معيد النعم ومبيد النقم

 


المثال الخامس والأربعون
المحتسب: وعليه النظر في القوت، وكشف غُمَّة المسلمين فيما تدعو إليه حاجتهم من ذلك، والاحتراز في المشروب؛ فطالما أَوهم الخمَّار أنه فُقّاعي (¬1) أو أَقْسِماوِيّ (¬2) والطعام؛ فطالما أوهم الطبّاخ أنَّ لحم الكلاب لحم ضأن. فليتَّق اللَّه ربَّه، ولا يكن سببًا في إدخال جوف المسلمين ما كرهه اللَّه لهم من الخبائث. ويحرِّم عليه التسعير في كل وقت على الصحيح، وقيل: يجوز في زمان الغلاء، وقيل: يجوز إذا لم يكن مجلوبًا، بل كان مزروعًا في البلد، وكان عند الشتاء. وإذا سعَّر الإِمام انقادت الرعيَّة لحكمه، ومن خالفه استحقَّ التعزير. ومن مهمَّات المحتسب -لا سيّما في بلاد الشام- أمران ارتبطا به. أحدهما النقود من الذهب والفضة المضروبين، ولا يخفى أنَّ في زَغلهما هلاكَ أموال البشر؛ فعليه اعتبار العيار بمِحكّ النظر، والتثبت في سِكّة المسلمين. وثانيهما المياه. فعليه الاحتراز في سياقتها. وقد جرت عادة أناس في الشام أن يشتري بعضهم قدرًا معلومًا من ماء نهر ثَوْرَي أو بأناس مثلًا، ويتحيَّل لصحته بأن يورد العقد على مقرّه بما له فيه من حقّ الماء وهو كذا إصبعًا ثم يسوقه، ويحمله على مياه الناس برضا طائفة يسيرة منهم. وكان الشيخ الإِمام رحمه اللَّه يشدِّد النكير في هذا. وله فيه تصنيف سماه "الكلام على أنهار دمشق". والحاصل أنَّ الخلق في أنهار دمشق سواء يقدَّم الأعلى منهم فالأعلى. ولا يجوز بيع شيء من الماء ولا مقرَّه، ولا يفيد رضا قوم ولا كلهم؛ لأنهم لا يملكون إلَّا الانتفاع، بل ولا رضا أهل الشام بجملتهم لأنَّ رضاهم لا يكون رضا من بعدهم مِمَّن يحدث من الخلق.

المثال السادس والأربعون
العلماء: وهم فرق كثيرة: منهم المفسِّر والمحدِّث والفقيه والأصوليُّ
¬__________
(¬1) الفقاعي أو الفقاع: شراب يتخذ من أصناف الحلاوات، يرتفع في رأسه زبد وفقاقيع، فمن هذا اسمه. وهو ما يعرف في هذه الأيام بالشربات.
(¬2) أقسماوي، ويُقال: أقسما: نقيع الزبيب. قال في شفاء الغليل: وأظنُّه معرَّب أبسمًا.

والمتكلِّم، والنحويُّ وغيرهم، وتتشعَّب كل فرقة من هؤلاء شعوبًا وقبائل. ويجمع الكلَّ أنَّه حقٌّ عليهم إرشاد المتعلمين، وإفتاء المستفتين، ونصح الطالبين، وإظهار العلم للسائلين؛ فمن كتم علمًا ألجمه اللَّه بلجام من نار، وألّا يصدوا بالعلم الرئاء والمتاهاة والسمعة، ولا جعله سبيلًا إلى الدنيا؛ فإن الدنيا أقلُّ من ذلك. قال: الفَضيْل رحمه اللَّه: إنِّي لأرحم ثلاثة: عزيز قومٍ ذلَّ، وغنيًا افتقر، وعالمًا تلعَّبُ به الدنيا. وأنشد بعضهم:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... ومن يشتري دنياه بالدين أعجب!
فأقلّ درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخسّتها، وكدورتها وانصرامها، وعِظَمَ الآخرة وصفاءها ودوامَها، وأن يعلم أنهما متضادّتان، وأنهما ضرَّتان؛ متى أرضيت واحدة أسخطت الأخرى، وكِفَّتا ميزان؛ متى رَجحت إحداهما خفَّت الأخرى، وكالمشرق والمغرب؛ متى قَرُبت من أحدهما بَعُدت عن الآخر، وكَقَدحين أحدهما مملوءٌ فبقدر ما تصبُّ منه في الآخر تفرغ من هذا فمن لا يعلم حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذَّاتها بالهموم فاسد العقل؛ فإنَّ المشاهدة والتجربة ترشد العقلاء إلى ذلك، فكيف يكون في العلماء من لا عقل له! ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر لا إيمان له، فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له! ومن لا يعلم أنهما ضَرتان والجمعُ بينهما بعيد فهو جاهل. ومن علم هذا كلَّه، ثم آثرَ الحياة الدنيا علي الآخرة فهو أسير الشيطان؛ قد أهلكته شهوته، وغلبت عليه شِقوته، فكيف يعدُّ من العلماء من هذه درجته. ووَحق الحقِّ إنِّي لأعجب من عالم يجعل علمه سبيلًا إلى حطام الدنيا، وهو يرى كثيرًا من الجهَّال وصلوا من الدنيا إلى ما لا ينتهي هو إليه! فإذا كانت الدنيا تُنال مع الجهل فما بالنا نشتريها بأنفس الأشياء وهو العلم! فينبغي أن يقصد بالعلم وجه اللَّه تعالى، والترقّي إلى جوار الملأ الأعلى.
والكلام في العلماء وما ينبغي لهم يطول ولكنَّا نُنَبِّهُ على مهمَّات؛ فمن هؤلاء من يطلب العلوَّ في الدنيا والتردُّد إلى أبواب السلاطين والأمراء كما ذكرناه، وحبَّ المناصب والجاه، فيؤدِّي ذلك إلي أنَّ قلبه يُظلم بهذه الأكدار، ويزولُ صفاؤه بهذه الأمور التي تُظلم القلوب، وتبعد عن علَّام الغيوب وإلى أنَّه يشتغل

بهم وبها عن الازدياد في العلم، فكم رأينا فقيهًا تردَّد إلى أبواب الملوك فذهب فقهه، ونسي ما كان يعلمه، وإلى فساد عقيدة الأمراء في العلماء فإنهم يستحقرون المتردَّد إليهم، ولا يزالون يعظمون الفقيه حتى يسألهم في حوائجه. ويؤول ذلك إلى أنهم يظنون في أهل العلم السوء ولا يطيعونهم فيما يفتون به، وينقصون العلم وأهله، وذلك فساد عظيم، وفيه هلاك العالَم.
وإذا قال لك فقيه: إنَّ التردُّد إلى أبواب السلاطين لإعزاز الحقّ ولنصرة الدين، ولغرض من الأغراض الصحيحة، فقل له: إن صحَّ ما تقول -وأنت أخبر بنفسك- فأنت على خطر عظيم، لأنَّك قد انغمست في الدنيا، وأنت تدعي أنك تقصد بها الآخرة. وإن ثبت هذا فما نأمن عليك أن تنجرَّ مع الدنيا. ولذلك كان سفيان الثوري رحمه اللَّه يقول: إن دعوكَ لتقرأ عليهم "قل هو اللَّه أحد" فلا تمض، ولا تقرأها. وبالجملة أنت أخبر بنفسك، فابحث عنها. أنشدنا الحافظ أبو العباس بن المظفر الأشعريّ بقراءتي عليه قال: أنشدنا الحسن بن عليّ بن أبي بكر محمد بن الخلال بقراءتي عليه قال: أنشدنا جعفر الهمداني سماعًا قال: أنشدنا أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرَّحمن بن يحيى العثماني الديباجي الإمام قال: كتب إليّ العلَّامة أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري من مكة وأجازني ح (¬1) وكتب إليَّ أحمد بن عليّ الحنبلي وزينب بنت الكمال وفاطمة بنت أبي عمر عن محمد بن عبد الهادي عن الحافظ أبي طاهر السِّلَفيّ عن الزمخشري قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الخوارزمي قال: أنشدنا أبو سعد المحسن بن محمد الجشميّ قال: أنشدنا الحاكم أبو الفضل إسماعيل بن محمد ابن الحسن قال: أنشدنا القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني لنفسه:
يقولون لي: فيك انقباض. وإنَّما ... رأوا رجلًا عن موقف الذلِّ أحجما
أرى الناس من داناهم هانَ عندهم ... ومن أكرمته عزَّة النفس أُكرما
وما كل برق لاحَ لي بستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه مُنْعِما
وإنِّي إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب كفي إثره متندِّما
ولم أقض حقَّ العلم إن كان كلَّما ... بدا طمع صيّرتُه لى سلّما
¬__________
(¬1) وأجازني حينئذٍ و (ح) عند المحدثين رمز لتحويل الإسناد.

إذا قيلَ: هذا منهل قلت: قد أرى ... ولكنَّ نفس الحرِّ تحتملُ الظما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدمُ من لاقيت، لكن لأُخدما
أأشقى به غرسًا وأجنيه ذلَّةً ... إذًا فاتباع الجهل قد كانَ أحزما
ولو أنَّ أهل العلم صانوهُ صانهم ... ولو عظَّموه في النفوسِ لعُظِّما
فلقد صدق هذا القائل: لو عظِّموا العلم لعظَّمهم. وأنا أقرأُ قوله: لعظَّما بفتح العين فإنَّ العلم إذا عُظِّم يعظم، وهو في نفسه عظيم؛ ولهذا أقول: ولكن أهانوه فهانوا؛ ولكن الرواية فهانَ ولعظم بضمِّ العين، والأحسن ما أشرتُ إليه. وقد نحا شيخ الإسلام تقيُّ الدين بن دقيق العيد رحمه اللَّه تعالى نحو هذه الأبيات فقال:
يقولون لي: هلَّا نهضت إلى العلا ... فما لذَّ عيشُ الصابر المتقنِّع
وهلَّا شددتُ العيسَ حتى تحلَّها (¬1) ... بمصرٍ إلى ظلِّ الجناب المرفَّع
ففيها من الأعيانِ من فيضِ كفِّه ... إذا شاء روَّى سيله كلَ بَلْقَعِ
وفيها قضاة ليس يخفى عليهم ... تعيّن كون العلم غير مضيعِ
وفيها شيوخ الدين والفضل والألى ... يشير إليهم بالعلا كل إصبعِ
وفيها، وفيها، والمهانة ذلَّة ... فقم واسع واقصد باب رزقك واقرع
فقلت: نعم أسعى إذا شئت أن أُرى ... ذليلًا مهانًا مستخفًّا بموضعي
وأسعى إذا ما لذَّ لي طولُ موقفي ... على باب محجوب اللقاء ممنَّع
وأسعى إذا كان النفاق طريقتي ... أروحُ وأغدو في ثياب التصنعِ
وأسعى إذا لم يبقَ فيَّ بقيَّة ... أراعي بها حقَّ التُّقى والتورُّعِ
فكم بين أرباب الصدور مجالسًا ... تشبُّ بها نارُ الغضي بين أضلُعي
وكم بين أربابِ العلوم وأهلها ... إذا بحثوا في المشكلاتِ بمجمعِ
مناظرةً تُحمي (¬2) النفوسُ فتنتهي ... وقد شرعوا فيها إلى شر مشرعِ
¬__________
(¬1) يجوز أن يكون من الإحلال، أي حتَّى تنزلها، ويجوز أن يكون من الحل، أي تحل رجالها، وهو أنسب بقوله: شددت.
(¬2) أي تجعلها حامية متقدة من الغضب.

إلى السفه المزري بمنصبِ أهله ... أو الصمت عن حقّ هناك مُضيعِ
فإمَّا توقّي (¬1) مسلك الدين والتُّقى ... وإمَّا تلقَّى غُصَّة المُتَجَرِّع
ومنهم من يضيع كثيرًا من وقته في طلب القضاة وغيره من المناصب فإن كان مراده القوت فالقوت يجيء بدون ذلك، وإن كان مراده الدنيا فقد كان في اشتغاله بصنعة الأجناد والدواوين وغيرهم من العامَّة ما لعلَّه أنجح في مقصده؛ فإن الدنيا في أيدي أولئك أكثر ومن هذه الطائفة من يقول: أكرِهت على القضاء: وأنا لم أرَ إلى الآنَ من أكره على القضاء الإكراه الحقيقي. وقد ضُرب جماعة من السلف على أن يلوا القضاء فأبوا، وسُمْر باب أبي عليّ بن خيران مدة. وما ذاك إلَّا لأنهم يخشون ألَّا يقيموا فيه الحقّ لفساد الزمان، وإلَّا فالقضاء إذا أمكن فيه نصر الحق من أعظم القربات؛ ولكن أين نصر الحقّ وهم لا يدخلون فيه إلّا بالسعي، وربَّما بذلوا عليه الذهب! ومذْهب كثير من العلماء أنَّ من يبذل الذهب على القضاء لا تصح أحكامه. ولا يخفى أنه إذا فسّق لم يكن نافذ الأحكام. وكأني بأحمق من الفقهاء، يقول: تَعَيَّن عليّ طلبُ القضاء، وأنا لا يخفى عليّ ما قاله الفقهاء فيمن تعيَّن عليه، ولكن من ذا الذين تعيَّن عليه؟ فقائل هذا الكلام إمَّا ممَّن لبّست عليه نفسُه، واستزَلَّه الشيطان من حيث لا يدري، أو ممَّن يريد التلبيس على الناس، فهو إبليسُ من الأبالسة، نعوذُ باللَّه منه؛ وما فعلت هذه الطائفة ولا كان ثمرة علمها إلَّا أن جعلت العلم حُطَام الدنيا، ثم أخذت تُداجي في دين اللَّه تعالى، وتلبِّس على الخلق، وتأكلُ الدنيا بالدين، فقبَّحها اللَّه تعالى من طائفة!. أخبرتنا شقراء بنت يعقوب بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن عمر بن قاضي اليمن قراءة عليها وأنا أسمع قالت: أخبرنا جدِّي إسماعيل وأخوه إسحاق أخبرنا عبد اللطيف ابن شيخ الشيوخ أنا أبي شيخ الشيوخ أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد بن أحمد النيسابوري الصوفيّ أنا الشيخ أبو القاسم علي بن محمد بن عليّ النيسابوري الكوفيّ سنة تسعين وأربعمائة قال: سمعت القاضي أبا مسعود -يعني صالح
¬__________
(¬1) أي اجتناب مسلك الدين. أي هو بين أمرين: ألا يعني بأمر الدين فيخوض فيما يخوضون، غير مبال عاقبة ذلك، وإمَّا أن يبالي هذا فيحسّ الأسف والغصَّة على اقتراف الآثام في المناظرات والجدل.

أحمد بن القاسم بن يوسف من مشايخي- يقول: سمعت أبا الحسن عليّ بن أحمد بن صالح التَّمار يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى العدويّ يقول: سمعت عبد السميع بن سليمان يقول: سمعت عبد اللَّه بن المبارك يقول وقد بلغه عن ابن عُليّة رحمهما اللَّه أنه قد ولي الصدقات بالبصرة فكتبَ إليه بهذه الأبيات:
يا جاعلَ العلم له بازيًا ... يصطادُ أموالَ المساكينِ
احتلت للدنيا ولذَّاتها ... بحيلة تذهب بالدين
فصرتُ مجنونًا بها بعد ما ... كنت دواءً للمجانين
أين رواياتك فيما مضى ... عن ابنِ عونٍ وابن سيرين
أين رواياتك في سردِها ... لتركِ أبوابِ السلاطين
إن قلت: أكرهتُ فذا باطلٌ ... زلَّ حِمارُ العلم في الطين
قال: فلمَّا بلغت هذه الأبياتُ ابن عُلَيّة بكى واستعفى وأنشأَ يقول.
أفٍّ لدنيا أبت تواتيني ... إلَّا بنقضي لها عُرَى ديني
عيني لحَبْني ضمير مقلتها ... تطلب ما ساءها لترضيني
وأنشد بعضهم في قاضيين عُزِل أحدهما وولي الآخر:
عندي حديثٌ طريف ... بمثله يُتَغنَّى
في قاضيين يعزّى ... هذا وهذا يُهنَّى
هذا يقول: اكرَهونا ... وذا يقول: استرحنا
ويكذِبان جميعًا ... ومن يصدِّق منا
فإذا بلا اللَّه تعالى أهل هذه الخرقة بولاية الجهال عليهم، ووصول وظائف القضاء ومناصب الدين لغير أهلها، أليس ذلك عدلًا من اللَّه تعالى!
ومنهم المؤرخون. وهم على شفا جرف هار؛ لأنهم يتسلَّطون على أعراض الناس؛ وربَّما نقلوا مجرَّد ما يبلغهم من صادقٍ أو كاذب؛ فلا بدَّ أن يكون المؤرخ عالمًا عدلًا عارفًا بحال من يترجمه، ليس بينه وبينه من الصداقة ما قد يحمله على التعصّب له، ولا من العداوة ما قد يحمله على الغَضِّ منه. وربَّما كان الباعثَ له على الضعة من أقوامِ مخالفة العقيدة، واعتقاد أنهم على ضلال، فيقع فيهم، أو يقصِّر في الثناء عليهم لذلك؛ وكثيرًا ما يتَّفق هذا لشيخنا الذهبيّ

رحمه اللَّه في حقِّ الأشاعرة. والذهبي أستاذنا -والحق أحقُّ أن يتبع- ولا يحل لمؤمن يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يعتمد عليه في الضعة من الأشاعرة. وقد أطلنا في تقرير هذا الفصل في الطبقات الكبرى، وحكينا في ترجمة أحمد بن صالح المصريّ ما ذكره الشيخ الإِمام في شروط المؤرّخ، ومن كلام أبي عُمَر بن عبد البرّ وغيره ما يزداد به الإنسان بصيرة. ومن ذلك فقهاء عصر واحد؛ فلا ينبغي سماع كلام بعضهم في بعض. وقد عقد ابن عبد البرّ بابًا في أنَّ كلام العلماء بعضهم في بعض لا يُقبل، وإن كان كل منهم بمفرده ثقة حجّة. ومنهم من تأخذه في الفروع الحمِيّة لبعض المذاهب، ويركب الصعْب والذَّلول في العصبية وهذا من أسوأ أخلاقه. ولقد رأيتُ في طوائف المذاهب من يبالِغ في التعصُّب بحيث يمتنع بعضهم من الصلاة خلف بعض إلى غير ذلك ممَّا يستقبح ذكره. ويا ويح هؤلاء! أين هم من اللَّه تعالى! ولو كان الشافعيّ وأبو حنيفة رحمهما اللَّه تعالى حيَّيْن لشدَّدا النكير على هذه الطائفة -وليتَ شعري لم لا تركوا أمر الفروع التي العلماء فيها على قولين، من قائل: كلّ مجتهد مصيب، وقائلٍ: المصيب واحد، ولكن المخطئ يؤجَر، واشتغلوا بالردِّ على أهل البدع والأهواء! وهؤلاء الحنفيّة والشافعيّة والمالكية وفضلاء الحنابلة -وللَّه الحمد- في العقائد يدٌ واحدة كلهم على رأي أهل السنَّة والجماعة، يدينون اللَّه تعالى بطريق شيخ السنّة أبي الحسن الأشعري رحمه اللَّه، لا يحيد عنها إلَّا رَعَاع من الحنفية والشافعية، لحقوا بأهل الإِعتزال، ورَعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرَّأ اللَّه المالكية فلم نرَ مالكيًّا إلَّا أشعريًا عقيدة. وبالجملة عقيدة الأشعريّ هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاويّ التي تلقَّاها علماء المذاهب بالقبول، ورضوها عقيدة. وقد ختمنا كتابنا جمع الجوامع بعقيدة ذكرنا أن سلف الأمة عليها. وهي وعقيدة الطحاويّ. وعقيدة أبي القاسم القشيري والعقيدة المسماة بالمُرشِدة مشتركات في أصول أهل السنَّة والجماعة. فقل لهؤلاء المتعصّبين في الفروع: ويحكم ذروا التعصب، ودعوا عنكم هذه الأهوية (¬1)، ودافعوا عن دين الإِسلام، وشمّروا
¬__________
(¬1) هو خطأ، والصواب: الأهواء، جمع هوى بمعنى الميل إلى الشهوات والأغراض الخسيسة. وأمَّا الأهوية فجمع الهواء الذي يتنفس، ولا يراد هنا.

عن ساق الاجتهاد في حسم مادة من يسبّ الشيخين أبا بكر وعمر رضيَ اللَّه عنهما، ويقذف أمَّ المؤمنين عائشة رضي اللَّه عنها، التي نزل القرآن ببراءتها، وغضب الربّ تعالى لها، حتى كادت السماء تقع على الأرض، ومن يطعن في القرآن وصفات الرَّحمن. فالجهاد في هؤلاء واجب؛ فهلَّا شغلتم أنفسكم به، ويا أيُّها الناس بينكم اليهود والنَّصارى قد مَلَأُوا بقاع البلاد، فمن الذي انتصبَ منكم للبحث معهم، والاعتناء بإرشادهم. بل هؤلاء أهل الذمَّة في البلاد الإسلامية، تتركونهم هَمَلًا تستخدمونهم، وتستطِبّونهم، ولا نرى منكم فقيهًا يجلس مع ذميّ ساعة واحدة، يبحث معه في أصول الدين؛ لعلَّ اللَّه تعالى يهديه على يديه. وكان من فروض الكفايات ومهمَّات الدين أن تصرفوا بعض هممكم إلى هذا النوع. فمن القبائح أنَّ بلادنا ملأى من علماء الإسلام، ولا نرى فيها ذميًّا دعاه إلى الإسلام مناظرةُ عالم من علمائنا، بل إنَّما يُسلم من يُسلم إمَّا لأمر من اللَّه تعالى، لا مدخل لأحد فيه، أو لغرض دنيويّ. ثم ليت من يُسلم من هؤلاء يرى فقيهًا يمسكه، ويحدِّثه، ويعرِّفه دين الإسلام، لينشرح صدره لما دخل فيه؛ بل -واللَّه- يتركونه هَمَلًا لا يُدرى ما باطنه: هل هو كما يظهِر من الإسلام، أو كما كان عليه من الكفر؟ لأنهم لم يُرُوه من الآيات، والبراهين ما يشرح صدره. فيا أيُّها العلماء، في مثل هذا فاجتهدوا، وتعصَّبوا. وأمَّا تعصّبكم في فروع الدين، وحملكم الناس على مذهب واحد فهو الذي لا يقبله اللَّه منكم، ولا لحملكم عليه إلَّا محضر التعصُّب والتحاسُد. ولو أنَّ أبا حنيفة والشافعيّ ومالكًا وأحمد أحياء يُرزقون لشدَّدوا النكير عليكم، وتبرَّؤوا منكم فيما تفعلون. فلعمر اللَّه لا أحصي من رأيته يشمِّر عن ساعد الاجتهاد في الإنكار على شافعي يذبح ولا يُسّمي، أو حنفيّ يلمس ذكرة، ولا يتوضأ، أو مالكيّ يصلِّي ولا يبسمل، أو حنبليّ يقدم الجمعة على الزوال؛ وهو يرى من العوامّ ما لا يحصي عدده إلَّا اللَّه تعالى، يتركون الصلاة التي جزاء من تركها عند الشافعي ومالك وأحمد ضرب العنق، ولا ينكرون عليه، بل لو دخلَ الواحد منهم بيته لرأى كثيرًا من نسائه يترك الصلاة، وهو ساكت عنهنَّ. فياللَّه وللمسلمين! أهذا فقيه على الحقيقة! قبَّح اللَّه مثل هذا الفقيه. ثم ما بالكم تنكرون مثل هذه الفروع ولا تنكرون المكوس والمحرَّمات المجمع عليها ولا تأخذكم الغيرة للَّه تعالى فيها! وإنَّما تأخذكم الغيرة

للشافعي، وأبي حنيفة، والمدارس المزخرفة. فيؤدِّي ذلك إلى افتراق كلمتكم، وتسلّط الجهّال عليكم، وسقوط هيبتكم عند العامة، وقول السفهاء في أعراضكم ما لا ينبغي، فتهلكون السفهاء بكلامهم فيكم، لأنَّ لحومكم مسمومة على كل حال؛ لأنكم علماء، وتهلكون أنفسكم بما ترتكبونه من العظائم. ومنهن طائفة تبعتْ طريقة أبي نصر الفارابي، وأبي عليّ بن سينا وغيرهما من الفلاسفة الذين نشأوا في هذه الأمة، واشتغلوا بأباطيلهم وجهالاتهم، وسَمَّوها الحكمة الإسلامية، ولقّبوا أنفسهم حكماء الإسلام، وهم أحقُّ بأن يسمّوا سفهاء جهلاء من أن يسمّوا حكماء؛ إذ هم أعداء أنبياء اللَّه تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، والمحرّفون لكلم الشريعة عن مواضعه. عكفوا على دراسة تُرَّهات هؤلاء الأقوام وسمَّوها الحكمة، واستجهلوا من عَرِي عنها. ولا تكاد تلقى أحدًا منهم يحفظ قرآنًا، ولا حديثًا عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولعمر اللَّه إنَّ هؤلاء لأضرّ على عوامّ المسلمين من اليهود والنصارى؛ لأنهم يلبسون لباس المسلمين، ويدّعون أنَّهم من علمائهم، فيقتدي العاميّ بهم، وهم لا يعتقدون شيئًا من دينِ الإِسلام، بل يهدمون قواعده، وينقضون عراه عروة عروة.
وما انتسبوا إلى الإِسلام إلَّا ... لصونِ دمائهم ألَّا تسالا
فيأتونَ المناكرِ في نشاط ... ويأتون الصلاة وهم كسالى
فالحذرَ الحذرَ منهم. وقد أفتى جماعة من أئمَّتنا ومشيختنا ومشيخة مشيختنا بتحريم الاشتغال في الفلسفة. وأمَّا المنطق فقد ذكرنا كلام الأئمَّة والشيخ الإِمام فيه في أوائل شرح مختصر ابن الحاجب. والذي نقوله نحن: إنَّه حرام على من لم ترسخ قواعد الشريعة في قلبه، ويمتلئ جوفه من عظمة هذا النَّبيّ الكريم وشرعته ويحفظ الكتاب العزيز، وشيئًا كثيرًا جدًا من حديث النَّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على طريقة المحدِّثين، ويعرف من فروع الفقه ما يسمَّى به فقيهًا، مفتيًا مشارًا إليه من أهل مذهبه إذا وقعت حادثة فقهية أن ينظر في الفلسفة. وأمَّا من وصلَ إلى هذا المقام فله النظر فيها للردِّ على أهلها، ولكن بشرطين: أحدهما أن يثق من نفسه بأنه وصل إلى درجة لا تزعزعها رياح الأباطيل، وشُبَه الأضاليل وأهواء

الملاحدة. والثاني ألَّا يمزج كلامهم بكلام علماء الإسلام: فلقد حصل ضرر عظيم على المسلمين بمزج كلام الحكماء بكلام المتكلمين، وأدَّى الحال إلى طعن المشبِّهة وغيرهم من رَعَاع الخلق في أصحابنا؛ وما كان ذلك إلَّا في زماننا وقبله بيسير، منذ نشا نصير الدين الطوسيّ ومن تبعه لا حيّاهم اللَّه.
فإن قلت: فقد خاض حجَّةُ الإسلام الغزالي والإمام فخر الدين الرازيّ فى علوم الفلسفة ودوَّنوها. وخلطوها بكلام المتكلمين فهلَّا تنكر عليهما! قلت: إنَّ هذين إمامان جليلان ولم يَخُض واحد منهما في هذه العلوم حتى صارَ قدوة في الدين، وضربت الأمثال باسمهما في معرفة علم الكلام على طريقة أهل السنَّة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فإيَّاك أن تسمع شيئًا غير ذلك، فتضلَّ ضلالًا مبينًا. فهذان إمامان عظيمان وكان حقًّا عليهما نصر المؤمنين وإعزاز هذا الدين بدفع تُرَّهات أولئك المبطلين. فمن وصلَ إلى مقامهما لا ملام عليه بالنظر في الكتب الفلسفية، بل هو مثاب مأجور وأمَّا طائفة في زماننا هذا وقبله بيسير عكفت على هذه الحكمة المفتِنة من حين نشأت لا تدري شيئًا سواها، اشتبه عليها أقوال كفَّارها بأقوال علماء الإسلام، وتصرفت فيها بعقل خسيف لم يقم بكتاب وسُنَّة ولم يضيء له نور ببرهان من النبوَّات، ثم تعتقد أنها على شيء فتلك الفرقة الخاسرة الضالَّة المُضِلَّة وقد اعتبرتُ -ولا ينبئك مثل خبير- فلم أجد أضرَّ على أهل عصرنا وأفسد لعقائدهم من نظرهم في الكتب الكلامية التي أنشأها المتأخرون بعد نصير الدين الطوسي وغيرهم. ولو اقتصروا على مصنَّفات القاضي أبي بكر الباقلاني، والأستاذ أبي إسحق الإسفراييني وإمام الحرمين أبي المعالي الجُويني وهذه الطبقة لما جرى إلَّا الخير. ورأيي فيمن أعرض عن الكتاب والسُّنَّة واشتغلَ بمقالات ابن سينا ومن نحا نحوه، وترك قول المسلمين: قال أبو بكر، وقال عمر رضي اللَّه تعالى عنهما وقال الشافعي، وقال أبو حنيفة، وقال الأشعريّ، وقال القاضي أبو بكر، إلى قوله: قال الشيخ الرئيس يعني ابن سينا، وقال خواجا نصير، ونحو ذلك، أن يضرب بالسياط، ويُطاف به في الأسواق، ويُنادى عليه: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنَّة: واشتغلَ بأباطيل المبتدعين.
أو ما يستحي من يتَّخذ أقوال ابن سينا وتعظيمه شعارًا -من اللَّه تعالى إذا قرأ

قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} (¬1) ويذكر إنكار ابن سينا لحشر الأجساد، وجمعِ العظام.
ومنهم -أعني هؤلاء- فرقة ضمَّت إلى هذا القدر من الحكمة النظر في كتاب الكشاف للزمخشري في التفسير، وقالت: نحن متشرِّعون وعارفون بتفسير كتاب اللَّه تعالى. واعلم أنَّ الكشَّاف كتابٌ عظيم في بابه، ومصنَّفه إمام في فنِّه إلَّا أنه رجل مبتاع متجاهر ببدعته، يضعُ من قدر النبوَّة كثيرًا ويسيءُ أدبه على أهل السنة والجماعة، والواجب كشط ما في كتابه الكشاف من ذلك كله. ولقد كان الشيخ الإمام يقرئه، فلمَّا انتهى إلى الكلام على قوله تعالى في سورة التكوير: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} (¬2) الآية أعرض عنه صفحًا، وكتب ورقة حسنة سمَّاها "سبب الانكفاف، عن إقراء الكشَّاف" وقال فيها: قد رأيتُ كلامه على قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} (¬3)، وكلامه في سورة التحريم في الزلَّة وغير ذلك من الأماكن التي أساءَ أدبه فيها على خيرِ خلق اللَّه تعالى سيّدنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأعرضت عن إقراء كتابه حياءً من النَّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مع ما في كتابه من الفوائد والنكت البديعة. فانظر كلام الشيخ الإِمام الذي برَّز في جميع العلوم، وأجمعَ الموافق والمخالف على أنَّه بحر البحار: معقولًا ومنقولًا، في حقِّ هذا الكتاب الذي اتَّخذت الأعاجم قراءته دَيْدَنَها. والقولُ عندنا فيه إنه لا ينبغي أن يُسمح بالنظر فيه إلَّا لمن صار على منهاج السنَّة لا تزحزحه شبهات القَدَرية.
ومنهم فرقة تَرقَّت عن هذه الفرقة وقالت: لا بد من ضمِّ علم الحديث إلى التفسير، فكان قصاراها النظر في "مشارق الأنوار" للصَّاغاني. فإن ترفَّعت ارتقت إلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدِّثين. وما ذاك إلَّا لجهلها بالحديث. فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضمَّ إليهما من المتون مثليهما لم يكن مُحدِّثًا، ولا يصير بذلك محدِّثًا حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط. فإذا رامت بلوغ الغاية في الحديث -على زعمها- اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير. وإن ضمَّت إليه كتاب علوم الحديث لابن
¬__________
(¬1) سورة القيامة الآية 3.
(¬2) سورة التكوير الآية 19.
(¬3) سورة التوبة الآية 43.

الصلاح أو مختصره المسمَّى بالتقريب والتيسير للنوويّ. ونحو ذلك فحينئذٍ ينادى من انتهى إلى هذا المقام بمحدِّث المحدثين وبخاريِّ العصر، وما ناسبَ هذه الألفاظ الكاذبة. فإنَّ من ذكرناه لا يُعَدُ محدِّثًا بهذا القدر؛ إنَّما المحدِّث من عرف الأسانيد، والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضمَّ إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية. هذا أقل درجاته. فإذا سمع ما ذكرناه، وكتَبَ الطِباق، ودار على الشيوخ، وتكلَّم في العلل والوَفَيَات والأسانيد كان في أول درجات المحدِّثين، ثم يزيد اللَّه من شاء ما شاء.
ومنهم فرقة ترفّعتْ، وقالت: نَضُمّ إلى الحديث الفقه؛ وكان غايتها البحث في الحاوي الصغير لعبد الغفار القزويني؛ والكتابِ المذكور أعجوبة في بابه، بالغ في الحسن أقصى الغايات؛ إلَّا أنَّ المرءَ لا يصير به فقيهًا ولو بلغَ عَنان السماء. وهذه الطائفة تُضيع في تفكيك ألفاظه، وفهم معانيه زمانًا لو صرفته إلى حفظ نصوص الشافعيّ وكلام الأصحاب لحصلت على جانب عظيم من الفقه، ولكن التوفيق بيد اللَّه تعالى.
ومنهم طائفة صحيحة العقائد، حَسَنَةُ المعرفة لِلْفروع، إلَّا أنَّها لم تَرع جانب اللَّه حقَّ الرعاية، فكان علمها وبالًا عليها في الحقيقة! قال النَّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أشدُّ (¬1) الناس عذابًا عالمٌ لم ينفعه اللَّه بعلمه" وعنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أوَّل ما يُسَعَّرُ يوم القيامة عالمٌ فتندلق أقتابه في النار فيدورُ فيها كما يدورُ الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا هذا، ألستَ كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكُمْ عن المنكرِ وآتيه" وفي الحديث: "إنَّ أشدَّ الناس حسرة يوم القيامة رجلان: رجل علم علمًا فيرى غيره يدخل به الجنة لعمله به، وهو يدخل به النار لتضييعه العمل به، ورجل جمعَ
¬__________
(¬1) هذا الحديث ورد في الترغيب والترهيب عن الطبراني والبيهقي بلفظ "أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه".

المال من غيرِ وجهه، وتركه لوارثه، فعملَ به الخير، فيرى غيره يدخل به الجنة وهو يدخل به النار" وكان الشيخ أبو إسحق الشيرازي يستعيذُ باللَّهِ من مثلِ هذا العلم حيث كان يقول: نعوذُ باللَّه من علم يكون حجة علينا، وينشد:
علمتَ ما حلَّل المولى وحرَّمه ... فاعملْ بعلمك إنَّ العلمَ للعملِ
وفي مثل هذه الطائفة يقول الشاعر:
يا أيُّها الرجل المعلم غيره ... هلَّا لنفسك كان ذا التعليمُ!
تصف الدواء من السقام لذي الضنى ... ومن الضنى -مُذْ كنت- أنت سقيم
ما زلت تُلقح بالرشاد عقولنا ... صفة وأنت من الرشاد عديمُ
ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها ... فإذا انتهت عنه فأنتَ حكيمُ
فهناك تُقبل إن وعظت، ويُقتدى ... بالقول منك، وينفع التعليمُ
لا تنه عن خلق وتأتَى مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
فهذه الطائفة إذا واخذها اللَّه تعالى فلا ينبغي أن تعتب وتقول: نحن أهل العلم؛ فإن صنيعها ليس بصنيع أهل العلم الذين هم أهل العلم؛ بل هؤلاء كما قال اللَّه تعالى: {لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (¬1) فما قوبلوا إلَّا بعدل من اللَّه تعالى.
ومنهم طائفةٌ لا تترك الفرائض، ولكنَّها أحبَّت العلم والمناظرة وأن يُقال: فلان اليوم فقيه البلد، حبًّا اختلط بعظمها ولحمها، فاستغرقت فيه أكثر أوقاتها، واستهانت بالنوافل، ونسيت القرآن بعد حفظه، وشمخت بآنافها مع ذلك، وقالت: نحن العلماء: وإذا قامت لصلاة الفريضة قامت أربعًا لا تذكر اللَّه فيها إلَّا قليلًا، مزجت صلاتها بالفكر في باب الحيض ودقائق الجنايات. وربَّما جاء ليقول: إيَّاك نعبد وإياك نستعين، فسبق لسانه إلى ما هو مفكَّر فيه من جزئيات الفروع، فنطقَ به. ثم إذا سألت واحدًا من هذه الطائفة: أصلَّيت سنَّة الظهر؟. قال لك: قال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة أو قلت له: أخشعت في صلاتك؟. قال: ليس الخشوع من شرائط صحة الصلاة. أو قلت له: أنسيت القرآن؟. قال لك: لم يقل إن نسيانه كبيرة إلَّا صاحب العدة، وما الدليل
¬__________
(¬1) سورة الروم الآية 7.

على ذلك؟ وأنا لم أنسَ الجميعع؛ فإنِّي أحفظ الفاتحة، وكثيرًا من القرآن غيرها. فقل له: أيُّها الفقيه، كلمة حق أريد بها باطل؛ إنَّ الشافعيّ لم يعن ما أردت، ولكلامه تقرير لسنا له الآن، ويخشى على من هذا شأنه المروق من الدين رأسًا. أخبرنا الحافظ أو العباس بن المظفر بقراءتي عليه، أنا أحمد بن هبة اللَّه ابن عساكر بقراءتي عليه، أنا الإمام أبو القاسم ابن الإمام أبي سعد عبد اللَّه بن عمر الصفَّار إجازة أخبرنا جدِّي الإمام عصام الدين أبو حفص عمر بن أحمد بن منصور ابن الصفَّار. قال: سمعت جدي يقول: سمعت الأستاذ أبا القاسم القشيري رحمه اللَّه يقول: سمعت الأستاذ أبا عليّ الدَّقاق يقول: من استهانَ بأدب من آداب الإسلام عوقبَ بحرمان السُنَّة، ومن ترك سنة عوقب بحرمان الفريضة، ومن استهانَ بالفرائض قيَّض اللَّه له مبتدعًا يوقع عنده باطلًا فيوقع في قلبه شبهة. قلت: وبلغنا أنَّ الإمام الغزالي أمّ مرة بأخيه أحمد في صلاة، فقطع أخوه أحمد الاقتداء به، فلمَّا قضى الصلاة سأله الغزالي، فقال: لأنك كنت متضمِّخًا بدماء الحُيض. ففكَّر الغزالي، فذكر أنه عَرَضت له في الصلاة فكرة في مسألة من مسائل الحَيْض. فانظر فهؤلاء أهل اللَّه الذين هم أعرف به منك أيُّها الفقيه، قد عرَّفوك أن ما تعتمده يجرُّك إلى الكفر، والعياذُ باللَّه.
ومنهم فرقة سلِمت من جميع ما ذكرناه، إلَّا أنها استهانت ببعض صغائر الذنوب؛ كالغيبة والاستهزاء بخلق اللَّه تعالى، ونحو ذلك، أو كان لها معصية ابتلاها اللَّه بها، فلم تستتر، وقالت: علمنا يغطي معصيتنا. وهذا جهل لا علم؛ فالصغيرة تكبُر من العالم، فإن هو تجاهرَ بها ازداد أمرها. والمعصية مع العلم فوق المعصية مع الجهل من وجوه. وإذا كان النَّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "من بلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بسِتْر اللَّه" الحديث، فالعالم أولى أن يستتر إن لم يرجع، فإنه قدوة. ولذلك كان بعض العارفين لا يظهر لتلميذه إلَّا على أشرف أحواله؛ خوفًا أن يقتدي به في سيئها، أو يسوءَ ظنُّه به فلا ينتفع به. فينبغي للعالم الكفُّ عن صغار المعاصي، وكبارها. فإن هو لم يكف فلا أقَّل من التستر؛ صيانة لمنصب العلم. وإلى هذا المعنى أشارَ الشيخ الجليل فتح الدين بن عليّ أبو منصور الدمياطي فأنشد لنفسه:
أيُّها العالم إيَّاك الزلل ... واحذر الهفوة والخَطْب الجَلَل

هفوة العالم مستعظمة ... إذ بها أصبحَ في الخلق مثل
وعلى زَلته عُمدتهم ... فبها يَحتج من أخطأَ وزل
لا تقل: يستر على زَلّتي ... بل بها يحصل في العلم الخلل
إن تكن عندك مستحقرة ... فهي عند اللَّه والناسِ جبل
ليس من يتبعه العالَم في ... كل ما دقَّ من الأمر وجلّ
مثل من يدفع عنه جهله ... إن أتى فاحشةً قيل: جهلّ
انظر الأنجم: مهما سقطت ... من رآها وهي تهوِي لم يُبَل
فإذا الشمس بدت كاسفة ... وجَلِ الخلق لها كلَّ الوجل
وتراءت نحوها أبصارُهم ... في انزاعاجٍ واضطرابٍ ووجل
وسرى النقص لهم من نقصها ... فغدت مظلمةً منها السُبل
وكذا العالِم في زَلَّته ... يفتن العالَم طُرًّا ويُضِلّ
ومنهم فرقة سلمت من جميع ما ذكرناه، إلَّا أنه غلب عليها الطعن في أمَّة قد سَلَفت، والاشتغالُ بعلماء قد مضوا. وغَالِبُ ما يؤتي هؤلاء من المخالفة في العقائد؛ فقلَّ (أن ترى من الحنابلة) إلَّا ويضع من الأشاعرة. وهذا شخينا الذهبي كان سيِّد زمانه في الحفظ مع الورع والتقوى، ومع ذلك يعمِد إلى أئمَّة الإسلام من الأشاعرة، فيظهر عليه من التعصُّب عليهم ما ينفِّر القلوب، وإلى طائفة من المجسمة فيظهر عليه من نصرتهم ما يوجب سوء الظن به؛ وما كان واللَّه إلَّا تقيًّا نقيًّا، ولكن حمله التعصب، واعتقاده أن مخالفيه على خطأ. وقلَّ أن ترى أشعريًّا من الشافعية والحنفية والمالكية إلَّا ويبالغ في الطعن على هؤلاء، ويصرِّح بتكفيرهم وإذا كان الأئمَّة المعتبرة كالشافعيّ وأبي حنيفة ومالك وأحمد والأشعريّ على أنا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة فلم هذا التعصُّب؟ وما لنا لا نسكت عن أقوام مضوا إلى ربهم، ولمْ ندر على ماذا ماتوا؟ وإن يُبْد لنا أحد بدعة قَابَلْنَاه، وأمَّا الأموات فلم تنبش عظامهم؟ هذا واللَّه ما لا ينبغي.
ومن الفقهاء فرقة متنسّكة تجري على ظواهر الشرع، وتحسن امتثال أوامر اللَّه تعالى، واجتنابَ مناهيه: إلَّا أنها تهزأ بالفقراء، وأهل التصوُّف، ولا تعتقد فيهم شيئًا، ويعيبون عليهم السماع، وأمورًا كثيرة. والسماعُ قد عُرف اختلاف الناس فيه. وتلك الأمور قلّ أن يفهمها من يعيبها. والواجب تسليم أحوال القوم

إليهم. وإنَّا لا نؤاخذ أحدًا إلَّا بجريمة ظاهرة، ومتى أمكننا تأويلُ كلامهم، وحمله على محمل حسن لا نعدل عن ذلك؛ لا سيّما من عرفناه منهم بالخير، ولزومُ الطريقة. ثم إنْ بدرت لفظة من غلطة، أو سقطة، فإنها عندنا لا تهدم ما مضى وهذه الطائفة من الفقهاء، التي تنكر على المتصوِّفة، مَثلُها مَثَل الطائفة من الترك، التي تنكر على الفقهاء. وقد جرَّبنا فلم نجد فقيهًا ينكر على الصوفية، إلَّا ويهلكه اللَّه تعالى، وتكون عاقبته وخيمة، ولا وجدنا تركيًّا يهزأُ بالفقهاء إلَّا ويُهلكه اللَّه تعالى، وتكون عاقبته شديدة. فسبيل هذه الطائفة التوبة إلى اللَّه تعالى، وحُسْن الظنِّ بخلق اللَّه تعالى؛ لا سيّما من انقطع إلى اللَّه، واعتكف على عبادته، ورفض الدنيا وراء ظهره. هذا علاج داء هذه الطائفة، وما أظنَّهم يبرؤُون؛ فإنِّي جرَّبت فوجدت القلوِب منقسمة إلى قابل للصلاح وطريق الفقر وذلك تراه منقادًا لطريق الفقراء معتقدًا من غير تعليم -وغير قابلة، ولا تراها تناقد؛ وإن انقادت في الظاهر لم يفدها الانقياد؛ لأنَّ هؤلاء القوم لا يعاملون بالظواهر ولا يفيد معهم إلا الباطن ومحض الصفاء؛ وهم أهل اللَّه تعالى، وخاصَّته نفعنا اللَّه بهم. وأكثر من يقع فيهم لا يفلح.
ومن أهل العلم طائفةٌ طلبت الحديث، وجعلت دَأْبَها السماع على المشايخ، ومعرفةَ العالي من المسموع؛ والنازل. وهؤلاء هم المحدِّثون على الحقيقة؛ إلَّا أنَّ كثيرًا منهم يُجهِد نفسه في تهجِّي الأسماء والمتون، وكثرة السماع من غير فهم لما يقرؤه، ولا تتعلَّق فكرته بأكثر من أنِّي حصَّلت جزء ابن عرفة عن سبعين شيخًا، جزء الأنصاري عن كذا كذا شيخًا، جزء ابن الفيل، جزء البطاقة، نسخة أبي مُسْهِر وأنحاء ذلك. وإنَّما كان السلف يسمعون فيعون فيرحلون فيقرؤون فيحفظون فيعلمون. ورأيتُ من كلام شيخنا الذهبيّ في وصيَّته لبعض المحدِّثين في هذه الطائفة: ما حظَّ واحد من هؤلاء إلَّا أن يسمع ليروي فقط. فَليُعاقَبنَّ بنقيض قصده، وليشهرنَّه اللَّه تعالى بعد أن ستره مرات، وليبقين مضغة في الألسن، وعبرة بين المحدِّثين، ثم لَيَطْبَعَنَّ اللَّه على قلبه. ثم قال: فهل يكون طالب من طلاب السنَّة يتهاون بالصَّلوات، أو يتعانى تلك القاذرورات! وأنحس منه محدِّث يكذب في حديثه، ويختلق الفُشَار. فإنْ ترقَّت همته الفتيَّة إلى الكذب في النقل والتزوير في الطّبَاق، فقد استراح. وإن تعانى

سرِقة الأجزاء أو كشط الأوقاف فهذا لصٌّ بسمت محدِّث. فإن كمَّل نفسه بتلوط أو قيادة فقد تمَّت له الإفادة. وإن استعمل من العلوم قسطًا، فقد ازداد مهانةً وخَبْطًا. إلى أن قال: فهل في مثل هذا الضرب خير! لا كثر اللَّه منهم. انتهى. ولبعضهم:
إنَّ الذي يروي ولكنَّه ... يجهل ما يروي وما يكتب
كصخرةٍ تنبع أمواهُها ... تسقي الأراضي وهي لا تشربُ
وقال بعض الظرفاء في الواحد من هذه الطائِفة: إنَّه قليل المعرفة والمخبرة يمشي ومعه أوراق ومِحبرة؛ معه أجزاء يدورُ بها على شيخ وعجوز، لا يعرف ما يجوز ممَّا لا يجوز. وقال:
ومحدِّث قد صارَ غاية علمه ... أجزاء يرويها عن الدمياطي
وفلانة تروي حديثًا عاليًا ... وفلانٌ يروي ذاك عن أسباطِ
والفرقُ بين عَزِيرهم وعُزَيْرِهِمْ ... وأفْصِحْ عن الخيَّاط والحنَّاطِ
وأبو فلان ما اسمه ومن الذي ... بينَ الأنامِ ملقَّب بسناطِ؟
وعلوم دين اللَّه نادت جهرة: ... هذا زمان فيه طيُّ بساطي
ومن العلماء طائفةٌ استغرق حبُّ النحو واللغة قلبَها، وملأ فكرها، فأدَّاها إلى التقعُّر في الألفاظ، وملازمة حُوشيِّ اللغة، بحيث خاطب به من لا يفهمه. ونحن لا ننكر أنَّ الفصاحة فنٌّ مطلوب، واستعمال غريب اللغة عزيزٌ حسن ولكن مع أهله ومن يفهمه؛ كما حكي أنَ أبا عمرو بن العلاء قصده طالب ليقرأ عليه فصادفه بكَلَّاء البصرة، وهو مع العامَّة يتكلَّم بكلامهم؛ لا يُفرِّق بينه وبينهم. فنقص من عينه. ثم لمَّا نجزَ شغل أبي عمرو ممَّا هو فيه تبعه الرجل إلى أن دخل الجامع، فأخذ يخاطب الفقهاء بغيرِ ذلك اللسان فعظم في عينه؛ وعلم أنَّه كلَّم كل طائفة بما يناسبها من الألفاظ. وهذا هو الصواب؛ فإنَّ كل أحد يُكلَّم على قدر فهمه، ومن اجتنبَ اللحن، وارتكب العالي من اللّغة والغريب منها، وتكلَّم بذلك مع كل أحد عن قصد فهو ناقص العقل. وربَّما أُتِيَ بعض هذه الطائفة من ملازمة هذا الفن؛ بحيث اختلط بلحمهم ودمهم، فسبق لسانُهم إليه، وإن كانوا يخاطبون

من لا يفهمه؛ كما أخبرنا أحمد بن عليّ الجزريّ إذنًا، عن محمد بن عبد الهادي عن الحافظ أبي طاهر السِلَفيّ، أنبأنا المبارك بن عبد الجبّار، أنَّا عبد الكريم بن محمد المحاملي، أنَّا إسماعيل بن سعد المعدّل، ثنا محمد بن أحمد بن قِطر السمسار، قال: قال أبو العباس أحمد بن إبراهيم الورّاق: ازدحموا على عيسى ابن عمر النحويّ، وقد سقط عن حماره، وغُشِي عليه. فلمَّا أفاق، وأخذ في الاستواء للجلوس، قال: ما لكم تكأكأتم عليّ، ولا تكأكؤكم على ذي جِنّة، افرنقعوا عني. تكأكأتم: تجمعتم. وافرنقعوا: تنحَّوْا بلغة أهل اليمن. فهذا الرجل كان إمامًا في اللغة، وكانت هذه الحالة منه لا تقتضي أنه يقصد هذه الألفاظ، بل هي دَأبه، فسبق لسانُه إليها، وحُكِي أنه لمَّا ولى يوسف بن عمر العراقيّ أخذ عيسى بن عمر النحوي فطالبه بوديعة ذكر أنَّ ابن هبيرة الوزير أودعه إيَّاها، فأمَرَ بضربه، فقال، والسياط تأخذه: واللَّه إن كانت إلَّا أثيابًا (¬1) في أسفياط (¬2)، قبضها عشَّاروك. ولعيسى بن عمر من هذا النمط كثير. وحكي أنَّ عليّ ابن الهيثم كان لِما غلب عليه من ذلك تأتيه العامَّة أفواجًا لسماع كلامه، وأنَّه مرَّ به مَرّة فارسي قد ركبَ حمارًا خلفه جحش، وبيده عِذْق قد ذهب بُسْرُه إلَّا قليلًا، يقودُ به بقرة يتبعها عِجْل لها، فناداه عليّ بن الهيثم: يا صاحب البَيْدَانة القمراءِ، يتلوها تولب بيده شملول، يطَّبِي به خزُومة يقفوها عِجَّوْل، أتقايض بعجولك جُحْجُحًا زَهِمًا؟ قال: فالتفت إليه الفارسيّ، وقال: يا بابا! فارسي هم ندانم. البيدانة: الأتان، والقمراء: البيضاء الوجه، والتَوْلب: ولد الحمار، والشُمْلول: العِذْق ويطبي: يدعو، والخزومة: البقرة الوحشية، والجُحْجُح: الكبش، والزهِم السمين. فهذا عليّ بن الهيثم إن لم يكن قصد المؤانسة لبعض الحاضرين، ولم تكن ندرت منه هذه الألفاظ عن غير قَصْد، فهو خَسِيف العقل. ولا ينكر أنهم يأتون بالألفاظ الغريبة لكثرة استعمالهم لها، وغلبتها على ألسنتهم؛ ظنًّا منهم أن كل أحد يعرفها، وإلَّا فكيف يذكرونها فى وقت لا يظهر فيه لاستعمالها سبب غير ذلك؛ كما سقناه، وكما يحكى أنَّ أبا علقمة الواسطيَّ
¬__________
(¬1) أثياب تصغير أثواب.
(¬2) أسفياط تصغير أسفاط جمع سفط، وهو الظرف للشيء كالجوالق والقفة.

عرض له مرض شديد، فأتاه أعْيَن الطبيب، فسأله عن سبب علته، فقال: أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطسِئت طَسْأة، فأصابني وجع بين الوابلة إلى دَأية العنق، فما زالَ يتمأى ويَتَنَمَّى، حتى خالط الخِلْب، وتألَّمت له الشَّراسيف. فقال له أعيَن الطبيب: خذ شرفقًا وشبرقًا؛ فزهزِقهُ؛ ودقدقه. فقال أبو علقمة: أَعِد لي؛ فإنِّي ما فهمت. فقال الطبيب: قبح اللَّه تعالى أقلّنا إفهامًا لصاحبه. الجوازل: فِراخ الحمام، الواحد جَوْزل، والطسأة: الهَيْضة، والوابلة: طرف الكتِف، وهو رأس العضُد. ودَأْية العنق: فِقارها، ويتمأى: يتمدَّد، ويتنمَّى: يتزايد، والخِلْب بالكسر: حجاب القلب، ويُقال: مضغة فوق الكبد. والشراسيف: غضاريف متصلة بالأضلاع. وحكى ابن دريد أنَّ الأصمعيّ ذكر أنً رجلًا مشجوجًا جاء الى صاحب الشرطة فشكا إليه أنَّ امرأً شجَّه. فأمر بإحضاره فلمَّا حضر سئل، فأنكر. . قال المشجوج: لي أعرابي بالسوق يشهد لي. فلمَّا حضر الأعرابيّ سئل، فقال: بينا أنا على كَوْدن يضُهززني، إذ مررت بوصيد دار، فإذا أنا بهذا الأخيْشب، يدُعُّ هذا دعًّا متراسِفًا، فعلاه بمنسأته، فقهقر ثم بَدَرَه بمثلها فقطر، ثم أدبر، وبرأسه جديع يثُج نجيعًا على كتده. فقال صاحب الشرطة: شُجَّني وأعفني من سماع شهادة هذا الأعرابي قوله: الكَوْدن: البرذون. يُضهززني: يحرّكني. الوَصِيد: الباب. الدَعُّ: الدفع المِنْسأة: العصا الأخيشب: تصغير الأخشب، وهو الغليظ. قهقر: رجع القهقرى. قطره: ألقاه على أحد قُطْريه، وهما جانباه. الثجّ الصب. النجيع: الدم. الكَتِد: ما بين الكاهِل إلى الظهر، وهو بُعَيد مغرز العنق.
وذكر الزبير بن بكَّار أن بعضن المتقعّرين كتب إلى وكيل له بناحية البصرة: احمل إلينا من الخوزج والكَنْعد الممقورين والأوزّ المَمْهُوج ولحم مها البيد ما يصلح للتشرير والقديد. فكتب إليه وكيله: إن لم تكفَّ عن هذا الكلام بارت قريتك؛ فإنَّ الفَلَّاحين ينسبون من ينطق بهذه الألفاظ إلى الجنون.
الكنعد: ضرب من سمك البحر، والشرارة: اليبس. وحكي أنَّ لصًا أرادَ فتح باب نحويّ، فأحسَّت به الجارية، فقالت لسيدها، فاطَّلع عليه، وناداه: أيُّها الطارق، ما الذي أولعك بنا؟! إن أردت المال فعليك بابن الجصاص،

وفلان وفلان، أقوامًا ذوي مال. وإن أردت الجاه فعليك بالقضاة وإن أردت الكتابة فعليك بفلان، وفلان، أقوامًا يكتبون. وإن أردت اللغة والنحو فعليك بي. وإن كنت تبغي القِرى فلج الدار، وادخل المِخْدع وأصب من الزاد ما يمسك خُشاشَة رَمقك. فرفع اللصُّ رأسه، وقال: لو كانت الجنة دارك ما دخلتها. وحكي أن طبيبًا دخل إلى نحوى مريض، فقال: ما كان أُكُلك أمس؟ فقال: أكلت لحم عُطْعُطٍ وساقه خِرْنق، وجؤجؤ حيْقطَان اقتنصه بازيّ فلمَّا كان في الدُّجى أصبت منه معمعة في الحشا، وقرقرة في المِعى، فقال الطبيب للحاضرين: هذه خفة ارتفعت إلى الدماغ، فأصلِحوا الغذاء له قبل أن يُجنّ. العُطْعُطْ: الجدي، الخِرْنِق: ولد الأرنب، الجؤجؤ: الصدر. الحَيْقُطان: بالطاء المهملة: الدُرَّاج الذكر.
وحكى أبو القاسم الراغب، قال: ابتاع تلميذ ليعقوب بن إسحق الكِنْدِيِّ جارية، فاعتاصت عليه، فشكا حالها إلى يعقوب فقال له: جئني بها. قال: فلمَّا حضرت عنده قال لها: يا هذه اللغوبة: ما هذه الاختيارات الدالّات على الجهالات؟ أما علمت أن فرط الاعتياصات، من الموقفات على طالبي المودَّات، مؤذنات بعدم المعقولات! فقالت الجارية حيَّاها اللَّه وبيَّاها: أما علمت أنَّ هذه العثنونات المنتشرات على صدور ذوي الرقاعات محتاجات إلى المواسِي الحالِقات! فقال يعقوب: للَّه درُّها! لقد قسمت الكلام تقسيمًا. واعلم أن الحكايات في هذا الباب تخرج عن حد الحصر، وتقتضي الخروج من الجِدِّ إلى ضربٍ من الهزل والحاصل أنَّ ما كان الحامل عليه غلبة هذه الصناعة مذموم من جهة أن ذا الصناعة كان ينبغي أن يقوّم قلبه ودينه قبل أن يقوِّم ألفاظه. فاللحن في اللفظ ولا اللحن في الدين. وقد غلب على كل ذوي فنّ فنُّهم، بحيث سأل بعضهم أبا طاهر الزياديّ وهو في النزعِ عن ضمان الدَرَك. وحكاية أبي زرعة فبمن كان آخر كلامه لا إله إلَّا اللَّه دخل الجنة شهيرة، وأنه سئل وهو في النزع عن هذا الحديث فساقه بإسناده إلى أن وصل إلى لا إله إلَّا اللَّه، وماتَ قبل أن يقول: دخل الجنة. فلقد نفعه اللَّه تعالى بعلم الحديث وحكي أنَّ دبَّاغًا كان آخر كلامه بعد أن رُدِّدَ عليه لفظ الشهادة مرارًا، كلامًا يتداوله الدبَّاغون؛ وبعض الأمراء كان آخر كلامه: هاتوا القباء الفلانيّ: ومَنْ أكثر من شيء ظهر على فلتات

لسانه، وكل إناء بالذي فيه ينضح. سمعت صاحبنا الشيخ تاج الدين المراكشيّ رحمهُ اللَّه تعالى، يَحكي عن الشيخ ركن الدين بن القوبع أنَّ شحاذًا سأله وهو في الطريق، فأجابه: يفتح اللَّه. فقال: يا شيخ قد فتحَ اللَّه تعالى عليك، إذا جادت الدنيا عليك فجُد بها. فوقف ابن القَوْبع، فقال: ولِمَ قلت: إنها جادت عليَّ! وإن سَلَّمنا أنها جادت فلِمَ قلت: إنه يجب عليَّ الجود بها! وإن سلَّمنا أنه يجب فلم قلت: إنِّي ما جدت، وما انحصرت القسمة فيك.
فهذا ابن القوبع غلبت عليه المناظرة، فاستعملها مع حرفوش لا يدري ما يقال له. وكذلك حَكى لنا بعض مشايخنا عن الشيخ العلّامة صفيّ الدين الهندي إمام المتكلمين في عصره أنه جاءه حِمْل زيت، فأمسكه المكَّاسون في الطريق على المكْس، فكتب إليهم كتابًا يُتعجَّب من ذكره، مشتملًا على أنواع الجدل والسبْر والتقسيم. وأمَّا ما كان الحامل عليه مجرَّد التقعُّر في اللفظ فهي رُعونة. وقد كتب الإِمام أبو عمرو بن دِحْية إلى السلطان الملك الكامل محمد بن أبي بكر ابن أيوب صاحب مصر يهنِّئه بعافيته من مرض أصابه كتابًا كله من هذا النمط. ومنهم من شغلَ نفسه بالألفاظ، وأعرض عن معانيها، بحيث انتهى به الحال إلى ضرب غريب من الخطأ. قال أبو حيّان التوحيدي؛ إيَّاك أن تقيس اللغة، فإنِّي رأيت نبيهًا من الناس وقد سئل عن قوم، فقال: هم خروج. فقيل: ما تريد بهذا؟ فقال: قد خرجوا. فكأنَّه أراد: خارجون. فقيلَ: هذا ما سمع. قال: كما قال اللَّه تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ} (¬1) أي قاعدون فَضُحِك به. وسئل أبو الفرج البغدادي: هل يُقال لعارف اللغة: لَغوي بفتح اللام أو ضمِّها؟ فقال: بفتحها: أما سمعتم قوله تعالى: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ} (¬2) فضحِكوا منه. وأعربَ بعضهم قوله تعالى: {قَيِّمًا} من قوله: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} (¬3) صفةً لعوجًا، وهذه غفلة. كيف يكون المُعْوَجًّ قَيِّمًا! وإنَّما {قَيِّمًا} حال من محذوف، أي أنزله قيمًا أو من الكتاب. وذكر آخرون أن قوله {أَنْ نَفْعَلَ} من قوله تعالى: {يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} (¬4) معطوف على أن نترك. وذلك
¬__________
(¬1) سورة البروج الآية 6.
(¬2) سورة القصص الآية 18.
(¬3) سورة الكهف الآية 1.
(¬4) سورة هود الآية 87.

باطل؛ لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنَّما هو عطف على ما هو معمول للترك. والمعنى: أن نترك أن نفعل. وقال بعضهم في قوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} (¬1) إنَّ {مِنَ} متعلِّقة بأغنياء، وهو فاسد، لأنه متى ظنَّهم ظانٌّ أغنياء من التعفّفِ عَلِم أنهم فقراء من المال، فلا يكون جاهلًا بحالهم، وإنَّما هي متعلِّقة بيحسب وهي للتعليل. وقال بعضهم في قول الشاعر:
أقول لعبدَ اللَّهَ لمَّا سِقاؤنا ... ونحنُ بوادي عبد شمس وهاشمِ
هذا لحنٌ؛ فأين فعلا لما؟ وعلام نصب اللَّه؟ ولأيّ شيء فتح الدال من عبد؟ وجوابه: أنَّه لم يتأمَّل، أمَّا عبد فترخيم عبدة. وأمَّا اللَّه فنصب على الإغراء. وأمَّا فعلا لما: سقاؤنا مرفوع بفعل محذوف فسره بقوله: وهي أي ضعف. والجواب محذوف تقديره: قلت، بدليل قوله: أقول. وقوله: شِمْ فعل أمر من قولك شِمْت البرق إذا نظرتَ إليه. والمعنى أقول لما سقط سقاؤنا، ونحن بوادي عبد شمس، قلت لعبدة احذر اللَّه شِم البرق. وقريب من هذا البيت قول الشاعر:
أقول لعبد اللَّه لما لقيته ... ونحنُ على جنب الظُّبا والقناطرِ
القنا: الرماح. وطر: فعل أمر من الطيران. ونظير هذين البيتين في الإِلغاز:
عافت الماء في الشتاء فقلنا ... برِّديه، تصادفيه سخينا
يُقال كيف تبرده، فتصادفه سخينا! وهذه غفلة؛ والأصل: بَلْ رِدِيهِ. ثم كتب جملة واحدة لأجل الإلغاز. وقول الشاعر:
لما رأيت أبا يزيد مقاتلًا ... أَدَع القتال وأشهدَ الهيجاء
يُقال: أين جواب لما؟ وبم انتصب أدَع؟ وهذه غفلة؛ فالأصل: لن ما، أدغمت النون في الميم للتقارب، ووصلا في الخط، وحقهما أن يكتبا منفصلين. وأمَّا انتصابُ أَدَعَ فبلَنْ، وما الظرفية وصلتها ظرف له، فاصل بينه
¬__________
(¬1) سورة البقرة الآية 273.

وبين لن للضَّرورة. فيسأل حينئذٍ: كيف يجتمع قوله: لن أدع القتال مع قوله: لن أشهد الهيجاء، والهيجاء مُشتَجر الحرب؟ والجواب أنَّ أشهد ليس معطوفًا على أدع بل نصبه بأن مضمرة وأن والفعل عَطْف على القتال، أي لن أدع القتال وشهودَ الهيجاء؛ على حد قول الشاعر:
ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبُّ إليَّ من لبس الشُّفوف
وقولُ الشاعر:
ويح من لامَ عاشقًا في هواه! ... إن لومَ المحب كالإِغراءُ
يقال: كيف ارتفع الإغراء بعد كاف التشبيه؟ والجواب: أنَّ الكاف ضمير المخاطب، متَّصلة بالمحب، والألف واللام في المحب بمعنى الذي أحب، والإِغراء خبر إن. والمعنى إنَّ لوم المحبك هو الإغراء، وحق الكاف أن توصل في الخط بالمحب، ولكن فُصِلت للّغز. وقول الشاعر:
يا صاحبٍ ملك الفؤاد عشية ... زارَ الحبيب بها خليل نائي
لما بدا لم أدر: بدرَ دُجَنَّةٍ ... أم وجه من أهواه طرفي رائي
يُقال: كيف جَرّ صاحب وهو منادي مفرد؟ وجوابه أنه يا صاح مرخم، و"بِنْ" فعل أمر من بان يبين إذا فارق، وكتبت هكذا على نحو صاحب لأجل الإِلغاز. ويُقال: علام نصب بدر من قوله: بدر دجنة، وما قبل الاستفهام لا يعمل فيه؟ وجوابه أنه منصوب براءٍ. والمعنى: لم أدر طرْفي رأي بدر دجنة أم وجه من أهواه. وقول الشاعر:
لا تقنَطَنَّ وكن في اللَّه محتسبًا ... فبينما أنت ذا يأسٍ أتى الفرجا
الفرج مفعول، العامل فيه اسم الفاعل وهو محتسب. والمعنى: وكن في اللَّه محتسِبًا الفرج، فبينما أنت ذا يأس أتى. وقال العباس بن مِرْداس:
ومن قبلُ آمنَّا وقد كان قومنا ... يصلون للأوثان قبلَ محمّدًا
قال لي مرة طالب نحوي: كيف نصب محمدًا وهو مضاف إليه؟ فقلت له: قبل أن أجيبكَ أسألك: هل صلَّى المسلمون قط لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أو لربِّه تعالى؟ فقال: بل لربِّه تعالى. فقلت: ففكِّر؛ فإنَّ أحدًا لم يصل قط للنَّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا قبل الأوثان ولا بعدها. والجواب أن آمنًا في البيت معناه: صدقنا، ومحمدًا مفعول

آمنا، أي ومن قبل صدقنا محمدًا، وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل؛ وقبل مقطوعة عن الإضافة بنيت على الفتح، وهي لغة؛ واللغة العالية بناؤها على الضم. وقيل: أراد النكرة، أي قبلًا، ثم حذف التنوين مضطرًا. وقال الآخر:
فرعون مالي وهامان الألى زعموا ... أنِّي بخلت بما يعطيه قارونا
(فِرْ) فعل أمر من وفرَ له العطية: ومنه عطاء موفور. وعونة: امرأة رخّمها، فقال: عون. والمعنى: أعطِ عونة مالي. وأمَّا وها فدعاء مِن وهى، يهى إذا ضعف. ومان جمع مانة: البطن وهي أسفل السُّرَّة. يقول ضعُف مان الذين زعموا أنِّي بخلت. وقارون: المفعول الثاني ليعطيه، والأول: الهاء العائدة إلى ما الموصولة وفاعل يعطيه مضمر للعلم به كأنَّه قال: يعطيه اللَّه قارون. واعلم أن هذا بحر لا ساحل له وقد نظمت أبياتًا في أنواع من العلوم منها:
من قال: إنَّ الزنى والشرب مصلحة ... ولم يقل: هو ذنب غير مغتفر؟
من قال: سفك دماء المسلمين على الـ ... ـصلاة أوجبه الرَّحمن في الزبر؟
من قال: إنَّ نكاح الأم يقرب من ... تقوى الإله مقالًا غير مبتكر؟
من كان والدُها ابنًا في الأنامِ لها ... وذاك غير عجيبٍ عند ذي النظر؟
من الفتاة لها زوجان ما برحا ... تزوجت ثالثًا حِلَّا بلا نكر؟
من أبصرت في دمشق عينه صنما ... مصوّرًا وهو منحوت من الحجر؟
إن جاع يأكل وإن يشرب تضلَّع من ... ماء نَمير زُلال ثَمَّ منهمر
ولو أخذنا في الإكثار من هذا وشرحه لخرجنا عمَّا نحن بصدده. والغرض أنَّ هذه الطائفة راعت الألفاظ، فأتيت من قِبَل المعاني، كما راعت طائفة المعاني، فأتيت من قبل الألفاظ. ألا ترى إلى قول بعضهم، في {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} إنَّ (ثمود) مفعول مقدَّم، وهذا خطأ؛ فإنَّ لِمَا النافية الصدر، ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقال بعضهم في "قليلًا ما يؤمنون" إنَّ ما بمعنى مَنْ، ولو كان كذلك لرفع قليل على أنه خبر، والأمثلة في هذا أكثر من الأوَّل. ومنهم من تعمَّق في الأدب، فصار أكثر كلامه مسجوعًا، ثم انتهى الحال به إلى أن وقع في الكنيف فجاؤوه بكنَّافَين. فكلَّمه أحدهما لينظر: أهو حيٌّ؟ فقال: اطلبا لي حبلًا دقيقًا، وشدَّاني شدًّا وثيقًا، واجذباني جذبًا رفيقًا. فقال أحدهما: أنَّا واللَّه

الصفحات [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] [63] [64] [65] [66] [67] [68] [69] [70] [71] [72] [73] [74] [75] [76] [77] [78] [79]  المجلد[1]


معيد النعم ومبيد النقم

<<<  العنوان السابق : 1 - المثال الأول

العنوان الحالي : 45 - المثال الخامس والأربعون

العنوان التالي : 47 - المثال السابع والأربعون  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة