التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب المضمر
وهو الموضوع لتعيين مسماه مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته. فمنه واجب الخفاء، وهو المرفوع بالمضارع ذي الهمزةً أو النون، وبفعل أمر المخاطب ومضارعه، واسم فعل/ الآمر مطلقًا. ومنه جائر الخفاء، وهو المرفوع بفعل الغائب والغائبةً أو معناه، من اسم فعل وصفةٍ وظرف وشبيه.]-
ش: البصريون يقولون: "المضمر"، والكوفيون يقولون: "الكناية" و"المكني".
قال المصنف في الشرح: "ذكر الوضع مخرج للمنادى والمضاف وذي الأداة، وذكر التعيين مخرج للنكرات" انتهى.
وهذا الذي ذكره من أن الجنس في الحد يتحرر به هي عادته وعادةً ابن عصفور، وتقدم لنا الكلام معهما في ذلك أول الكتاب، وأن الجنس لا

يورد في الحد للاحتراز، وإنما الجنس يشغل المحدود وغيره، والفصل هو الذي يؤتى به لتمييز المحدود من غيره.
فقوله: "الموضوع لتعيين مسماه" جنس يشمل سائر المعارف، فإن كل معرفة يعين مسماه، وليس "الوضع" مخرجًا للمنادى والمضاف وذي الأداةً كما زعم المصنف، بل يا رجل، وغلام زيد، والرجل، موضوعات لتعيين المسمى، والمسمى في هذا المركب وضع له هذا اللفظ المركب، وكل من هذه التراكيب تفيد تعيين المسمى، وكأن الوضع عند المصنف مختص بالمفرد قبل التركيب، وليس كما زعم. وهذا الذي بحثناه هو على ما تقتضيه قواعد الجماعةً.
وأما على ما بحثنا، نحن في العلم وفي باقي المعارف فإن الذي وضع لتعيين المسمى إنما هو العلم، وأما باقي المعارف فإنما وضعت كليات، ثم بالاستعمال يتعين المسمى لا بالوضع، على ما قررناه قبل.
وقوله: مشعرًا بتكلمه أو خطابه أو غيبته فصل يخرج العلم والمشار به والموصول؛ لأن كل واحد من هذه صالح لكل حالًا من الثلاث على سيل البدل، وذلك بخلاف المضمر، فإنه يختص بواحدةً منها، هذا معنى ما قاله المصنف في الشرح.
وقوله: ومنه واجب الخفاء نم المصنف المضمر إلى واجب، الخفاء وجائز الخفاء، وبارز متصل ومنفصل، وأصحابنا نموه إلى مستكن، وبارز متصل ومنفصل.
ويعكر هذان التقسيمان على ما حدوا به الضمير؛ لأنهم حدوه بأنه

الموضوع لتعيين مسماه، وما كان واجب، الخفاء وجائز الخفاء ومستكنًا لا يصح فيه أن يقال إنه الموضوع لتعيين مسماه؛ لأن الوضع يستدعي وجود لفظ، ولا لفظ، بل هذا الذي ادعوه من الضمير هو عدمي، وما كان عدميًا فلا وضع له.
وهذا التقسيم الذي قسمه المصنف من واجب الخفاء وجائز الخفاء يعني به أنه إذا كان واجب الخفاء لا يمكن أن يرفع الفعل ظاهرًا ولا مضمرًا بارزًا مكانه، وإذا كان جائز الخفاء يمكن أن يرفع الفعل ظاهرًا أو مضمرًا بارزًا مكانه. وهذا اصطلاح غريب لا نعرفه إلا منه، وإنما يقول أصحابنا: الضمير المرفوع ينقسم إلى مستكن وبارز، ويقولون أيضًا ينقسم إلى متصل ومنفصل، ويجعلون المستكن من المتصل.
ومثال ما ذكر أنه واجب/ الخفاء أفعل ونفعل وافعل وتفعل.
ومراد المصنف بقوله: "وبفعل أمر المخاطب" يعني المفرد المذكر؛ لأنه إن كان أمرًا للمؤنث أو للمثنى أو للمجموع برز الضمير، فلفظة "المخاطب" فيه قيد الذكوريةً والإفراد.
وقوله: واسم فعل الآمر مطلقًا مثاله: تزال. وإنما قال: "مطلقًا" لأنه يكون أمرًا للمفرد المذكر والمؤنث ومتناهما ومجموعهما.
ونقص المصنف قسم لم يذكره، والضمير فيه واجب الخفاء كهذه الخمسةً، وهو اسم الفعل الذي هو مضارع للمتكلم نحو: أوه بمعنى أتوجع، وأن بمعنى أتضجر، ونحوهما، فكان ينبغي أن يقول: وهو المرفوع بالمضارع ذي النون أو الهمزة أو اسم فعله، ويأتي بباقيها.

وقوله: وهو المرفوع بفعل الغائب إلى آخره مثال ذلك: زيد حسن، وهند حسنت، وهند هيهات، وزيد ضارب وضروب وحسن، وزيد عندك، وعمرو في الدار، فهذه الأخبار متحملة ضميرًا جائز الخفاء، ويجوز أن لا تتحمله بأن ترفع اسمًا ظاهرًا، أو ضميرًا بارزًا، فتقول: زيد حسن وجهه، أو: ما حسن إلا هو، وكذلك باقيها، هكذا قال المصنف.
ولا يطرد له ذلك في جميع ما ذكر؛ ألا ترى أن اسم الفعل يرفع الظاهر، ولا يرفع المضمر البارز، تقول: هند هيهات دارها، ولا تقول: هند ما هيهات إلا هي؛ لأنه لم يتسع في اسم الفعل فينفي كما ينفي الفعل، فتفسيره في الشرح: "جائز الخفاء" بأنه هو الذي يخلفه ظاهر أو مضمر بارز يطرد له في فعل الغائب وفعل الغائبةً والصفةً والظرف والمجرور لا في اسم الفعل بمعنى فعل الغائب والغائبةً.

-[ص: ومنه بارز متصل، وهو إن عنى به المعني بنفعل "نا" في الإعراب كله، وإن رفع بفعل ماضٍ فتاء تضم للمتكلم، وتفتح للمخاطب، وتكسر للمخاطبةً، وتوصل مضمومةً بميم وألف للمخاطبين والمخاطبتين، وبميم مضمومةً ممدودةً للمخاطبين، وبنون مشددةٍ للمخاطبات، وتسكين ميم الجمع إن لم يليها ضمير متصل أعرف، وإذ وليها لم يجز التسكين، خلافًا ليونس.]-
ش: قوله في الإعراب كله يعني الرفع والنصب والجر، نحو: قمنا، وضربنا زيد، ومر بنا بكر.
وقوله: في الإعراب فيه تجور إذ المضمرات مبنيةً، فلا إعراب، والمعنى أنه لو وقع مكانه معرب لكان مرفوعًا ومنصوبًا ومجرورًا، وقد كثر تجوزه في هذا، فقال في المضمر: "وهو المرفوع"، وقال: "وإن رفع"، والمضمرات لا رفع فيها ولا نصب ولا جر، وعبارة أصحابنا أسد،

يقولون: مرفوع الموضع، ومنصوب الموضع، ومجرور الموضع.
وهذا البارز الذي ذكره هو قسيم المستكن، وهو ينقسم قسين متصلًا ومنفصلاً، فالمتصل هو ما لا بد له من مباشرة العامل لفظًا وخطًا. وقال: "إن عني به المعنى بنفعل" لأنه قدم أن نون/ نفعل تدل على المتكلم عظيمًا أو مشاركًا.
وتمثيل ما ذكر انه رفع بالفعل الماضي: ضربت ضربت ضربت ضربتما ضربتم ضربتن، وحكي "ضربتني" بياء بعد الكسرة للمؤنث.
واختلفوا في التعليل: فمن النحويين من قال: فعل هذا للفرق.
ومنهم من قال: كان المتكلم أولى بالضمةً لأن الكلام منه، وإخباره عن نفسه أكثر من إخباره عن غيره، فاستحق أن يكون حظه من الحركات الحركةً الأولى.
وقال ابن كيسان: إذا أخبر فليس يكون أبدًا إلا واحدًا، وإذا خاطب جاز أن يخاطب واحدًا واثنين وأكثر، فألزم الحركةً الثقيلةً اسمه، وفتح اسم من يخاطبه لأنه يكثر، ويعطف بعضه على بعض، فتقول: أنت تكلمت وأنت وأنت، فتعد جماعةً كلهم اشتركوا في الكلام.
قال ابن كيسان: وكسروا المؤنث، لأن الكسرةً من علامة التأنيث.
وقيل: كسروا لأنها لم تبق حركة غير الكسرة.
وأما ضم التاء من ضربتما وضربتم فإجراء للميم مجرى الواو

لمضارعتها لها في قربها في المخرج منها. وكانت الزيادةً ألفًا بعد الميم في التثنيةً ليفرق بينها وبين الجمع. وردت حرفين في ضربتن لما زدت حرفين في المذكر في ضربتمو.
والذي أذهب إليه أن هذه التعاليل لا يحتاج إليها لأنها تعليل وضعيات، والوضعيات ينبغي أن لا تعلل.
وقوله: فتاة تضم للمتكلم قد مثلناه بقولك: ضر بت، قال س نصًا: " لا يقع أنا في موضع التاء التي في فعلت، لا يجوز أن تقول فعل أنا؛ لأنهم استغنوا بالتاء عن أنا".
وأجاز غير س: فعل أنا. واختلف مجيزوه: فمنهم من قصره على إجازته في الشعر. ومنهم من أجازه في الشعر وغيره. قال الحزمي: يجوز في الشعر: قام هو، وقام أنا. وأجازه أبو العباس، في الشعر وغيره، وادعي أن إجازته على معنى ليس في المتصل لأنه يدخله معنى النفي والإيجاب، ومعناه ما قام إلا أنا، وأنشد علي بن سليمان تقوية لذلك قول الشاعر:
أصرمت حبل الحي أم صرموا ... يا صاح، بل صرم الحبال هم
رفع قوله: "هم" ب "صرم"، ولا يجوز فيه غير هذا، فعلى هذا: قام أنا.
وقوله: أعرفتم أي: ضربتم بسكون الميم أعرف من ضربتمو، ومن ضربتم، بضم الميم ووصلها بواو، وضمها مختلسةً، ولقلة الاختلاس لم

يتعرض له في المتن، وهو أقيس من الإسكان، والوصل بواو هو الأصل؛ ألا ترى لزوم الإشباع في التثنيةً في ضربتما، فكان القياس لزوم الإشباع، ولذلك رجع إليه إذا اتصل بهذه الميم ضمير نصب متصل، كما قال تعالى: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ}؛ لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها غالبًا.
وقوله: خلافًا ليونس نحو: رأيتمه وضربتها. قال المصنف في الشرح: "ولا أعلم في ذلك سماعًا إلا ما روى ابن الأثير في غريب الحديث/ من قول عثمان رضي الله عنه: أراهمني الباطل شيطانًا" وقياسه: أراهموني، ولو جاء هكذا كان أيضًا شاذًا مثل الإسكان من وجه آخر، وهو أنه إذا تعدى الفعل إلى مفعولين، وكانا ضميرين، فإن ضمير المتكلم يقدم على ضمير المخاطب وعلى ضمير الغائب، وضمير المخاطب يقدم على ضمير الغائب، فكان القياس أن يقال: أرانيهم الباطن شيطانًا.
أما قوله: "خلافا ليونس"فليس بشيء لأن الكسائي والفراء قرأ: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} بإسكان الميم الأولى تخفيفًا. وقال س: "إن الوصل أكثر

وأعرف"، فدل على أن التسكين كثير معروف، قال س: وزعم يونس أنك تقول أعطيتكمة، كما تقول في المظهر، والأول أكثر وأعرف" انتهى. يعنى بالأول ما قدمه من قوله أعطيتكموه.
قال بعض الشراح: "وإنما حذفت في أعطيتكم لأنها واو في الطرف قبلها ضمةً، فأشبهت ما رفض من كلامهم نحو: قلنسو وعرقو، فحذفوا الواو، وأسكنوا، فعندما وصلوا بالضمير صارت حشوًا، فعاد الحرف إلى أصله، قال س: "كما ردوه باللام" يعني كما ردوا الميم إلى الضم بسبب لام التعريف حين قالوا: أعطيتكم اليوم، ولأنه اضطر إلى تحريكه، فحركه بحركةً الأصل، وأما من يقول - وهو قليل -: أعطيتكمه، ولا يحرك، فإنه مع اللام إنما يحرك بالكسر، فيقول: "أعطيتكم اليوم" لأنه لا يرد حركة الأصل" انتهى.
وأما قول المصنف: "ولا أعلم في ذلك سماعًا" فقد علمه يونس، وس، وغيره" فلا يضر جهل المصنف به.
وأما تخريجه قول عثمان - رضي الله عنه - على أن قياسه "أراهمونى" فقد أفسد هو هذا القياس بقوله: "ولو جاء هكذا كان أيضًا شاذًا"، وبين جهة الشذوذ، فإذا كان شاذًا فلا يكون قياسًا.
وأما قوله أخيرًا: "فكان القياس أن يقال: "أرانيهم الباطل شيطانًا" فهذا لا يصح، ومعناه عكس ما أراد عثمان؛ لأنه كان يكون هو الذي رآهم شيطانًا، والمعنى: أنهم هم رأوه شيطانًا؛ لأن ضمير المتكلم هو الفاعل قبل دخول همزةً التعدية على رأى، فالقياس أن يقول في معنى ما أراد عثمان:

أراهم إياي الباطل شيطانًا؛ إذ هم الراؤون قبل همزة التعدية لا هو.
وفي البسيط: "العرب فيها - يعني ميم الجمع - على ثلاثة مذاهب: منهم من يثبت الواو مطلقًا، ومنهم من يحذفها مطلقًا، ومنهم من يثبتها إذا وقعت بعدها همزةٌ لأنها من آخر الحلق، فمد ما قبلها ليتوصل بالمد إلى تحقيقها.
"والتاء والألف في ضربتما هو الضمير، والميم فيه وفي ضربتم زائدةً لتقوية الضمير، كما عملوا في ذا، فقالوا: هذا.
وقال الصقلي: زيدت الميم وقايةً للضمةً كما زيدت النون في ضربني وقايةً للفتحة.
وأما الجمع فضميره: "تمو" فرقوا فيه بين التثنيةً والجمع، بالواو هنا، والألف هناك، واختصا بذلك لأن الألف للتثنية والواو للجمع في الإعراب، وضمت الميم لأجل الواو، وقد تحذف الواو، وإن كانت جزءًا من الضمير، تشبيهًا بما ليس جزءًا كالصلةً من فيه وعليه".
ص: وإذ رفع بفعل غيره فهو نون مفتوحةً للمخاطبات أو الغائبات، وألف لتثنية غيي المتكلم، وواو للمخاطبين أو الغائيين، وياء للمخاطبةً. وللغائب مطلقًا مع الماضي ما له مع المضارع، وربما استغني معه بالضمةً عن

الواو. وليس الأربع علاماتٍ والفاعل مستكن، خلافا للمازني فيهن، وللاخفش في الياء.
ش: وإذ رفع: يعني البارز المتصل. والهاء في "غيره" عائد على الماضي. وغير الماضي هو المضارع والأمر. ومثل المخاطبات والغائبات: اضربن تضربن يضربن، ومثال غير المتكلم: افعلا ويفعلان وتفعلان، ومثال المخاطبين والغائبين: اضربوا ويضربون وتضربون، ومثال ياء المخاطبة: اضربي وتضربين.
وقوله: وللغائب مطلقًا مع الماضي مثال: زيد ضرب، وهند ضربت، والزيدان ضربا، والهندان ضربتا، والزيدون ضربوا، والهندات ضربن.
وقوله: ما له مع المضارع لأنك تقول: زيد يضرب، وهند تضرب، والزيدان يضريان، والهندان تضربان والزيدون يضربون، والهندات تضربن.
وقوله: وربما استغنى معه - أي مع الماضي - بالضمة عن الواو، قال:
فلو أن الأطبا كان حولي وكان مع الأطباء الأساة
وقال:
رب ذي لقاح ويب أمك فاحش هلع إذا ما الناس جاع وأجدبوا
يريد: كانوا، وجاعوا، فحذف الواو، وهي ضمير الجماعة الذكور.
وظاهر قول المصنف: "وربما" أنه يجوز ذلك قليلًا. وبعض

أصحابنا إنما أنشدوا ذلك على سيل الضرورة التي تختص بالشعر. وقال الشاعر:
إذا ما شاء ضروا من أرادوا ولا يألو لهم أخت ضرارًا
وأنشد الكسائي:
إذا ما الأقربون من الأداني ... أمال على صفاحًا وطينًا
وأنشد أيضًا:
وإذا احتملت لأن تزيدهم تقى ... دبروا، فلم يزداد غير تماد
أي: شاؤوا، وأمالوا، ويزدادوا. وبعضهم قال: من العرب من يقول في الجمع: الزيدون قام، فيجتزئ بالضمة، وأنشد:
جزيت ابن أوفى بالمدينة قرضةً وقلت لشفاع المدينة: أوجف
يريد: أوجف، فسكن للوقف. وأنشد أيضًا:
فلو أن الأطبا كان حولي ... .....................
واستفيد من البيت الأول أن فعل الأمر للجماعةً الذكور يجري مجرى الفعل الماضي في ذلك.

وقال المصنف في الشرح: "وأنشد السيرافي:
لو أن قومي حين أدعوهم حمل ... على الجبال الصم لانهد الجبل
شبوا على المجد، وشابوا، واكتهل
أراد: خملوا، واكتهلوا، فحذف الواو اكتفاء بالضمةً، ثم وقف فسكن، انتهى.
ويحتمل توجيها آخر، وهو أن القوم هو اسم جمع، واسم الجمع يجوز أن يعني عنه إخبار الواحد، فتقول: الرهط صنع كذا، والنفر رحل، والركب سار، مراعاةً للفظ، ولذلك إذا صغر صغروه كما يصغر المفرد، فتقول: رهيط ونفير وركيب. فراعى أولا المعنى حين قال: "ادعوهم"، فأتي بضمير الجمع، ثم راعى اللفظ فقال: "حمل"، فأفرد الضمير. فإذا احتمل هذا - وهو أرجح - لم يكن للمصنف فيه دليل على دعواه.
وقال المصنف في الشرح أيضًا: "وربما فعل هذا مع فعل الأمر كقوله:
إن ابن الأحوص معروف فبلغه ... في ساعديه إذا رام العلا قصر
انتهى - يريد: فبلغوه، فحذف الواو مع فعل الأمر.
وهذا الذي خرج عليه هذا البيت لا يلزم لأنه يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أتبع حركة الغين حركة الهاء، وهو يريد: فبلغه.

والثاني: أن يكون نقل حركة الهاء إلى الغين الساكنة، فصار: "فبلغه" ناويا الوقف، كما قال زياد:
من عنزي سبني لم اضربه
يريد: لم اضربه، ثم أجرى الوقف مجرى الوصل، فترك الهاء بالضم.
وقوله: وليس الأربع علامات يعني بالأربع النون والألف والواو والياء. ويعني بقوله: "علامات" أي النون علامةً لجمع المؤنث، والألف علامة للتثنية، والواو علامةً للجمع المذكر، والياء علامةً للمؤنثةً، فيكن كتاء التأنيث في مثل: ضربت هند، بل هي أسماء ضمائر بارزةً، اتصلت بالأفعال كاتصال تاء المتكلم وتاء الخطاب في نحو: قمتُ وقمتَ. هذا مذهب جمهور النحويين.
وذهب المازني إلى أنها علامات، والفاعل مستكن كاستكانانه في: زيد فعل، وهند فعلت. وكما يقول الجمهور في مثل: قاما أخواك، وقاموا إخوتك، وقمن أخواتك، على لغة "أكلوني البراغيث"، إنها علامات تدل على تثنية الفاعل وجمعه.

واستدل المصنف على بطلان مذهب المازني في الشرح بأنها لو كانت حروفاً تدل على أحوال الفاعل المستكن كالتاء من فعلت لجاز حذفها في نحو: الزيدان قاما، والزيدون قاموا، كما جاز حذف التاء في نحو:
.................. ... فإن الحوادث أودى بها
................... ... ولا أرض أبقل إبقالها
بل كانت الألف وأخواتها أحق بجواز الحذف لأن معناها أظهر من معنى التأنيث وذلك أن علامة التأنيث اللاحقة للأسماء لا يوثق بدلالتها على التأنيث، إذ قد تلحق المذكرات كثيرا كرواية وهمزة، فدعت الحاجة إلى التاء التي تلحق الفعل، وليس الأمر كذلك/ في علامتي التثنية والجمع، إذ لا يمكن أن يعتقد فيما اتصلتا به خلوه من مدلولهما فذكر الفعل على إثر واحدة منهما مغن عن علامة تلحق الفعل، ولما لم يستغنوا بما يلحق الاسم عما يلحق الفعل أن لهم داعياً إلى التزامه غير كونه حرفاً وليس ذلك إلا كونه اسماً مسند إليه، ولذلك لم يجز حذفه بوجه، إذ لو حذف لكان الفعل حديثاً عن غير محدث عنه، وذلك محال. انتهى مارد به المصنف في الشرح على المازني وهو كلام مطول.
والمازني يقول: لما استكن في فعل وفعلت، وأتينا بعلامة تأنيث تفرق فعل المؤنث من فعل المذكر، استكن في فعل التثنية والجمع، وأتينا بعلاماتٍ

تدل على التثنية والجمع ليحصل الفرق بين المسند لضمير المفرد وضمير المثنى والمجموع.
والذي يظهر به ضعف مذهب المازني هو أنه لو كانت هذه علامات للزم أن تكون علامة جمع المؤنث نوناً ساكنة، ولا يسكن آخر الفعل لها، كما كانت تاء التأنيث ساكنة، ولا يسكن آخر الفعل لها وتسكين آخر الفعل لها وتحريكها يدل على أسميتها، إذ لا يكون ذلك إلا لما تنزل من الكلمة منزلة الجزء منها، كما فعلوا ذلك بنحو: "ضربت" لما تنزل منزلة الجزء من الفعل في كونه لا يفصل منه سكنوا آخر الفعل لئلا تتوالى أربع متحركات في كلمة، فكذلك فعلوا في ضربن. فكما أن التاء في ضربت اسم بلا خلاف كذلك النون في فعلن ويفعلن.
وقوله: وللأخفش في الياء يعني في مثل: افعلي وتفعلين. ذهب الأخفش - وتبعه جماعة- إلى أن الياء حرف تأنيث فلا موضع لها من الإعراب والفاعل مستكن، ولا يجوز أن تكون ضميراً لأن فاعل المضارع المفرد لا يبرز، نحو: هند تقوم، وزيد يقوم، فرقوا في الغيبة بالتاء في أول المضارع بين المذكر والمؤنث، ولما كان الخطاب مشتركاً بين المذكر والمؤنث في التاء في أول الفعل احتج إلى علامة تميز المؤنث من المذكر، فقالوا: تقوم يا زيد، وتقومين يا هند.
وذهب الجمهور س وغيره إلى أن الياء ضمير. واستدلوا

بأن الياء لم تثبت علامة تأنيث في غير هذا الموضع، فيحمل هذا عليه، وقد ثبتت ضميراً باتفاق في مثل: ضربني. ومنها أن علامة التأنيث لم تلحق المضارع في موضع من آخره. ومنها أن علامة التأنيث ثبتت في التثنية في مثل: قامتا، والهندان تقومان فلو كانت الياء حرف تأنيث لثبتت في التثنية. ومنها أنه لم يرفع من المضارعة بالنون إلا ما اتصل به ضمير. وإنما برز الضمير هنا للعلة التي أوجبت بروزه في التثنية والجمع وهو اللبس، ألا ترى أنه لو لم يبرز في التثنية والجمع لالتبس بفعل المفرد، فكذلك هنا لو لم يبرز لالتبس بفعل المذكر، لأنك تقول: "تفعل" في خطاب المذكر.
وما استدل به لهذا المذهب مدخول:
أما قولهم: " إن الياء لم تثبت علامة التأنيث في غير هذا الموضع" فإنه يرد بقولهم للمذكر"هذا" وللمؤنث"هذي".
وأما أنها لم تلحق مضارعاً من آخره فسبب ذلك- أعني لحاقها فيه- مخافة اللبس إذ كانت التاء/ التي في المضارع قد اشتركت فيها صيغة المذكر والمؤنث فاحتيج إلى فارق.
وأما الثبات في التثنية فإنهم اعتزموا على التسوية في المثنى بين المذكر والمؤنث في الخطاب فقالوا: تقومان يا زيدان، وتقومان يا هندان، كما فعلوا ذلك في الماضي فقالوا: قمتما يا زيدان، وقمتما يا هندان، وفرقوا في الإفراد، فقالوا: قمت يا زيد، وقمت يا هند.
وأما أنه لم يرفع بالنون إلا ما اتصل به ضمير فممنوع هذا الحصر بهذا الذي اختلفنا فيه.
وقال المصنف في الشرح: " وهذا القول- يعني قول الأخفش-

مردود بما رد به قول المازني وبشيء آخر، وهو أن الأخفش جعل ياء افعلي كتاء فعلت، فيقال له: لو كانت الياء كالتاء لتساوتا في الاجتماع مع ألف الاثنين، فكان يقال: أفعليا، كما يقال: فعلتا، لكنهم امتنعوا من ذلك، فعلم أن مانعهم كون ذلك مستلزماً اجتماع مرفوعين بفعل واحد من غير عطف، وذلك لا يجوز" انتهى ما ذكره، وقد تقدم الجواب عن هذا الذي ذكره.

-[ص: ويسكن آخر المسند إلى التاء والنون ونا، ويحذف ما قبله من معتل وتنقل حركته إلى فاء الماضي الثلاثي، وإن كانت فتحة أبدلت بمجانسة المحذوف، ونقلت وربما نقل دون إسناد إلى أحد الثلاثة في زال وكاد أختي كان وعسى، وحركة ما قبل الواو والياء مجانسة، فإن ماثلها أو كان ألفا حذف، وولى ما قبله بحالة، وإن كان الضمير واواً والآخر ياء أو بالعكس حذف الآخر وجعلت الحركة المجانسة على ما قبله.]-
ش: مثال ما أسند إلى التاء و" نا": فعلت وفعلنا ولا يكون إلا ماضياً وإلى النون: فعلن ويفعلن وافعلن.
وقال" آخر" ولم يقل " لام الفعل" لأنه قد يكون حرفاً زائداً للإلحاق نحو: اغرنديت.
واختلفوا في تعليل سكون آخر الفعل: فأكثر النحويين على أنه إنما سكن لئلا يتوالى أربع حركات في شيئين هما كشيء واحد، لأن الفاعل كجزء من الفعل.
وقد ضعف المصنف هذا البقول في الشرح بأن التعليل عام، والعلة قاصرة إذ لا يوجد التوالي إلا في الثلاثي الصحيح وبعض الخماسي، نحو:

انطلق والكثير لا تتوالى فيه، فمراعاته أولى. وبأن تواليها لم يهمل بدليل علبط وعرتن وجندل والأصل: علابط وعرتن وجنادل عند البصري، وجنديل عند الكوفي، فحذفوا، ووالوا بينها فلو كان التوالي منفوراً عنه طبعاً ومقصود الإهمال وضعاً، لم يتعرضوا إليه دون ضرورة ولسدروا باب التأنيث بالتاء، نحو: شجرة ومعدة ولبؤة. ولا يعتذر عن هذا بأن تاء التأنيث في تقدير الانفصال لكونها جزء كلمة لا يقوم غيرها مقامها. ولا يستغنى عنها، بخلاف تاء فعلت فإنها جزء كلام تام وتقبل الاستغناء عنها بغيرها، نحو: فعل زيد.
قال المصنف: " وإنما سببه تمييز الفاعل من المفعول في نحو: أكرمنا وأكرمنا ثم خملت التاء والنون على "نا" للمساواة في الرفع والاتصال وعدم الاعتلال" انتهى.
وهذه التعاليل تسويد للورق وتحرص على العرب في موضوعات كلامها وكأن الأولى/ أن نضرب صفحاً عن ذكر هذا كله.
وقوله: ويحذف ما قبله أي: ما قبل آخر المسند من معتل وإنما حذف لالتقاء الساكنين ويقتصر على ذلك في الأمر والمضارع نحو: خفن ولا تخفن وصحن ولا تصحن، وقلن ولا تقلن.
وقوله: وتنقل حركته إلى فاء الماضي الثلاثي مثاله: طلت وخفت، لأن أصله طول وخوف. ويعني بنقل حركته التي كانت له قبل انقلابه ألفاً في طال وخاف.

وقوله: وإن كانت فتحة- أي: وإن كانت الحركة التي كانت لحرف العلة فتحة قبل انقلابه ألفاً- أبدلت بمجانسة المحذوف، إن كان المحذوف واواً أبدلت الحركة ضمة، وإن كان ياء أبدلت كسرة. ونقلت، أي: إلى فاء الكلمة مثاله: قام وباع أصلهما: قوم وبيع، تحركت الواو والياء وانفتح ما قبلهما ألفاً، فقيل: قام وباع فإذا أسندتهما إلى التاء قلت: قمت وبعت.
وقوله: في زال وكاد مثاله قول بعض العرب: مازيل زيد فاضلاً وكيد زيد يقول، قال أبو خراش الهذلي:
وكبدت صباع القف يأكلن جثتي وكيد خراش يوم ذلك ييتم
قال س: "وحدثنا أبو الخطاب أن ناساً من العرب يقولون: كيد زيد يفعل كذا" قال الأستاذ أبو علي. جسرهم على ذلك أنهم أمنوا اللبس حيث كان هذا الفعل لا مفعول له، وإنما هو رافع الاسم، وبعده فعل، كأنه في موضع خبره، وهو مع هذا شاذ.
وقوله: أختي كان وعسى احتراز من " زال" بمعنى ماز، وبمعنى ذهب أو تحول ومن "كاد" بمعنى احتال، وبمعنى أراد، وبمعنى تنكر، ويجمعها أن يقال: " التي مضارعها يكيد" لأن مضارع تلك: يكاد.
وقوله: فإن ماثلها أو كان ألفاً حذف مثاله. أنتم تدعون، وأنت ترمين، وأنتم تخشون، وأنت تخشين، أصله: تدعوون وترميين وتخشاون وتخشاين.

وقوله: وولي ما قبله بحاله أي: تبقى حركة العين في تدعون، والميم في ترمين، والشين في تخشون وتخشين، على حالها لا يعرض لشيء منها تغيير.
وقوله: وإن كان الضمير واواً والآخر ياء مثل: ترمون، أصله: ترميون أو العكس مثل: أنت تغرين، أصله: تغزوين، استثقلت الضمة في الياء والكسرة في الواو فحذفتا فالتقى ساكنان فحذف الآخر، وحرك ما قبله بحركة تجانس الضمير.
وما ذكره المصنف هنا من قوله: " ويسكن آخر المسند" إلى قوله: " وجعلت الحركة المجانسة على ما قبله" هو من علم التصريف، وفيه ذكره النحاة، واستعجل المصنف ذكره في هذا الباب، وليس محل ذكره.

-[ص: ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيراً لتأولهم بجماعة وكضمير الغائب قليلا لتأولهم بواحد يفهم الجمع، أو لسد واحد مسدهم ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث بعد أفعل التفضيل كثيراً ودونه قليلا.
ولجمع الغائب غير العاقل ما للغائبة أو الغائبات. وفعلت ونحوه أولى من فعلن/ ونحوه بأكثر جمعه وأقله والعاقلات مطلقاً بالعكس. وقد يوقع فعلن موقع فعلوا طلب التشاكل، كم قد يسوغ لكلمات غير ما لها من حكم ووزن.]-
ش: مثال ذلك: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} وقول الراجز:

قد علمت والدتي ما ضمت ... إذا الكماه بالكماة التفت
وهو كثير.
ومثال ضمير الغائب قوله:
فإني رأيت الضامرين متاعهم ... يموت ويفنى فارضخي من وعائيا
أي: يموتون فأفرد كأنه قال: يموت من ثم أو من ذكرت. وعلى ذلك يحمل قول الآخر:
تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب
أي: تعفق بالأرطى رجال، وأرادها جمعهم فبهذا التوجيه يؤمن الانتصار للكسائي بهذا البيت في حذف الفاعل وللفراء في نسبة العمل إلى العاملين.
وقد أجاز س أن يقال: " ضربت وضربني قومك" أراد: وضربوني،

فأفرد على تقدير وضربني من ثم وأنشد أبو الحسن:
وبالبدو منا أسرة يحفظوننا ... سراع إلى الداعي عظام كرا كرة
فأفرد ضمير الأسرة لأنه نسب إليهم الحفظ، فصح تأولهم بحصن أو ملجأ فجاء بالضمير على وفق ذلك، فكأنه قال: أسرة هم بحفظهم إيانا ملجأ عظيم كرا كرة ومن كلام العرب: " هو أحسن الفتيان وأجمله" لأن بمعنى: أحسن فتى، فأفرد الضمير حملاً على المعنى.
قال المصنف في الشرح: " وإلى نحو هذا أشرت بقولي: " أو لسد واحد مسدهم"، ومثل هذا قوله تعالى: {أن لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} وقول الراجز:
وطاب ألبان اللقاح، وبرد
لأن النعم واللبن يسدان مسد الأنعام والألبان" انتهى كلام المصنف في شرحه.
فأما قوله: " ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيراً لتأولهم بجماعة" فهذا فيه تفصيل: لا يخلوا ضمير الغائبين أن يعود على جمع سلامة، أو على جمع تكسير أو على اسم جمع:
فإن عاد على جمع سلامة نحو: الزيدين والمؤمنين فلا يجوز أن يكون إلا بالواو نحو: الزيدون خرجوا، ولا يجوز: الزيدون خرجت ولا:

المؤمنون أفلحت، على التأويل بجماعة كما يدل عليه ظاهر كلام المصنف.
وإن عاد على جمع تكسير جاز ذلك، وجاز أن يأتي كضمير الغائبة، وسواء في ذلك أكان الضمير مرفوعاً أو غيره، فالمرفوع كقوله: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} وغيره كقول العرب: " الرجال وأعضادها".
وإن عاد على اسم جمع جاز أن يعود بالواو وبضمير المفرد، فتقول: الرهط خرجوا والرهط خرج والركب سافروا، والركب سافر.
أما قوله: " وكضمير الغائب قليل" وإنشاده/ دليلا على ذلك:
فإني رأيت الضامرين متاعهم ... يموت ويفنى ...............
وأن الشاعر أراد: يموتون ويفنون فلا حجة فيه لأنه يحتمل أن يكون " متاعهم" بدلا من" الضامرين" والخبر عنه، كما تقول: إن الزيدين برهم واسع، وكنى عن نفاد متاعهم بالموت على سبيل المجاز، والتقدير: فإني رأيت متاع الضامرين ينفد ويفنى. وهذا التأويل أقرب من إجازة: الزيدون خرج، إذ في ذلك هدم للقواعد الثابتة من لسان العرب بالبيت الفرد الشاذ المحتمل للتأويل.
وأما قوله: " وعلى ذلك - أي: على إفراد الضمير- يحمل قول الآخر:
تعفق بالأرطى ....... ... .................
فهذا يدل على أنه ساوى في الحكم بين "الضامرين" وبيت " رجال" في إفراد الضمير، فتقول: الزيدون خرج، والرجال خرج، وذلك لا يجوز، وسيأتي الكلام في هذا البيت في باب الإعمال إن شاء الله.

وقوله: " وقد أجاز س أن يقال: ضربت وضربني قومك، أراد: وضربوني، فأفرد على تقدير: وضربني من ثم" فلم يجزه س على الإطلاق، ولا هذا المثال الذي ذكره س بل قال س: " وأن قال: ضربني وضربت قومك فجائز، وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد كما تقول: هو أجمل الفتيان وأحسنه وأكرم بنيه وأنبله، ولا بد من هذا لأنه لا يخلو الفعل من مضمر مرفوع أو مظهر مرفوع من الأسماء، كأنك قلت إذا قلت: ضربني من ثم، وضربت قومك وترك ذلك أجود وأحسن للبيان الذي يجيء بعده فأضمر " من" لذلك، وهو رديء في القياس، يدخل فيه أن تقول: أصحابه جلس، تضمر شيئا يكون في اللفظ واحداً فقولهم: " هو أجمل الفتيان وأنبله" لا يقاس عليه، ألا ترى أنك لو قلت، وأنت تريد الجماعة: هذا غلام القول وصاحبه لم يحسن" انتهى كلام س. وفيه أنه أجاز لك، وهو قبيح وأنه رديء في القياس، وإنما أجازه على قبحه ورداءته في مكان خاص، وهو باب الإعمال إذا قد سمع نظيره في قوله:
تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال ....................
ولا يلزم من إجازته في هذا الباب أن يجيز ذلك في غيره، ألا ترى أنه منع" هذا غلام القول وصاحبه" قياساً على" هو أجمل الفتيان وأنبله" وظاهر كلام المصنف إجازة ذلك على قلة.
وقوله: أو لسد واحد مسدهم حمل المصنف على هذا قول العرب: " هو أحسن الفتيان وأجمله" وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أن جواز ذلك هو لسد واحد مسد الجمع هو مذهب الفارسي، زعم أبو علي أنه إنما

أفرد الضمير لأنهم تارة يقولون: " هو أحسن فتى" فيفردون، وتارة يقولون " هو أحسن الفتيان" فيجمعون فتوهموا ذلك في حالة الجمع، فأفردوه رعياً لكثرة ما يقولونه بالمفرد. والذي يدل عليه كلام س أنه إنما أفرد كما أفرد في " ضربني وضربت قومك" وهو على معنى " من ثم" فكأنه قيل: هو أحسن الفتيان وأمل من ذكر.
قال أصحابنا/: والصحيح أن الإفراد في هذا إنما هو على معنى: من ذكر والذي يدل/ على ذلك السماع، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: " خير النساء صوالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده، فلو كان إفراد الضمير في هذا لأجل أن المفرد يقع موقع الجمع فيه لقال: " أحناها" لأن المفرد الذي يقع هنا إنما كان يكون " خير امرأة " فكونه قال: " أحناه" دليل على أن المراد: " أحنى من ذكر" لا ما قاله الفارسي.
وقول المصنف في الشرح: ومثل هذا قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً}. إلى آخر كلامه، فليس مثله لأنه فرق بين جمع التكسير العاقل وجمع التكسير لغير العاقل، ويأتي حكم جمع التكسير لغير العاقل قريباً إن شاء الله.
وقوله: ويعامل بذلك ضمير الاثنين وضمير الإناث أفعل التفضيل كثيراً أي يفرد. مثال ذلك في ضمير الاثنين ما أنشده المصنف:

ومية أحسن الثقلين جيدا ... وسالفة وأحسنه قذالا
وقال آخر:
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدج جملا
وهذا لا دليل فيه على ما ذكر لأنه قال: " ضمير الاثنين بعد أفعل التفضيل كثيرا" ولا يدل البيتان على ما ادعاه من أن المثنى يعود عليه الضمير مفرداً كثيرا على الإطلاق. لأن هذا المثنى الواقع في البيتين ليس معناه على التثنية، لأن معنى" أحسن الثقلين" جمع، إذا معناه الخلائق. وكذلك "شر يوميها" يريد: أيامها، لا يريد حقيقة يومين اثنين، فهو من المثنى الذي يراد به الجمع، لا يراد به شفع الواحد فلا يجوز: هذا أحسن ولديك وأنبله، إّ قد منع س القياس على قولهم: هو أحسن الفتيان وأجمله فالقياس على ما ورد من ذلك مثنى ويراد به الجمع أولى بالمنع، فكيف يقاس عليه المثنى الذي يشفع الواحد؟
وقال صاحب الإفصاح: " وإنما جاء فيه لأن الثقلين جميع الجن والأنس، فهو جمع فيعيدون الضمير على معنى الجمع مع قلة هذا والمنع من القياس عليه" انتهى.

وأما دعواه الكثرة بوجود بيت أو بيتين فغير سديد.
ومثال ذلك في ضمير الإناث: "خير النساء صوالح نساء قريش، أحناه على ولد" الحديث، هكذا مثل المصنف، قال: " كأنه قال أحنى هذا الصنف، وأحنى من ذكرت فهذا بعد أفعل التفضيل وهو كثير" انتهى.
وأين كثرة هذا وهو لم يذكر منه إلا هذا الأثر؟ مع أنه يحتمل أن لا يكون لفظ الرسول عليه السلام إذ جوزوا النقل بالمعنى، ويحتمل أن يكون من تحريف الأعاجم الرواة، وقد ذكر س أن قولهم: " هو أنبل الفتيان وأجمله" لا يقاس عليه. فلو كان كثيراً كما زعم المصنف لقاس عليه س.
وقوله: ودونه قليلاً يعني: ودون أفعل التفضيل يجيء ضمير الاثنين كضمير الواحد قليلاً. وأنشد المصنف شاهداً على ذلك / الشاعر:
أخو الذئب يعوي والغراب ومن يكن ... شريكيه يطمع نفسه كل مطمع
أي: ومن يكونا- أي: الذئب والغراب- شريكيه، فأفرد كأنه قال: ومن يكن هذا النوع أو من يكن ما ذكرته.
وهذا الذي ذكره المصنف لا يتعين في البيت فيكون فيه دليل على دعواه، إذ يحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون الضمير في "يكن" مفرداً عائداً على " من" ويكون "شريكيه" من المقلوب ثني شريك، والمراد به الإفراد، وأفراد الضمير المتصل به، والمراد به التثنية والتقدير: ومن يكن شريكهما، وقد عملت العرب هذا النوع من القلب في التثنية، فثبت المفرد، وأفردت المثنى قال الشاعر:

كما دحست الثوب في الوعاءين
قال النحويون: أراد الشاعر: كما دحست الثوبين في الوعاء. فكذلك يكون هذا البيت، فلا يكون دليلاً على ما ادعاه المصنف. وأما قول الفرزدق:
فعدي مكاني من معد ومنصبي ... فإني شريف المشرقين وشاعره
فتأويله: شريف عالم المشرقين. ومثله قول سويد بن كراع:
خليلي قوما في عطالة وانظرا ... أناراً ترى من نحو بابين أم برقا
وهذا شذوذ متأول وكأنه خرج من خطاب الاثنين إلى خطاب الواحد.
وقوله: لجمع الغائب غير العاقل ما للغائبة والغائبات مثال ذلك: {وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ}.
{فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا}.
ونقص المصنف أن يقول كما قال غيره من النحويين: إنه قد يعود الضمير عليه كما يعود على الواحد المذكر، نحو قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ}.
وقوله: وفعلت ونحوه أولى من فعلن ونحوه بأكثر جمعه أي بأكثر جمع المؤنث غير العاقل، مثاله: الجذوع انكسرت، وهو أولى من: الجذوع انكسرن. وكذا إذا كان الضمير غير مرفوع نحو: الجذوع كسرتها وهو أولى من: الجذوع كسرتهن. وإلى غير المرفوع أشار المصنف بقوله: "ونحوه".
وقوله: وأقله- أي-: وأقل جمع المؤنث غير العاقل- والعاقلات مطلقاً

أي كان جمعاً صحيحاً أو جمعاً مكسراً- بالعكس أي: النون وما أشبهها أولى من التاء وما أشبهها مثال ذلك: الأجذاع انكسرن، وهو أولى من: الأجذاع انكسرت، والأجذاع كسرتهن أولى من: الأجذاع كسرتها، قال تعالى: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} لما أعاد على " اثني عشر شهرا" قال: (منها) ثم قال: {فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}. لما أعاد على " أربعة" قال: "فيهن".
ومثال ذلك في العاقلات في جمع السلامة: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}، {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}، {إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ}، {إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ}.
ومثال عوده كعود ضمير الواحدة قولك: الهندات خرجت، وقول الشاعر:
ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهود
قال: " رجالك" ولم يقل: " رجالكن".
ومثال ذلك في جمع التكسير: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ومثال عوده كعود ضمير الغائبة قولهم: " النساء وأعجازها"، وقال الشاعر:

تركن الخيل والنعم المفدى ... وقلنا للنساء بها أقيمي
وقال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} وقال الشاعر:
وإذا العذارى بالدخان تلفعت ... واستعجلت نصب القدور فملت
وقال الآخر:
وعذاريكم مقلصة ... في دعاع النخل تجترمه
ومثال الجمع بينهما في جملة واحدة قول الشاعر:
ولو أن ما في بطنه بين نسوة ... حبلن، ولو كانت قواعد عقرا
فـ" كانت" ضمير الغائبة، و" قواعد عقرا" ضمير الغائبات.
وقوله: وقد يوقع فعلن موقع فعلوا طلب التشاكل مثاله ما روي في بعض الأدعية المأثورة: " اللهم رب السموات وما أظللن ورب الأرضيين وما أقللن ورب الشياطين ومن أظللن" أي: ومن أضلوا، وكان القياس

هذا، أو يعود كما يعود على الغائبة، أي: ومن أضلت.
وقوله: كما قد يسوغ- أي: التشاكل- لكلمات غير ما لها من حكم ووزن قال المصنف في الشرح: " كما حمل على الخروج من حكم التصحيح إلى حكم الإعلال في قوله عليه السلام: " لا رديت ولا تليت" وإنما حقه تلوت. ومن حكم الإدغام إلى حكم الفك في قوله" آيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب"؟ وكما حمل على الخروج من وزن الكلمة إلى غيره كقول العرب: " أخذه ما قدم وما حدث" و" هنأه ومرآة" و" فعلته على ما يسوؤك وينوءك" ولا يقولون في الإفراد إلا "حدث" و"امرأة" و"إناؤه" انتهى.
ومن ذلك قولهم: " لك الفدا والحمى" و" مأزورات غير

مأجورات" " والغدايا والعشايا"و:
هتاك أخيبة ولاج أبوبه ... ......................
وقال س وقد ذكر أن " عولة" لا يكون إلا بعد "ويلة": " وكذلك عول لا يكون إلا بعد ويل" قال: " كما أن ينوءك يتبع يسوءك". فزعم ابن خروف- واستحسنه داود بن يزيد السعدي- أنه لا يقال ينوءك متعدياً إلا مع يسوءك وأما إن استعمل وحده فهو غير متعد. وتبع المصنف ابن خروف في هذا القول. وزعم غيرهم أن س لم يرد هذا لأن هذا تبع في

حكم، ومقصوده إنما هو اللفظ، ولأن ابن خروف زعم أن ينوؤك هو ينوء بل، أي: ينهض بك. وهذا باطل إذ معناه هنا ليس إلا ينهضك أي يسوءك ويجعلك تنهض بثقل، فهذا الموضع ل"ينئ" أتبعوا ينوء ليسوء. انتهى ما زعم هذا الزاعم وهو عين كلام/ ابن خروف، وظن أنه قول غيره، وإنما أراد ابن خروف أنهم استعملوا ما كان يتعدى بحرف الجر متعدياً بنفسه حملاً على ما تعدى بنفسه وهو يسوء وإذا استعمل ينوء وحده غير تابع ل" يسوء" كان غير متعد- أي: بنفسه- لمنصوب، فإن تعدى فإنما يتعدى بحرف الجر كما قال تعالى: {لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} أي لتنئ العصبة. وما ذكر من أن معنى ينهض بك باطل ليس كذلك لأن الباء للتعدية فمعنى ينهض بك: ينهضك، فالذي قاله ابن خروف صحيح، وما تخيل هذا الزاعم أن ما قاله هو تخريج مخالف لتخريج ابن خروف تخيل فاسد. وهذا استطراد في التشاكل لم تكن بنا حاجة إليه في باب المضمر.

-[ص: ومن البارز المتصل في الجر والنصب ياء المتكلم وكاف مفتوحة للمخاطب، ومكسورة للمخاطبة، وها الغائبة وهاء مضمومة للغائب وإن وليت ياء الساكنة أو كسرة كسرها غير الحجازيين، وتشبع حركتها بعد متحرك ويختار الاختلاس بعد ساكن مطلقاً وفاقاً لأبي العباس، وقد تسكن أو تختلس الحركة بعد متحرك عند بني عقيل وبني كلاب اختياراً وعند غيرهم اضطراراً وإن فصل المتحرك في الأصل ساكن حذف جزماً أو وقفاً جازت الأوجه الثلاثة.]-
ش: ضمير الجر كله متصل، وضمير النصب منه متصل ومنفصل كضمير الرفع، ولكنه فيه مستكن ولما وقع الاشتراك في ضمير بين الرفع والنصب والجر - وهو "نا" ولفظ هما وهم وهن، هي من ضمائر الرفع المنفصلة ومن ضمائر النصب المتصلة ومن ضمائر الجر- سهل عندهم أن

يشركوا بين الجر والنصب، فجميع ضمائر الجر هي ضمائر النصب المتصلة، وكذلك أشركوا في الياء أيضاً جعلوها من ضمائر الرفع المتصلة في خطاب المؤنث، وجعلوها من ضمائر النصب والجر للمتكلم، وهذه كلها أوضاع لا تعليل لها. فمثال الياء: {رَبِّي أَكْرَمَنِ} ومثال الكاف للمخاطب: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ}، ومثاله للمخاطبة: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}.
ولو اتصل بهما هاء الإضمار فالأصح أن لا تشبع حركتهما، بل تقول: الدرهم أعطيتكه، والجبة كسوتكها، وأعطيتكه وكسوتكه.
وحكي س أن من العرب من يشبع الحركة، قال س: " واعلم أن ناسا من العرب يلحقون الكاف التي هي علامة الإضمار إذا وقعت بعدها هاء الإضمار ألفاً في التذكير وياء في التأنيث" ثم قال: " وذلك قولك: أعطيكيها وأعطيكيه للمؤنث، وتقول في التذكير: أعطيكاه وأعطيكاها" انتهى.
وحكى بعضهم ذلك وان لم تلحق هاء الإضمار فتقول: أعطيتكا وأعطيتكي، وأنشدوا:
ولست بخير من أبيك وخالكا ... ولست بخير من معاظلة الكلب

ويجوز أن تأتي مكان كاف المؤنث بشين مكسورة، وهي لغة لناس كثير من بني تميم وناس/ من أسد فيقولون: إنش ذاهبة، ومالش؟ يريد: إنك ومالك؟ نص على ذلك س. وقد أحكمنا على ذلك في التصريف في رباب البدل.
ومثال لها للغائبة: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}. وفي البسيط: " قيل: الهاء والألف هو الضمير. وحكى السيرافي أنه لا خلاف في ذلك، واستدل بلزومها ولو كانت صلة لم تلزم كما في ضربه. وقيل: هي زائدة بخلاف المذكر وهو الصحيح زيدت تقوية لحركة الهاء لما تحركت الهاء بالفتح للفرق بين المذكر والمؤنث، وتولدت عنها الألف، ولزمت لخفائها، بخلاف الواو، فلذلك ثبتت مطلقاً سواء اتصلت بضمير نحو: أعطيتهاه أم لا.
وقد أجاز قوم حذف هذه الألف في الوقف، وحملوا عليه قول الشاعر:

.............. ... ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله
يريد: أفعلها، وهي لغة ضعيفة، وأنشدوا:
علقت بالذئب حبلا ثم قلت له: ... الحق بأهلك واسلم أيها الذيب
إما تفوز به شاة فتأكلها ... أو أن تبيعه في بعض الأراكيب
وحكى الفراء: بالكرامة ذات أكرمكم الله به، يريد: بها"
ومثال الغائب: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}.
الهاء في ضربه هي الضمير لأنها نظيرة الكاف والياء في غلامك وغلامي، وأنه متصل وحكمه أن يكون على حرف واحد، والواو زائدة للتقوية يدل عليه حذفهم لها في الوقف ولو كانت أصلا لم يجز كما لم يجز في "هو" لأنها ساكنة.
وزعم بعضهم أن الهاء والواو هو الضمير. حكاه السيرافي، وهو مذهب الزجاجي.
وقال بعضهم: الحذف ليس بدليل قاطع على الزيادة بدليل أنهم حذفوا

في ضربكم وعليكم مع أن الواو أصلية.
وقوله: وإن وليت ياء الساكنة مثاله: فيه وعليه، أو كسرة مثاله: به، كسرها غير الحجازيين. قال المصنف في الشرح: " لغة الحجازيين في هاء الغائب الضم مطلقاً وهو الأصل، فيقولون: ضربته ومررت به ونظرت إليه، ولغة غيرهم الكسر بعد الكسرة أو الياء الساكنة إتباعاً وبلغة غيرهم قرأ القراء إلا حفصاً في {وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ} و {بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} وحمزة في {لأَهْلِهِ امْكُثُوا} في الموضعين فإنهما قرأ بالضم على لغة الحجازيين" انتهى.
وما ذكره من أن ذلك لغة الحجازيين فقط ليس كذلك، بل قد شاركهم غيرهم، قال الفراء: " قريش وأهل الحجاز ومن جاورهم من فصحاء اليمن يرفعون الهاء {نزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} {عَلَيْهِمَا} {عَلَيْهِمُ} {عَلَيْهِنَّ} {لاَ رَيْبَ فِيهِ} ونزلت به. وأهل نجد من بني أسد وقيس وتميم يكسرونها نحو: عليه وعليهما وعليهم" انتهى.
وفي البسيط: " هذه الهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة نحو: أعطه ويرميه مالم/ تتصل بضمير آخر نحو: بعطيهوه ولم يعطهوه" انتهى.
فإن وليت ساكنا غير الياء فهي مضمومة على أصلها، نحو: منه

وعنه ولم يضربه. وكذلك في التثنية والجمع، نحو: منهما وعنهما ولم يضربهما ومنهم وعنهم ولم يضربهم ومنهن وعنهن ولم يضربهن.
وبنو تغلب يقولون: منهم بكسر الهاء ولا أدري أيطردون ذلك في منه ومنهما ومنهن وما أشبهه مما قبل الهاء ساكن غير الياء أم لا يطردون ذلك. وقال الفراء: هي لغة مرفوضة.
وقوله: وتشبع حركتها بعد متحرك مثاله: لهو وبهي، والإشباع هو الأصل.
وقوله: ويختار الاختلاس بعد ساكن مطلقاً سواء أكان الساكن حرف علة، نحو: فيه ويرضوه، أم حرفاً صحيحاً نحو: منه وعنه وأكرمه.
وقوله: وفاقاً لأبي العباس هو المبرد، قال المصنف في الشرح " رجح س الإشباع إذا لم يكن الساكن حرف لين، ورد ذلك أبو العباس، ويعضده السماع " انتهى.
والذي يدل عليه السماع هو ما ذكره س وذهب إليه، قال س رحمه الله- واختصرناه بلفظه-: " إذا كان قبل الهاء حرف لين فإن حذف الياء والواو في الوصل أحسن وذلك: عليه يا فتى ورأيت أباه قبل، وهذا أبوه كما ترى، والإتمام عربي. فإن لم يكن قبل هاء المذكر حرف لين أثبتوا الياء

والواو في الوصل، وقد يحذف بعض العرب الحرف الذي بعد الهاء إذا كان ما قبل الهاء ساكناً، لأنهم كرهوا حرفين ساكنين بينهما حرف خفي نحو الألف فكما كرهوا التقاء الساكنين في أين ونحوها كرهوا أن لا يكون بينهما حرف قوي، وذلك قول بعضهم: منه يا فتى، وأصابته جائحة، والإتمام أجود لأن هذا الساكن ليس بحرف لين، والهاء حرف متحرك" انتهى.
وقال أبو عمرو: الإتمام أجود بخلاف عليه وإليه، فقد نص س أن العرب تثبت في نحو: منه وأصابته وأن بعض العرب يحذف. وهذا مخالف لما قال المصنف: إن أبا العباس يعضده السماع. وكان هذا الرجل قليل الإلمام بكتاب س فكثيراً يزل بمخالفته إياه.
قال المصنف: " ومن العرب من يكسر هاء الغائب بعد كسرة مفصولة بساكن ومنه {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} في قراءة ابن ذكوان"
وقوله: اختياراً روى هذه اللغة الكسائي عن بني عقيل وبني كلاب، قال الكسائي: سمعت أعراب عقيل وكلاب يقولون: {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} بالجزم و {لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} بغير تمام، وبهذه اللغة قرأ أبو جعفر: (له) وبه) بالاختلاس. وبها قرأ يعقوب: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ} بالاختلاس.

وقال الفراء: العرب تصل الهاء بالواو إّا رفعت مثل" رفعهو إليه" وبالياء إذا كسرت نحو:
{يُؤَدِّهِي إِلَيْكَ} وهي أفصح اللغات وبعض قيس يحذفون الواو والياء فيقولون: {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} باختلاس الهاء {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} باختلاس و"رفعه إليه" أنشدني بعض بني عامر/:
أنا ابن كلاب وابن أوس فمن يكن ... قناعة مغطيا فإني لمجتلى
وبعض العرب يقف على الهاء جزماً في الوصل والقطع، كما قرأ حمزة والأعمش، ولست أشتهي ذلك لأنها شاذة فإما من لغته التخفيف فمثل قول الشاعر:
عسى ذات يوم أن تعودا بها النوى ... على ذي هوى حيران قلبه طائر
وأما من حذف الحركة البتة فمثله قول الراجز:
أخنى على الدهر رجلاً ويدا ... يقسم لا يصلح إلا أفسدا
فيصلح اليوم ويفسده غدا

ومثله.
فبث لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان له أرقان
وهذا الذي حكاه الكسائي والفراء عمن حكوه من العرب لم يحفظه س لشذوذه وندوره بل نص س على أن الحذف للياء والواو لا يجوز إلا في الاضطرار قال س: " فإن كان الحرف الذي قبل الهاء متحركاً فالإثبات ليس إلا، كما تثبت الألف في التأنيث لأنه لم تأت علة مما ذكرنا، فجرى على الأصل إلا أن يضطر شاعر فيحذف" انتهى.
وقول س: "لأنه لم تأت علة مما ذكرنا" العلة التي ذكرها هي أن يكون قبلها حرف ساكن، إما حرف لين فالحذف أحسن وإما غيره فالإثبات أحسن.
وكذلك حذف الصلة وحذف حركة الضمير، وأنشدوا على الضرورة قوله:
................. ... ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا
وقوله:

................ ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعا
وقوله:
.................... ... ومطواي مشتاقان له أرقان
وقوله:
.................. ... إلا لأن عيونه سيل واديها
قال أصحابنا: " وحذف حركة الضمير في الضرورة أحسن من حذف الصلة وإبقاء الحركة، لأن الأول فيه إجراء الوصل مجرى الوقف، فكما تقول: به، وضربه، ويضربه في الوقف، فكذلك في الوصل، وأما حذف الصلة وإبقاء الحركة فإنه لم يجر الوصل مجرى الوقف، ولا أبقي الوصل الصلة وإبقاء الحركة فإنه لم يجر الوصل مجرى الوقف، ولا أبقي الوصل على ما كان ينبغي أن يكون عليه"
وقوله: وعند غيرهم اضطراراً أي: عند غير كلاب وعقيل لا يكون حذف الصلة والاختلاس ولا حذفها والإسكان للهاء، إلا في ضرورة الشعر. وقد ذكرنا الشاهد على ذلك.
وفي الإفصاح: إسكانها إذا تحرك ما قبلها لا يجوز عند س إلا في الشعر، وكذلك تحريكها بلا صلة إلا إذا حذف ما قبلها نحو قوله: {يَرْضَهُ لَكُمْ} وما سواه ضرورة وهو من إجراء الوصل مجرى الوقف.

وهو عند أبي الحسن لغة. وقال الفراء: أصله شعر.
وقوله: وإن فصل المتحرك في / الأصل ساكن حذف جزماً أو وقفاً جازت الأوجه الثلاثة. أي: وإن فصل الضمير المتحرك فصله في الأصل ساكن حذف جزماً نحو: {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} إذ أصله قبل دخول الجازم: يؤديه وكذلك (نصله) أصله نصليه وكذلك: {يَرْضَهُ لَكُمْ} أصله يرضاه لكم. ومثاله وقفاً -أي غير جزم - قوله: {فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} أصله ألقيه وقوله: " في الأصل" متعلق ب "فصل" لا ب" المتحرك".
والأوجه الثلاثة هي: الإشباع إذ صار في اللفظ نحو: به وضربه إذ هي هاء متصلة فاعتبر اتصالها بالحركة.
والاختلاس نظراً إلى أن أصلها أن تختلس الحركة، ولا اعتداد بكونه ولي الهاء حركة، لأن ولايتها إياه إنما هو بحكم العرض، ولا اعتداد بالعارض غالباً.
والتسكين نظراً إلى أن هذه الهاء حلت محل المحذوف الذي كان حقه لو لم يكن حرف العلة أن يسكن فأعطيت الهاء ما يستحقه المحل من السكون.
وثبت في بعض النسخ بعد قوله: " جازت الأوجه الثلاثة" ما نصه: " وإشباع كسرة للتأنيث في نحو: ضربته وأعطيتكه لغة ربعيه" انتهى. وتقدم لنا

الكلام على إشباع الكسرة في نحو: أعطيتكيه، والفتحة في نحو: أعطيتكاه. وأما ضربته فقال س: "وحدثني الخليل أن ناساً يقولون ضربتيه، فيلحقون الياء، وهذه قليلة" وقد نبهنا على ذلك عند شرحنا قول المصنف: " وتكسر للمخاطبة".

-[ص: ويلي الكاف والهاء في التثنية والجمع ما ولي التاء، وربما كسرت الكاف فيهما بعد ياء ساكنة أو كسرة. وكسر ميم الجمع بعد الهاء المكسورة باختلاس قبل ساكن وبإشباع دونه أقيس، وضمها قبل السكن وإسكانها قبل متحرك أشهر وربما كسرت قبل ساكن مطلقاً.]-
ش: مثال ذلك: ضربكما غلامكما، وضربكم غلامكم، وضربكن غلامكن، وضربهما غلامهما، وضربهم غلامهم، وضربهن غلامهن. ومن كسر في به وفيه كسر في بهما وفيهما وبهم وفيهم وبهن وفيهن. ومن لم يكسر ضم، فقال: بهما وفيهما وبهم وفيهم وبهن وفيهن.
وفي الإفصاح: إن كان قبلها كسرة أو ياء فأكثرهم يكسر، ومنهم من يضم وهم قليل، فيقولون: بهما وفيهما وفيهم. قال أبو عمر: " والضم مع الياء أكثر منه مع الكسرة" قال: "وأناس من العرب في "هم" إذا كسروا ألحقوا الياء، وهم تميم وعامة قيس وأناس يسكنون الميم، وهو قوم من أسد وكنانة من قيس"
وأما الكاف فمضمومة في التثنية والجمع سواء أكان قبلها كسرة أم ياء أم غير ذلك، نحو: فيكما وبكما ولم أكرمكما. وكذلك في الجمع للمذكر والمؤنث، وتسكين ميم الجمع أعرف من الإشباع والاختلاس إذ لم يلها ضمير متصل، وخلاف يونس في جواز التسكين هنا إذا وليها ذلك الضمير

مثله في نحو: رأيتموه.
وفي الإفصاح: قال أبو عمر: "فإذا لحقها المضمر ألحقوا الواو نحو: لأعطيتكموه". قال: " ولا يكسر الكاف من يؤخذ بلغته وقد حكي يونس أعطيتكمه/ ساكنة الميم".
وقوله: وربما كسرت الكاف فيهما- أي في التثنية والجمع- بعد ياء ساكنة - نحو: فيكما وفيكم وفيكن- أو كسرة نحو: بكما بكم بكن. وكسرة هذه الكاف حكاها الفراء لغة للنمر، قال: " يقولون: السلام عليكم، ولا نعلم أحداً من العرب يقولها غيرهم" انتهى.
وقد حكاها س من غير النمر قال س: " وقال ناس من بكر بن وائل: من أحلامكم وبكم، شبهها بالهاء لأنها علم إضمار وقد وقعت بعد الكسرة فأتبع الكسرة الكسرة حيث كانت حرف إضمار، وكان أخف عليهم من أن تضم بعد أن تكسر، وهي رديئة جداً، سمعنا أهل هذه اللغة يقولون للحطيئة:
وإن قال مولاهم على جل حادث ... من الدهر: ردوا أفضل أحلامكم، ردوا"
انتهى.
إلا أن س لم يقل ذلك إلا فيما كان قبل الكاف التي للجميع في المذكرة كسرة، والفراء فيما نقل قبل تلك الكاف ساكن، فيجيء من مجموع

النقلين أنه قد تكسر الكاف في الجمع في المذكر إذا كان قبل الكاف ياء ساكنة أو كسرة، وهل ذلك يكون التثنية، نحو: بكما وفيكما، وفي الجمع في المؤنث، نحو: بكن وفيكن، كما ذكره المصنف يحتاج إلى مزيد نقل، ولا يكاد الأمر يختلف عن ذلك، إلا أن التحري في النقل أحوط فقد يجمعون بين المفترقات ويفرقون بين المتماثلات، فلو كان قبل الكاف ساكن غير الياء نحو: لم أضربكم فالضم.
وقوله: باختلاس قبل ساكن مثاله: {بِهِمُ الأَسْبَابُ} و {يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ} وإنما كان كسرها أقيس من الضم لأجل الإتباع وإذا كانوا يتبعون في الكلمتين مع انفصالهما فلأن يتبعوا فيما هو كلمة واحدة أولى.
وقوله: وبإشباع دونه أقيس أي دون الساكن مثاله: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}، {تُشَاقُّونَ فِيهِمْ}. قال: " ويجوز الإسكان والاختلاس، فيقولون: بهم وبهم".
وإنما كان الإشباع لأن أصل الضم أن يوصل بحرف ياء أو واو أو ألف في حالة الإفراد فإذا ثنوا وصلوا الميم بألف، فإذا جمعوا زادوا في المذكر ميماً ووصلوها بواو أو بياء على ما تقرر، وكذلك في المؤنث يزيدون أيضا نوناً مشددة وهي بحرفين ليتساوى الضميران في أنه زيد على الكاف والهاء حرفان.
وقوله: وضمها قبل ساكن- نحو: {بِهِمُ الأَسْبَابُ} - وإسكانها قبل متحرك- نحو: {وَمَن يُوَلِّهِمْ} - أشهر ولذلك قرأ أكثر

القراء بالضم قبل الساكن، وبالإسكان قبل المتحرك كأنهم كرهوا أن تتوالى كسرات في نحو"بهمي" وساء، فخففوا بحذف الصلة وحذف ما تولدت عنه، وهي الحركة.
وإنما قال المصنف: " بعد الهاء المكسورة " احترازاً مما الهاء فيه مضمومة، نحو {تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ} ويضربهم الرجل فإن الميم لا تكسر.
فإن كانت الهاء مختلفاً فيها، نحو هاء (عليهم): فمن ضم الهاء أتبع حركة الميم حركة الهاء إذا لقيها ساكن، نحو: {إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ} و {عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ} وهي لغة كنانة وبعض بني سعد بن بكر ومن كسر الهاء أبقاها مكسورة وكسر الميم إذا لقيها/ ساكن كما تقدم، ولغة بعض بني أسد كسر الهاء ورفع الميم نحو: {عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ}.
وفي البسيط: " وأما ضمير الجمع نحو عليهم وإليهم في لحاق الواو فالحذف هو اللغة الفصيحة، قال الفراء: هي لغة بني سعد وكنانة" انتهى.
فإن كان قبلها ضما نحو: يضربهم أو فتحاً نحو: لن يضربهم أو ألفا نحو: عصاهم أو واواً نحو: يغزوهم، ضمت الهاء أو كسرة أو ياء ساكنة فالكسر الأفصح، والضم قال الفراء: لغة قريش أو أهل الحجاز ومن

حولهم من فصحاء اليمن. فيصح في " عليهم" ثلاث صور: عليهمو عليهمي، عليهم عليهم، عليهمو، ويمتنع عليهمي لأن "فعل" للأفعال، وإذا حذفت حرف المد وجب إسكان الميم ولا تحرك إلا للالتقاء، فإما على أصل التقاء الساكنين أو بحركة الأصل قال أبو حاتم: وهي لغة فاشية بالحرمين. وقال الفراء: هي لغة بني أسد. وقال الفراء: الكسر لغة سليم. انتهى، وفيه بعض تمثيل وحذف.
وقوله: وربما كسرت قبل ساكن مطلقاً أي: كسرت الميم قبل الساكن وإن لم تكن الهاء مكسورة
نحو قوله:
............... ... وهم الملوك ومنهم الحكام
وقوا الآخر:
ألا أن أصحاب الكنف وجدتهم ... هم الناس لما أخصبوا وتمولوا
وذكر الفراء أن العرب جميعاً يقولون: {أَلا أنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} فيرفعون الميم من "هم" عند الألف واللام، إلا بني سليم، فإني سمعت بعضهم ينشد:
فهم بطانتهم وهم وزراؤهم ... وهم القضاة ومنهم الحجاب

-[ص: فصل
تلحق قبل ياء المتكلم إن نصب بغير صفة أو جر بمن أو عن أو قد أو قط أو بجل ولدن نون مكسورة للوقاية. وحذفها مع لدن وأخوات ليت جائز، وهو مه بجل ولعل أعرف من الثبوت، مع ليس وليت ومن وعن وقد وقط وبالعكس. وقد تلحق مع اسم الفاعل وأفعل التفضيل وهي الباقية في "فليني" لا الأولى وفاقاً لسيبويه.]-
ش: أصل ياء المتكلم الحركة، كما أن النون في فعلن والتاء في ضربت متحركان، فأما الواو في ضربوا، والياء في اضربي فمحمولان على الألف لأنهما ضميرا رفع، حرفا مد ولين مثلها، والألف لا تتحرك لما يلزم في ذلك من قلبها لغيرها، فحملوهما عليها كما حملوا الكسرة في مسلمات على ياء مسلمين ومع ذلك إن المد الذي فيهما بمنزلة الحركة، قاله أبو علي في الحجة وقال: " وحجة من أسكن |أن الياء تستثقل فيها الفتحة، وقد اتفقوا على تسكين معدي كرب وقالي قلا في المركب والإضافة، وأنها تحذف منها الفتحة في الكلام ويكثر في الشعر حتى زعم بعض النحويين انه قياس لقوة شبهها بالألف" انتهى.
ويدخل تحت قوله: " بغير صفة" أن ينصب بالفعل الماضي وبالمضارع وبالأمر وباسم الفعل وبإن وأخواتها نحو: ضربني ويضربني واضربني وعليكني ورويدني، وقال بعض العرب: " عليك بي" حكاه س، لأن

"عليك" في الإغراء تنصب ما بعدها فتقول: عليك زيداً وتعدى/ إلى مفعولها بالباء أيضا، فتقول: عليك بي، قال الشاعر، فجمع بين تعديه "عليك" بنفسه وتعديته بحرف الجر:
ولقد بعثت العنس، ثم زجرتها ... وهناً، وقلت: عليك خير معد
عليك سعد بن الضباب، فسمحي سيراً إلى سعد، عليك بسعد
وقال الفراء: " سمعت بعض بني سليم يقول: مكانكني، يريد انتظرني في مكانك" وتقول: إنني.
واحترز بقوله: " بغير صفة" من أن ينصب بصفة نحو: زيد ألضاربي وهذا على مذهب من يزعم أن هذا الضمير منصوب، وأما من يعتقد أنه مجرور فلا يحتاج إلى هذا الاحتراز بل يكتفي أن يقول: إن نصب.
وقد اندرج تحت قوله: " بغير صفة" الذي لا ينصرف نحو: هب وتعلم ووهب بمعنى جعل، عسى، فتقول: هبني شجاعا تعلمني منطلقاً، ووهبني الله فداءك، وعساني أن أخرج ولما كان للفعل الأصالة في لحاق هذه النون له لم يمنع من ذلك عدم التصرف.
واختلفوا في لحاقها فعل التعجب، نحو: ما أحسنني، وما أجملني: فذهب البصريون إلى أن حكمه في ذلك حكم سائر الأفعال في لزوم نون

الوقاية. وذهب الكوفيون- واختاره بعض أصحابنا - إلى أن لحاق النون له هو على سبيل الجواز لا على سبيل اللزوم، فأجاز أن تقول: ما أجملي! وما أظرفي! وما أجملني! وما أظرفني!
قال بعض أصحابنا: " ولعلهم قالوا ذلك بالقياس فإنه عندهم اسم، فإن كان ما أجازوا من ذلك مسموعاً فوجهه شبهه بالأسماء من حيث لم يتصرف" انتهى.
وما أجازه الكوفيون من ذلك هو سماع عن العرب صرحوا بذلك فوجب قبوله. وقد استعمله بعض مشايخنا النحاة الأدباء في شعره فقال:
يا حسناً مالك لم تحسن ... إلى نفوس في الهوى متعبة؟
طرزت بالورد والسوسن ... صفحة خد بالسنا مذهبه
يا حسنة إذ قال: ما أحسني! ... ويا لذاك اللفظ ما أعذبه!
قلت له: كلك عندي سني ... وكل ألفاظك مستعذبة
في أبيات ذكرها.

وقوله: أو جر بمن أو عن أو قد أو قط أو بجلأو لدن مثاله: مني وعني وقدني وقطني وبجلني ولدني. أما قد وقط فذكر المصنف أن معناهما معنى حسبي، والياء المتصلة مجرورة بالإضافة إليها كما تقول في حسبي إن الياء مجرورة بالإضافة إليها. وما ذهب إليه المصنف هو مذهب الخليل وس.
ونقل الكوفيون في قط وقد وجهين عن العرب:
أحدهما: أنها اسما فعل، وهما مبنيان على السكون، وينصبون بهما، فيقولون: قد زيداً درهم. وإذا اتصل بهما ضمير المتكلم لحقتهما نون الوقاية لأن الضمير في موضع نصي، كما تلحق سائر أسماء الأفعال الناصبة، نحو: رويدني،
والثاني: / أن من العرب من يقول: قط عبد الله درهم، وقد عبد الله درهم فيرفع قط وقد ويجر ما بعدهما بإضافة قط وقد إليه، ويعربهما، ويكونان بمعنى حسب. وإذا أضاف إلى نفسه قال: قطي درهم وقدي رهم، فلا يلحقهما نون الوقاية كما لا تلحق حسب. هذا نقل الكوفيين.
وقد ذكر المصنف في " باب أسماء الأفعال" أنهما يكونان اسمي فعل في أحد الوجهين. وذكر في " باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى

ذلك" أن "قد" تكون اسماً ل"كفى" فتستعمل استعمال أسماء الأفعال، فتطالع هناك.
والذي أختاره أن من قال من العرب قدني وقطني فإنهما عنده اسم فعل، والياء في موضع نصب. ومن قال قطي وقدي فهما بمعنى حسب، والياء في موضع جر، كما نقل الكوفيون عن العرب.
ويحتمل أن تكون النون في قطني وقدني ليست نون وقاية بل هي من أصل الكلمة حكي الكسائي عن العرب: قطن عبد الله درهم، وقطن عبد الله درهم، بحر عبد الله ونصبه، فعلى هذا النون من أصل الكلمة فإذا أنجر ما بعده فهو مبني على الفتح لشبهه بقطن الذي هو اسم فعل.
وقال هشام: من نصب عبد الله مع النون وأتى بياء المتكلم لزمه أن يقول قطنني بنونين، ولم يسمع هذا من العرب. قال هشام: فيجوز أن يكون الأصل قطنني فحذفت النون كما حذفت من إنني فقيل: إني. وعلى ما حكي الكسائي أجاز هشام: إن قطني درهم، وإن قدني درهم على أن الياء مخفوضة بالإضافة، والنون من سنح الكلمة.
وأما بجل فقد ذكر المصنف وغيره أنها تكون اسم فعل فينبغي إذا لحقتها نون الوقاية أن تكون اسم فعل، فتقول: بجلني بمعنى يكفيني أو كفاني.

وقوله نون مكسورة للوقاية أصل اتصال هذه النون بالفعل، واتصلت بغيره على جهة الشبه، قالوا: "وإنما لزمت في الفعل لأن ياء المتكلم يكسر ما قبلها، فلو لم تلحق الفعل لدخله الكسر الذي هو نظير الخفض، فكما أن الخفض لا يدخل الفعل، فكذلك نظيره، فلحقت النون لتقي الفعل من الكسر"
قالوا: " فإن قيل: هلا قالوا ضربتي، يريدون: ضربتني، لأن الضمير يقي الفعل من الكسر، فكانوا يستغنون به عن نون الوقاية؟
فالجواب أن ضمير الفاعل بمنزلة جزء من الفعل، وقد أقيم الدليل على ذلك، فكما كرهوا دخول الكسر في الفعل، فكذلك أيضا كرهوا دخوله في الضمير لأنه بمنزلة حرف من حروفه"
وزعم المصنف أن فعل الأمر أحق بنون الوقاية من الماضي والمضارع، قال في الشرح: " لأنه لو اتصل بياء المتكلم دونها لزم محذوران: أحدهما التباس ياء المتكلم بياء المخاطبة. والثاني التباس أمر المذكر بأمر المؤنثة، فهذه النون توفي هذان المحذوران، فسميت نون الوقاية لذلك، لا لأنها وقت الفعل من الكسر، إذ الكسر يلحق الفعل مع ياء المخاطبة لحاقاً هو أثبت من لحاق الكسر لأجل ياء المتكلم لأنها فضله في تقدير الانفصال، وتغني عنها الكسرة في نحو: {كْرَمَنِ}، ثم يوقف على المكسور/ بالسكون وياء المخاطبة عمدة لا يعرض لها ذلك، ولما صحبت الأمر صحبت أخويه واسم الفعل وجوباً ليدل لحاقها على نصب الياء، ولو جعل لحاقها مع المضارع أصلاً لم يمتنع لأنها صانته من خفاء الإعراب

وتوهم بقائه، فاحترز بها كما احترز في نحو: يضربان، فجيء بالنون نائبة عن الضمة، ولم يحتج إلى ذلك في علامي، بل اكتفي بتقدير الإعراب لأصالته فيه، فلا يزال إلا بسبب جلي. وقد يؤيد اعتبار وقاية الفعل الكسر بأنه كسر يلحق الاسم مثله في ياء المتكلم لا كسر ما قبل ياء المخاطبة، فإنه خاص بالفعل، فلا حاجة إلى صون الفعل منه. وهذا فرق حسن، لكنه مرتب على ما لا أثر له في المعنى، بخلاف الذي اعتبرته، فإنه مرتب على صون من ذلك ولبس، فكان أولى" انتهى، وفيه بعض تلخيص. وهذا إكثارا في تعليل لحاق نون الوقاية الفعل، وهو فضول من الكلام.
وقوله: وحذفها مع لدن وأخوات ليت جائز قال المصنف في الشرح: " لحاق النون أكثر من عدم لحاقها، وزعم س أن عدم لحاقها من الضرورات، وليس كذلك، بل هو جائز في الكلام الفصيح، ومن ذلك قراءة نافع): من لدني عذرا) بتخفيف النون وضم الدال. ولا يجوز أن تكون نون لدني نون الوقاية، ويكون الاسم لذ، لأن ولد متحرك الآخر، والنون في لدن وأخواته إنما جيء بها لتصون أواخرها من زوال السكون، فلا حظ فيها لما آخره، وإنما يقال في لد مضافاً إلى الياء لدي، نص على ذلك س. وقرأ أبو بكر مثل نافع إلا أنه أشم الدال ضماً. وقرأ الباقون بضم الدال وتشديد النون مدعمين نون لدن في نون الوقاية" انتهى كلامه.
وما ذهب إليه من التخيير في إثبات نون الوقاية وحذفها قد ذهب إليه

غيره من أصحابنا كأبي موسى والأستاذ أبي الحسن بن عصفور وشيخنا الأستاذ أبي الحسن الأبذي وغيرهم، وقال ابن عصفور: " وإنما كان الحذف في لدن أحسن لأنهم يقولون: لد، فيحذفون النون، ولد المحذوفة إذا اتصلت بها ياء المتكلم لم تلحقها نون الوقاية لأنها إذ ذاك بمنزلة مع فما يقولون معي فكذلك يقولون لدي، فكأن الذين حذفوا نون الوقاية مع إثبات النون حملوها في ذلك عليها إذا حذفت نونها" انتهى كلامه. وأما س فلم يذكر فيما وقفنا عليه من كلامه إلا لحاق نون الوقاية في لدن.
وأما قول المصنف عنه: " إن عدم لحاقها من الضرورات " فليس كما قال عنه، إنما قال في قد: " وقد جاء في الشعر قدي، قال الشاعر:
قدني من نصر الخبيبين قدي
لما اضطر شبهه بحسبي" انتهى.
وأما أخوات ليت فهي إن وأن وكأن ولكن ولعل، فيجوز أن تقول: إنني وأنني وكأنني ولكنني، ويجوز: إن إني وأني وكأني ولكني.
وإنما لحقت نون الوقاية لأن وأخواتها لأنها لما/ عملت عمل الفعل أجريت مجراه في لحاق نون الوقاية تكميلاً للشبه.
وإنما جاز حذفها فيما عدا ليت لأن لحاقها لهن أضعف من لحاقها للفعل، إذ هي محمولة على الفعل، ولاجتماع الأمثال أيضا في إنني وأنني

وكأنني ولكنني، والمتقاربات في لعني، ولأنها طرف، والطرف يسرع إليه الإعلال، وهذا مذهب س وقولهم لعلي يدل على ذلك. وكذلك:
............. ............. فليني
لأن النون فاعل، والفاعل لا يحذف.
وما ذهب إليه المصنف من حذف نون الوقاية من إن وأن وكأن ولكن إذا اتصلت بباء المتكلم هو مذهب أكثر النحويين من البصريين والكوفيين.
وذهب بعضهم إلى أن الساقط هو النون الثانية، والأولى مدعمة في نون الوقاية. واحتج بأن نون الوقاية دخلت للفرق بين إنني وغلامي، ولشبه إنني يضربني، وما دخل للفرق فسبيله أن يبقى ولا يسقط، كما أن الذي يقول: أنت تتكلم، والمرأة تتكلم، إذا قال: أنت تتكلم، والمرأة تكلم، أسقط التاء الثانية ولم يسقط الأولى لأنها هي الفارقة بين الخطاب والغيبة، وهذا كإسقاط الأولى من ظلت وهمت وعلماء عبد الله، الأصل: ظللت وهممت وعلى الماء. ويدل أيضاً على أن الساقط هي الثانية قولهم: علمت إن زيداً قائم، فقد عهد حذفها قبل نون الوقاية، فلتكن المحذوفة إذا لحقت.
وقيل: المحذوف هي الأولى لأنها ساكنة، ويسرع إلى الساكن الاعتلال بدلالة ميزان وموسر وصحة خوان. وأما إنا وأنا ولكنا وكأنا فالمحذوفة

الوسطى لأن الأخيرة اسم، وليست للوقاية. وقيل: المحذوف الأولى.
وقوله: وهو مع بجل ولعل أعرف من الثبوت تقول: بجلي، قال الشاعر:
ألا إنني شربت أسود حالكا إلا بجلي من الشراب ألا بجل
ويجوز بجلني. ومعنى بجل: حسب، وهو أشبه بحسب من قط وقد لتساويهما في كونهما ثلاثيين ومشتقاً منهما، قالوا: أبجله وأحسبه بمعنى كفاه. والأكثر لعلي، وقل لعلني ومنه قول الشاعر:
فقلت: أعيراني القدوم لعلني أخط بها قبراً لأبيض ماجد
وقوله: ومع ليس وليت ومن وعن وقد وقط بالعكس ظاهر كلام المصنف التسوية بين هذه الكلمات في أنه يكثر معها نون الوقاية، ويقل حذفه. أما: ليس" فالقياس يقتضي ثبات النون كما ثبتت في عساني، وقال بعض العرب: عليه رجلا لينسي، وقال الراجز، فحذف:
عددت قومي كعديد الطيس ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي
يريد: ليسنِي.

وأما ليت فالقياس يقتضي ثبات النون لأنه لا يلتقي مثلان ولا متقاربات وقال الشاعر:
كمنية جابر إذ قال: ليتي ... أصادفه، وأذهب بعض مالي
وقال مهلهلا:
زعموا أنني ذهلت، وليتي ... أستطيع الغداة عنك ذهولا
وقال الآخر:
فيا ليتي إذا ما كان ذالكم ... شهدت، وكنت أولهم ولوجا
قال المصنف في الشرح: " ولم يرد ليتي وليسي إلا في نظم" انتهى.
أما "ليس" فقد نص بعض أصحابنا على أن حذف نون الوقاية من "ليس" يجوز في الكلام.
وأما من "ليت" فنص س على أن ذلك في الضرورة قال س: " وقد قالت الشعراء ليتي إذا اضطروا، كأنهم شبهوه بالاسم حيث قالوا: الضاربي

والمضمر منصوب" انتهى. وقال الفراء: " ليتي وليتني جائز" فظاهر هذا أنه يجوز في الكلام.
وأما من وعن وقد وقط فقال الشاعر:
أيها السائل عنهم وعني ... لست من قيس، ولا قيس مني
وقال:
قدني من نصر الخبيبين قدي
وظاهر كلام المصنف وكلام أبي موسى أن حذف النون من من وعن وقط وقد جائز في الكلام وإن لم يكن في شهرة الإثبات. وليس كذلك بل الحذف لا يجوز إلا في الضرورة، نص عليه أصحابنا.
وقوله: وقد تلحق مع اسم الفاعل مثاله قول الشاعر:
وما أدري- وظني كل ظن- ... أمسلمني إلى قومي شراح
وقول الآخر:

وليس بمعييني - وفي الناس ممتع- ... صديق إذا أعيا على صديق
وقول الآخر:
وليس الموافيني ليرفد خائباً ... فإن له أضعاف ما كان آملا
وقول الآخر:
ألا فتى من سراه الناس يحملني ... وليس حاملني إلا ابن حمال
وقول الآخر:
أمسلمني للموت قومي فميت ...
أنشد المصنف ثلاثة الأبيات الأول زاعماً أن هذه النون هي نون الوقاية لحقت الصفة تشبيهاً له بالفعل.
وذهب غيره إلى أن النون في مثل: مسلمني وجاملني ومعيني هو نون التنوين لا نون الوقاية، وجعل إثبات هذا النون الذي هو التنوين نظير إثبات نون التثنية ونون الجمع مع الضمير في الضرورة. قال: " ولا يجوز إثبات النون ولا التنوين في اسم الفاعل مع الضمير إلا ضرورة". وأنشد/ شاهداً على إثبات التنوين: "وما أدري، "وألا فتى" "وليس بمعيني"، ثلاثة الأبيات. وأنشد على إثبات النون قول الشاعر:

هم القائلون الخير والآمرون ... .
وقول الآخر:
ولم يرتفق والناس محتضرون ... ..
وإلى أن النون في مسلمني هو تنوين ذهب هشام فأجاز: هذا ضاربنك وهذا ضاربني، بإثبات التنوين مع الضمير مستدلاً بقوله:
... أمسلمني إلى قومي شراح
وقال المصنف في الشرح ناصراً لدعواه أن هذه النون هي نون الوقاية ما نصه: " ومعييني والموافيني يرفعان توهم كون نون مسلمني تنويناً لأن ياء المنقوص المنون لا ترد عند تحريك التنوين لملاقاة ساكن نحو: أغاد ابنك أم رائح؟ وياء معييني الثانية ثابتة في " وليس بمعييني"، فعلم أن النون الذي وليه ليس تنويناً وإنما هو نون الوقاية، ولذلك ثبت مع الألف واللام مع الموافيني وأيضا فإن المنون إذا اتصل بما هو معه كشيء واحد حذف تنوينه نحو: وابن زيداه، ولا يقال: وابن زيدناه فيحرك التنوين، بل يحذف لان زيادة الندبة والمندوب كشيء واحد، وكذا ياء المتكلم مع متلوها كشيء واحد، ولذا كسر ما قبلها ما قبل ياء النسب. وأجاز الكوفيون

تحريك التنوين لأجل ألف الندبة في نحو: " وابن زيدناه. وأيضا فمقتضى الدليل مصاحبة النون الياء في الأسماء المعربة لتقيها خفاء الأعراب، فلما منعوها ذلك كان كأصل متروك، فنهبوا عليه في بعض أسماء الفاعلين كما مضى من أمسلمني ومعييني والموافييني. ومن ذلك قراءة بعض القراء: (هل أنتم مطلعين) بتخفيف الطاء وكسر النون وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: ""فهل أنتم صادقون" كذا في ثلاثة مواضع في أكثر النسخ المعتمد عليها" انتهى كلامه. وفيه بعض مناقشة. والدليل على أنه في مثل ضاربني تنوين لا نون وقاية ثبوت النون في "مختصرونه" و"الآمرون" لأن التنوين يسقط مع الضمير كما تسقط هذه النون
وقوله وأفعل التفضيل قال في الشرح: "لما كان لأفعل التفضيل شبه بالفعل معنى ووزناُ وخصوصاً بفعل التعجب اتصلت به النون المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " غير الدجال أخوفني عليكم" والأصل فيه: " أخوف مخوفاتي، فحذف المضاف إلى الياء فأقيمت هي مقامه فاتصل أخوف بالياء معمودة بالنون كما فعل بأسماء الفاعل الثلاثة"
ثم تكلم على أخوف وكيف بني للتفضيل وخرجه على أنه مصوغ من

فعل المفعول كقولهم: "أشغل من ذات النحيين "، وقوله عليه السلام: "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون ". أو من أخاف وإن كان رباعياً إذ هو مطرد على مذهب س على زعمه. والمعنى: غير الدجال أشد إخافة عليكم من الدجال. أو من باب وصف المعاني على سبيل/ المبالغة بما يوصف به الأعيان، فيقال: شعر شاعر، وتقديره: خوف غير الدجال أخوف خوفي عليكم، فحذف المضاف إلى غير، وإلى الياء، وأقيما مقامه. انتهى ملخصاً.
وقوله: وهي الباقية في فليني لا الأولى وفاقاً لسيبويه أشار بقوله: "فليني "إلى قول الشاعر:
تراه كالثغام، يعل مسكا يسوء الفاليات إذا فليني
يريد: فلينني. قال المصنف: حذف الأولى، وبقيت الثانية، كما أنها هي الباقية في: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي} انتهى. ونظر بشيء مختلف فيه، وقد تقدم الكلام عليه في آخر باب إعراب الصحيح الآخر.

وذهب بعض أصحابنا إلى أن المحذوف في "فليني "هي نون الوقاية لا نون الإناث، وأن هذا الحذف وقع ضرورة، وأن مسهله في الضرورة هو اجتماع المثلين. وتقدمه إليه المبرد، قال: أرى فيما كان مثل هذا حذف الثانية.
وهذا الذي أختاره لأن نون الإناث اسم ضمير فاعل، ونون الوقاية حرف، وجيء به ليقي الفعل من الكسر، فالذي كان يقتضيه القياس أن كل ما اتصل بالفعل مما كان يمكن كسره، فلا يصل الكسر إلى الفعل بسببه، أن لا يؤتي فيه بنون الوقاية، لكن كان يعرض لبس في بعض الصور، نحو: ضربتني، خطاباً لمذكر، وضربتني، خطاباً لمؤنث، فلو لم تأت بالنون وقلت: ضربتي لا لتبس، فلم يدر أهو خطاب لمذكر أم لمؤنث، أما في نحو: ضربنني فلو لم يؤت بنون الوقاية، واجتزئ بكسرة النون التي هي ضمير، لم يلبس، فجاء قولهم: "فليني "تنبيهًا على ما كان ينبغي أن يكون، وذلك في الضرورة، فالأولى أن يعتقد أن المحذوفة هي نون الوقاية، وأن المثبتة هي نون الضمير العائد على "الفاليات ".
وقال ابن هشام: وينبغي في "فليني "أن تحذف نون الوقاية لأن الأولى ضمير الفاعل، فهي أولى بالإبقاء.
وقال ابن جني: "ومن قرأ: (أتحاجونا) فالمحذوف علامة الرفع

لأن الثانية ضمير "انتهى. هذا ومذهبه أنه يجوز حذف نون الوقاية إذا اجتمعت مع نون الرفع، فقياسه أن يحذف الثانية في {أتحاجوننا}، لكنه اعتل بكونها ضميرًا، فكذلك ينبغي في "فليني "أن تكون المحذوفة نون الوقاية لكون الأولى ضميرًا.
وفي البسيط: "وأما في ضمير الفاعل- يريد في نحو: فليني- فلا خلاف أن نون الوقاية هي المحذوفة ".

-[ص: فصل
من المضمر منفصل في الرفع، منه للمتكلم "أنا "محذوف الألف في وصل غير تميم، وقد يقال: هنا، وآن، وأن. ويتلوه في الخطاب تاء حرفية كالإسمية لفظًا وتصرفًا. ولفعل نفعل "نحن "، وللغيبة: هو وهي وهما وهم وهن. ولميم الجمع في الإنفصال ما لها في الإتصال. وتسكين هاء هو وهي بعد الواو والفاء واللام وثم جائز، وقد تسكن بعد همزة الإستفهام وكاف الجر. وتحذف الواو والياء اضطرارًا، وتسكنهما قيس وأسد، وتشددهما همدان.]-
ش: لما ذكر المصنف المتصل من المرفوع والمنصوب أخذ في ذكر المنفصل، فبدأ بالمرفوع، وبدأ منه بالمتكلم، فذكر "أنا ".
ومذهب البصريين أن الإسم هو الهمزة والنون، وأما الألف بعدها فزائدة، بدليل حذفها في الوصل إذا قلت: / أنا فعلت، وإنما تزاد للوقف كزيادة هاء السكت، وتعاقبهما الهاء كقول حاتم: "هذا فصدي أنه ".
ومذهب الكوفيين أنه كله الإسم، بدليل إثبات الألف في قول حميد ابن ثور:

أنا سيف العشيرة، فاعرفوني حميدًا، قد تذريت السناما
واختاره المصنف، قال: "والصحيح أن أنا بثبوت الألف وقفا ووصلا هو الأصل، وهي لغة بني تميم، وبذلك قرأ نافع قبل همزة قطع في نحو: (أنا أحيي)، وابن عامر في (لكنا هو الله)، إذ أصله: لكن أنا، ولمراعاة الأصل كانت نون أنا مفتوحة في لغة من أسقطها، وجعل الفتحة تدل عليها، كقولهم: أم والله، ولم فعلت؟ يريد: أما والله، ولأن ما كان على حرفين، وهو مبني، إنما يبنى على السكون ك "من "و "عن ". انتهى ملخصًا.
وقوله: في وصل غير تميم يعني أن تميمًا في الوصل يثبتون الألف كما يثبتونها في الوقف، وأن غير بني تميم يحذفها في الوصل فقط، ويثبتها في الوقف، وهذه اللغة هي لغة الحجاز، نص عليها الفراء.
وأما "أنا "بإثباته وقفًا ووصلاً فذكر المصنف أنها لغة بني تميم، ونقل الفراء أن من قيس وربيعة من يقول هذه اللغة، قال: وأنشدني بعضهم لأبي النجم:

أنا أبو النجم إذا قل العذر
وأما "هنا "فالهاء بدل من الهمزة، كما قالوا في إياك: هياك.
وأما "آن "فقال الفراء: بعض العرب يقول: "آن قلت ذلك "، يطيل الألف الأولى، ويحذف الآخرة. و "آن قلت ذاك "في قضاعة على وزن عان. وقوله: "يطيل الألف "يدل على أنه إشباع، والإشباع يكون غالبًا في الضرورة، وجعله المصنف من باب المقلوب كقولهم في رأي: راء.
وأما "أن "فحكاها قطرب.
وقوله: ويتلوه في الخطاب أي: ويتلو أن، وهي اللغة الأخيرة التي ذكرناها في أنا.
وقوله: تاء حرفية كالإسمية لفظًا وتصرفًا تقول: أنت أنت أنتما أنتم أنتن، كما قلت: ضربت ضربت ضربتما ضربتم ضربتن.
وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أن المضمر هو "أن "وأن التاء حرف خطاب لا اسم هو مذهب البصريين، فهو عندهم مركب من اسم وحرف، ولذلك غذا سموا به حكوه، فقالوا: قام أنت، ورأيت أنت، ومررت بأنت.
وذهب الفراء إلى أن "أنت "بكماله هو الإسم، قال الفراء: أخذت التاء من قولك: ذهبت، فضمت إليها أن، وجعلا اسمًا واحدًا.
وذهب ابن كيسان إلى أن التاء هي الإسم، وهي التي كانت في

فعلت، وكثرت بـ"أن ".
وهذا الذي أختاره لأنه قد ثبتت اسمية التاء في ضربت وفروعه بلا خلاف، وفائدتها هنا في أنت وفروعه فائدة فعلت وفروعه، ولم يثبت في كلام العرب أن التاء للخطاب فيحمل عليه هذا، وقد ثبتت الإسمية، فيحمل هذا عليه، ولا يمكن أن يكون "أن "الضمير هو ضمير الخطاب زيد عليه حرف خطاب للتدافع؛ لأنه من حيث هو موضوع للمتكلم ينافي الخطاب، ومن حيث التاء تدل على الخطاب تنافي التكلم، فالذي نختاره هو أن "أن "المكثر به التاء حتى يصير ضميرًا مستقلاص منفصلاً هو غير/ ضمير المتكلم، وأنه وافقه لفظًا لا مدلولاً، وهذا نظير ما قال بعضهم في "إياك "، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.
وذهب بعض المتقدمين إلى أن "أنت "مركبة من ألف أقوم ونون نقوم وتاء قمت، وأن "أنا "مركب من ألف أقوم ومن نون قمنا. وهذا قول ينبغي أن لا يتشاغل به.
وفي التثنية أنتما زيدت الميم تقوية كما في المتصل، والألف أصلية، وضمت التاء هنا لأنهم لا يحتاجون إلى الفرق لعزمهم على الإشتراك، وكانت الضمة لأنها حركة ما لا يكون في الأصل. وفي الجمع أنتمو، والواو أصلية، وتحذف كما تحذف في المتصل. وفي المؤنث أنتن، والنون الأولى زائدة، وضمت التاء هنا وإن كان لا اشتراك في هذا الجمع لأن التفرقة قد حصلت بالنون.
وقوله: ولفاعل نفعل نحن قال الفراء وثعلب: لما تضمن معنى

التثنية والجمع قوي، فأعطي أقوى الحركات كما ضموا "حيث "حيث قالوا: الخضب حيث المطر، فتضمنت محلين. وكذا قبل وبعد عند الفراء، لما تضمنا معناهما في أنفسهما ومعنى المحذوف بعدهما حملتا أثقل الحركات.
وقال هشام: الأصل نحن، فقلبت حركة الحاء على النون، وأسكنت الحاء.
وقال أبو العباس: نحن مثل قبل وبعد لأنها متعلقة بشيء، وهو الإخبار عن اثنين وأكثر، فأشبهت قبل وبعد.
وقال أبو إسحاق: "نحن لجماعة، ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو، فلما اضطروا إلى حركة نحن لإلتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة ". قال: "ولهذا ضموا واو الجماعة في: (اشتروا الضلالة) ".
وقال علي بن سليمان: "نحن للمرفوع، فحرك بما يشبه الرفع "انتهى ما نقلناه في تعليل بناء "نحن "على الضم، وهو تعليل وضع، وليس فيه كبير فائدة.
وقوله وللغيبة هو وهي هو للمذكر، وهي للمؤنث. والمعروف عند البصريين أن الإسم هو وهي بجملتهما، وليست الواو والياء زائدة للمد

لأنها متحركة، ولو كانت للمد لم تحرك كما في ضربة، ولذلك ثبتت في الوقف، وتبين حركتها بالهاء نحو: "هوه "كما يوقف على النون في ضربهن، لكنها قد تشبه بالمتصل المنصوب، فتحذف في الضرورة.
وذهب الكوفيون وابن كيسان والزجاج إلى أن الهاء من هو وهي هي الإسم، والواو والياء مزيدان للتكثير. وتأوله ابن كيسان على س لأن س أنشد:
بيناه في دار صدق، قد أقام بها ... ............................
وأنشد:
دار لسعدي إذ هـ من هواكا
فحذف الواو والياء، فدل على أنهما زائدان على لغة من قال: هو وهي.
قال ابن كيسان: ويدل على ذلك حذفها في التثنية، تقول: هما قاما. وبذلك استدل الكوفيون. وهو ضعيف لأن التثنية والجمع ألفاظ مُرْتَجَلَة،

قالوا: والأصل هو ما، وهو مو، فحركت الواو بالضم، كما فعلوا في تاء أنتما وأنت، فاستثقلوا الضمة عليها، فحذفوها، فسكنت، فحذفت استخفافًا، وحذفت الواو من همو، ولم تحذف الألف من هما. / والميم في هما وهمو زائدة. وحكي عن أبي علي أنه قال: هما وهم ضمير بجملته. ولم يجعل الميم زائدة.
وجمع المؤنث: هن، وأصله هون، والنون الأولى كالميم، والثانية كالواو، ولم يحذفوا النون كما قالوا هم لأنها ليست بحرف مد.
وقوله: ولميم الجمع في الإنفصال ما لها في الإتصال أي: حكم أنتم في تسكين الميم وإشباعها واختلاس الحركة حكم ضربتم، إلا أن ميم أنتم لا يجيء فيها خلاف يونس في ضربتموه لأنه لا يتصل به الضمير.
وقوله: وتسكين هاء هو وهي بعد الواو والفاء واللام وثم جائز هو وهي بناؤهما على حركة مخالف لما جاء من الأسماء على حرفين، فإنه بني على السكون، وإنما بني على حركة ما بناؤه عارض كاسم "لا "والمنادى وما حذف منه حرف كأنا على مذهب من يجعل الألف من أصل الكلمة. وتسكين أولهما بعد هذه الحروف مخالف أيضًا لنظائرهما، فأما بناؤهما على حركة فسببه أنهم قصدوا امتيازهما من ضمير الغائب المتصل؛ ألا ترى أنك تقول: ضربه، ومر به، فإذا أشبعت الحركة صار مشبهًا لهو وهي لو بنيا على السكون، فالتبس المنفصل بالمتصل. وأما تسكين الهاء ففرار من مخالفة النظائر؛ إذ ليس في الكلمات ما هو على حرفين متحركين ثانيهما حرف لين غيرهما، فقصد تسكين أحدهما، فكان ثانيهما أولى، إلا أنه يلبس المنفصل بالمتصل، فعدل إلى تسكين الأول مع الحروف المذكورة لأنها كثيرة الإستعمال وبمنزلة الجزء مما تدخل عليه، أعني

الواو والفاء واللام، وألحقت بها ثم، وقد قرئ بها في السبعة. هذا تعليل المصنف في الشرح، وفيه بعض تلخيص واختصار، وهو تعليل لا يحتاج إليه.
وتسكين هاء هو وهاء هى لغة أهل نجد، والتثقيل لغة الحجاز، والتخفيف أكثر في كلام العرب، وذلك فيما قبلة الواو والفاء واللام، شبهوا فهو يرحل، وفهي بهرم، فخففوا.
وقوله: وقد تكسن بعد همزة الاستفهام وكاف الجر مثاله قول الشاعر:
فقمت للطيف مرتاعا، فأرقني فقلت: أهي سرت أم عادني حلم
وقول الآخر:
وقد علموا ما هن كهي، فكيف لي سلو، ولا أنفك صبًا متيما
وذكر المصنف في الشرح أن السكون مع الهمزة والكاف لم يجئ إلا في الشعر، وقرأ أبو حمدون: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي)، وقرئ أيضًا

(أَنْ يُمِلَّ هُوَ) بسكون الهاء وهي قراءة شاذة.
وقوله: وتحذف الواو والياء اضطرارًا مثال ذلك قول الشاعر:
بيناه في دار صدق قد أقام بها حينًا يعللنا وما نعلله
وقوله الآخر:
سالمت من أجل سلمى قومها، وهم عدا، ولولاه كانوا في الفلا رمما
وقوله: وتسكنها قيس وأسد لم تبال قيس وأسد بالتباس المنفصل بالمتصل/ لأن ذلك نادر، والغالب أن موضع المنفصل يدل عليه، فيؤمن التباسه بالمتصل. ومما يلتبس لصلاحية المتصل والمنفصل فيه قولك: من أعطيته زيد، ومن لم أعطه هند، فيجوز أن يراد الاتصال، فتكون الهاءات مفعولين، ويجوز أن يراد بهما الانفصال على لغة قيس وأسد، فيكونان مبتدأين، والعائد محذوف، والأصل: من أعطيته هو زيد، ومن لم أعطها هي هند.
وقال الفراء: بنو أسد يسكنون الياء والواو من هي وهو في الوصل والقطع، سمعتها كثيرًا من بني ذبيان وغيرهم من أسد، كما قال عبيد:

أخلف ما بازلًا سديسها لا حقه هي ولا نسوب
ولا يجوز التخفيف في لغة أسد لئلا يجتمع ساكنان. انتهى. يغني إذا دخل على الهاء من هو وهي الواو والفاء واللام لا يجوز تسكين الهاء. وأنشدوا على هذه اللغة قول الشاعر، وهو مرة بن الرواع من بني أسد:
لماجد شهد الإمجاد والده ... فأوجهوه فهو بالجاه مبتهج
وعلى هذه اللغة قول الآخر:
أدعوته بالله، ثم قلتلته لو هو دعاك بذمة لم يغدر
قول الأخر:
وركضك لولا هو لقيت الذي لقو فأصبحت قد جاورت قومًا أعاديًا
وقول الآخر:
إن سلمى هي التي لو تراءت حبذا هي من خلة لو تخالي
وفي الإفصاح: أنكر الزجاج سكون الواو والياء في هو وهي؛ لأن كل مضمر حركته إذا انفرد الفتح نحو أنا، فكما لا يستقيم سكون هذه النون كذلك لا تسكن هذه الواو.
ورد عليه أبو علي بسكون النون في أنت لأن التاء حرف خطاب، وقال: "لا يمتنع سكونها إن وردت بذلك رواية عن ثقة". وقال: "الوجهات متكافئتان في العمل إلا أن الفتح هو المشهور نقلًا" انتهى.

وقال زهير"
وهو غيث لنا في كل عام يلوذ به المخول والعديم
وقال آخر:
ولكنما هو لا مرئ ذي حفيظة إذا مال لم ترعد إليه خصائله
وقوله وتشددهما همدان قال أبو جعفر النحاس: حكي الكوفيون هو وهي بالتشديد، وقال الشاعر:
وإن لساني شهدة يشتفي بها وهو على من صبه الله علقم
وقال الآخر:
تخاطاه الحتوف، فهو جون كناز اللحم فائله رديد
وقال آخر:
فالنفس إن دعيت بالعنف آبيه وهي ما أمرت باللطف تأتمر
ص: ومن المضمرات "إيا" خلافًا للزجاج، وهو في النصب كأنا في

الرفع، لكن يليه دليل ما يراد به من متكلم أو غيره اسمًا مضافًا إليه وفاقًا للخليل والأخفش والمازني، لا حرفًا، خلافًا لسيبويه ومن وافقه، ويقال: إياك وأياك وهياك وهياك.
ش: في المنفصل المنصوب خلاف:
فمن النحويين من ذهب إلى أن "إيا" هو الضمير، والمتصل به حروف تبين أحوال الضمير، وهو مذهب س، واختاره الفارسي، وعزاه صاحب البديع إلى الأخفش.
ومنهم من ذهب إلى أنه ضمير، وتلك اللواحق ضمائر، أضيف إليها الضمير الذي هو إيا، وهو اختيار المصنف، وعزاه إلى الخليل والأخفش والمازني.
ومنهم من ذهب إلي أنه بجملته هو الضمير، أعني إيا ولواحقه، ونسب إلى الكوفيين.

ومنهم من ذهب إلى أن اللواحق هي الضمائر، وإيا دعامة زيادة، تعتمد عليها اللواحق لينفصل عن المتصل، وهو مذهب الفراء.
ومنهم من ذهب إلى أن إيا اسم ظاهر، واللواحق ضمائر أضيف إليها إيا، وهن في موضع خفض بالإضافة، ونسبه ابن عصفور إلى الخليل.
فأما المذهب الأول- وهو مذهب س- فهو الذي صححه أصحابنا وشيوخنا.
وأما الثاني- وهو اختيار المصنف- فاستدل على أن إيا هو الضمير بأنه يخلف الضمير المتصل عند تعذره كالتقديم على العامل، كما خلف ضمير الرفع المنفصل ضمير الرفع المتصل عند تعذره، فنسبه المنفصلين من المتصلين نسبة واحدة، ولأن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره منفصل، فثبوت ذلك لضمير النصب أولى، إذا لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه، ولأن إيا لا يقع في موضع رفع، وكل اسم لا يقع موضع رفع فهو مضمر أو مصدر أو ظرف أو حال أو منادى، ومباينة إيا لغير المضمر متيقنة، فتعين كونه مضمرًا. ولأن إيا لو كان ظاهرًا لكان تأخره عن العامل واتصاله به جائزًا بل راجحًا على انفصاله عنه وتقدمه عليه كحال غيره من المنصوبات الظاهرة، والأمر بخلاف ذلك، فامتنع كونه ظاهرًا، ولزم كونه ضميرًا، لكنه وضع بلفظ واحد، فافتقر إلى وصله بما يبين المراد به من الكاف وأخواتها، وهي ضمائر مجرورة بالإضافة لا حروف.

انتهى ما ذكره المصنف في الاستدلال على أن إيا هو ضمير/ لا ظاهر.
وما ذكره لا يدل. أما أولًا فلا نسلم أن إيا وحده خلف الضمير المتصل عند تعذره، بل مجموع إيا وما بعده من اللواحق هو الذي خلف الضمير المتصل عند تعذره.
وأما قوله: "ولأن المرفوعات كجزء من رافعه" فقد منع المصنف ذلك، ولو سلمنا له ذلك قوله: "وقد ثبت لضميره منفصل فثبرت ذلك لضمير النصب أولى" فنحن نقول بهذا إلا أنه لا يتعين أن يكون ضمير النصب هو إيا وحده.
وأما قوله: "ولأن إيا لا يقع في موضع رفع، وكل اسم إلى آخره، فلا نسلم حصر ما لا يقع في موضع رفع فيما ذكر.
وأما قوله: "ولأن إيا لو كان ظاهرًا لكان إلى آخره" فلا أسلم ملازمة ذلك؛ بل هو ظاهر، لكنه اقترن به ما أوجب له التقدم على العامل وأن لا يتصل به، وهو اللواحق به، ثم لبعض الظواهر خصوصيات تلزمها، ولا تجوز في غيرها.
واستدل المصنف على أن هذه اللواحق مضمرة بأنه يخلفها الاسم المجرور بالإضافة، روى الخليل: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب". وبأنها لو كانت حروفًا، وكانت الكاف في إياك حرفًا لاستعملت على وجهين: مجردة من لام، وتاليه لها، كما استعملت مع ذا وهنا، ولحاقها مع إيا أولى لأنها كانت ترفع توهم الإضافة، فإن ذهاب الوهم إليها مع إيا أمكن منه مع ذا لأن إيا قد يليها غير الكاف، ولذا لم يختلف في حرفية

كاف "ذاك" بخلاف كاف "إياك". ولأنها لو كانت حرفًا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز في: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ}، وفي: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ}. ولأنها لو كانت اللواحق حروفًا لم يحتج إلى الياء في إياي كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في أنا، ولأن غير الكاف من لواحق إيا مجمع على اسميتها مع غير إيا، مختلف في اسميتها معها، فلا يترك ما أجمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها ليجري الجميع على سنن واحد. ولأن الأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ واحد، وفي القول باسميه اللواحق سلامة من ذلك، فوجب المصير إليه. انتهى ما استدل به المصنف على اسميه هذه اللواحق.
وما استدل به ولا يدل على ذلك. أما كونها يخلفها الاسم مجرورًا فذلك من الندور والشذوذ بحيث لا يقاس عليه قال بعض أصحابنا: بل لنا أن نقول: هذه المضافة إلى الظاهر ليست بإيا من إياك وإن اتفقتا في اللفظ، بل هي اسم ظاهر مثلها في قوله:
دعني وإيا خالد ... فلا قطعن عرا نياطه
وأما كون الكاف لا تلحقها اللام كما لحقت مع ذا وهنا فليس بلازم؛ ألا ترى لحاق الكاف في: النجاءك، ورويدك زيدًا، ولا تلحق معها اللام، لا يقال: النجاءلك، ولا رويدلك زيدًا.
وأما قوله: "لو كانت حرفًا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز في (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ) " فلا يلزم؛ ألا ترى أن الكاف اللاحقة ل "أرأيت" هي حرف خطاب على أصح المذاهب، ولا يكتفي بها وحدها

دون الميم في الجمع، لا تقول: أرأيتك يا زيدون إن كان كذا ما تقولون، بل تقول: أرأيتكم.
وأما/ قوله: "لو كانت حروفًا لم يحتج إلى الياء في إياي كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في أنا" فلا يلزم ذلك لأن المنفصل المرفوع مباين بالكلية للمرفوع المتصل، فتميز بنفسه، ولم يحتج إلى التاء. وأما الياء في إياي فهو الضمير المتصل في الأصل، زيد عليه إيا حتى صار منفصلًا، فلذلك احتيج إلى اجتماعهما حتى يصير منفصلًا.
وأما كون اللواحق مجمعًا على اسميتها مع غير إيا مختلفا في اسميتها معها فهو صحيح، وإلى ذلك نذهب، وهو مذهب الفرء، لأنه قد ثبتت اسميه هذه اللواحق حين كن متصلات، فهي باقية على اسميتها، ولما أرداوا أن يجعلوها منفصلات زادوا عليها إيا، وعمدوها بها، أي: قووها بهذه الزيادة لتستقل بالانفصال، كما بحثناه في أنت وفروعه من أن الضمير هو التاء، وأن "أن" تقويه لها ليعتمد عليه حتى يصير منفصلًا.
وأما قوله: "ولأن الأصل عدم الاشتراك في اسم وحرف" فنحن لا نذهب إلى ذلك، ولا اشتراك فيما ذهبنا إليه.
وقال من رد على هذا المذهب من أن اللواحق هي الضمائر وإيا دعامة بأنه فاسد لأنه لا يسوغ أن يكون الاسم دعامة. ونحن لا نذهب إلى أن لفظ إيا حين كونه دعامة اسم، بل نقول: إن لفظ زيد على اللواحق، صيرها ضمائر منفصلات، يجوز أن تأتي في أول الكلام، بخلاف حالها إذا لم يكن معها إيا، فإنها لا بد أن تكون متصلة بالعامل، ولا تتقدم أول الكلام، وإيا لفظ إما اسم مضمر أو مظهر، أو لفظ زيد على الضمائر المتصلة لتصير منفصلة على اختلاف المذاهب، ليس مشتقًا من شيء.
وذهب أبو عبيدة وغيره إلى أنه مشتق. وإذا قيل بالاشتقاق فاشتقاقه من

لفظ: "أو" من قوله:
فأو لذكراها إذا ما ذكرتها ....................
فيكون من باب قوة. أو من الآية، فتكون عينها ياء لقوله:
لم يبق هذا الدهر من آيائه
قولان. وهل وزنه إفعل وأصله إأوو أو إأوى، أو فعيل وأصله: إويو أو إويي، أو فعول وأصله إووو أو إويي، أو فعلى فأصله إويا أو إووى؟ أقاويل، كلها ضعيفة.
ولمل ذهب المصنف إلى أن إيا مضمر، وأضيف إلى مضمره، وكان النحويون قد ذكروا أن المضمرات وأسماء الإشارة لا تضاف، أورد المصنف سؤالًا، فقال: "فإن قيل: هذه الوجوه مؤدية إلى إضافة إيا، وهي ممتنعة من وجهين:
أحدهما: أن إيا لو كان مضافًا لم تخل إضافته من قصد تخفيف أو تخصيص، فقصد التخفيف ممتنع لأنه مخصوص بالأسماء العاملة عمل

الأفعال، وإيا ليس منها. وقصد التخصيص ممتنع أيضا لأن إيا أحد الضمائر، وهي أعرف المعارف، فلا حاجة بها إلي تخصيص.
الثاني: أن إيا لو كان مضافا لكانت إضافته إضافة الشيء إلي نفسه، وهي ممتنعة.
والجواب أن يقال: أما إضافة التخفيف فمسلم امتناعها من إيا، وأما إضافة التخصيص فغير ممتنعة، فإنها تصير المضاف معرفة إن كان قبلها نكرة، وإلا ازداد بها وضوحا كما يزداد بالصفة، / كقول الشاعر:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض ماضي الشفرتين يمان
فإضافة "زيد" هنا أوجبت له من زيادة الوضوح مثل ما يوجب وصفه إذا قيل: علا زيد الذي منا زيدا الذي منكم، فكما قبل زيادة الوضوح بالصفة قبل زيادة الوضوح بالإضافة من غير حاجة إلي انتزاع تعريفه، وقد يضاف علم لا اشتراك فيه علي تقدير وقوع الاشتراك المحوج إلي زادة الوضوح، كقول ورقة بن نوفل:
ولوجا في الذي كرهت قريش ولو عجبت بمكتها عجيجا
فإذا جازت إضافة مكة ونحوها مما لا اشتراك فيه فإضافة ما فيه الاشتراك أولي بالجواز كإيا، فإنه قبل ذكر ما يليه صالح أن يراد به واحد من اثني عشر معني، فالإضافة إذا له صالحة، وحقيقته بها واضحة، وكان انفرادها بالإضافة دون غيرها من الضمائر كانفراد "أي" بها دون سائر الموصولات، ورفعوا توهم حرفية ما تضاف إليه بإضافتها إلى الظاهر في

قولهم: "فإياه وإيا الشواب"، والاحتجاج بهذا للتخليل علي س شبيه باحتياج س علي يونس بقول الشاعر:
دعوت لما نابني مسورا فلبي، فلبي يدي مسور
لأن يونس يري أن ياء "لبيك" ليست للتثنية، بل هي كياء "لديك"، فاحتج س بثبوت ياء "لبي" مع الظاهر، ولو كانت كياء "لدي" لم تثبت إلا مع المضمر، كما أن ياء "لدي" لا تثبت إلا مع المضمر. وأما إلزامهم بإضافة إيا إضافة الشيء إلي نفسه فنلتزمها معتذرين بما اعتذر عنها في نحو: جاء زيد نفسه، وأشباه ذلك". وقد انتهي سؤال المصنف وجوابه.
والذي يقطع ببطلان ما ذهب إليه من أن "إيا" مضمر أضيف إلي ضمير إجماع النحويين علي أن المضمر مبني علي الإطلاق، فيدخل فيه الضمير المنفصل المنصوب، وسواء أكان الضمير نفس "إيا"، واللواحق بعده حروف، أم اللواحق، وإيا مزيد يصير به المتصل منفصلا، أم هما، أم كلا منهما، فلو كان "إيا" هو الضمير، وقد أضيف إلي الضمير، لزم إعراب "إيا" كما لزم إعراب "أي" لأنها إضافة لازمة، وإعرابه يكون أوضح من إعراب "أي" لأن "أيا" تنفك عن الإضافة لفظا، وإيا لا ينفك عن الإضافة أصلا، ولا ينطق به علي زعم المصنف إلا مضافا لضمير، وقد نص النحويون علي أن سبب إعراب "أي" دون سائر الموصولات إنما هو لزوم الإضافة، وأن نفس لزوم الإضافة موجب للإعراب، ولم يذهب أحد من النحويين إلي أن "إيا" من قولهم "إياك" وأمثاله معربة، فبطل ما ادعاه من أن "إيا" مضمر أضيف إلى

مضمر. وقد طال بنا الكلام في "إيا" ولواحقه، وليس في ذلك كبير فائدة، وإنما حصل أن "إيا" ولواحقه ضمير نصب منفصل/، وما سوي ذلك مما تكلم فيه تكثير وتطويل قليل الجدوي، لكنها أشياء يؤدي إليها علم الصناعة النحوية، ويقال: إنه لا يوصل إلي حقائق الأشياء إلا بالكلام الذي فيه زيادة علي ما تقتضيه تلك الصناعة مما كنت تستغني عنه.
وأبطل أصحابنا مذهب الخليل بأنه لو كان المضمر ما بعد "إيا" لم يمنع من وقوعه بعد العامل مانع، وكنت تقول: ضربت إياك، وكونهم لا يقولون ذلك، ولا يتكلمون به إلا متصلا، دليل علي أن المضمر إنما هو إيا. وكأن الخليل لما وجده مضافا إلي الضمير في "إياه وإيا الشواب" قضي بأنه لو كان مضمرا لما أضيف، وهذا غير قادح لأن إيا هذه ليست تلك، وهذه بمعني حقيقة، كأنه قال: فإياه وحقيقة الشواب. قالوا: ومما يدل علي فساده أنه لم يثبت قط اسم ما لزم إعرابا ما في غير المصادر والظروف، وليس مخصوصا بباب نحو: "ايمن الله" في القسم.
وأبطلوا مذهب الكوفيين بأن الزائد لا يكون جل الاسم، إنما يكون أقل.
وقوله: ويقال: أياك وإياك وهياك وهياك قال المصنف: "أغرب لغاتها تخفيف الياء" انتهي. فأما "إياك" فهي اللغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور، وقرأ الفضل الرقاشي بفتح الهمزة وتشديد الياء: {أَيَّاك

نَعْبُدُ}، وقرأ عمرو بن فائد: (إياك) بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وقرأ أبو السوار الغنوي: (هياك) بفتح الهاء وتخفيف الياء، وقرئ: (هياك) بكسر الهاء وتخفيف الياء.

-[ص: فصل
يتعين انفصال الضمير إن حصر بإنما، أو رفع بمصدر مضاف إلي المنصوب أو بصفة جرت علي غير صاحبها، أو أضمر العامل، أو أخر، أو كان حرف نفي، أو فصله متبوع، أو ولي واو المصاحبة، أو إلا، أو إما، أو اللام الفارقة، أو نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتفقا رتبة، وربما اتصلا غائبين إن لم يشتبها لفظا.]-
ش: ذكر المصنف أنه يتعين انفصال الضمير في اثنتي عشرة صورة، وبدأ أولا بصورة مختلف فيها، وهو قوله: "إن حصر بإنما"، وأنشد:
أنا الفارس الحامي الذمار، وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وهذه صورة اختلف فيها كما ذكرنا: فذهب س إلي أن فصل الضمير بعد "إنما" هو ضرورة، وأن الفصيح اتصاله. وذهب الزجاج إلي أن فصله ليس بضرورة. وذهب المصنف إلي أنه متعين الانفصال.
فأما الزجاج فادعي أنه غير ضرورة لما كان عنده في معني المحصور بحرف النفي وإلا، فكما ينفصل بعد إلا فكذلك ينفصل بعد إنما.

وأما س فلم يلفظ ما لحظه الزجاج من مراعاة الحصر، ولعل ذلك عنده إنما كان لأجل أن "إنما" لا تفيد الحصر وضعا، كما أن كأنما وليتما لا تفيدان حصر التشبيه ولا حصر التمني.
قال أصحابنا: "والصحيح أن الفصل ضرورة؛ إذ لو كان هذا الموضع موضع فصل الضمير لوجب أن لا يؤتي/ به إلا منفصلا، كما لا يجوز ذلك مع إلا، فقول العرب "إنما أدافع عن أحسابهم" وأمثاله دليل علي أنه من مواضع الاتصال وأن الانفصال فيه ضرورة".
وقال أبو الفضل القاسم بن علي البطليوسي في شرح كتاب س ما نصه: "وأما الاسم الذي يكون في معني المقرون بإلا فالزجاج يجوز: إنما ضرب زيدا أنا، وس جعله ضرورة، وهو أسد لأنك تقدر علي الاتصال فلا تفصله، بخلاف إلا؛ إذ لا يمكن أن يتصل بها ضمير، وتكون القرائن تبين أن الفاعل هو المحصور، أو تبين أن المحصور هو المفعول علي حسب المواضع، فقياس ذلك علي إلا خطأ، ولأنه لا مانع هنا من الاتصال فالصحيح ما قال س" انتهي.
وقال المصنف في الشرح: "ومن ذلك قول الراجز:
كأنا يوم قري إن ما نقتل إيانا"

يعني "ومن ذلك" أي: مما انفصل لكونه محصورا بإنما، قال: "وقد وهم الزمخشري في قوله: "إنما نقتل إيانا" فظن أنه من وقوع المنفصل موقع المتصل، وليس كذلك لأنه لو أوقع هنا المتصل، فقال "إنما نقتلنا" لجمع بين ضميرين متصلين، أحدهما فاعل، والآخر مفعول، مع اتحاد المسمي، وذلك مما تختص به الأفعال القلبية. وغر الزمخشري ذكر س هذا البيت في باب ما يجوز في الشعر من إيا، ثم قال: "فمن ذلك قول حميد الأرقط:
إليك حتي بلغت إياكا
فهذا ونحوه مخصوص بالشعر لأنه لولا انكسار الوزن لقال: حتي بلغتك. ثم ذكر البيت الذي أوله: "كأنا" لا لأن ما فيه لا يجوز إلا في الشعر، بل لأن "إيانا" وقع فيه موقع "أنفسنا"، فبينه وبين الأول مناسبة من قبل أن "إيا" في الموضعين وقعت موقعا غيره به أولي، لكن في الثاني من معني الحصر المستفاد بإنما ما جعله مساويا للمقرون بإلا، فحسن وقوع إيا فيه كما يحسن بعد إلا. وهذا مطرد، فمن اعتقد شذوذه فقد وهم" انتهي كلامه. وجعل البيت نظير قوله:
........... وإنما يدافع عن أحسابهم أن أو مثلي
وقال أبو بكر يحيي بن عبد الله الجذامي في شرح كتاب س: "قال

الزجاج: يمكن أن لا يكون هذا البيت - يعني قول حميد - من الضرورة، وذلك بأن تريد: بلغتك إياك، ثم حذف المفعول المؤكد بإياك.
وهذا غلط لأنه لا يخرجه ذلك عن الضرورة؛ لأنه لو كان علي ما قال لانبغي أن يجوز في الكلام: رأيت إياك، والعرب لم تقله أصلا في الكلام، بل التزمت أن لا تأتي بالضمير المنفصل بعد الفعل مع القدرة علي المتصل، فدل أنها لم تلحظ شيئا من هذا. وإنما لم تلحظه لأن حذف الشيء وتأكيده قصدان متناقضان، مع ما في هذا الذي قاله من التكلف. وأما بيت اللص فهو أقل ضرورة لأنه لا يمكنه أن يأتي بالمتصل فيقول نقتلنا؛ لأنه لا يتعدى الفعل الرافع للمضمر المتصل إلي ضميره المتصل أيضا، فلذلك حسن هنا وقوع الضمير المنفصل، لكن كان حقه أن يقول: نقتل أنفسنا، وستري هذا، فلا يخرج بذلك عن الضرورة.
وقال الزجاج: ليس هذا ضرورة، وإنما فصل هنا لأجل إنما، فحمل علي معني الكلام؛ إذ معناه: ما نقتل إلا / إيانا؛ إذ "إنما" تقتضي حصر القتل فيهم، كالنفي وإلا.
وهذا أيضا فاسد لأن الإمام أقعد بكلام العرب، فلو كان ما قال لانبغي أن يكثر ويرد في الكلام، وهو لم يرد إلا في الشعر، فدل ذلك علي أن العرب لم تحمله علي ما ذكر، وليس حمل الكلام علي ما هو في معناه بمطرد، بل تتبع فيه موارد السماع، ولو كان معمولا به في الكلام لما جعله س من ضرائر الشعر".
وقال أبو الفضل البطليوسي في قوله: "إنما نقتل إيانا": "الزجاج يري الفصل جائزا. وتقدم الرد عليه، فالصحيح أنه كان يقدر على: نقتلنا.

فإن قلت: لا يجوز "نقتلنا" لأنه يكون فيه تعدى فعل المضمر إلي مضمره المتصل، فالفصل هنا واجب لا ضرورة.
قلت: ليس علي ما زعمت، وذلك أنه إنما يكون فيه تعدى فعل المضمر إلي مضمره المتصل إذا جعلت المفعول هو الفعل المضمر في "نقتل"، فيكون المعني: يقتل كلنا كلنا، وليس المعني علي ذلك، وإنما يرد: يقتل بعضنا بعضا، فالأول ليس بالآخر، فليس فيه ما قلت، فالفصل ضرورة".
وقال الأساذ أبو الحسن بن خروف: ليس يريد في "نقتل إيانا" أنه محل المتصل، لكنه مما استغني فيه بالنفس عنهما، وقد ذكره بعد" انتهي.
فهذا نقل أصحابنا في المسألة، نقلوا فيها الخلاف بين س والزجاج، وردوا قاطبة علي الزجاج. والمصنف لم يذكر خلافا لا في الفص ولا في الشرح، وناهيك من إهمال خلاف بين سيبويه والزجاج. ومن نظر في كلام س علم أن انفصال الضمير في نحو: "إنما نقتل إيانا" لا يجوز إلا في الشعر دون الكلام، قال س: "هذا باب ما يجوز في الشعر من إيا ولا يجوز في الكلام، فمن ذلك قول حميد الارقط:
إليك حتي بلغت إياكا
وقال الآخر:
كأنا يوم قري إن ما نقتل إيانا
قتلنا منهم كل فتي أبيض حسانا"
فهذا واضح الدلالة علي أن "إيا" وقعت في الشعر موقعا لا يقع مثله في الكلام.

وشملت الترجمة مسألتين: إحداهما أنها وقعت موقع الضمير المتصل. والثانية أنها وقعت موقع النفس؛ إذ هو مكان لا يقع فيه المتصل ولا المنفصل؛ لأن "قتل" من الأفعال التي لا يتصل بها الضمير المتصل ولا المنفصل إذا كان الفاعل ضميرا متصلا، فلا يجوز: أن أضربني، ولا: أنا أضرب إياي، بل هذا مما لا يجوز فيه إلا النفس، فتقول: أنا أضرب نفسي. وأما كلام المصنف في "نقتل إيانا" وتأويله علي س بأن "إيانا" وقع موقع "أنفسنا" فكلام صحيح، لكن تأويله علي أن انفصال الضمير هنا مطرد غير صحيح، بلا لا يأتي هنا لا الضمير المنفصل ولا المتصل، بل النفس كما تقدم.
وقد أولع أكثر أصحابنا المتأخرين بأن "إنما" فيها معني الحصر، حتي أجروا عليها أحكام حرف النفي وإلا. والذي تقرر في علم النحو أن "ما" الداخلة علي "إن" وأخواتها هي كافة لهن من العمل. وقال عبد الوهاب المالكي: / إنها إذا دخلت علي إن للحصر والتحقيق. وزعم الكوفيون أنها تفيد معني النفي والإثبات، وأنشدوا للفرزدق:
أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما يقاتل عن أحسابهم أن أو مثلي
قالوا: معناه ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي. وسيأتي الكلام

على ذلك ممنعا في باب "إن" إن شاء الله.
وما ذهب إليه المصنف من تعيين انفصال الضمير بعد إنما خطأ فاحش وجعل بلسان العرب؛ قال تعالي: {إِنَّمَآ أشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَي اللهِ}، وقال: {إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ}، وقال: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ}، وقال: {وَإِنَّمَآ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، ولو كان علي ما زعم من تعين انفصال الضمير لكان التركيب: إنما يشكو بثي وحزني إلي الله أنا، وإنما يعظكم بواحدة أنا، وإنما أمر أن أن يعبد رب هذه البلدة أنا، وإنما يوفي أجوركم أنتم.
وقوله: أو رفع - يعني الضمير - بمصدر مضاف إلي المنصوب لا يصح هذا علي ظاهرة؛ لأنه لا يضاف المصدر إلي المنصوب، فإنما تأويله: إلي المنصوب معني لا لفظا، ومثاله: عجبت من ضرب زيد أنت، وزيد عجبت من ضربك هو، وقال:
بنصركم نحن كنتم ظافرين، وقد أغري العدا بكم استسلامكم فشلا
وقوله: أو بصفة جرت علي غير صاحبها مثاله: زيد هند ضاربها هو، وقال الشاعر:

غيلانُ ميَّة مشغوف بها هو مد بدت له، فحجاه بان أو كربا
وهو الصورة أجمل فيها المصنف في مكان التفصيل، وأوهم الوفاق في مكان الخلاف. فأما الأول فإنه إنما برز لأجل العلامة التي لحقت بالنظر إلي التكلم والغيبة والخطاب، فأبرز الضمير منها إذا جرت علي غير من هي له؛ إذ لو لم يبرز لوقع اللبس؛ ألا ترى أنك لو قلت: "هند ضاربها" لم يدر من الضارب؛ إذ يحتمل أن يكون أنا أو أنت، وكذلك: هند ضارباها، أو ضاربوها، إذ يحتمل أنتما أو نحن، أو أنتم أو نحن، فلما دعت الضرورة إلي إبراز الضمير وتوحيد الصفة في جميع الأحوال لأنها لم تتحمل ضميرا، فقلت: هند ضاربها أنت وأنا وأنتما ونحن، ثم حمل ما لا لبس فيه علي ما فيه اللبس، فقيل: زيد هند ضاربها هو، فأبرز الضمير وإن كنت لو لم تبرزه لم يقع اللبس؛ إذ لا يتصور أن يكون فاعل الصفة إلا ضمير "زيد" لئلا تعرو الجملة الواقعة خبرا من رابط.
ولا يجوز استتاره في هذا الموضع إلا أن يكون ضمير تثنية أو جمع، فإن العرب لا تبرزه إذ ذاك لأن اسم الفاعل تجوز تثنيته وجمعه، وفي ذلك دلالة علي الضمير، تقول: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، ومررت برجل قائم آباؤه لا قاعدين، فلا يحتاج إلي: لا قاعدان هما، ولا قاعدين هم؛ لأن التثنية والجمع أغنت عن ذلك. فهذا التفصيل الذي أجمله / المصنف في هذه المسألة.
وأما الخلاف فإن الكوفيين ذهبوا إلي أنه لا يلزم انفصال الضمير إلا إذا خيف لبس أو لم تتكرر الصفة، فإن تكررت أو أمن اللبس لم يلزم انفصال الضمير، فيجيزون في: زيد حسنة أمه عاقله هي، وفي: زيد هند ضاربها

هو، أن لا تأتي بالضمير منفصلا، فتقول: زيد حسنة أمه عاقله، وزيد هند ضاربها؛ لأن الصفة تكررت في المثال الأول، واللبس قد أمن في المثال الثاني. وسيأتي الكلام علي تمام هذه المسألة والاستدلال للمذهبين في باب الابتداء عند تعرض المصنف لها إن شاء الله.
وقد ناقض المصنف كلامه هنا بكلامه في باب المبتدأ؛ لأنه ذكر هنا أنه يتعين انفصال الضمير إذا جرت الصفة علي غير صاحبها، وفي باب الابتداء ذكر أنه "قد يستكن الضمير إذا لم يلبس وفاقا للكوفيين" انتهي. فعلي هذا قد استثني حالة لم يستثنها هنا، وهو إذا أمن اللبس.
وقوله: أو أضمر العامل أنشد المصنف شاهدا علي ذلك قول الشاعر:
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
ولم يبين المصنف الفعل المضمر الذي انفصل الضمير لإضماره، وظاهر كلامه أنه أضمر فعلا يفسره قوله: "لم ينفعك"، ولا يصح ذلك لأنه لو حمل أنت علي الببي المرفوع الذي هو "علمك" لأدى إلي تعدى فعل المضمر المتصل إلي ضميره المتصل؛ ألا ترى أنك لو وضعت "أنت" مكان "علمك" لكان التقدير: فإن لم تنفعك. ولا يجوز حمله أيضا علي الكاف في "ينفعك" لأنه لو فعل ذلك لنصب، فقال: فإن إياك.
وإذا امتنع أن يحمل "أنت" علي "علمك" وعلي الكاف لما ذكرناه، فاختلف الناس في تخريجه:
فذهب الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وبعض شيوخنا إلى أنه

فاعل بفعل محذوف يفسره المعني، ويدل عليه، والمسألة خارجة من باب الاشتغال، كأنه قال: فإن ضللت لم ينفعك علمك، فأضمر ضللت لفهم المعني، وبرز الضمير لما حذف الفعل.
وخرجه السهيلي علي وجهين:
أحدهما: أن يكون "أنت" مبتدأ، وذلك علي ما أجازه س من جواز الرفع بالابتداء بعد أداة الشرط و "إذا" إذا كان في الجملة التي هي مطلوب الشرط فعل هو خبر، نحو: إن الله أمكنني من فلان. والذي سهل هذا وجود الفعل في الجملة الشرطية، فكأن حرف الشرط لم يعدم الفعل وإن وليه الاسم المبتدأ.
والوجه الثاني: أن يكون "أنت" في موضع نصب، وهو مما وضع فيه الضمير المرفوع موضع الضمير المنصوب، كما وضعوا المنصوب موضع المرفوع، قالوا: لم يضربني إلا إياه، وفي الحديث: "من خرج إلي الصلاة لا ينهزه إلا إياها"، وفي المحكي من كلام العرب: إذا هو إياها، وإذا هي إياه.
وقوله: أو أخر مثاله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}.

وقوله: أو كان حرف نفي مثاله: {ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ}، {وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}، وقال الشاعر:
إن هو مستوليا علي أحد إلا علي أضعف المجانين
/ وقوله: أو فصله متبوع مثاله: جاء عبد الله وأنت، وقوله تعالي: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ}، وقوله: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ}. ومثل س أيضا بقوله: كنا وأنتم ذاهبين، وأنشد:
مبرأ من عيوب الناس كلهم فالله يرعي أبا حرب وإيانا
وأنشد غيره:
ولكني خشيت علي عدي سيوف القوم أو إياك حار
وقد خالف في ذلك بعض أصحابنا، فقال: "وقال: الانفصال في

وإيانا أو إياك في البيتين لم يجز إلا الضرورة لأجل الوزن؛ لأنه لا يقدر علي الاتصال، فإنما فصل ضرورة، ولو كان في الكلام لم يجز، خلافا لسيبويه" انتهي. وقد رددنا هذا القول في باب العطف.
وقوله: أو ولي واو المصاحبة مثاله قوله:
فآليت لا أنفك أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدي
وقال الآخر:
فكان وإياها كحران لم يفق .............................
وقوله: أو إلا {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّآ إِيَّاهُ}، وقال:
قد علمت سلمي وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا
ويأتي الكلام في الضمير الواقع بعد إلا بعيد هذا، إن شاء الله.
وقوله: أو إما مثاله: قام إما أنا وإما أنت، وقال الشاعر:

بك أو بي استعان فليل إما أنا أو أنت ما ابتغي المستعين
وقوله: أو اللام الفارقة مثاله: إن ظننت زيدا لإياك، وقال الشاعر:
إن وجدت الصديق حقا لإيا ك، فمرني، فلن أزال مطيعا
وقال المصنف: "وقال الأخفش في كتاب المعاني بعد أن مثل بإن كان زيد لصالحا: فإن جئت في هذا القياس بفعل لا يحتاج إلي مفعول أوقعت اللام علي اسم الفاعل، فقلت: إن قام لزيد، وإن كان الاسم مضمرا قلت: إن قعد لأنا، إذا لم تصل إلي التاء جعلتها أنا إذا عني المتكلم نفسه، وأنت إذا عني غيره، وكذلك: إن قام لنحن" انتهي. وكذا قال في النسخة الوسطي من نحوه. وهذا لا يتم إلا علي مذهب الكوفيين حيث جوزوا ذلك، ووافقهم الأخفش علي ذلك، وتويزهم ذلك هو علي تأويل أن "إن" نافية، واللام بمعني إلا.
وأما علي مذهب جمهور البصريين فلا يجوز ذلك عندهم إلا في الفعل الناسخ للابتداء؛ لأنها عندهم "إن" المخففة من الثقيلة، فلا تدخل إلا علي الابتداء أو ناسخه، وسيأتي الكلام علي ذلك في باب "إن"، إن شاء الله.
وقوله: أو نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتفقا ربتة احترز بقوله: "غير/ مرفوع" من قولهم: ظننتني قائما، فإن الضمير الذي هو "ني" نصبه عامل في مضمر، لكن ذلك المضمر مرفوع، وقد اتفقا - أعني التاء

و"ني" - في كونهما ضميري متكلم، ولا يتعين انفصال "ني"، بل ولا يجوز. وكذلك: زيد ظنه قائما، قد عمل ظن في مضمر مرفوع، وهو الفاعل المستكن في ظن وفي معمول منصوب، وقد اتفقا رتبة، ومع ذلك لا يجوز فصل الضمير المنصوب.
ومثال اتفاق ما ذكر رتبة: علمتني إياي، وعلمتك إياك، وزيد علمته إياه، ومال زيد أعطيته إياه. ومعني علمتك إياك: أنت في علمي الآن كما كنت من قبل. فانفصال الضمير في هذه المسائل متعين.
وقوله: وربما اتصلا غائبين إن لم يشتبها لفظا قال المصنف: "فإن غاير الغائب الأول الغائب لفظا جاز اتصاله علي ضعب، فمن ذلك ما روي الكسائي من قول العرب: هم أحسن الناس وجوها وأنضرهموها، ومنه قول مغلس بن لقيط:
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهماها، يقرع العظم نابها"
انتهي ما شرح به المصنف هذه المسألة والتي قبلها.
وفيما قاله المصنف تفصيل وانتقاد.
أما التفصيل فنقول: إذا اتفقا رتبة فإما أن يكونا ضميري متكلم، أو ضميري مخاطب، أو ضميري غائب؛ فإن كانا ضميري متكلم فالانفصال

نحو: مَنَحْتَني إياي، ويقبح أن يقول: منحتنيني.
وإن كانا ضميري مخاطب فالاختيار الانفصال، ويجوز الاتصال علي ضعف، فتقول: أعطيتكما إياكما، وأعطيتكن إياكن. ويجوز الاتصال، فتقول: أعطيتكما كما، وأعطيتكنكن. هذا مذهب أصحابنا والكسائي، ومنع الاتصال الفراء.
وإن كانا ضميري غائب فإما أن يتحدا رتبة أو يختلفا. إن اتحدا رتبة فكضميري المخاطب، فعلي مذهب أصحابنا والكسائي يختار الانفصال، فتقول: زيد الدرهم أعطيته إياه. ويجوز ضعيفا الاتصال، فتقول: أعطيتهوه. ومنع الفراء الاتصال، وزعم أنه غير مسموع من كلام العرب.
وإن اختلفا رتبة كأن يكون أحدهما مفردا والآخر مثني أو مجموعا، أو أحدهما مذكرا والآخر مؤنثا، فالفصل هو الكثير، فتقول: هند الدرهم أعطيتها إياه، وأعطيته إياها، ويجوز: أعطيتهوها، وأعطيتهاه.
وقال س: "فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه جاز، وهو عربي، ولا عليك بأيهما بدأت من قبل أنهما كلاهما غائب، وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم، والكثير في كلامهم أعطاه إياه" انتهي كلام س. وفيه حجة لأصحابنا أنه يجوز الانفصال والاتصال في الغائبين مطلقا سواء اتحدت الرتبة أم اختلفت لقوله: "والكثير في كلامهم أعطاه إياه" فمثل أولا بالمتحد ثم ثانيا بالمتخلف.
وأما الانتقاد فإنه استدل علي وصل الثاني من الغائبين إذا اختلفت الرتبة بقول الشاعر ببيت مغلس "لضغمهماها" وبما روى الكسائي،

وأصحابنا ذكروا ذلك في مسألة كون أحد الغائبين مخفوضا، وهو مثله في الغيبة، فإنه لا يجوز عندهم إلا الانفصال، نحو قولك: هند زيد عجبت من ضربه إياها. قالوا: ولا يجوز "من ضربهيها" إلا في ضرورة، وأنشدوا بيت مغلس، أو في نادر كلام، وذكروا ما روي الكسائي، وغر / المصنف في الاستدلال ببيت مغلس علي جواز الاتصال علي ضعف إنشاد س إياه عقب قوله: "والكثير في كلامهم أعطاه إياه"، قال س بعد هذا: "علي أن الشاعر قد قال" وأنشد البيت. قال ابن خروف قوله: "علي أن الشاعر قد قال" متعلق بفعل يفسره ما قبله، وكأنه في معني التفات؛ لأنه لمخفوض كثر غيره. ويأتي الكلام إذا كان أحد الضميرين مخفوضا، إن شاء الله.

-[ص: وإن اختلفا رتبة جاز الأمران، ووجب في غير ندور تقديم الأسبق رتبة مع الاتصال، خلافا للمبرد ولكثير من القدماء، وشذ: إلاك، فلا يقاس عليه.]-
ش: اختلافهما رتبة كأن يكون أحدهما ضمير متكلم والآخر ضمير مخاطب أو غائب، أو يكون ضمير مخاطب والآخر ضمير غائب، فإذا كانا كذلك فيجوز الاتصال والانفصال في الثاني، وأما ما ولي الفعل فلا يكون إلا متصلا، هذا شرح قوله: "وإن اختلفا رتبة جاز الأمران".
ولا يخلو الذي يلي الفعل من أن يكون أقرب من الآخر أو أبعد. فإن كان أقرب جاز في الثاني الاتصال والانفصال، نحو: زيد ظننتك إياه، والدرهم أعطيتك إياه، وزيد ظننتكه، والدرهم أعطيتكه، وزيد ظننتنيه، وظننتني إياه، والدرهم أعطيتنيه، وأعطيتني إياه، ولم يذكر س في هذا إلا

الاتصال، وذكر غيره الانفصال.
واختلفوا عن س، ففهم السيرافي أن س لا يجيز الانفصال في أعطانيه، وإن كان هو الوجه في: أعطاه إياه. ويمكن أن يكون هذا الفهم عن لحطه فرقًا بين أعطانيه وبين أعطاه إياه، وهو أن ضمير المتكلم وضعه أن يلي الفعل بعد الفاعل، ولا يُفضل بينه وين الفعل، لا يقال: أعطاهني، فجاء كالفاعل، فكأنه لم يُفضل الفعل عن طلبه للثاني. ويليه في ذلك ضمير المخاطب، بخلاف الغائب، إلا أن هذا لا يقوى أن يوجب في هذا ما ضعف في ذلك.
وأما الأستاذ أبو علي فلم يتلفت شيئًا من هذا، وارتكب أن الأفصح: أعطاني أياه، مثل ما هو الأفصح: أعطاه إياه، لا فرق، وجعل قول س: "ولم تستحكم العلامات ههنا" الفصل راجعًا إلى جميع ما تقد لا لأعطاه خاصةً.
وإن كان الذي يلي الفعل أبعد من الآخر ففي ذلك أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب س، وهو أنه لا يجوز إلا الانفصال، نحو: زيدٌ ظننته إياك، والدرهم أعطيته إياك، ولا يجيز: ظننتهوك، ولا أعطيتهوك.
الثاني: مذهب طائفة من قدماء النحويين، وتبعهم أبو العباس، وهو أنه يجوز الانفصال والاتصال، والانفصال أحسن.
الثالث: مذهب الفراء، وهو أنه لا يجوز عنده إلا الانفصال، إلا أن

يكون ضمير مثنى أو ضمير جماعة من المذكرين، فيجيز إذ ذاك الاتصال والانفصال، والانفصال أحسن، نحو: الدرهمان أعطيتهماك، والغلمان أعطيتهموك، والزيدان ظننتهماكما، والزيدون ظنتهموكم.
الرابع: مذهب الكسائي، وهو كمذهب الفراء إلا أن الكسائي يُجيز الاتصال إذا كان الأول ضمير جماعة المؤنثات، نحو قولك: الدراهم أعطيتهنكن، والذي ورد به السماع، وتكلمت به العرب، هو ما ذهب إليه س.
وقوله: ووجب/ في غير ندورٍ تقديم الأسبق رتبةً مع الاتصال يعني أنه إذا كان الثاني متصلًا فلا يجوز إلا تقديم الأسبق. يعني ضمير المتكلم على ضمير المخاطب وعلى ضمير الغائب، وضمير المخاطب على ضمير الغائب، فتقول: يا غلام أعطانيك زيدٌ، والغلام أعطانيه زيدٌ، ويا زيد الغلام أعطاكه زيدٌ، ولا يجوز: أعطاكني، ولا أعطاهوني، ولا أعطاهوك.
وأشار بقوله: "في غير ندور" إلى ما رُوي من قول عثمان رضي الله عنه: "أراهمني الباطل شيطانًا"، فقدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم مع الاتصال، والقياس المسموع "أرانيهم"، لكن لتقديمه في كلام عثمان وجهٌ، وهو أن "أراني" هذه هي منقولة من "أي"، والفاعل هو ضمير الجمع الذي صار مفعولًا بدخول همزة النقل، فلو تقدم ضمير المتكلم لأوهم أنه هو الذي كان فاعلًا قبل دخول همزة النقل، لكن كان ينبغي إذ تقدم ضمير الجمع أن ينفصل ضمير المتكلم، فكان يكون: أراهم إياي الباطل شيطانًا.

وقوله: خلافًا لمبرد ولكثيرٍ من القدماء يعني فإنهم يُجيزون الاتصال والانفصال، وقد ذكرنا ما في المسألة من الخلاف.
وقوله: وشذ "إلاك" فلا يُقاس عليه مجيء هذه المسألة هنا غير مناسب، وكان يناسب أن تكون بجنب قوله: "أو إلا" حي ذكر أن الضمير ينفصل إذا ولى إلا. وأشار بقوله "إلاك" إلى قول الشاعر:
وما علينا إذا ما كنت جارتنا أن لا يجاورزنا الاك ديار
وأكثر النحويين على أن اتصال الضمير بعد إلا هو ضرورة؛ لأن "إلا" ينفصل بعدها الضمير. وبهذا استدل على أن إلا غير عاملة؛ إذ لو كانت عاملة النصب في المستثنى لاتصل بها الضمير كما اتصل في إنك وأخواتها، فاتصال الضمير بها ضرورة، وهذا مذهب البصريين، وظاهر كلام غيرهم أنه لا يختص بالشعر.
قال صاحب "الواضح" مستدلًا لقول الفراء إن "إلا" مركبة من "إن" و "لا" فخففت "إن" وأدغمت النون في "لا" التي للعطف، فإذا جاء

بعدها منصوبٌ فالنصب ل "إن"، أو غير منصوب فعلى العطف ب "لا". قال: "والدليل على أن الأصل لإن وأنها تعمل عمل الفعل هنا قول العرب: قام القوم إلاك، وصلوا الكاف بإلا تغليبًا لعمل إن في الأصل. وقال بعضهم: قام القوم إلا أنت، فعطف بإلا، وأبطل عمل إن" فانظر قول صاحب الواضح: "قول العرب: قام القوم إلاك"، فلو كان هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر لما استدل به، ولا أطلق أنه قول العرب.
وقال المصنف في الشرح: "ومن حكم على إلا أنها عاملةٌ لم يعد هذا من الضرورات، بل جعله مراجعةً لأصلٍ متروك، ويعتذر عن مثل "ما قاموا إلا إياك" وكون الاستعمال استمر بالانفصال، والأولى به الاتصال انتهى.
وثبت في بعض النسخ القديمة من هذا الكتاب بعد قوله: "وشذ إلاك فلا يقاس عليه" ما نصه: "ولا يجوز حتاك، خلافًا لابن الأنباري فيهما" انتهى.
وقال المصنف في شرحه: "وأما ما أجاز ابن الأنباري من أن يقال حتاك فلا مسوغ له إلا أن إن جعلت حتى جارة/، وذلك أيضًا مفتقر إلى نقلٍ عن العرب؛ لأن العرب استغنت مع المضمر بإلى عن حتى، كما استغنت بمثلٍ عن كاف التشبيه، وقد ندر دخول الكاف على ضمير الغائب، ولم يرد دخول حتى على ضمر أصلًا" انتهى كلامه في الشرح.
فأما ما زعم من أن ابن الأنباري أجاز حتاك فقد أجازه قبله هشام والفراء. قال الفراء: قام القوم حتى أنت، وضربت القوم حتى إياك. قال: ولا يجوز "حتاك" وأنت تنصب بالفعل، فإن نصبت بحتى - وهو كالنسق -

جاز حَتَّاك، وكذلك: مررت بالقوم حتى بك. وأجاز هشام: ضربت القوم حتاك. ومعنى قول الفراء "ولا يجوز حتاك. ومعنى قول الفراء "ولا يجوز حتاك وأنت تنصب بالفعل" يعني وأنت تُقدر بعد حتى الفعل، فيكون التقدير: حتى ضربتك؛ لأنه لما حذف العامل انفصل الضمير، فإذا جعلت حتى عاطفة جاز أن يكون الضمير متصلًا، فتقول: حتاك.
وقول المصنف "إلا أن جعلت حتى جارة، وذلك أيضًا مفتقر إلى نقلٍ عن العرب". وقوله "ولم يرد دخول حتى على ضمير أصلًا" انتهى. يعني ضمير جر، قد ذهب إلى كونها تجر المضمر أبو العباس، ووجد السماع عن العرب في ذلك، وأنشدوا عن العرب:
فلا والله لا يلقى أناسٌ فتى حتاك يابن ابي يزيد
وسيأتي ذلك في باب حروف البحر، إن شاء الله.

-[ص: ويختار اتصال نحو هاء: أعطيتكه، وانفصال الآخر من نحو: فراقيها ومنعكها وخلتكه. وكهاء أعطيتكه هاء نحو كنته. وخلف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدًا درهمًا في باب الإخبار. ونحو: ضمنت إياهم الأرض، ويزيدهم حبًا إلى هم، من الضرورات.]-
ش: إذا كان الفعل مما يتعدى إلى اثنين، وليس من أفعال القلوب، وكان الأول ضمير متكلم أو مخاطب، والثاني ضمير غائب، نحو: الدرهم أعطيتنيه أو أعطيتكه، فذكر المصنف أنه يختار الاتصال في ضمير الغائب، قال تعالى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا}، {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ

كَثِيراً}. وقد تقدم لنا أن الأستاذ أبا علي ارتكب أن الأفصح "أعطاني إياه" بالانفصال، وهو مخالف لاختيار هذا المصنف.
وقال المصنف في الشرح: وظاهر كلام س أن الاتصال لازمٌ. ويدل على عدم لزومه قول النبي صلى الله عليه وسلم "فإن الله ملككم إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم" انتهى.
وقال س: "فإذا كان المفعولان اللذان تعدى إليهما فعل الفاعل مخاطبًا وغائبًا، فبدأت بالمخاطب قبل الغائب، فإن علامة الغائب العلامة التي لا تقع موقعها إيا، وذلك قوله: أعطيتكه، قال الله جل وعز: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}، فهذا هكذا إذا بدأت بالمخاطب قبل الغائب" انتهى.
وقوله: وانفصال الآخر في نحو: فراقيها ومنعكها وختلكه. أما فراقيها ومنعكها فهو إشارة إلى ما كان من الضمير منصوبًا بمصدرٍ مضافٍ إلى مضمر قبله هو فاعل أو مفعول أول، أو باسم فاعلٍ مضافٍ إلى/ ضميرٍ هو مفعول أول، فالأول نحو: زيدٌ عجبت من ضربيه أو من ضربكه. ويجوز الانفصال، وهو أحسن، فتقول: من ضربي إياه أو من ضربك إياه. ومن ضربيك، ويجوز: ضربي إياك، قال الشاعر في الاتصال:

وإن كان حُبيك لي كاذبًا فقد كان حُبيك حقًا يقينا
وقال الآخر:
تعزيت عنها كارهًا، فتركتها وكان فراقيها أمر من الصبر
ومثال الثاني قول الشاعر:
فلا تطمع - أبيت اللعن - فيها فمنعكها بشيءٍ يُستطاع
ومثال الثالث قوله:
لا ترج أو تخش غير الله إن أذى واقكيه الله لا ينفك مأمونا
قال المصنف في الشرح: "فإنما المختار في هذه الثلاثة وأمثالها الانفصال، ولكنه تُرك واستعلم الاتصال لأن الوزن لم يتأت إلا به" انتهى كلامه. ودل على أنه إنما استُعمل الاتصال لأجل الوزن، فصار شبيهًا بالضرورة، وليس كذلك، بل الاتصال عربيٌ، وإن كان الانفصال هو الكثير.

هذا مفهوم كلام س.
ومثل المصنف بـ "فراقيها"، "منعكها"، وهو ما أضيف إليه المصدر مما هو أقرب رتبة من الذي بعده وهو فاعل أو مفعول أول؛ لأنه إن كان مضافًا لما هو أبعد رتبةً من الضمير بعده فالفضل ليس إلى، نحو: زيدٌ عجبت من ضربه إياك، ولا يجوز: من ضربهيك. وإن تساويا في القرب أو البعد فالانفصال نحو: هندٌ زيدٌ عجبت من ضربه إياها، ولا يجوز: من ضربهيها، إلا في ضرورة، نحو:
........................... لضغمهماها .......................
أو في نادر كلام نحو: "هُم أحسن الناس وجُوهًا وأنضرهموها". وإن لم يكن فاعلًا ولا مفعولًا أول، والضمير ضمير رفع، انفصل ما بعد المخفوض نحو: زيدٌ عجبت من ضربك هو، وعجبت من ضري أنت.
وقوله: وخلتكه يعني إذا كان الثاني مفعول أحد أفعال القلوب فالانفصال به أولى لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوبٌ آخر.
وهذا الذي ذهب إليه في اختيار الانفصال في مثل هذا قد خالفه في الألفية التي له، فاختار في ذلك الاتصال، قال:
وصل أو افصل هاء "سلنيه" وما أشبهه في "كنته" الخلف انتمى
كذاك "خلتنيه" واتصالا أختار، غيري اختار الانفصالا

وقد رددنا عليه ذلك في كتابنا المسمى ب "منهج السالك في شرح ألفية ابن مالك".
وقد نص س على أن الانفصال هو الوجه، وقال س: "وتقول حسبتك إياه، وحسبتني إياه؛ لأن حسبتنيه وحسبتكه قليلٌ في كلامهم". وعلل س في كتابة كثرة انفصال الضمير وقلة اتصاله/ بما يُوقف عليه في كتابه.
ومن الانفصال قوله:
أخي، حسبتك إياه، وقد ملئت أرجاء صدرك بالأضغان والإحن
ومن الاتصال قوله:
بلغت صُنع امرئ هوٍ إخالكه إذ لم يزل لاكتساب الحمد مُبتدرا
وقوله: وكهاء أعطيتكه هاء نحو كنته يعني أن الاتصال فيها أفصح من الانفصال. وهذا الاختيار اتبع فيه الرماني وأبا الحسين بن الطراوة.
وقال في الشرح حين ذكر انفصال مثل "خلتكه" وأنه أفصح لكونه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر، قال: "بخلاف هاء كنته، فإنه خبر مبتدأ في الأصل، ولكنه شبيهٌ بهاء ضربته من أنه لم يحجزه إلا ضميرٌ مرفوع، والمرفوع جكزءٍ من الفعل، فكأن الفعل مباشرٌ له، فكان مقتضى هذا أن لا ينفصل كما لا تنفصل هاء ضربته، إلا انه أجيز الانفصال

فيه مرجوحًا خلافًا ل "س" ومن تبعه.
دليلنا على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن المشار إليه ضميرٌ منصوب بفعل لا حاجز له إلا ما هو كجزءٍ منه، فأشبه مفعولًا لم يحجزه من الفعل إلا الفاعل، فوجب له من الاتصال ما وجب للمفعول الأول، فإن لم يُساوه في الاتصال فلا أقل من أن يكون اتصاله راجحًا.
الثاني: أن الوجهين مسموعان، فاشتركا في الجواز، إلا أن الاتصال ثابتٌ في النظم والنثر، والانفصال لم يثبت في غير استثناءٍ إلا في نظم، فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال. ومن الوارد منه متصلًا دون ضرورةٍ قول الشاعر:
كم ليثٍ اعت لي ذا أشبلٍ غرثت فكأنني أعظم الليثين إقداما
قال: "فكأنني" مع تمكنه من أن يقول: فكنته أعظم الليثين إقدامًا على جعل "أعظم" بدلًا من الضمير ومفسرًا له، كما قالوا: "اللهم صل عليه الرؤوف الرحيم".
ومن الوارد منه في النثر قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: "إياك أن تكونيها يا حميراء"، وقوله لعمر في ابن صيادٍ "إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلا يكنه

فلا خير لك في قتله". ومن ذلك قول بعض العرب: "وعليه رجلًا ليسني". وقال س: "وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني". وقال س: "وكذلك كأنني" هذا نصه. ولم يحك في الانفصال نثرًا إلا قولهم في الاستثناء: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياك. وهذا يتعين انفصاله في غير الضرورة لأن ليس ولا يكون فيه واقعان موقع إلا، فعومل الضمير بعدهما معاملته بعدها، فلا يُقاس على ذلك ما ليس مثله.
والاتصال في قوله:
إذ ذهب القوم الكرام ليسي
من الضرورات لأنه استثناء، ولو لم يكن استثناءً لكان الاتصال أولى الانفصال كما تقرر" انتهى كلامه في الشرح.
وترجيحه/ للاتصال وما ادعاه من أن الاتصال في "كان" هو المختار مخالفٌ لما نقل س عن العرب، والعجب له أنه يأخذ من كلام س ما يدل على الاتصال، ويجعله دليلًا على اختيار الاتصال، ويترك النصوص التي أخبر فيها س عن العرب بأن الانفصال هو المختار، وأن الاتصال لا يكادون يقولونه، إلا أن بعضهم أخبره بأن بعض العرب نطق به متصلًا. قال س بعد أن ذكر أن الانفصال في: ضربي إياك، وكان إياه، وليس إياه، هو

المستحكم، وأن الاتصال ليس بمستحكمٍ، وبعد أن ذكر أن حسبتنيه، وحسبتكه قليلٌ في كلامهم، قال س: "وذلك لأن حسبت بمنزلة كان، إنما يدخلان على المبتدأ والمبني عليه، فيكونان في الاحتياج على حال، ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبات بعد حسبت بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد ليس وكان. وكذلك الحروف بمنزلة حسبت وكان؛ لأنهما إنما يجعلان المبتدأ أو المبني عليه فيما مضى يقينًا أو شكًا، وليس بفعل أحدثته منك إلى غيرك كضربت وأعطيت" انتهى. وهذا يدل على تسوية س بين حسب وكان، وقد قدم قبل أن الكلام: كان إياه، وليس إياه، وحسبتك إياه.
وقال س أيضًا وقد ذكر: عجبت من ضربي إياك، وأن العرب قد تكلم به متصلًا، قال: "ومثل ذلك: كان إياه؛ لأن كأنه قليلة، ولم تستحكم هذه الحروف هنا، لا تقول: كأنني، ولا ليسني، ولا كأنك، فصارت إيا ههنا بمنزلتها في: ضربي إياك". ثم قال س بعد ذلك: "وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون ليسني، وكذلك كأنني". فانظر لتصريح س هنا بأنك لا تقول: كأنني، ولا ليسني، ولا كأنك، وأن إياك صارت هنا بمنزلتها في: ضربي إياك. ثم قال: "وبلغني" إلى آخره. ويعني بقوله "لا تقول كانني" إلى آخره يعني: لأن كلام العرب هو بالانفصال، ولما كان الاتصال قليلًا جدًا - كما قال - لأن كانه قليلةٌ احتاجن إلى إسناد ذلك بالرواية، وأنه لم يسمع ذلك من العرب، إنما بلغه ذلك بلاغًا عن الموثوق بهم إذ كان المسموع المشهور لا يحتاج إلى استدلال، إنما يستدل على الغريب القليل.
وأعجب لهذا المصنف كيف ادعى أن الاتصال ثابتٌ في النثر والنظم، وأن الانفصال لم يثبت في غري استثناء إلا في نظم، وهذه مكابرةٌ عظيمة، س

يقول: كلام العرب الانفصال، وأما الاتصال فقليلٌ حتى إنه لم يسمعه منهم، إنما بلغه شيء من ذلك عن بعضهم. وهذا المصنف يقول لم يثبت إلا في نظم، ثم أخذ يستدل بوجود ذلك في النثر بإخبار س أن ذلك بلغه عن بعضهم بعد أن ذكر س أن كلام العرب على الانفصال. ومعذورٌ المصنف في ذلك، فإنه قليل الإلمام بكتاب س، وكأنه يلتمح منه شيئًا ببادي النظر، فيستدل به من غير تتبعٍ لما قبله ولما بعده، وكم شيءٍ فاته من علم س لقلة إلمامه به، وسترى ذلك في هذا الكتاب، إن شاء الله.
وأما استدلاله أولًا على اختيار الاتصال بشبهه بضربت/، وأنه لا حاجز بينهما إلا الفاعل، فهو مُنتزعٌ من كلام س حيث شبه كان بضرب في جواز الاتصال، فقال: "وتقول كناهم كما تقول ضربناهم"، ولكن تشبيه اسم كان وخبرها بمفعولي حسبت أقوى كما قال س. وذكر قوة الشبه، وأشار إليها، وهو أنه لا يُقتصر على الاسم الذي يقع بعد كان وحسبت، كما لا يُقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبان بعد حسبت كالمرفوع بعد ليس وكان. فهذا من س تشبيهٌ قويٌ. وذكر أخيرًا أنهما ليسا كضربت وأعطيت.
وقول المنصف: "فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال" فهذه مكاذبة ل "س" حيث قال: "لأن كأنه قليلة". وقول المصنف: "ومن الوارد منه متصلًا دون ضرورة"، وإنشاده البيت الذي فيه:
...................... فكأنني أعظم الليثين إقداما
فولا أن س نقل جواز الاتصال قليلًا لكان هذا البيت يُدعي فيه أنه ضرورة؛ لأن لا يتزن إلا كذا.
وأما قول المنصف: "إنه متمكن من أن يقول فكنته أعظم" فكل ضرورة

هكذا، يمكن أن يبدل بها الشاعر لفظًا آخر لا يكون ضرورة، وليس حكم الضرورة في اصطلاح النحاة هذا الذي ذَكره، وقد بحثنا هذا في "كتاب التكميل"، وأمعنا الكلام في ذلك.
وأما قول المصنف: "يقول: فكنته أعظم، ويجعل أعظم بدلًا من الضمير مفسرًا له" فهذه مسألة خلاف، والجمهور لا يُجيزون أن يكون البدل يُفسر الضمير.
وأما استدلاله بما ورد في الحديث فقد تكلمنا معه في هذه المسألة في كتاب التكميل، وأطلنا الكلام فيها، وبينا العلة التي من أجلها لم يستدل النحاة على تقرير الأحكام النحوية بما ورد في الحديث.
وفي البسيط: "الأحسن الفصل. وسمع:
فإلا يكنها، أو تكنه ... ...................................
البيت". وقال الوليد بن عتبة:
..................... وشر الظالمين فلا تكنه

وحكى: عليه رجلًا ليسني. وكذلك: كأنني. وتقول عليه: كنته وكانه وكنتك. وإذا كان هذا في الفعل - يعني الفصل - أحسن، فلا يكون - يعني الاتصال - في مصدر ما يكون لها ذلك، فلا تقول: عجبت من كونكه. وإذا جوزنا اتصالهما فهل يجوز مع الاتفاق في النوع والمعنى، فتقول: كنتك فيمن قال: أنت أنت، كما تقول: حسبتني؟ الظاهر من تعليل س أنه لا يجوز؛ لأنه إنما جاز في حسبتُني لكون الأول كالمتروك والاعتماد فيها على المفعولين، ولا يكون الأول هنا متروكًا، فهو كالفاعل في ضربت، فلا يجوز إلا النفس.
وقال في البديع في باب الاستثناء: ومتى اتصل المضمر المنصوب بهما فلا يكون إلا منفصلًا في الأكثر، تقول: أتاني القوم ليس إياك، ولا يكون إياك. وقد جاء المتصل قليلًا نحو: ليسني وليسك وليسي. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد الخيل: "ما وصف لي شيءٌ في الجاهلية، فرأيته في الإسلام، إلا ورأيته دون الوصف ليسك" يريد: إلا إياك.
وقال في الغرة: إذا كان اسمها وخبرها ضميرين فالأولى أن يجئ الخبر منفصلًا لأنه على كل حالٍ خبر الابتداء، ومع أنه القياس فأكثر ما ورد متصلًا، قال في المنفصل:

ليت هذا الليل شهرٌ لا نرى فيه عريبا
ليس إياي وإيا ك، ولا نخشى رقيبا
وقال في المتصل
فلو كنت القيل، ولا تكنه لقد علمت معدٌ ما أقول
وقال:
تنفك تسمع ما حييـ ـت بهالكٍ حتى تكونه
وقال:
كأن لم يكنها الحي إذ أنت مرةً بها ميت الأهواء مجتمع الشمل
وقال:
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها
وقال:
فلما رأى برقًا أتى دون لمعه منازل من دهماء كانت تكونها
وقوله: وخلف ثاني مفعولي أعطيت زيدًا درهمًا في باب الإخبار. مثال ذلك إذا أخبرت عن الدرهم: الذي أعطيته زيدًا درهمٌ، فاختار المصنف الاتصال، وهو رأي المازني. واختار غيره الانفصال، فيقول: الذي

أعطيت زيدًا إياه درهمٌ، وهذا جارٍ على قاعدة الإخبار من أنك تضع موضع الذي قيل لك أخبر عنه ضميرًا مطابقًا له في الإعراب والتذكير والتأنيث والإفراد وفرعيه.
وأما رأي المازني - وهو اختيار الاتصال - فإنه لا يمكن إلا بعدم مراعاة موضع المخبر عنه؛ لأنه لابد أن يتصل بالفعل، فلذلك كان الأولى عندنا انفصاله.
ويرجح قول غير المازني وجوب الانفصال إذا كان مفعول أعطيت الثاني لا يُعلم كونه ثانيًا إلا بالرتبة، نحو: أعطيت زيدًا عمرًا، فإنك تقول: الذي أعطيت زيدًا إياه عمروٌ، فإذا تعين فيما يعلم كونه ثانيًا ليجري الباب كله على سنن واحد، ولذلك نظائر.
وقوله: ونحوه: ضمنت إياهم الأرض، و: يزيدهم حبًا إلى هم، من الضرورات. أما الأول فيمن قول الشاعر:
بالوارث الباعث الأموات قد ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير
لولا الضرورة لقال: ضمنتهم؛ إذ لا موجب لانفصاله ولا مجوز، وهذا نظير:
إليك حتى بلغت إياكا
وأما الثاني فمن قول الشاعر، أنشده المصنف:

وما أصاحب من قومٍ فأذكرهم إلا يزيدهم حبًا إلى هم
فـ "هم" فاعل بـ "يزيد"، ولو اتصل لقال: إلا يزيدونهم. وهذا البيت في الحماسة صدره مخالفٌ لما أنشده المصنف، وهو:
لم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم
قال المنصف: "وظن بعضهم أن هذا جائزٌ في غير الشعر؛ لأن قائله لو قال: يزيدونهم، فيجعل المتصل - وهو الواو - فاعلًا، والمنفصل توكيدًا، لصح. وهذا وهم لأن ذلك جمعٌ بين ضميرين متصلين، أحدهما فاعلٌ، والآخر مفعولٌ، لمسمًى واحد، وذلك لا يكون في غير فعل قلبي"/ انتهى كلامه.
وهذا الذي ظنه هذا الظان صحيحٌ، وما رد به المصنف فاسدٌ ووهمٌ منه؛ لأنه اعتقد أن الفاعل ب "يزيد" هو المفعول به، وليس كذلك، بل الفاعل ب "يزيد" هو عائد على قوله: "قوم"، أو على قوله: "حيًا" على ما ثبت في الحماسة، وقوله: "هم" المتصل ب "يزيد" عائد على من سبق ذكره في الشعر من الذين فارقهم، وهو قولهك
وحبذا حين تمسي الريح باردةً وادي أشيً وفتيانٌ به هضم
ثم مدحهم بعد هذا بستة أبيات، ثم قال: لم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم. والشعر لزياد بن حمل بن سعيد بن عميرة بن حريثٍ العدوي، وبنو العدوية حيٌ من بني تميم، وكان قد أتى اليمن، فنزع إلى وطنه ببطن الرمث، وهو من بلاد تميم. فالمعنى: إلا يزيد الحي الملقيون المخبورون، أو القوم المصاحبون الذين ذكر أحبابه لأجل صحبتهم، أولئك المفارقين حبًا إلي،

وإذا كان المعنى على هذا صح أن يقال: "إلا يزيدونهم" لاختلاف مدلول الفاعل والمفعول؛ لأن الزائد غير المزيد.
ولبعض شيوخنا كلام على المضمرات بالنسبة إلى الاتصال والانفصال، أردنا أن لا نخلي الكتاب منه لأن فيه فوائد ما تضمنها كلام المصنف قال: المرفوع إن عمل فيه معنى انفصل، وذلك المبتدأ، أو لفظٌ هو هو انفصل، أو غيرهما: فعلًا اتصل، إلا إن فصلت إلا فينفصل، أو كان في معناها فينفصل في الشعر، وإذا اتصل، والفعل ماضٍ، برز، إلا المفرد الغائب مذكرًا أو مؤنثًا، أو أمرٌ برز في غير مفردٍ مذكر، أو مضارعٌ لمتكلم استتر، أو لمخاطبٍ فكذا لمفردٍ مذكر. أو صفةً لمن هي له استتر، أو لغيره برز في الأعراف. أو اسم فعلٍ استتر. أو مصدرًا نائبًا مناب الفعل استترن أو مناب أن والفعل انفصل، والوجه خفضه. أو حرفا انفصل.
والمنصوب إن نصبه فعلٌ - وهو كان - فالانفصال المختار - أو طن - وهو الأول، اتصل، والثاني كمفعول كان، أو غيرهما متعديًا إلى واحد اتصل، أو لاثنين، وهو أول، فكذلك، أوثانٍ، والأول محذوفٌ فكذلك، أو مذكورٌ، واجتمعا، وقدمت ما له الرتبة، اتصل لا غير، تقول: أعطيتكه، قال تعالى: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا}، أو ما رُتبته التأخير فالانفصال لا غير: أعطيته إياك، فإن كانا في درجة واحدة فالاختيار انفصال الثاني {وَعَدَهَا إِيَّاهُ}. ويجوز: أعطاهوها، وهو عربي، وليس وجه الكلام. أو اسم فاعل تعدى لاثنين جرى مجرى الفعل، أو لواحدٍ نحو: الضاربك والضارباك، ففيه

الخلاف. ويجري مجراه: حسن الوجه جميله، والحسن الوجه الجميلة. أو صدرٌ على من قال: "ضربًا زيدًا" تأتي به مُتصلًا، فتقولك ضربه، ويسقط التنوين لمكان المتصل كما في ضاربك. ويظهر لي أن خلاف الأخفش في الموضعين واحد، فالهاء في موضع نصب كما قال في: ضاربه وس يقول: في موضع خفض/ كما قال في ضاربه. أو اسم فعل اتصل: عليكه ورويده وعليكني، ومن العرب من يقول: عليك بي، ولو قال عليك إياي كان جائزًا، قاله س. أو حرفٌ وهو "إن" فالضمير متصل، أو "ما" فمنفصل. وما كان واجب الاتصال أو جائزه من المنصوب إذا تقدم وجب انفصاله.
وهذا عقد في الضمائر اتصالًا وانفصالًا ذكره بعض أصحابنا، قال: إذا تقدم العامل، أو فُصل بينهما بحرف عطفٍ أو إلا أو ما في معناها على الخلاف، انفصل. فإن كان غير ما ذكر، والعامل حرفٌ، لم يتصل إلا في إن وأخواتها. أو اسم مصدرٍ، منونٌ أو غير منون، مضافٌ لظاهرٍ أو لمضمر مثله، انفصل، وقد يتصل في المضمر الغائب إن اختلفا، إلا لم يجز. أو أقرب منه انفصل، أو أبعد جاز الاتصال، والانفصال أحسن وأفصح. واسم الفاعل واسم المفعول كذلك. أو اسم فعلٍ نحو: رويد فالاتصال عند س لا غير، وأجاز غيره الانفصال. أو ظرفٌ أو مجرورٌ فهما، أو فعلٌ متعد إلى واحد اتصل، أو إلى اثنين من باب أعطى - وهما غائبان من جنس واحد - فالانفصال أحسن، وأنكر الكوفيون الاتصال، وزعموا أن البصريين قالوه بالقياس، نحو: أعطيتهوه، وهو مسموع عن العرب. أو متكلمان أو مخاطبان

انفصل المتأخر منهما، أو مختلفان وتقدم الأقرب ف "س" لم يذكر إلا الاتصال، وذكر غيره الانفصال، أو الأبعد فالانفصال، ولا يجيز س أعطيتهوك، وحكي عن طائفة من النحويين جوازه، ورده. وزعم المبرد أن الصواب مذهبهم، وأجاز الكوفيون في التثنية والجمع، فقالوا: أعطيتهماكما وأعطيتهموكم، وأجاز الكسائي أعطيتهنكمن، ومنع الفراء الاتصال.
وإن كان الفعل ناسخًا - وهو كان - فالانفصال أحسن، خلافًا لابن الطراوة. أو "ظننت" فكأعطيت، إلا إن اختلفا، وتقدم الأقرب، فيختار فيه الانفصال. أو "أعلم"، والكل ضمائر، فحكم الأول والثاني حكم باب أعظيت، أو بعضٌ مضمرٌ وبعضٌ ظاهرٌ، والمضمر واحدٌ، وصلته، أو اثنان أول وثانٍ أو ثالثٌ فكأعطيتُ، أو ثانٍ وثالثٌ فكظننت.

-[ص: فصل
الأصل تقديم مفسر الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل، وهو إما مصرحٌ بلفظه، أو مستغني عنه بحضور مدلوله حسًا أو علمًا، أو بذكر ما هو له جزءٌ أو كلٌ أو نظيرٌ أو مصاحبٌ بوجه ما.]-
ش: ضمير المتكلم وضمير المخاطب تفسرهما المشاهدة، وأما ضمير الغائب فعارٍ عن المشاهدة، فاحتيج إلى ما يُفسره، وأصل المفسر في الضمير أن يكون ما يعود عليه متقدمًا، وقد خالف هذا الأصل في مواضع، تأتي إن شاء الله.
وقوله: ولا يكون غير الأقرب، أي: لا يكون مفسر ضمير الغائب غير الأقرب إلا بدليل، مثال ذلك قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ}، فالضمير في (ذريته) / عائد على إبراهيم لا على إسحاق ولا يعقوب؛ لأن المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها هو إبراهيم.
ومثال عوده على الأقرب قولك: لقيت زيدًا وعمرًا يضحك، فالضمير في يضحك عائد على عمرو، ولا يعود على زيد إلا بدليل، ولذلك استدل أبو محمد بن حزم على تحريم جميع الخنزير لحمه وشحمه وعروقه وغضاريفه وجلده وجميع ما اشتمل عليه بقوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ

رِجْسٌ} لما ألزم أن يقول بتحليل شحم الخنزير، فقال: الضمير في (فإنه) عائد على الخنزير لأن أقرب مذكور، وإنما ذكر اللحم أولًا لأنه هو المعهود أكله لم يأكله لا على جهة حصر التحريم فيه، ثم دل قوله (فإنه رجسٌ) من حيث عاد الضمير على أقرب مذكورٍ على تحريمه كله بسائر ما يحتوي عليه. وقد نوزع في عود الضمير هنا على أقرب مذكور، ولسنا الآن لتحقيق ذلك وإمعان الكلام فيه.
وقوله: وهو - أي المُفسر - إما مُصرحٌ بلفظه مثاله: زيدٌ لقيته، والتصريح بلفظ المفسر هو غالبٌ على ضمير الغيبة.
وقوله: أو مستغنيً عنه بحضور مدلوله حسًا مثله المصنف بقوله تعالى {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي}، و {يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ}. وليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما، فالضمير في (قال) عائد على (يوسف)، والضمير في (هي) عائد على قوله {بِأَهْلِكَ سُوَءاً}، ولما كنت عن نفسها بقوله {بِأَهْلِكَ} ولم تقل "بي"، كنى هو عنها بضمير الغيبة في قوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي}، ولم يخاطبها بقوله "أنت راودتني"، ولا أشار أليها بقوله "هذه راودتنى". وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستحياء من الخطاب الذي لا يليق بالأنبياء، فأبرز الاسم في صورة الضمير الغائب تأدبًا مع الملك وحياءً منه. وكذلك أيضًا قوله {يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ} عائد على موسى، فمفسره مصرحٌ بلفظه، وكأن المصنف تخيل أن

هذا موضع إشارة لكون صاحب الضمير حاضرًا عند المخاطب، فاعتقد أن المفسر يُستغنى عنه بحضور مدلوله حسًا، فجرى الضمير مجرى اسم الإشارة، والتحقيق ما ذكرناه.
وقوله: أو علمًا مثله المصنف بقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أي: إنا أنزلنا القرآن، فالمفسر مُستغني عنه بحضور مدلوله علمًا.
وقوله: جزءٌ مثله المصنف بقول الشاعر:
أماوي، ما يُغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا، وضاق بها الصدر
فالضمير في "حشرجت" عائد على النفس، والفتى مغنٍ عن ذكرها لأنها جزؤه. وكذلك الضمير ي "بها".
وقال ابن هشام: "الضمير في "حشرجت" يعود على النفس، ولم يتقدم لها ذكر، لكن الحشرجة وضيق الصدر دلا عليا" انتهى. فلم يجعل الدال عليها ذكر/ ما هو - أي الضمير - له جزءٌ، وهو الفتى.
ومن ذلك: "من كذب كان شرًا له"، و {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، وقول الشاعر:
وإذا سئلت الخير فاعلم أنها حسنى، تُخص بها من الرحمن
وقول الآخر:

إذا نُهي السفيه جرى إليه وخالف، والسفيه إلى خلاف
التقدير: كان هو، أي: الكذب، واعدلوا هو أي: العدل، واعلم أنها، أي: المسألة. والضمير في هذا أحد مدلولي الفعل، فهو جزء المدلول. وكذلك: جرى إليه، أي: السفه، وهو جزء مدلول السفيه لأنه يدل على ذاتٍ مُتصفةٍ بالسفه.
وقوله: أو كل مثاله {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، فالذهب والفضة بعض المكنوزات، فأغني ذكرهما عن ذكر الجميع، حتى كأنه قيل: والذين يكنزون أصناف ما يُكنز، ولا يُنفقونها. ومنه قول الشاعر:
ولو حلفت بين الصفا أم معمرٍ ومروتها بالله برت يمينها
قال المصنف: "أعاد الضمير إلى مكة لأن الصفا جزءٌ منها، وذكر الجزء مغنٍ عن ذكر الكل" انتهى.
ولا يتعين هذا؛ إذ يحتمل أن يعود الضمير على "الصفا" على معنى الصخرة؛ لأنهما مشتركان في معنى الطواف بهما، فهما طرفان ينتهي في الطواف إليهما، والإضافة تكون بأدني مُلابسة، كما قال تعالى {لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} أي: ضحى العشية.
وقوله: أو نظير مثاله: عندي درهمٌ ونصفه، أي: ونصف درهمٍ آخر. وكذلك قوله تعالى {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: من

عُمُرِ معمرٍ آخر. وكذلك قوله:
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه، فقد
أي: ونصف حمامٍ آخر مثله في العدد. وقول الآخر:
وكل أناسٍ قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده، فهو سارب
أي: قيد فحلنا. وقوله:
كأن ثياب راكبه بريحٍ خريقٍ، وهي ساكنة الهبوب
أي: وريحٌ أخرى ساكنة الهبوب. وأصحابنا يعبرون عن هذا بأنه يعود الضمير على الظاهر لفظًا لا معنى.
ومن ذلك ظننت وظننيه زيدٌ قائمًا، فالهاء في ظننيه يفسرها "قائمًا" لفظًا لا معنى. ولما خفي هذا الوجه على أبي الحسين بن الطراوة منع هذه المسألة، وستأتي في باب الإعمال، إن شاء الله.
وقوله: أو مصاحبٌ بوجهٍ ما/ بمستلزمٍ عن مستلزمٍ، نحو {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ

مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}، وقوله:
لكالرجل الحادي، وقد تلع الضحى وطير المنايا فوقهن أواقع
فـ "عفي" يستلزم عافيًا، فالضمير في (إليه) عائد عليه. والحادي يستلزم إبلًا محدودةً، فالضمير في "فوقهن" عائد عليهن، ومثله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} أي: الشمس، أغني عن ذكرها ذكر (العشي). ويجوز أن يكون فاعل (توارت) ضمير (الصافنات).
وقد يستغني عن ذكر صاحب الضمير بذكر ما يُصاحبه ذكرًا أو استحضارًا، كذكر الخبر وحده متلوًا بضمير اثنين مقصودٍ بهما المذكور وضده، نحو قوله:
وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير: أيهما يليني؟
وقد يُعاد الضمير على المُصاحب المسكوت عنه لاستحضاره بالمذكور وعدم صلاحيته له، كقوله: {فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ}، فـ (هي) عائد على الأيدي لأنها تُصاحب الأعناق في الأغلال، فأغنى ذكر الأعناق عن ذكرها.
ومثله {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: من عمر غير

المعمر، فأعيد عليه لأن ذكر المعمر مُذكرٌ به لتقابلهما، فكان مصاحبه في الاستحضار الذهني. انتهى شرح قوله " أو مصاحبًا له" مُلخصًا من كلام المصنف في الشرح. وقد كثر المصنف أنواع ما يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام ولم يتقدم له مُفسرٌ متقدمٌ عليه ولا متأخرٌ عنه.
وأصحابنا قسموا ضمير الغائب: إلى ما يتقدم عليه مُفسره لفظًا ورُتبةً، نحو: ضرب زيدٌ غلامه، أو لفظًا دون رتبة، نحو: ضرب زيدًا غلامه، أو رُتبةً دون لفظ، نحو: ضرب غلامه زيدٌ.
وإلى ما يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام، وهو ما عُلم المراد به، ومل يكن له مُفسرٌ متقدمٌ عليه بوجه من الوجوه الثلاثة ولا متأخرٌ عنه، نحو {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}، {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}، {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}:
كأن هزيزه بوراء غيبٍ ..................................
أي: على ظهر الأرض، وحتى توارت الشمس، فأثرن بالمكان، هزيز الرعد.
وإلى ما يأخذ شبهًا من الذي يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام، ومن الذي يُفسره ما قبله بوجه ما، أي: لم يتقدم لمُفسره ذكرٌ، لكن تقدم ما هو من لفظ المُفسر، وإن لم يكن المُفسر، وذلك نوعان:
أحدهما: الضمير العائد على المصدر المفهوم من فعلٍ أو صفةٍ، نحو

قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، وقوله:
إذا نهي السفيه جرى إليه .......................
والثاني: العائد على شيءٍ لم يُذكر في الكلام، ولكن ذُكر قبله شيءٌ يشرك الشيء الذي يعود عليه الضمير في اللفظ، نحو: عندي درهمٌ ونصفه.

-[ص: ويقدم الضمير المكمل/ معمول فعلٍ أو شبهه على مُفسرٍ صريح: كثيرًا إن كان المعمول مؤخر الرتبة، وقليلًا إن كان مُقدمها وشاركه صاحب الضمير في عامله.]-
ش: قال المصنف في الشرح: مثال ما يُقدم كثيرً: ضرب غلامه زيدٌ، ومثله {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى}، وغلامه ضرب زيدٌ، ومثله: "في بيته يؤتي الحكم"، و"شتى تؤوب الحلبة". والكوفيون لا يُجيزون مثل هذا. وسماعه عن فصحاء العرب صحيحٌ، فهو حجةٌ عليهم. وضرب غلام أخيه زيدٌ، وغلام أخيه ضرب زيدٌ ومثله:
شر يوميها وأغواه لنا ركبت عنرٌ بحدجٍ جملا

شر يوميها: ظرفٌ لركبت، وما أراد أخذ زيدٌ. ومثله:
ما شاء أنشأ ربي، والذي لم يشأ ربي، فلست تراه ناشئًا أبدا
وضرب جاريةً يُحبها زيدٌ. وهذا الأمثلة وأشباهما مُندرجة تحت قولي: "المكمل معمول فعل"؛ لأن المضاف إليه مُكمل المضاف، ومعمول الصلة مكمل الموصول، كما تُكمل "ما" بفاعل "أراد"، ومعمول الصفة مُكمل الموصوف كما تُكمل "جاريةً" بفاعل "يُحبها".
ومثال شبه الفعل قولك: هندٌ ضاربٌ غلامه زيدٌ من أجلها، ومررت بإمرأةٍ ضاربٍ غلامه أخوها.
ومثال ما يُقدم قليلًا قول حسان:
ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
وقال آخر:
كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤددٍ ورقي نداه ذا الندى في ذرا المجد
وقال آخر:
لما رأى طالبوه مُصعبًا ذعروا وكاد لو ساعد المقدور ينتصر
وقال آخر:

لقد حاز من يُعنى به الحمد إن أبى مكافأة الباغين والسفهاء
وأنشد ابن جني:
ألا ليت شعري، هل يلومن قومه زهيرًا على ما جر من كل جانب
وأنشد أيضًا:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ وحسن فعلٍ كما يُجزى سنمار
والنحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع مثل هذا، والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبيات المذكورة وغيرها، ولأن جواز نحو: ضرب غلامه زيدًا، أسهل من جواز نحو: ضربوني وضربت الزيدين، ونحو: ضربته زيدًا، على إبدال زيد من الهاء. وقد أجاز/ الأول البصريون، وأجيز الثاني بإجماع، حكاه ابن كيساه، وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامه زيدًا، من تقديم ضميرٍ على مفسرٍ مؤخرِ الرتبة؛ لأن مُفسر واو ضربوني معمول معطوفٍ على عاملها، والمعطوف ومعموله أمكن في استحقاق التأخر من المفعول بالنسبة إلى الفاعل؛ لأن تقدم المفعول على الفاعل يجوز في الاختيار كثيرًا، وقد يجب، وتقدم المعطوف وما يتعلق به على المعطوف عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز "ضربوني وضربت الزيدين" أن يحكم بأولوية جواز: ضرب غلامه زيدًا، واللهم صل عليه الرؤوف الرحيم؛ لأن

البدل تابع، والتابع مؤخر الرتبة، ومؤخرٌ في الاستعمال على سبيل اللزوم، والمفعول ليس كذلك، إذ لا يلزم تأخره. انتهى ما شرح به المصنف، وفي أوله بعض تلخيص.
فأما قوله: "ضرب غلامة زيدٌ" فإنما جاز لأن المفعول - وإن كان مُقدمًا في اللفظ على الفاعل - فإنه مؤخرًا عنه في المعنى؛ لأن المفعول رتبته أن يكون بعد الفاعل، وليس بين النحويين اختلافٌ في جواز هذه المسألة. وقال ابن كيسان: العامل في الفاعل والمفعول واحد، وهو الفعل، فإذا كانا جميعًا بعد العامل فكل واحدٍ في موضعه. وقال الفراء: لما تقدم كان صاحبه كأنه معه.
وأما قوله: غلامه ضرب زيدٌ، وفي بيته يُوتي الحكم، وشتى تؤوب الحلبة، ونقله عن الكوفيين؛ لأن الكوفيين فصلوا في الضمير إذا تأخر العامل عن المفعول والفاعل بين أن يكون مُتصلًا بالمفعول مجرورًا، أو بما أضيف إليه مجرورًا، أو منفصلًا منه، أو مُتصلًا به في موضع نصب. فإن كان متصلًا به أو بما أضيف إليه مجرورًا جاز ذلك عندهم أن يتقدم، نحو: إرادته أخذ زيدٌ، وغلام أبيه ضرب زيدٌ. فإن كان الضمير في موضع نصب، وهو متصل بالمفعول، لم يجز ذلك عندهم، نحو: ضاربه ضرب زيدٌ، إذا كانت الهاء في موضع نصب، وإن كانت في موضع جر جاز، كما جاز: غلامه ضرب زيدٌ، وإن كان لم يتصل بالمفعول ولا بالمضاف للمفعول فلا يجوز عندهم تقديم المفعول، ومثلوا ذلك بمثلٍ كثيرة، منها: ما رأى أحب زيدٌ، وما أراد أحب زيدٌ، ويوم يقوم يتخلص زيدٌ، ويوم يقوم يُحشر خالدٌ، وإذا قام سرك زيدٌ، وما يُعجبه يتبع أخوك. فهذه كلها منعها الكسائي والفراء، وأجازها البصريون.

وعلة ذلك عند الكسائي والفراء أن في "أحب" و "أراد" ضميرًا مرفوعًا، والمرفوع لا يُنوي به التأخير لأنه في موضعه. وحجة البصريين أن المضمر المرفوع متصلٌ بالمنصوب، والمنصوب ينوى به التأخير، فليس اتصال المرفوع به مما يمنعه عما يجوز فيه بإجماع.
فإن كان العامل/ مقدمًا جازت المسائل عند الكسائي والفراء، فتقول: أخذ ما أراد زيدٌ. قال ابن كيسان: وكان ينبغي أن لا يجوز عندهما في حال؛ لأن احتجاجهما من أجل الضمير، فالعلة واحدة.
وقال ابن كيسان: ينبغي على قولهما أن يكون "أخذ ما أراد زيدٌ" أقبح من قولهم: ما أراد أخذ زيدٌ، لأنك لا تجعل "ما" إذا كانت مُقدمة إلا بعد "زيد"، وإذا كانت بين الفعل وبين "زيد" فقد وقعت موقعًا لا تريد به التقديم والتأخير، فينبغي أن لا يجيزوا: ضرب زيدًا أبوه؛ لأنه على نية التقديم والتأخير.
قال ابن كيسان: وقلنا لهم - يعني الكوفيين -: لم أبيتموه وأنتم تجيزون: إرادته أخذ زيدٌ؟ قالوا: الضمير إذا كان بالهاء كان كبعض حروف الاسم، وإذا كان منفصلًا من المنصوب فإنما هو غير تابع له. قيل لهم: هو في التوسط كذلك. وأجاز الكسائي وأصحابه: ما أراد زيدٌ أخذ، و"ما" في موضع نصب بأخذ، وفي أخذ ضمير زيد. ومثل هذا: ثوب أخويك يلبسان انتهى كلام ابن كيسان.
وأما قوله: "شتى تؤوب الحلبة" فشتى: حال، وفيها ضمير يعود على الحلبة. وهذا لا يجوز عند الكوفيين. قال الكوفيون: راكبًا أتانا زيدٌ، لا يجوز، لأن في راكب ذِكْرَ مرفوعه من زيد، فصار نظير: ما أحب أخذ زيدٌ، وهو لا يجوز. فإن قلت: أتانا راكبًا زيدٌ، جاز لتقدم الفعل على زيد

وراكب. وكلاهما جائز عند البصريين لتصرف العامل. فإن قلت: تؤوب شتى الحلبة، جاز على كل قول. فاتضح بهذا مذهب الكوفيين أن مثل: غلامه ضرب زيدٌ، يجوز عندهم، ومثل: شتى تؤوب الحلبة، وما أراد أخذ زيدٌ، لا يجوز عندهم، وهو خلاف ما ذكر المصنف عنهم إذ سوى بين المسألتين في المنع عنهم. وقد تكرر له هذا الوهم في آخر الفصل الثالث من باب تعدي الفعل ولزومه من هذا الكتاب، وسنتكلم عليه إذا وصلنا إليه، إن شاء الله تعالى.
وأما قول المنصف: "ومثال ما يُقدم قليلًا قول حسان"، وإنشاده تلك الأبيات، فقد أنشدوا أيضًا من هذا النوع قول الشاعر:
جزى ربه عني عدي بن حاتمٍ جزءا الكلاب العاويات، وقد فعل
وقول الآخر:
لما عصى أصحابه مصعبًا أدى إليه الكيل صاعًا بصاع
هكذا أنشد هذا البيت أبو عبيدة.

وأما قوله: "والنحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع هذا" فظاهره أنه لا يُجيزها إلا أبو الفتح، وقد أجازها قبله من الكوفيين أبو عبد الله الطوال، وتبعه أبو الفتح.
وذكر أبو حعفر الصفار الإجماع على أنها لا تجوز إلا ما ذهب إليه الطوال من أنها تجوز، قال: وتابعه أحمد بن جعفر/، فزعم أن هذا جائز في الشعر.
ونقل غير أبي جعفر الصفار عن أبي الحسن إجازة ذلك. فأبو الفتح في ذلك له سلفٌ الطوال والأخفش.
وأما قوله: "والصحيح جوازه لوروده عن العرب" فلعمري إنه قد كثر مجيء ذلك في الشعر، فالأحوط جوازه في الشعر دون الكلام، كما ذهب إليه أحمد بن جعفر.
وقد رام بعض النحويين تأويل ذلك كله، والتأويل فيه بُعدٌ، ولجوازه وجهٌ من القياس، وهو أن المفعول كثر تقدمه على الفاعل، فجعل لكثرته كالأصل، فإذا قال: هل يلومن قومه زهيرًا؟ جرى مجرى ما أصله: هل يلومن زهيرصا قومه؟ كما يُقدم ضمير الفاعل على المفعول في نحو: ضر غلامه زيدٌ. وقد شبه س الضارب الرجل بالحسن الوجه، والأصل عكس هذا.
وأما قوله: "ولأن جواز نحو ضرب غلامه زيدًا أسهل من جواز نحو:

ضَربوني وضَربتُ الزيدين، ونحو: ضربته زيدًا، على إبدال زيد من الهاء، وقد أجاز الأول البصريون، وأجيز الثاني بإجماع"، فلا تُنظر مسألة ضرب غلامه زيدًا بمسألة ضربوني وضربت الزيدين؛ لأن ضربوني وضربت الزيدين خارجةٌ عن القياس في مسائل استُثنيت يتأخر مُفسر الضمير فيها، وما كان خارجًا عن القياس لا يُقاس عليهن ولا يُشبه به.
وأما قوله: "وأجيز الثاني بإجماع" - يعني ضربته زيدًا - فليس بصحيح، ولا إجماع فيها، بل في المسألة خلاف: ذهب الأخفش إلى جواز ذلك. وذهب غيره إلى أنه لا يجوز. وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله، وكثيرًا ما يدعي المصنف الإجماع فيما فيه الخلاف.
وقوله: أو شبهه مثاله: هندٌ ضاربٌ غلامه زيدٌ من أجلها.
وقوله: وشاركه صاحبُ الضمير في عامله احترز بهذا من أن لا يشارك صاحب الضمير في العامل، فإن المسألة إذ ذاك لا تجوز، مثاله: ضرب غلامها جار هندٍ، فصاحب الضمير الذي هو "هند" لم يُشارك الفاعل الذي هو "غلامها" في العامل الذي هو "ضرب"؛ لأن هندًا مخفوض بالإضافة، وغلامها مرفوع بضرب، وذلك بخلاف: ضرب غلامها هندًا، فإن الناصب لصاحب الضمير الذي هو "هند" هو الرافع لغلامها الذي هو الفاعل. ولتقديم المفعول والعامل بالنسبة إلى المضمر الذي يتصل بالفاعل أو المفعول احكامٌ كثيرة في مسائل عديدةٍ، نذكرها إن شاء الله في "باب تعدي الفعل ولزومه".
ص: ويتقدم أيضًا غير منوي التأخير إن جُر برب، أو رفع بنعم أو شبهها، أو بأول المتنازعين، أو أبدل منه المفسر أو جعل خبره، أو كان

المُسمى ضمير الشأن عند البصريين وضمير المجهول عند الكوفيين.
ش: مثاله في رب قول الشاعر:
واهٍ رأبت وشيكًا صدع أعظمه وربه عطبًا أنقذت من عطبه
/ ومثاله في نعم قوله:
نعم أمرأً هرمٌ، لم تعر نائبةٌ إلا وكان لمرتاعٍ بها وزرا
وهذا الذي في نعم من أن فاعلها ضميرٌ مُستكنٌ فيها يُفسره ما بعده هو مذهب البصريين. وذهب الكوفيون إلى أنه لا فاعل مضمرٌ في نعم، بل الاسم المرفوع بعد نعم هو الفاعل بنعم. وسيأتي الكلام في ذلك في "باب نعم" إن شاء الله.
وقوله: أو شبهها مثال ذلك: بئس رجلًا زيدٌ، وظرف رجلًا زيدٌ.
ومثاله في أول المتنازعين قول الشاعر:
جفوني، ولم أجب الأخلاء، إنني لغير جميلٍ من خليلي مهمل
وهذا فيه خلاف. فمذهب الكسائي والفراء أنه لا يجوز. وسيأتي الكلام على ذلك في "باب الإعمال" إن شاء الله.
ومثال المُفسر ببدله ما حكى الكسائي: اللهم صل عليه الرؤوف

الرحيم. وهذه المسألة أيضًا فيها خلاف: ذهب الأخفش إلى الجواز، وذهب غيره إلى المنع، وقالوا: البدل لا يُفسر ضمير المبدل. والصحيح جواز ذلك، وهو مذهب أبي الحسن. والدليل على ذلك قول الفرزدق:
وقد مات خيراهم، فلم يهلكاهم عشية بانا رهط كعبٍ وحاتم
فالضمير المخفوض عائد على ما أُبدل منه، وهو: رهط كعب وحاتم، كأنه قال: وقد مات خيرا رهط كعبٍ وحاتم، فلم يهلكاهم. وقول الآخر:
قد أصبحت بقرقري كوانسا فلا تلمه أن ينام البائسا
فالضمير المنصوب في "تلمه" عائد على ما أبدل منه، وهو: البائس، كأنه قال: فلا تلم البائس أن ينام. وقال الآخر:
إذا هي لم تستك بعود أراكةٍ تُنخل، فاستاكت به عود إسحل
في رواية من جر "عود إسحل" فهو بدل من الضمير في به. وقد ذكر

س: ضربوني وضربتهم قومك.
ومن منع ذلك تأول "فلا تلمه" على أن الضمير يُفسره ما يُفهم من سياق الكلام لا البدل؛ لأن قوله "قد أصبحت" يدل على أن لها راعيًا، فكأنه أعاد الضمير عليه. وتأول "به عود إسحل" على أن يكون الضمير في "به" عائدًا على"عُود اراكة" لفظًا، نحو قوله: عندي درهمٌ ونصفه، وقول الشاعر:
وكل أناسٍ قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده، فهو سارب
ومثال جعله خبرًا قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا}. قال الزمخشري: / "هذا ضميرٌ لا يُعلم ما يُعني به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا حياتنا، ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدل عليها ويبينها". قال: "ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت". قال المصنف - وقد حكي كلام الزمخشري-: "وهذا من جيد كلامه، وفي نظيره بهي النفس وهي العرب ضعفٌ لإمكان جعل العرب والنفس بدلين، وتتحملن وتقول خبرين" انتهى كلامه.
ولم يذكر أصحابنا في الضمير الذي يُفسره ما بعده، ولا ينوي بالضمير التأخير، أن يكون مُفسره الخبر، وإنما هذا يُفسره سياق الكلام. وأما ما ذهب إليه المصنف من أن "هي" مُفسرها هو "حياتُنا الدنيا" الذي هو الخبر فهو فاسد؛ لأنه إذا فسره الخبر، والخبر مضافٌ لشيءٍ وموصوفٌ بشيء، كان ذلك الضمير عائدًا على الخبر بقيد إضافته وقيد صفته، وإذا كان كذلك صار تقدير الكلام: إن حياتنا الدنيا إلا حياتنا الدنيا، ولا يجوز ذلك، كما لا يجوز: ما غلامنا العالم إلا غلامنا العالم؛ لأنه يؤدي إلى أنه لا يُستفاد من

الخبر إلا ما يُستفاد من المبتدأ، وذلك لا يجوزن ولذلك منعوا: رب الدر مالكها وسيد الجارية مالكها. وليس في كلام الزمخشري ما يدل على ما ذهب إليه المصنف؛ لأنه قال: "وضع هي موضع الحياة"، فلم يقل: "موضع حياتنا الدنيا" الذي هو الخبر. وقوله: "لأن الخبر يدل عليها ويبينها" يعني أن سياق هذا الكلام دل على أن المضمر هو الحياة.
ومثال ضمير الشأن قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، هكذا مثله المصنف، وهو على أحد المحتملات التي ذُكرت في إعرابه.
وذكر الفراء ضمائر يُفسرها ما بعدها، وليست مما ذُكر هنا، فمن ذلك قوله تعالى {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}، وقوله تعالى {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ}، وقد تكلمنا على ذلك في كتابنا الكبير في تفسير القرآن المسمى ب "البحر المحيط"، وذكرنا أعاريب الناس في ذلك، واحتجاجهم، وإبطال ما ينبغي إبطاله، وتصحيح ما ينبغي تصحيحه. قال: "ومن ذلك ما حُكي من كلام العرب: كان ذلك مرةً وهو تنفع الناس أحسابهم، وقول الشاعر:
......................... فهل هو مرفوعٌ بما ههنا رأس"
فهذه جملة الأماكن المُتفق عليها والمختلف فيها التي يتقدم فيها الضمير على مفسره، ولا ينوي به التأخير.

وضمير الشأن هو ضمير غائب يأتي صدر الجملة الخبرية دالاً على قصد المتكلم استعظام السامع حديثه. وتسمية البصريين له ضمير الشأن والحديث إذا كان مذكرًا، وضمير القصة إذا كان مؤنثًا، قدروا من معنى الجملة اسمًا، جعلوا ذلك الضمير يفسره ذلك الإسم المقدر حتى يصح الإخبار بتلك الجملة عن ذلك الضمير، ولا يحتاج/ فيها إلى رابط؛ لأنها هي نفس المبتدأ في المعنى. والفرق بينه وبين الضمائر أنه لا يعطف عليه، ولا يؤكد، ولا يبدل منه، ولا يتقدم خبره عليه، ولا يفسر بمفرد. وأما الكوفيون فسموه مجهولاً لأن لا يدري عندهم ما يعود عليه.
ولا خلاف في أنه اسم يحكم على موضعه بالإعراب على حسب العامل، إلا ما ذهب إليه ابن الطراوة من إنكاره وزعمه أنه حرف، قال: والسماع والقياس يمنعه. قال: أما القياس فإن الهاء في قوله: "إنه أمة الله ذاهبة "حرف كف إن عن العمل كما كفتها ما في "إنما زيد قائم ". وأما كان وليس وإن التي لا هاء معها نحو:
إن من يدخل الكنيسة .................. ... ........................

ونحو: كان زيد منطلق، وليس عمرو ضاحك، ونحوها من نواسخ الإبتداء، فهي حال دخولها على الجمل التي لم تعمل فيها ملغاة كظننت، وثبت أن ظننت تلغيها العرب، وعمل كان وليس وإن فرع؛ إذ عملها بالتشبيه بالأفعال التي عملها أصل كعمل ظننت، فالقياس يقتضي أن تحمل كان وليس وإن محمل ظننت، فتكون ملغاة.
وأما السماع فإن العرب لم تذكر قط الأمر بهذا اللفظ في هذا المعرض ولا الشأن، فلما لم يقل قط: كان الأمر زيد قائم، ولا: إن الشأن زيد ضاحك، بطل دعواهم.
فإن قالوا: قد ثبت ضمير الأمر والشأن قي قوله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} على تقدير: الأمر الله أحد، فليس كذلك، فإنما هو هناك بمعنى: المعبود الله، أو المصمد إليه، ونحوه.
قال: ثم إنهم يتناقضون، فإنهم يجعلون الجملة من المبتدأ والخبر خبرًا عن الناسخ في نحو: إنه زيد قائم، وكان عمرو ضاحك، واسم الناسخ الذي هو ضمير الأمر تفسيره الخبر، ومن شرط الخبر أن يكون مجهولاً، ومن شرط المفسر أن يكون معلومًا، فهم قد جعلوا الشيء الواحد معلومًا مجهولاً.
قال الأستاذ أبو علي وغيره: أخطأ ابن الطراوة في إنكاره ضمير الأمر والشأن: أما أن الهاء كافة ففاسد لأنها لم تثبت حرفًا إلا ضميرًا، فإخراجها عما استقر لها من الإسمية فاسد، وإنما ادعينا في ما "إنما "أنها كافة لثبوت حرفيتها، ولم نجد بدا من ذلك، وأما إلغاء كان وليس إذ لم يظهر لهما عمل فباطل؛ إذ لم يثبت ذلك فيهما، ثم لم يثبت إلغاء فعل مع تقدُّمه،

وإنما ألغيت ظننت متوسطة أو متأخرة على ضعف.
وأما أن العرب لم تصرح بالأمر والشأن في هذا العرض فقول من لم يفهم عن النحويين؛ لأنهم لم يقولوا ضمير الأمر والشأن على أن ذلك هو المحذوف، إنما هو تحويم منهم على المعنى بتقريب.
وأما أن الخبر يكون مجهولاً فلم يفهم ما مرادهم بمجهول، فإنه لا يصح أن يخبر إلا بما يفهم معناه؛ إذ لا يخبر أحد عن معلوم بلفظة أعجمية لا يعقل معناها، وإنما المجهول الذي يريد النحويون نسبة الخبر إلى المخبر عنه، فبكونه معلومًا يصح أن يكون مفسرًا، وبكونه مجهول النسبة يصح أن يكون خبرًا. ثم إنه لو لم يكن/ في قوله إلا مخالفة لجميع النحويين من الخليل وس إلى من بعدهم من بصري وكوفي [لكان خليقًا بالطرح والرفض]، انتهى ما ردوا به على ابن الطراوة.
فأما قولهم: "إن الهاء لم توجد إلا ضميرًا "فمدفوع بما حكى س أن الهاء في إياه وإياها حرف، وأن الضمير هو إيا، وما يليه حرف دليل ما يراد بإيا من متكلم أو مخاطب أو غائب.
وأما قولهم: "لم تثبت "فلا يدل عدم تقدم الثبوت على بطلان المدعي؛ ألا تراهم قد ادعوا في الفصل أنه حرف لا موضع له من الإعراب، ولم يثبت فيه ذلك قبل. وكذا ما ادعاه من إلغاء كان وليس أنه لم يثبت، فهو معارض بإدعاء مضمر لم يلفظ به في موضع معهما. وكذلك إلغاء كان وليس حالة التقدم، فمذهبه في ظننت مذهب الكوفيين من أنه يجوز

إلغاؤها متصدرة. وباقي ما ردوا به كلام غير محقق.
وأقول: اتحاد المفهوم في: كان زيد قائم، وكان زيد قائمًا، وإن زيدًا قائم، وإن زيد قائم، دليل على صحة مذهب ابن الطراوة، ولو كان على ما قدروا للزم أن تكون الجملة بتقدير مفرد مصدر حتى يصح المعنى ويصح كونها خبرًا عن ذلك المضمر، فيكون التقدير: كان الأمر قيام زيد، وإن الأمر قيام زيد، والجملة التي لم تصدر بحرف مصدري، ولا أضيفت إلى ظرف زمان، لا تتقدر بالمصدر.

-[ص: ولا يفسر إلا بجملة خبرية مصرح بجزأيها، خلافًا للكوفيين في نحو: ظننته قائمًا زيد، وإنه ضرب أو قام. وإفراده لازم، وكذا تذكيره ما لم يله مؤنث أو مذكر شبه به مؤنث، أو فعل بعلامة تأنيث، فيرجح تأنيثه باعتبار القصة على تذكيره باعتبار الشأن.]-
ش: شرط الجملة التي يخبر بها عن ضمير الشأن أن تكون مصرحًا بجزأيها، فلو حذف جزء منها لم يجز، وذلك لأن هذا الضمير مؤكد من حيث المعنى للجملة، وجيء به لتفخيم مدلولها، ومن حيث ذلك لا يناسب اختصارها بحذف شيء منها، فلا يجوز، كما لا يجوز ترخيم المندوب، ولا حذف حرف النداء منه ولا من المستغاث. هذا مذهب البصريين. وقال الزجاج: "لا يجيز البصريون: ما هو بقائم زيد، ولا: ما هو قائمًا زيد، ولا: كان قائمًا زيد، على إضمار الأمر "انتهى.
فأما تجويز الكوفيين وأبي الحسن: ظننته قائمًا زيد، على أن تكون الهاء ضمير الشأن، وقائمًا: مفعول ثان لظننت، وزيدٌ: فاعل بـ

"قائمًا "، فإنه آل إلى الإخبار عن ضمير الشأن بالمفرد، وهو لا يجوز لأن قولك: "قائمًا زيد "ليس بجملة، فلو سمع نظير هذا التركيب كان زيد مبتدأ، وظننته قائمًا جملة خبر عن المبتدأ، والهاء مفعولة بظننت عائدة على زيد، وهو الذي يسبق إلى الفهم.
ونظير ما أجازه الكوفيون في "ظننته قائمًا زيد "ما أجازوه في باب كان من قولهم: كان قائمًا زيد، ففي كان عندهم ضمير المجهول، وقائمًا خبر كان، وزيد مرفوع بقائم، ولا تثني "قائمًا "لرفعه الظاهر إذا قلت: كان قائمًا الزيدان، ولا تجمعه إذا قلت: كان قائمًا الزيدون. هذا مذهب الكسائي.
وذهب الفراء/ إلى جواز: كان قائمًا زيد، على أن يكون "قائمًا "خبر كان، وزيد مرفوع بكان وقائمًا معًا، ولا تثني قائمًا لرفعه الظاهر.
ولا يجوز شيء من هذا عند البصريين لأن مفسر ضمير الشأن عندهم لابد أن يكون جملة. وللكوفيين تفاريع من هذا النوع نذكرها في "باب كان "إن شاء الله.
وأما ما أجازه الكوفيون من قولهم: إنه ضرب، وإنه قام، على حذف المسند إليه الضرب والقيام من غير إرادة، فبقي مفردًا، ولا إضمار في ضرب ولا قام، فلا يجوز عند البصريين لأن الكلام من حيث افتتحته بضمير الشأن يد على أنه معتنى فيه بالمحدث عنه، ومن حيث اختتامه بحذف ما لابد منه يدل على عدم الإعتناء به، فتدافعا، فلا يجوز لذلك. وسيأتي الكلام

على مثل ضرب والإقتصار عليه في "باب النائب عن الفاعل "إن شاء الله.
وقوله: وإفراده لازم إنما كان واجب الإفراد لأنه ضمير يفسره مضمون الجملة، ومضمون الجملة هو شيء مفرد، وهو نسبة الحكم للمحكوم عليه، وذلك لا تثنية فيه ولا جمع.
وقوله: وكذا تذكيره يعني أنه يلزم التذكير كما لزم الإفراد، فتقول: إنه أخواك قائمان، وإنه إخوتك صالحون.
وقوله: ما لم يله مؤنث مثاله: إنها جاريتاك ذاهبتان، وإنها نساؤك ذاهبات.
وقوله: أو مذكر شبه به مؤنث نحو: إنها قمر جاريتك.
وقوله: أو فعل بعلامة تأنيث يعني أنه يكون أيضًا مسندًا إلى مؤنث كقوله تعالى {فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ}، وقول الشاعر:
على أنها تعفو الكلوم، وإنما تؤكل بالأدني، وإن جل ما يمضي
فهذه المسائل الثلاث التأنيث فيها أجود من التذكير؛ لأن مع التأنيث مشاكلة تحسن اللفظ مع كون المعنى لا يختلف؛ إذ القصة والشان بمعنى واحد. والتذكير مع ذلك جائز، كما قال أبو طالب:
وإلا يكن لحم غريض فإنه تكب على أفواههن الغرائر

وقال آخر:
نخلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد
فلو كان المؤنث الذي في الجملة بعد مذكر لم يشبه به مؤنث لم يكترث بتأنيثه فيؤنث لأجله الضمير، بل حكمه حينئذ التذكير، كقوله تعالى {إنَّهُ مَن يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ}، وكقول الشاعر:
ألا إنه من يلغ عاقبة الهوى مطيع دواعيه يبؤ بهوان
وكذلك لا يكترث بتأنيث ما ولى الضمير من مؤنث شبه به مذكر، نحو: إنه شمس وجهك، ولا بتأنيث فاعل فعل ولي الضمير بلا علامة تأنيث، نحو: إنه قام جاريتك.
وثبت في نسخة عوض قوله: "وإفراده لازم إلى آخره "ما نصه: "فإن كان فيها مؤنث ليس فضلة ولا كفضلة/ اختير تأنيثه باعتبار القصة "انتهى. ومثال ذلك {فَإذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا ويْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}. واحترز بقوله: "فضلة "من قول الشاعر:
ألا إنه من يلغ عاقبة الهوى ... ...................................
وبقوله: "ولا كفضلة "من قول تعالى {إنَّهُ مَن يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ

جَهَنَّمَ} إذ المعنى: يجزه جهنم. انتهى. وتفسير الكلامين ملخص من كلام المصنف في شرحه.
ولم يذكر أصحابنا هذه الترجيحات التي ذكرها المصنف، وإنما ذكروا أن ضمير الأمر أو القصة يجوز أن يأتي بعدهما المذكر والمؤنث، فتقول: هو زيد قائم، وكان زيد قائم، وهي هند ذاهبة، وهو هند ذاهبة. وكذلك: كانت زيد قائم، وكان زيد قائم، وكان هند ذاهبة، وكانت هند ذاهبة، وإن كان المستحسن التذكير مع التذكير، والتأنيث مع التأنيث. هذا مذهب أهل البصرة.
وأما الكوفيون فزعموا أن المخبر عنه إن كان مذكرًا فالضمير ضمير أمر، أو مؤنثًا فالضمير ضمير قصة، فتقول: كان زيد قائم، وكانت هند قائمة، للمشاكلة، ولا يجوز عندهم: كانت زيد قائم، ولا: كان هند قائمة.
وهذا الذي منعوه جائز في القياس، وقد ورد به السماع أيضًا، وذلك في قراءة من قرأ {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ}؛ ألا ترى أن (آية) خبر مقدم لـ (أن يعلمه)، و (أن يعلمه) في موضع اسم مبتدأ، وهو مذكر، والضمير في (تكن) ضمير قصة، ولا يجوز أن تكون (آية) اسم (تكن) و (أن يعلمه) الخبر؛ لأن (أن يعلمه) محكوم له بحكم المضمر الذي هو أعرف المعارف، فكان يلزم من ذلك الإخبار بالمعرفة عن النكرة، وذلك من أقبح الضرائر.

ومما يرد على الكوفيين قول العرب: "إنه أمة الله ذاهبة "ونحوه، فأتى بضمير الأمر، والمخبر عنه مؤنث.
وقد تأول بعض أصحابنا قراءة {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً} على أن تكون (آية) اسم كان، والخبر في المجرور لأنه معرفة، كما تقول: كان لزيد مال، و (أن يعلمه) في موضع خفض بإضمار الحرف، أي: في أن يعلمه، ويتعلق بآية لما فيه من معنى الدليل، كأنه قال تعالى: أو لم يكن لهم دليل في علمه بنو إسرائيل. وقد منعوا من البدل لأنه لا يحل الثاني محل الأول، فيكون بمنزلته في المعنى.
وقال ابن الدهان: ويجوز أن تؤنثه وتذكره مع المؤنث والمذكر، ويجوز أن يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث عند البصري، وبعض الكوفيين يذكر مع المذكر والمؤنث، ويؤنث مع المؤنث، ولا يؤنث مع المذكر.

-[ص: ويبرز مبتدأ، واسم ما، ومنصوبًا في بابي إن وظن، ويستكن في بابي كان وكاد. وبني المضمر لشبهه بالحرف وضعًا وافتقارًا وجمودًا، أو للإستغناء باختلاف صيغه لإختلاف المعاني. وأعلاها اختصاصًا ما للمتكلم، وأدناها ما للغائب، ويغلب الأخص في الإجتماع.]-
ش: مثاله مبتدأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وقوله:
قد أدبر العر عنها، فهو شاملها من ناصع القطران الصرف تدسيم
هو: ضمير الأمر، وشاملها: مبتدأ، وتدسيم: خبره.
وفي البسيط: اختلفوا في المبتدأ هل يكون ضمير شأن أو لا، نحو:

هو زيد قائم، فمنعه الفراء وأبو الحسن، فلم يجوزاه/ إلا أن يكون معمولاً. وجوزه النحويون لأن كان وإن يضمر فيهما، وهي داخلة على المبتدأ، فهو جائز في المبتدأ. وقيل: منه {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، {وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخْرَاجُهُمْ}. هذا مذهب الجمهور. وقد روي عن الفراء وأبي الحسن منعه. وهذا غريب، مع كثرته في كلام الله تعالى وكلام العرب، كقوله تعالى: {فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ}، و {إنَّهُ مَن يَاتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. وفي الشعر:
ولا أنبأن أن وجهك شأنه خموش، وإن كان الحميم حميم
إلى غير ذلك مما كثر في كلامهم في النظم. وإن تؤول بعضه، كما قيل في {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} إنهم كانوا يتكلمون في توحيد الله، فقيل لهم: (هو) أي التوحيد الذي يجب أن تعقدوه، وإنهم تكلموا في الحشر وما يكون بعده، فقيل لهم: إن ما تكلمتم به كذا، فهذا لا يطرد في كل موضع. انتهى من الإفصاح.

وفي البسيط: وضمير الأمر والشأن قال الفراء: لا يكون إلا معمولًا، ولا يكون في الابتداء، وقوله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فأحد عنده بمعنى واحد على البدل من اسم الله كقوله تعالى (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) وأجاز البصريون أن يكون غير معمول.
ومثاله اسم "ما" قول الشاعر:
وما هو من سأسو الكلوم، وتتقى به نائبات الدهر كالدائم البخل
وقال في البسيط: اختلفوا في "ما" إذا عملت هل يلحقها ضمير الأمر والشأن أو لا. وقال فيه: وأما إضمار الشأن فقيل يجوز على جهة الانفصال، فتقول: ما هو زيد قائم، ويجوز دخول إلا كما في الخبر، لكنه لا بد من تقدم إلا على الجملة، فتقول: ما هو إلا زيد قائم؛ لأن معناه: ما الحديث إلا هذا، قال الراجز:
ما هي إلا شربه بالحواب فصعدي من بعدها، أو صوبي
وكذلك في الاستفهام: هل هو إلا زيد قائم.
ومثاله في باب إن (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ).

وذهب أبو الحسين بن الطراوة إلى أنه قد تلغى إن، فلا تعمل لا في ضمير أمر ولا غيره، وعلى ذلك جاء {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} على قراءة من قرأ بالألف، وأن قولهم: إنه زيد قائم، ليست الهاء ضمير أمر وشأن، بل هو كاف عن العمل بمنزلة إنما. وكذلك في "ربه رجلًا". ومنع جواز الأمر والشأن. وهذا فاسد لأن هذه أسماء، فكيف تكف؟ بل هي معمولة له، فتحتاج إلى خبر.
ومثاله في باب ظن قوله:
علمته الحق لا يخفى على أحد فكن محقًا تنل ما شئت من ظفر
ومثاله استكنانه في باب كان قول الشاعر:
إذا مت كان الناس صنفان شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع
وقول الشاعر:
هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليس منها شفاء الداء مبذول
وعلى هذا تقول: كان زيد قائم.
واختلف النحويون في هذا التركيب: فذهب الجمهور إلى أنه يجوز. وأنكر الفراء سماعه. وهو محجوج بقول بعضهم: "كان أنت خير

منه"، وبقول الشاعر:
أمن سمية دمع العين مذروف لو كان ذا منك قبل اليوم معروف
والقائلون بالجواز اختلفوا: فذهب الجمهور إلى أن فيها ضمير الأمر مستكنًا. وذهب أبو الحسين بن الطراوة إلى أنها غير عاملة في شيء، ولا أضمر فيها أمر وشأن ولا غير ذلك.
ومثال استكنانه في باب كاد قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} في قراءة حمزة وحفص، ففي (كاد) ضمير الأمر، و {يَزِيغُ قُلُوبُ} فعل وفاعل، ولا يجوز أن ترفع ب (كاد) (قلوب)، ويكون (زيغ) في موضع خبر ل (كاد)؛ لأنه من حيث هو خبر تضمن ضمير القلوب، والنية به التأخير، فلا يصح أن يكون (يزيغ) بالياء مسندًا لضمير القلوب؛ إذ لا تقول: القلوب يزيغ.
وقال في البسيط: اتفقوا على أنه يكون في باب كان وأخواتها، وفي ظننت وأخواتها، واختلفوا في أفعال المقاربة، فجوزه س، واستدل بقراءة من قرأ (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ) بالياء.
وقوله: لشبهه بالحرف وضعًا يعني أن أصل الحرف أن يوضع على حرف واحد أو على حرفين؛ لأن الحروف نائبة عن الأفعال في كثير من المعاني، والفعل يكون ثلاثيًا ورباعيًا، فلما نابت عنها وضعت على الاختصار بأحط منها وضعًا بحرف أو حرفين، فإذا جاء اسم موضوع على

حرف واحد أو على حرفين كان ذلك شبهًا له بالحرف في الوضع، فيبنى لذلك. فمن المضمر الموضوع على حرف واحد تاء فعلت، وعلى حرفين: نا، فبناء هذا واجب لشبهه بالحرف وضعًا، وحلمت البواقي عليه لأن ما كان على حرف أو حرفين أصل لها، وليجري الباب مجزى واحدًا.
وقوله: وافتقار يعني أن الحرف مفتقر في إفادة معناه في الغالب إلى ضميم. وكذلك المضمر مفتقر إلى ما يفسره ويفيد من عاد عليه إما من مشاهدة أو من غيرها.
وقوله: وجمودًا يعني به عدم التصرف في لفظه بوجه ما حتى بالتصغير وبأن يوصف أو يوصف به كاسم الإشارة.
وقوله: أو للاستغناء يعني أن المتكلم إذا عبر عن نفسه في الرفع فبتاء مضمومة، وفي غيره ياء، وفي الخطاب تاء مفتوحة في الرفع، وكاف مفتوحة في غيره في التذكير، ومكسورة في التأنيث، فأغنى ذلك عن إعرابه لحصول الامتياز بذلك.
وهذا ليس بشيء لأن المعاني التي جئ بالإعراب لأجلها هي الفاعلية والمفعولية والإضافة، وليست هذه الأحوال التي عرضت/ للمضمر من التكلم والخطاب والغيبة تدل على شيء من المعاني الإعرابية، فلا يصح الاستغناء عنها بهذه الأحوال لأنها لا تدل عليها.
وقوله: وأعلاها اختصاصًا ما للمتكلم وأدناها ما للغائب قد ذكر هذا المعنى في أول "باب المعرفة والنكرة" في قوله "وأعرافها ضمير المتكلم، ثم ضمير المخاطب، ثم العلم، ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام"، فكان ينبغي أن لا يكرره، لكن كرره لما يبنى عليه بعده من الحكم.
وقوله: ويغلب الأخص في الاجتماع يعني أنك تقول: أنا وأنت فعلنا، ولا تقول: فعلتما، وأمن وهو فعلتما، ولا تقول فعلا.

-[ص: فصل
من المضمرات المسمى عند البصريين فصلًا، وعند الكوفيين عمادًا. ويقع بلفظ المرفوع المنفصل مطابقًا لمعرفة قبل، باقي الابتداء أو منسوخه، ذي خبر بعد، معرفة أو كمعرفة في امتناع دخول الألف واللام عليه. وأجاز بعضهم وقوعه بين نكرتين كمعرفتين، وربما وقع بين حال وصاحبها.]-
ش: تسمية البصريين له فصلًا لأنه فصل به بين المبتدأ والخبر.
وقيل: سمى فضلًا لأنه فصل بين الخبر والنعت، فالإتيان به يوضح أن الثاني خبر لا نعت، ولا يرد على هذا بقولهم: "أنت القائم" لكون أنت لا يصح أن يوصف؛ لأنهم لما وجدوا ذلك في بعض الأسماء حمل سائر الباب عليه. وقيل: الأولى أن يقال: فصل به بين الخبر والتابع حتى يكون "التابع" أعم من "النعت"؛ إذ يقع الفصل بعد ما لا ينعت وقبل ما لا ينعت به.
وتسميه الكوفيين له عمادًا لأنه يعتمد عليه في الفائدة، وذلك أنه يبين أن الثاني ليس بتابع للأول. وهذا المعنى الذي لحظه الكوفيون هو أحد ما سمى به فصلًا عند بعض البصريين كما ذكرناه. والتعليل الأول

أحسن، وهو أنه سمى فصلًا لأنه فصل به بين المبتدأ والخبر لعموم التعليل؛ لأن في التعليل الثاني حمل بعض الباب على بعض.
وقوله: من المضمرات المسمى عند البصريين فصلًا تقديره: من المضمرات المضمر المسمى كذا، فحكم على هذه الصيغة أنها مضمر.
وهذه مسألة خلاف: ذهب أكثر النحويين إلى أن هذه الصيغ حروف، وأنها تخلصت للحرفية كما تخلصت الكاف التي في ضربك للخطاب مع أسماء الإشارة في نحو "ذلك". وذهب الخليل وغيره إلى أنها أسماء ضمائر.
وصحيح الأستاذ أبو الحسن بن عصفور مذهب الأكثرين، واستدل على ذلك بأنها لا موضع لها من الإعراب، ولو كانت أسماء لكان لها موضع من الإعراب.
وقال أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الأنصاري المالقي- ويعرف بالشلوبين الصغير- في شرحة للكراسة: "وما قاله الأستاذ بشيء؛ لأن كونها لا موضع لها من الإعراب نفي عارض من عوارض عنها، وغايته أنه لازم لأكثر الأسماء، ونفي ما يعرض لا ينتفي به/ الأصل، إنما ينتفي الشيء بانتفاء وصفه الذاتي له، فالصحيح ما ذهب إليه الخليل من أنها أسماء، ولا موضع لها من الإعراب؛ إذ لا يحتاج إلى ذلك في كل موضع؛ لأن حقيقة

الاسمية ثابتة فيه، وهو الدلالة على المسمى مثل سائر الأسماء، فإذا ثبت أنه من الأسماء فلا بعد في أن يكون ضميرًا؛ إذ دلالته بكناية كسائر الضمائر، ولا فرق" انتهى. وسيأتي الكلام على كونه له موضع من الإعراب أو لا موضع له من الإعراب عند تعرض المصنف لذلك، إن شاء الله.
وقوله وعند الكوفيين عمادًا هذه تسمية الفراء وأكثر الكوفيين. وبعض الكوفيين سماه دعامة، كأنه يدعم به الكلام أي: يقوي ويثبت ويؤكد. ويسمى عند المدنيين صفة، ويعنون به التوكيد.
وقد رد عليهم س بامتناع: مررت بعبد الله هو نفسه، وبإجازة: إن كان زيد لهو الظريف، قال س: "وقد زعم ناس أن "هو" ههنا صفة، فكيف يكون صفة وليس من عربي يجعلها ههنا صفة، لو كان ذلك لجاز: مررت بعبد الله هو نفسه، ف "هو" ههنا مستكرهة لا تكلم بها العرب لأنه ليس من مواضعها عندهم. ويدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنا لنحن الصالحين، فالعرب تنصب هذا والنحويون أجمعون، ولو كان صفة لم يجز أن تدخل عليه اللام؛ لأنك لا تدخلها في ذا الموضع على الصفة، ولا يكون هو ونحن صفة وفيها اللام" انتهى كلام س.
وقوله: ويقع باللفظ المرفوع المنفصل مطابقًا لمعرفة يعني مطابقًا لها في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتكلم والخطاب والغيبة.
وقوله: قبل أي تكون المعرفة قبل الفصل، فقطع "قبله" عن الإضافة، وبناه على الضم، فلو كان قبل الفصل نكره وما بعده معرفة، نحو قولك: ما

ظننت أحدًا هو القائم، وإن كان أحد هو القائم فأنت، وكان رجل هو القائم، فأجاز الفراء وهشام النصب في "القائم"، وجعل "هو" فصلًا. ومنع ذلك س والبصريون. والمعروف من قوله إجازة مثل قوله:
.................. ولا يك موقف منك الوداعا
فعلى هذا يجوز فيه الفصل كما ذهب إليه هشام والفراء.
وقوله: باقي الابتداء أو منسوخه باقي الصفة لمعرفة، يعني أن المعرفة التي تكون قبل الفصل تكون باقية الابتداء أو منسوخة الابتداء ببعض النواسخ، وملخصه أنه يتوسط بين المبتدأ والخبر أو معمولي الناسخ بالشروط التي نذكرها.
وجوز الفراء دخوله أول الكلام. وهو عند الكوفيين عماد. وحمل قوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}، {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ}. وقال: "لم يوضع العماد لأن يدخل بين المبتدأ والخبر، إنما وضع في كل موضع يبتدأ فيه بالاسم قبل الفعل، فإذا ابتدأت بالاسم أو كان موضعه صح دخوله، وإن كان فيه الاسم كنت مخيرًا، نحو: جاء زيد وأبوه قائم، / والأحسن أن يقع بينهما لأن الابتداء قد حصل أولًا، فيصح أن تقول: وهو أبوه قائم، وهل زيد ذاهب؟ وإن كان فيه الفعل أو

معناه، والموضع للاسم، قبح إلا بالعماد أولًا، نحو: أتيت زيدًا وقائم أبوه، وأتيت زيدًا ويقوم أبوه، ويزول القبح إذا قلت: أتيت زيدًا وهو قائم أبوه" قال: "وسمعت بعض العرب يقول: كان مرة وهو تنفع الناس أحسابهم. وإن كان الموضع صالحًا صح أيضًا العماد، نحو: هل هو مضروب زبد؟ وما هو بذاهب زيد، قال تعالى {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ}، وأما هو فذاهب زيد؛ لأنه بقبح: أما فذاهب زيد؛ لأنه للاسم" انتهى كلام الفراء.
والصحيح أنه يتوسط بين المبتدأ والخبر، أو بين معمولي الناسخ، بالشروط التي تذكر، وتقدم شيء من الكلام على بعض هذا في الضمائر التي يفسرها ما بعدها.
وقوله: ذي خبر بعد أي: بعد الفصل، فحذف المضاف إليه، وبنى بعد كما فعل في قبل.
وقوله: معرفة يعني أن الخبر يكون معرفة كما كان في المبتدأ أو منسوخه معرفة، فتقول: زيد هو القائم، وكان زيد هو القائم، وظننت زيدًا هو القائم.
ولم يشترط البصريون في تعريف الخبر شرطًا، فسواء عندهم أكان مضمرًا أم علمًا أم مبهمًا أم معرفًا بالألف واللام أم مضافًا إلى واحد منها، فتقول: كان زيد هو أخاك، وكان صاحبك هو زيد، وكذلك ما أشبه.
وذهب الفراء إلى أنه إن كان معرفة بغير الألف واللام لم يجز إلا بالرفع، ولا يجوز أن يكون فصلًا، نحو: كان زيد هو أخوك، وكان زيد هو صاحب الحمار، وما أشبهه. قال الفراء: وأجيز: كان عبد الله هو أخاك، بمعنى: الأخ لك، ولا أجيز ذلك في زيد وعمرو.

وأما إذا كان معرفة بالألف واللام فإما أن يكون ذلك في باب "ما" أو في غير باب "ما": إن كان في باب "ما" فلا يجوز أن يكون فصلًا عند الفراء نحو: ما زيد هو القائم، قال: لأن نصبه بالتوهم من حدوث الباء، والباء لا تدخل على "هو"؛ لأن نيته هو الرفع، ولا تدخل على "القائم" لأنهما كالحرف الواحد.
وإن كان في غير باب "ما" فإما أن يكون في "ليس" أو في غيرها: إن كان في "ليس" فالرفع الوجه عند الفراء، فتقول: ليس زيد هو القائم، ويجوز النصب. وأما البصريون فالنصب عندهم هو الوجه. وأجازوا الرفع.
وإن كان في غير "ليس" فإما أن يكون دخل على الخبر لام الفرق أو فاء جواب أما، أو على صيغة المضمر لا النافية أو إلا، أو كان في معنى ما دخل عليه إلا، أو لا يدخل: فإن دخلت على الخبر لام الفرق، نحو: إن كان زيد هو للقائم، فلا يجوز أن يكون فصلًا. وينصب "للقائم" عند الفراء، وهو الذي يقتضيه تعليل س؛ لأن الفصل إنما جئ به فرقًا بين النعت والخبر، فيجب أن لا يجوز النصب؛ لأن اللام لا تدخل في النعت، ولذلك منع س أن تكون "هو" وأخواتها صفة إذا دخلت عليها لام الفرق، ورد على من ذهب إلى ذلك؛ لأن النعت لا تدخل عليه لام الفرق. وعلى قول أبي العباس يجوز النصب لأنه إنما يؤتى بالفصل عنده ليدل على أن الخبر معرفة أو ما قاربها.
وإن دخلت على الخبر فاء جواب أما، نحو قولك: أما زيد هو فالقائم، فذهب س والفراء إلى أنه لا يجوز الفصل؛ لأن دخول الفاء يدل

على أنه ليس بنعت. وعلى قول أبي العباس يجب أن يجوز.
وإن دخلت "لا" النافية على صيغة المضمر، نحو قولك: كان عبد الله لا هو العالم ولا المقارب فمذهب البصريين جواز الفصل والنصب، لأن "لا" لا تغير من هذا شيئاً، ويفرق بها النعت والمنعوت لا اختلاف في ذلك، فتقول: مررت برجل لا نائم ولا جالس. وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز إلا الرفع فيهما جميعاً.
وإن دخلت "إلا" على صيغة المضمر نحو: ما كان زيد إلا هو الكريم فذهب البصريون والفراء إلى أنه لا يجوز الفصل ولا النصب وذهب الكسائي إلى جواز ذلك لأن المعنى: ما كان زيد إلا الكريم.
وإن كان الكلام في معنى ما دخل عليه "إلا" نحو: إنما كان زيد هو القائم فهي عند الفراء كالمسألة التي قبلها، لأن "إنما" تؤدي عن معنى النفي والإيجاب. والحجة في إجازتها أن النعت هنا يجوز.
وإن لم يدخل على الخبر ولا على صيغة المضمر شيء مما ذكره فإما أن يكون الخبر جامداً أو مشتقا: إن كان جامداً جاز أن يكون فصلاً نحو قوله تعالى: {إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}.
وإن كان مشتقاً فإما أن يكون رافعاً ضمير الأول أو سببيه: " إن كان رافعاً ضمير الأول فإما أن يتقدم عليه ما ظاهره التعلق به من حيث المعنى أو لا يتقدم: فإن تقدم نحو: كان زيد هو بالجارية الكفيل، فإن أردت أن يكون " بالجارية" في صلة الكفيل لم تجز المسألة بإجماع، رفعت الكفيل أو نصبته وإن أردت أن لا يكون في صلة الكفيل فاختلفوا فيه: فمن النحويين من يجعل " بالجارية " تبييناً كما قال تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ

النَّاصِحِينَ}. ومنهم من يقدره: كان زيد هو كفيل بالجارية الكفيلة. ومنهم من يجعل الكفيل بمنزلة الرجل. والرفع في الكفيل هو البين. فإن نصبت الكفيل لم تجز المسألة عند الفراء بوجه. فأما على أصوات البصرية فيحب. فإن جعلت "بالجارية" تبييناً جاز النصب في هذا الوجه خاصة، لأن التقدير: كان زيد هو الكفيل كفالته بالجارية.
وإن لم يتقدم جاز أن يكون فصلاً نحو: كان زيد هو الكفيل بالجارية وظننت زيداً هو القائم وكان زيد هو الحسن الأم.
وإن كان رافعاً ألسببي فإما أن يكون الضمير مطابقاً للاسم أو مخالفاً: فإن كان مطابقاً نحو: ظننت زيداً هو القائم أبوه، أو هو القائم جاريته، أو هو القائمة جاريته، فلا يجوز فيه عند البصريين الفصل، بل يجب الرفع فيما بعده. وأجاز الكسائي الفصل والنصب. وفصل الفراء بين أن يكون الوصف خلفاً من موصوف فيوافق الكسائي، أو غير خلف غير فيوافق البصريين، وحكي علي بن سليمان عن البصريين إنكار الخلف.
وإن كان مخالفاً نحو: كان زيد/ هي القائمة جاريته فأجاز الكسائي النصب، ومنع الفراء والبصريون هذه المسألة فلا تجوز برفع ولا نصب لتقدم المكني على الظاهر.
وإذا عطفت بالواو فإما أن تذكر الضمير بعدها أو لا تذكر فإن لم تذكر نحو: كان زيد هو المقبل والمدبر، جاز الوجهان الرفع والنصب.
وإن ذكرت فإما أن يختلف الخبران أو يتفقا: إن اختلفا نحو: كان زيد هو القائم وهو الأمير فلا يجوز في "الأمير" عند البصريين والفراء إلا الرفع. وأجاز هشام النصب فيه. قالوا: لأن "هو" زيادتها شاذة، فلا تتمكن في كل موضع. وأيضا فإن فيها معنى التوكيد، فلا يعطف عليها كما لا يعطف على

التوكيد فأما إنشاد الكوفيين:
فاضحي ولو كانت خراسان دونه رآها مكان السوق أو هي أقربا
فالقول فيها عند البصريين أن "هي" مبتدأ و"أقرب" ظرف.
وإن اتفقا نحو: كان زيد هو المقبل وهو المدبر فالرفع في المقبل والمدبر عند البصريين لا غير، وأجاز النصب القراء وهشام.
وإذا عطفت بـ"لا" فإما أن تذكر الضمير بعدها أو لا تذكر: فإن لم تذكره، نحو: كان زيد هو القائم لا القاعد، جاز رفعهما ونصبهما بلا خلاف. فإن ذكرت بعد"لا" الضمير نحو: كان زيد هو القائم لا هو القاعد، رفعت على قول البصريين ونصبت على قول هشام.
وإّذا عطفت بـ "ولكن" في نحو: ما كان زيد هو القائم ولكن هو القاعد، رفعت " القاعد" على قول البصريين والفراء وأجاز هشام النصب.
وقوله: أو كمعرفة في امتناع دخول الألف واللام عليه قال س: " واعلم أن هو لا تكون فصلاً حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة مما طال ولم تدخله الألف واللام، فضارع زيداً وعمراً، نحو قولك: خير منك ومثلك وأفضل منك وشر منك كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ضارعها، فلو قلت: كان زيد هو منطلقاً كان قبيحاً حتى تذكر الأسماء التي ذكرت لك المعرفة أو ما ضارعها من النكرة ولم تدخله الألف واللام" انتهى كلام س.
وهذا الذي ذكر س من أن شرط الثاني إذا كان نكرة أن لا يقبل الألف واللام كأنه مجمع عليه، إلا أنه إذا كان ما بعد صيغة الضمير فعلاً مضارعاً

فإن الجرجاني حكي أن بعضهم أجاز أن يكون فصلاً نحو: كان زيد هو يقوم.
وقوله وأجاز بعضهم وقوعه بين نكرتين كمعرفتين مقاله: ما أظن أحداً هو خيرا منك، وما أجعل أحداً هو أفضل منك، ف"أحد" بما فيه من العموم شبيه بالمعرف بالألف واللام الجنسية، " وخير منك" شبيه بمعرفة في امتناع دخول حرف التعريف عليه. قال س: " لم يجعلوه فصلاً وقبله نكرة". ثم قال: " وأما أهل المدينة فينزلون هو ههنا بمنزلتها في المعرفة في كان ونحوها، فزعم يونس أن أبا عمرو ورآه لحناً" انتهى.
ووافق أبو موسى أهل المدينة في ذلك، فأجاز وقوع الفصل بين نكرتين لا تقبلان الألف واللام.
وحكي الأستاذ أبو الحسن بن الباذش أن قوماً من الكوفيين أجازوا الفصل في النكرات كما يكون في المعارف قالوا: ومنه قوله تعالى {تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} ف (أربى) في موضع نصب.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: وأجازوا الفصل بين الاسم الذي ولي"لا" وبين خبره وإن لم يكون معرفة فقالوا: لا رجل هو منطلق، ف"هو" فصل على حد: إن زيدا هو القائم وأول على أن "هو" مبتدأ ومنطلق: خبره والجملة خبر.

وقوله: ورُبَّما وقع بين حال وصاحبها قال المصنف في الشرح: "حكي الأخفش أن بعض العرب يأتي بالفصل بين الحال وصاحبها، فيقول: ضربت زيداً هو ضاحكاً وعلى هذه اللغة قرأ بعضهم: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} بنصب (أطهر) " انتهى.
وقال بعض أصحابنا: نقل الأخفش في الأوسط أن من العرب من يفصل بهذه الضمائر بين الحال وصاحبها، ولم يذكر القراءة - يعني (هن أطهر) بالنصب- فإن اتفق أن ينقل مررت بزيد هو ضاحكاً كان قاطعاً بما ذهب إليه. وعلى أنه لم يأخذ ذلك من القراءة ينبغي أن يحمل كلامه، لأن من العلم بمكان ى يجهل، فيكون الخليل وس لم يحفظا هذه اللغة
وقال ابن طاهر: هذه القراءة مروية، فلا يعنف قارئها وقد يتجه له وجه، لأن هذه الحال فيها الفائدة فكانت كالخبر. وحكي عن أبي عمرو أن هذه القراءة لحن. وقال الخليل: " والله إنه لعظيم جعل أهل المدينة هذا فصلاً".
ونقول: اختلفوا في د=خولهما بعد تمام الكلام نحو: هذا زيد هو خيراً منك: فأجاز عيسى ذلك وقرأ {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} بالنصب. وهذا لحن عبد الخليل وس. قالوا: ولو جاز هذا لجاز: ضربت زيداً هو أفضل منك قالوا: وهذا خطأ على كل علة قيلت في المجيء بالفصل.

"وزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحناً وقال: احتبي ابن مروان في زه في اللحن، يقول: لحن، وهو رجل من أهل المدينة كما تقول: اشتمل بالخطأ وذلك لأنه قرأ: {{هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} فنصب".
وقد وجهت هذه القراءة على أن يكون (هن) مبتدأ و (لكم) هو الخبر و (أطهر) منصوب على الحال، والعامل فيها معنوي وهو المجرور، وقد تقدمت على العامل المعنوي كقراءة من قرأ {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}.
وقال بعض العرب: " أكثر أكلي التفاحة هو نضيجة"، ويحمل"هو" على أنه مبتدأ وهو خبره وفي موضع خبر الأول والتقدير: هو إذا كانت نضيجة.
وأجاز الكوفيون الفصل في نحو: ما بال زيد هو القائم، وما شأن عمرو هو الجالس. ولا/ يجيز البصريون في مثل هذا إلا الرفع.
وأجاز الكسائي والفراء: مررت بعبد الله هو السيد الشريف ولئن لحقته لتلحقنه هو الجواد الكريم، وخرجت فإذا بعبد الله هو القائم، والقائم. قال الفراء: والمعنى: فوجدت عبد الله. قال بعض البصريين: ولو جاز هذا لجاز: خرجت فإذا عبد الله بمعنى: وجدت عبدا لله وهذا لا يجيزه أحد. قال الفراء: وسمع الكسائي العرب تقول: " كنت أرى العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا أنا بالزنبور إياها بعينها" وتأتي المسألة الزنبورية في " باب المبتدأ" إن شاء الله.

فرع: كان هو القائم زيد، تجعل في "كان" ضميراً مجهولاً، وهو المسمى ضمير الشأن عند البصريين، وتجعل خبر "كان" "القائم" فتنصبه، وتجعل زيداً فاعلاً به. وهذا تفريع على مذهب الكوفيين أن ضمير الشأن يفسر بغير جملة. قال الفراء: وهذا الفرع ليس بجائز. قال: وهو في قياس قول لكسائي جائزا. انتهى. وأما البصريون فهذا عندهم خطأ لأن ضمير الشأن إنما يفسر بجملة.
فرع: إذا نتقدم مفعولا ظننت عليها جاز أن يأتي الفصل بينهما نحو: زيداً هو القائم ظننت، فإن تقدم المفعول الأول وتوسطت ظننت وتأخر الثاني نحو: زيداً ظننت هو القائم ففي جواز ذلك نظر.

-[ص: وربما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضر قائم مقام مضاف ولا يتقدم مع الخبر المقدم، خلافاً للكسائي، ولا موضع له من الإعراب على الأصح وإنما تتعين فصيلته إذ وليه منصوب وقرن باللام أو ولي ظاهراً وهو مبتدأ مخبر عنه بما بعده عند كثر من العرب.]-
ش: هذه خمس مسائل. مثال الأولى قوله:
وكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا
وذلك أنه قد قدمنا أن صيغة هذا الضمير يكون مطابقاً لما قبله في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتكلم والخطاب والغيبة، وقوله"يراني" الرؤية هنا من رؤية القلب، فالضمير الذي للمتكلم هو المفعول الأول والمصاب هو المفعول الثاني، والياء ضمير متكلم، "هو" ضمير غائب فلم يتطابقا في التكلم فاحتيج إلى تأويل " يراني" على حذف

مضاف، التقدير: يرى مصابي ثم حذف المضاف وأقام ضمير المتكلم مقامه وطابق "هو" المحذوف الذي هو " مصابي " لا النائب الذي هو الياء وتقدم الخلاف في: كان زيد هي القائمة جاريته.
وقال العكبري في المصباح: " هو توكيد للفاعل في يراني، وفصل بين المفعولين، والأول محذوف وأقيم المضاف إليه مقامه والمصاب مصدر، أي: يظن مصابي هو المصاب، يحقر كل مصاب/ دونه" انتهى.
وقال بعض أصحابنا: " هو عند صديقه بمنزلة نفسه فإذا أصيب في نفسه فكأن صديقه قد أصيب، فجعل ضمير الصديق مؤكداً لضميره لأنه هو في المعنى مجازاً واتساعاً فهو من باب: زيد زهير" انتهى.
ومثال الثانية: هو القائم كان زيد وهو القائم زيد، وهو القائم ظننت زيداً وشبه ذلك قال المصنف في الشرح: " لما كانت فائدة الفصل صون الخبر من توهمه تابعاً لزم من ذلك الاستغناء عنه إذ قدم الخبر، لأن تقدمه يمنع من توهمه تابعاً إذ التابع لا يتقدم على المتبوع، فلو قدم المفعول الثاني في "حسبت زيداً هو خ 0 يراً منك" لترك الفصل لعدم الحاجة إليه مع كونه في محله فلأن يترك ولا يجاء به قبل الخبر المقدم أحق وأولى فظهر بهذا بطلان ما أجازه الكسائي من ذلك " انتهى كلامه.
وما نقله المصنف من الجواز عن الكسائي مختلف فيه عن الكسائي،

فالذي حفظ عنه هشام المنع، والذي حكاه الفراء وغيره عنه الجواز.
والمنع قول البصريين وهشام والفراء. قال الفراء: لا يجوز: أنت القائم كنت. وإنما امتنع من التقديم- وإن كان نصباً- لأنه بني على الرفع وكل ما بني على الرفع أو الخفض، ثم أصابه نصب، لم يصبه إلا في موضعه الأصلي ألا ترى أنك تقول: هدمت الدار جمعاء وإن شئت: جمعاء فإذا حاولت أن تقدم "جمعاء " منصوبة لم يجز ذلك لأن النصب مبني على الرفع.
ولا يجيز البصريون نصب"جمعاء" لأن انتصابها إنما يكون على الحال، وهي معرفة، والحال لا تكون معرفة وسيأتي في "باب التوكيد" إن شاء الله.
وقال هشام: حكي قوم من أصحابنا أن الكسائي أجازها. وأخبروني بعض أصحابنا أنه قال: أجزت: وهو القائم كان زيد؟ فقال: لا. قال هشام: وحفظنا عنه الإحالة.
فأما التوسط بين كان واسمها فحكي إجازة ذلك من الكسائي نحو: كان هو القائم زيد. وإذا كان قد روي عنه الإجازة مع التقديم على "كان" فلأن يجوز ذلك مع التوسط أولى. ومذهب الجمهور المنع من التقديم على المبتدأ وعلى كان وظننت ومن التوسط بين كان واسمها وبين ظننت ومفعولها الأول.
المسألة الثالثة: اختلف القائلون بأن الفصل اسم هل له موضع من الإعراب أم لا؟ فذهب البصريون القائلون باسميته - ومنهم الخليل- إلى

أنه لا موضع له من الإعراب. وذهب الكسائي إلى أن موضع العماد كموضع الفعل أي الخبر. وذهل الفراء إلى أن موضعه كموضع الاسم، فإذا قلت: " زيد هو القائم" ف"هو" في موضع رفع على مذهبهما لأن ما قبله مرفوع وما بعده مرفوع، وإذا قلت: " ظننت زيداً هو القائم" ف"هو" في موضع نصب لأن ما قبله منصوب وما بعده منصوب وإذا قلت: " كان زيد هو القائم" ف"هو" عند الكسائي في موضع نصب، وعند الفراء في موضوع رفع.
ورد/ مذهبهما بأنه لو كان موضعه كموضع الاسم كان كالنعت له أو كالبدل وهذا خطأ لأن اللام تدخل عليه فتحول بينه وبين الاسم، وهذا لا يكون غي النعت ولا في التوكيد، ولو كان موضعه كموضع الخبر - وهي كالنعت أو التوكيد- لم يجز لأن النعت والتوكيد لا يتقدمان على من هما له.
وقال س: " فصارت هو وأخوتها هنا بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنها لا يتغير ما بعدها عن حالة قبل أن تذكر" انتهى. فظاهر هذا أن الفصل لا موضع له من الإعراب، ولو كان له موضع من الإعراب لجرى على ما قبله أو على ما بعده، فكان يطابق في الإعراب ما قبله وما بعده فكنت تقول: علمت زيداً إياه الفاضل، كما تقول: ما أكرمت إلا إياي.
المسألة الرابعة: في تعيين فصيلته. نقول: صيغة الضمير إن وقعت بعد المبتدأ وهو ظاهر نحو: زيد هو القائم جاز في "هو" أن يكون فصلاً وأن

يكون بدلاً، وأن يكون مبتدأ ثانياً، والقائم خبره، والجملة في موضع خبر زيد.
وإن كان المبتدأ مضمرا، نحو: أنت أنت القائم. جازت الأوجه الثلاث، وزاد الرابع وهو أن تكون توكيداً.
وإن وقعت بعد اسم كان، وهو ظاهر أو مضمر، وما بعده مرفوع تعين أن يكون مبتدأ، وذلك المرفوع خبره، والجملة خبر كان: كان زيد هو القائم وكنت أنت القائم، وإن كان ما بعده منصوباً ظاهراً نحو: كان زيد هو الفاصل، فلا يجوز فيه إلا البدل والفصل. وإن كان اسم كان مضمراً، نحو: كنت أنت الفاضل جاز الوجهان، وزاد ثالث وهو التأكيد إلا إن دخلت عليه لام الفرق فإنه لا يجوز فيه إلا الفصل، نحو: إن كان زيد لهو الفاضل، وإن كنت لأنت الفاضل، ولا يجوز البدل ولا التأكيد لأن لام الفرق لا يفصل بها بين التابع والمتبوع.
وإن وقعت بعد اسم إن، وهو ظاهر، نحو: إن زيداً هو القائم فلا يجوز فيه إلا الابتداء والفصل. أو مضمر، نحو: إنك أنت القائم، فيجوز الوجهان زاد الثالث وهو التأكيد.
وإن وقعت بعد المفعول الأول لظننت وهو ظاهر أو مضمر وما بعد صيغة الضمير مرفوع، فلا يجوز أن يكون إلا مبتدأ وذلك المرفوع خبر له والجملة في موضع المفعول الثاني لظننت نحو: ظننت زيداً هو القائم، وظننتك أنت القائم. وإن كان منصوباً والمفعول الأول ظاهر، نحو: ظننت زيداً هو القائم فلا يجوز إلا الفصل، ولا يجوز الابتداء لنصب ما بعده، ولا التوكيد لأن الظاهر لا يؤكد بالمضمر، ولا البدل لعدم المطابقة في الإعراب. وإن كان المفعول الأول مضمراً، نحو: ظننتك أنت القائم جاز أن يكون فصلاً وأن يكون توكيداً.

وحكم الثاني والثالث في باب أعلمت حكم الأول والثاني في باب علمت، فما جاز فيه من أحكام الفصل جاز/ فيه. وحكم"ما" في لغة الحجازية حكم"كان".
وتعينت الفصلية فيما ذكرناه في صورتين:
إحداهما: إذا وليه منصوب، وقرن باللام، نحو: إن كان زيد لهو الفاضل، وإن كنت لأنت الفاضل، وأن ظننت زيداً لهو الفاضل، وإن ظننتك لأنت الفاضل.
والثانية: إذ ولي هو ظاهرا منصوبا ووليه منصوب، وإن لم يكن معه لام الفرق، نحو: ظننت زيداً هو القائم، وهو قول المصنف (إذا وليه منصوب وقرن باللام، أو ولي ظاهراً"، فقوله"أو ولي ظاهراً" معطوف على قوله" وقرن باللام" لا على قوله " وليه منصوب" لأن شرط تعينه للفصلية في الصورتين هو أن يليه منصوب، ويضاف لهذا الشرط أحد شيئين، وهو أن يقرن باللام، أو يلي هو ظاهراً وإن لم يقرن بها وكان ينبغي أن يقول: " أو ولي ظاهراً أو منصوباً" ليحترز من: كان زيد هو الفاضل، لأنه يصدق عليه أنه وليه منصوب، وولي هو ظاهراً وهو في هذه الصورة لا يتعين للفصلية إذ يجوز أن يكون بدلاً من الظاهر الذي هو زيد اسم كان.
المسألة الخامسة: وهو أنه يجوز أن يكون هذا الضمير مبتدأ ويخبر عنه بما بعده عند كثير من العرب، ويقرءون {إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ}.

{تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً}، وقرأ عبد الله {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ}. وقال س: " بلغنا أن رؤبة كان يقول: أظن زيداً هو خير منك"
وحكي أبو عمر الحزمي أن الرفع لغة بني تميم. وحكي عن أبي زيد أنه سمعهم يقرءون {تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً}. وقال قيس بن ذريح:
نحن إلى ليلى، وأنت تركتها وكنت عليها بالملا أنت أقدر
وفائدة الفصل عند جمهور النحويين هو إعلام السامع أن ما بعده لا يكون نعتاً مع التوكيد. وقال السهلي: فائدته الاختصاص، فإذا قلت: " كان زيد القائم" أفدت الإخبار عن زيد بالقيام، ويحتمل أن يكون غيره قد شاركه فيه، فإذا قلت" كان زيد هو القائم" أفدت اختصاصه به دون غيره، وعلى هذا {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} أي: المختص بالبتر دونك يا محمد، والآية نزلت في العاصي بن وائل وكان قد قال: إن محمداً أبتر. وجعل من الاختصاص قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ

أَمَاتَ وَأَحْيَا}، {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} لما كان ثم من يدعي أنه يضحك ويبكي، ويميت ويحي ويغني ويقني، وأن الشعري رب، أخبر عن نفسه أنه هو المختص بذلك. وقال تعالى {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ}: لما لم يدع أحد الخلق لم يحتج إلى التخصيص.
وما أورد السهلي من هذه الآيات ليست "هو" فيها فصلاً أما ما جاء بعد الضمير فيه فعل فظاهر وأما {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} و {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} فإنه يجوز أن يكون فصلاً ويجوز أن يكون غير فصل، ففي (هُوَ الأَبْتَرُ) يجوز أن يكون مبتدأ وفي {هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} يجوز أن يكون مبتدأ، ويجوز أن يكون توكيداً للضمير المنصوب اسم أن.
مسألة: إن اجتمع الضميران مع الفصل فإما أن تفصل بينهما أو لا تفصل فإن لم تفصل، نحو: زيد ظننته هو إياه خيراً من عمرو فمذهب س أنه لا يجوز ذلك أن تأكيد في المعنى بهذه الثلاثة. وكل منها يغني عن صاحبه. وإن فصلت وأخرت البدل، جاز نحو: ظننته هو القائم إياه، لأنه في نية الاستئناف، وصار في ذلك بمنزلة إن واللام في كلام واحد إذا تأخرت اللام، وسواء أكان الفصل بالمفعول الثاني أو بظرف معمول الخبر، نحو: ظننته هو يوم الجمعة إياه القائم. فإن كان أحدهما إضماراً والآخر ظاهراً جاز اتفاقاً لعدم الضميرين المؤذنين بالضعف، نحو: ظننته هو نفسه القائم.
مسألة: لا يقع الفصل بين الخبرين، فلا تقول: ظننت هذا الحلو هو الحامض، لأن الثاني ليس بالمعول عليه وحده. وقيل: بدخوله بينهما.

الصفحات [128] [129] [130] [131] [132] [133] [134] [135] [136] [137] [138] [139] [140] [141] [142] [143] [144] [145] [146] [147] [148] [149] [150] [151] [152] [153] [154] [155] [156] [157] [158] [159] [160] [161] [162] [163] [164] [165] [166] [167] [168] [169] [170] [171] [172] [173] [174] [175] [176] [177] [178] [179] [180] [181] [182] [183] [184] [185] [186] [187] [188] [189] [190] [191] [192] [193] [194] [195] [196] [197] [198] [199] [200] [201] [202] [203] [204] [205] [206] [207] [208] [209] [210] [211] [212] [213] [214] [215] [216] [217] [218] [219] [220] [221] [222] [223] [224] [225] [226] [227] [228] [229] [230] [231] [232] [233] [234] [235] [236] [237] [238] [239] [240] [241] [242] [243] [244] [245] [246] [247] [248] [249] [250] [251] [252] [253] [254] [255] [256] [257] [258] [259] [260] [261] [262] [263] [264] [265] [266] [267] [268] [269] [270] [271] [272] [273] [274] [275] [276] [277] [278] [279] [280] [281] [282] [283] [284] [285] [286] [287] [288] [289] [290] [291] [292] [293] [294] [295] [296] [297] [298] [299] [300] [301] [302] [303] [304]  المجلد[2]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب إعراب الصحيح الآخر

العنوان الحالي : باب المضمر

العنوان التالي : باب الاسم العلم  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة