أخذ به، /وإلا تُرك، وأمََّا تجويزهم بعد كذا الرفعَ فخطأ؛ لأنه لم يُسمع من لسانهم، وإنما تجويز ابن قتيبة الخفضَ بعد كذا وكذا المعطوف فمنصوص على أنه لحن؛ إذ هو مخالف لما حكي عن العرب من النصب بعد المعطوف، وأمَّا كذا درهمٍ بالخفض فلا يجوز، لا على الإضافة ولا على البدل، خلافًا لزاعميهما».
فهذه النصوص كلها تدلُّ على أنَّ مذهب الكوفيين في ذلك وتفصيلهم ليس
بمسموع، وإنما قالوه بالقياس. وقد ذكرنا أنَّ كل تركيب شخصي ليس له
أصل في لسانهم من تركيب نوعيّ فهو ليس معدودًا من كلام العرب.
فعلى هذا الذي اخترناه لو قال قائل: له عندي كذا وكذا درهمًا ــ لنَزَّلناه على درهم واحد، إلا أن قال: أردتُ به عددًا أكثر من ذلك ــ فُيرجع في ذلك إلي تفسيره. وكذلك لو قال «كذا كذا درهّما» لم نجعله تركيبًا، بل نجعله مما حُذف منه حرف العطف على مذهب من يُجيز ذلك. وكذلك لو قال «كذا درهمًا» لم نجعله مفردًا، بل يكون مما حُذف منه المعطوف، وإنَّ أصله: كذا وكذا. كل ذلك حفظُ لما استقرَّ في كلامهم من أنَّ «كذا» لا تُستعمل في العدد إلا معطوفة. وكذلك لو لحنَ، فخفض الدرهم، أو رفعه؛ لأن اللحن لا يبطل الإقرار.

وقد اختلف مذاهب الفقهاء في الإقرار بهذه الكناية اختلافًا كثيرًا جدّا، واذا لم يكن للناس عُرف فيها، ولا اصطلاح خاصُّ لبعضهم ـــ وجبَ حملها على اللغه، وإذا نظرنا في لغة العرب لم نجد لهم ما يتحقق إثباته فيها من التراكيب إلا ذلك التركيب الذي ذكرناه؛ فوجب الحمل عليه إذ ذاك. وقد ذكرنا في «كتاب الشذا» أقاويل الفقهاء في ذلك، والعجب أنه لم يقل أحد منهم بما يوافق اللغة.
وفي قول المصنف وقلَّ ورود كذا مفردًا أو مكررًا بلا واو دليل على وروده كذلك في لسان العرب، لكنه لم يستشهد على ذلك بشيء. وتقدَّم من قولنا إنها إذا كانت كنايةً عن غير عدد كانت مفردة ومعطوفة، وإذا كانت كناية عن عدد فالعطف، فينبغي أنه وردت مفردة في غير العدد يؤول ذلك على حذف المعطوف، وإذا وردت مكررة بلا واو حُملت أيضًا على حذف حرف العطف، كما كانت كَيْتَ كَيْتَ بمنْزلة كيتَ وكيتَ، وذَيْتَ ذَيتَ كذَيِّةَ وذَيَّة.

الصفحات [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] [63] [64] [65] [66] [67] [68]  المجلد[10]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب أفعال المقاربة

العنوان الحالي : باب كم وكأين وكذا

العنوان التالي : باب نعم وبئس  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة