التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب الموصول
وهو من الأسماء ما افتقر أبدًا إلى عائدٍ أو خلفه، وجملة صريحة أو مؤولة غير طلبية ولا إنشائية. ومن الحروف ما أول مع ما يليه بمصدر، ولم يحتج إلى عائد.]-
ش: الموصول الاسمي والموصول الحرفي كلاهما محصور بالعد، فلا يفتقر في تعرفهما إلى الحد، وقد حدهما المصنف، فبين بقوله "من الأسماء" أنه يحد الموصول الاسمي.
فقوله "ما افتقر" جنس، وجاء فيه بلفظ "ما" الدالة على الإبهام، وينبغي أن لا يؤتى في الحد بلفظ مبهم، وشمل الجنس كل مفتقر.
وقوله "أبدًا" احتراز من النكرة الموصوفة بجملة، فإنها حال وصفها بها، تفتقر إلى ما ذكر، لكن الموضع بحق الأصالة لمفرد تؤول الجملة به، ويغني ذكر المفرد عنها، فالافتقار إلى ما تؤول به لا إليها، وإن صدق في الظاهر أنها مفتقر إليها فلا يصدق على الافتقار إليها أنه كائن أبدًا.
وقوله "إلى عائد" احتراز من "حيث" و"إذ" و"إذا"، فإنها أسماء تفتقر أبدًا إلى جملة، لكنها مستغنية عن عائد.

وقوله أو خلفه ليشمل ما وقع الربط فيه بالظاهر الذي هو الموصول من حيث المعنى، وهو خلف من الضمير، ومنه ما روي من كلامهم "أبو سعيد الذي رويت عن الخدري"/، و"الحجاج الذي رأيت ابن يوسف"، ومنه قول الشاعر:
فيا رب ليلى أنت في كل موطن وأنت الذي في رحمة الله أطمع
يريدون: رويت عنه، والذي رأيته، وفي رحمته.
وقال أبو علي في التذكرة: "وقال رجل يخاطب ربه -تعالى-:
..................................... وأنت الذي في رحمة الله أطمع
حمل على المعنى، وكأنه قال: وأنت الذي في رحمتك، أو في رحمته أطمع، ومن الناس من لا يجيز هذا" انتهى.
قال بعض أصحابنا: تقديره "أنت الذي في رحمتك أطمع" أولى، وأوقع الظاهر موقع المضمر، ولم يكرر لفظ الأول، وهذا لم يجزه س في خبر المبتدأ، فأحرى أن لا يجوز عنده في الصلة.
وقوله وجملة صريحة أو مؤولة مثال التأويل بجملة مؤولة الوصل بالظرف والمجرور التامين، والصفة الواقعة صلة للألف واللام، فإذا قلت: قام الذي عندك، أو في الدار، فإن صلة الموصول جملة مسندة إلى ضمير

الموصول محذوفة، وبها يتعلق حرف الجر، وهي عاملة في الظرف. وكذلك: مررت بالضارب، هو مؤول بجملة، ولذلك تعمل الصفة ماضية ومستقبلة وحالًا.
وقوله غير طلبية المقصود بالصلة توضيح الموصول، والجملة الطلبية لم يتحصل معناها بعد، فهي أحرى أن لا يتحصل بها وضوح غيرها.
وما ذكره المصنف من أن الجملة الواقعة صلة تكون غير طلبية هو مذهب الجمهور، وفي ذلك خلاف:
أما جملة الأمر والنهي فذهب الكسائي إلى جواز ذلك، فتقول: الذي أضربه، أو لا تضربه زيدٌ.
وأما جملة الدعاء إذا كانت بلفظ الخبر فحكمها عند المازني حكم الجملة الأمرية والنهيية عند الكسائي، فيجوز عند المازني أن تقول: الذي يرحمه الله زيدٌ، وكأنه راعى صيغة الخبر، ولم يلحظ معناه. ويقتضي مذهب الكسائي موافقة المازني، بل هو أحرى بذلك لأنه إذا أجاز ذلك مع صيغة الأمر والنهي فلأن يجيزه مع صيغة الخبر المراد به الدعاء أولى وأحرى.
وقوله ولا إنشائية هذا مخالف لما قسم الكلام إليه من أنه خبرٌ وطلب، وهنا جعل الجمل ثلاثًا: خبرًا وطلبًا وإنشاءً، وتقسيمها إلى خبر وإنشاء هو التقسيم الصحيح.
والجملة الإنشائية هي التي حصول معناها مقارن لحصول لفظها، فلا يصلح وقوعها صلة. قال المصنف في شرحه: "لأن الصلة

معَرفة، والموصول معرف، فلابد من تقدم الشعور بمعناها على الشعور بمعناه. والمشهور عند النحويين تقييد الجملة الموصول بها بكونها معهودة، وذلك غير لازم لأن الموصول قد يراد بع معهود، فتكون صلته معهودة، كقوله تعالى: {وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ}، وكقول الشاعر:
/ألا أيها القلب الذي قاده الهوى أفق، لا أقر الله عينك من قلب
وقد يراد به الجنس، فتوافقه صلته، كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلاَّ دُعَاءً ونِدَاءً}، وكقول الشاعر:
ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
وقد يقصد تعظيم الموصول، فتبهم صلته، كقول الشاعر:
فإن أستطع أغلب، وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
وقال آخر:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر"
انتهى.

وما ذهب إليه من أن جملة الإنشاء لا تقع صلة هو مذهب الجمهور. وذهب هشا إلى أنه يجوز في ليت ولعل وعسى أن يقعن صلة للموصول، فتقول: الذي ليته منطلق زيدٌ، والذي لعله منطلق زيدٌ، والذي عسى أن يخرج عمروٌ.
ومما يستدل به لهشام في وقوع "لعل" صلة للموصول قوله:
وإني لرامٍ نظرة قبل التي لعلي -وإن شطت نواها- أزورها
والمشهور أن "عسى" إنشاء لأنه ترجٍ، فهي نظيرة "لعل"، ولذلك لا يجوز وصل الموصول بها، لكن دخول "هل" الاستفهامية عليها في نحو قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ ....} ووقوعها خبرًا لـ"إن" في قول الراجز:
أكثرت في العذل ملحًا دائمًا لا تلحني إني عسيت صائمًا

دليل على أنها فعل خبري، وإذا ثبت كونها فعلًا خبريًا فينبغي أن يجوز وقوعها صلة للموصول بلا خلاف.
ويحتمل أن تكون "عسى" صلة لـ"ذا" المراد به "الذي" على أحد محتملات "ذا" في قول الشاعر:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق
وقول الآخر:
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير زياد
ومن منع ذلك تأول هذا السماع، وقد تأولوا قوله "قبل التي لعلي" على إضمار القول بعد "التي"، أي: قبل التي أقول لعلي، أو على إضمار خبر "لعلي" وجعل "أزورها" صلة لـ"التي"، والتقدير: قبل التي ازورها وإن شطت نواها لعلي أبلغ ذلك، وفصل بين الصلة/ والموصول بجملة الاعتراض التي هي: لعلي أبلغ ذلك.

وذكر أصحابنا شروط الجملة الواقعة صلة، فزادوا فيها أنها لا تكون تعجبية ولا مستدعية كلامًا قبلها.
أما اشتراط انتفاء كونها تعجبية فإن التعجب عندهم خبر من الأخبار يقبل التصديق والتكذيب، فلا يجوز: جاءني الذي ما أحسنه! وعلة ذلك أن التعجب إنما يكون من خفي السبب، والصلة موضحة، فتنافيا.
وأما من يذهب إلى أن التعجب إنشاء فوجه المنع ظاهر، وذلك أن الإنشاء يكون في الحال، والصلة لا تكون أبدًا إلا معهودة بينك وبين مخاطبك على المشهور، والإنشاء ليس فيه تقدم عهد، فلا يجوز.
وفي الإفصاح: "جملة الشرط والجزاء ونعم وبئس وجملة التعجب كلها تكون صلة لـ"الذي" باتفاق إلا جملة التعجب فإن فيها خلافًا" انتهى.
وفي البسيط: "وفي التعجب والقسم من غير إضمار القول خلاف، ووجه جوازه أنهما خبر يوضحان الموصول كما يوضح الموصوف، فكما تقول: مررت برجل ما أحسنه! وبرجل لتكرمنه، كذلك تقول: "مررت بالذي لتكرمنه، وقال تعالى: {وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ} أي: للذي ليبطئن".

وأما كأن ولعل وليت فالأحسن أن لا تكون في الصلة لأنها غيرت الخبر عن مقتاه، وقد تدخل في الجملة مراعاة للأصل".
"قالوا: فإذا دخل الموصول معنى الشرط لم تكن صلتها شرطًا لاجتماع الشرطين، والشيء لا يكون تمام نفسه، ولأنه لا يوضح لأنه لا يثبت له.
وليس بصحيح: أما الأول فلبس أحدهما هو الآخر حتى يكون الشيء تمامًا لنفسه، بل كل واحد شرط على حدته لمشروطه، كقولك: الذي إن تطلع الشمس ينظر إليها فهو صحيح البصر. وأما الثاني فهو منقوض بالشرط الأول، وكان قد قدم جواز: الذي إن قام قام أبوه منطلق، فهذا يعني بالأول" انتهى.
وأما اشتراط كونها لا تكون مستدعية كلامًا قبلها فهو نحو أن تقول: جاءني الذي حتى أبوه قائم، فلا يجوز ذلك لأن "حتى" لابد أن يتقدمها كلام تكون "حتى" غاية له.
وذهب جماعة من قدماء النحويين إلى أنه لا يجوز وصل الموصول بالقسم وجوابه إذا كانت جملة القسم قد عربت من ضمير يعود على الموصول؛ فلا يجوز أن تقول: جاءني الذي أقسم بالله لقد قام أبوه.

وذهبوا أيضًا إلى أنه لا يجوز الوصل بالشرط والجزاء إذا عربت إحدى الجملتين من ضمير عائد على الموصول، فلا يجوز: جاءني الذي إن قام عمرو قام أبوه.
قال أصحابنا: وذلك جائز قياسًا وسماعًا:
أما القياس فإن الجملتين قد صارتا بمنزلة جملة واحدة بدليل أن كل واحدة منهما لا تفيد إلا باقترانها بالأخرى، فاكتفى فيهما بضمير واحد كما يكتفي في الجملة الواحدة.
وأما السماع فقوله تعالى: {وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ}، فـ (ليبطئن) جواب قسم، والقسم جوابه في موضع صلة لـ (من)، التقدير: وإن منكم للذي والله ليبطئن.
فإن قلت: لعل (من) نكرة/ أي: لإنسانًا ليبطئن؟
فالجواب: أم "من" النكرة لابد لها من صفة، والجملة إذا وقعت صفة فلابد فيها من رابط يربطها بالموصوف، فإذا ثبت في جملة القسم والجواب أنها تقع صفة فكذلك تقع صلة.
ومن السماع قوله تعالى: {وإنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ}، فـ (ما) موصولة في موضع هبر (إن)، واللام الداخلة عليها لام (إن)، و (ليوفينهم) جواب القسم المحذوف، والقسم جوابه في صلة (ما).
فإن قيل: لعل (ما) حرف زائد، وليست بموصولة؟

فالجواب: أن ذلك يؤدي إلى دخول لام التوكيد على مثلها، حتى كأنك قلت: لليوفينهم، وذلك لا يجوز.
وقد رد شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع هذا، وقال: "الممتنع أن تدخل اللام على اللام، فإذا فصل بينهما جاز؛ ألا ترى أن القسم أيضًا فاصل في التقدير". وقال أيضًا: "لا يمنع: "جاءني الذي والله لأضربنه" من عنده أدنى مسكة من اللغة، ثم إن هذا ليس للغة فيه مجال، بل هو معنى لا يصح أن يخالف فيه أحد من العقلاء لأن الفطرة السليمة تقبل مثل هذا الإخبار، وهو أن تقول: زيدٌ والله لأضربنه، وكذا: زيدٌ أقسم بالله لأضربنه، وكذا: زيدٌ إن يكرمني تحسن حالي، وقال الشاعر:
وأنت إذا استدبرته سد فرجه بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
ومثله كثير في الكلام، ومعنى صحيح في كل لغة".
"ثم أي فرق بين الوصل والخبر؟ فكما يجوز الخبر بجملة الشرط والجواب كذلك يجوز الوصل، ولهذا إذا ارتبطت الجملتان بالفاء جاز أيضًا أن يكون الضمير في إحداهما وإن لم يكن في الأخرى؛ كإجازة أبي علي "الذي يطير الذباب فيغضب زيد" على أن يكون الضمير العائد على الموصول

في "يغضب"، والجملة الأولى خالية عنه، لكن لارتباطهما بالفاء وصيرورتهما جملة واحدة جاز. وعلى هذا كان الأستاذ أبو علي يجيز في قوله:
إن الخليط أجد البين فانفرقا ..............................
رفع "البين" على أن يكون فاعلا بـ"أجد"، ويكون الضمير العائد على اسم "إن" في "انفرقا"، وجاز لارتباطهما بالفاء" انتهى.
وزعم الكوفيون أن الموصول قد يجوز أن يتبع باسم معرفة بعده، ويستغنى بذلك عن الصلة، فأجازا أن تقول: ضربت الذي أباك. واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
حتى إذا كان هما اللذين مثل الجديلين المحملجين
ويقول الآخر:
إن الزبيري الذي مثل الجلم سرى بأسلابك في أهل العلم

إلا أن تكون المعرفة التي بعد الموصول اسمًا مضمرًا فإنه لا يجوز إجراؤه على الموصول والاستغناء به عن الصلة عندهم؛ لأن الضمير لا يكون نعتًا، فتقول: ضربت الذي أنت/، أي: الذي هو أنت، ولا يجوز عندهم: ضربت الذي إياك.
وهذا الذي ذهبوا إليه عند البصريين باطل، لابد للموصول عندهم من صلة، ولا حجة لهم في البيتين لأنه يحتمل أن تكون الصلة محذوفة لفهم المعنى، التقدير: اللذين عادا مثل الجديلين، والذي عاد مثل الجلم، فحذف، ولم يبق من الجملة إلا الحال، وإذا كانت الجملة الواقعة صلة كما تقدم يجوز حذفها بأسرها فالأحرى أن يجوز ذلك إذا بقى منها بعض.
وزعم الكوفيون أيضًا أن مثلًا تقع صلة للموصول. واستدلوا بالبيتين السابقين، وذلك بناءً منهم على أن "مثلك" تستعمل ظرفًا، وهذا مقرر في علم الكوفيين أن "مثلك" تكون محلًا، وسنتعرض لذلك في باب المبتدأ والخبر، إن شاء الله.
ورد استدلالهما بأنه يحتمل أن تكون الصلة محذوفة، أي: صارا مثل، وصار مثل، فحذف الجملة، وأبقى معمولها، وإذا حذفت الجملة بأسرها في قوله:

........................ وكفيت جانيها اللتيا والتي
أي: اللتيا صغرت والتي عظمت، فالأحرى أن تحذف ويبقى منها بعض.
وقوله ومن الحروف ما أول مع ما يليه بمصدر، ولم يحتج إلى عائد أي: والموصول من الحروف. و"ما أول" جنس يتناول "صه" ونحوه من أسماء الأفعال، فإنه يؤول بمصدر معرفة إن لم ينون، وبمصدر نكرة إن نون. ويتناول أيضًا الفعل المضاف إليه، نحو: حين قمت قمت، معناه: حين قيامك. ويتناول أيضًا (هو) من قوله {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: العدل. قال المصنف: "فاحترزت من هذه الأشياء ونحوها بقولي "مع ما يليه"، فإن هذه الأشياء مؤولة بمصادر لا مع شيء يليها، بخلاف الحروف الموصولة، فإنها تؤول بمصادر مع ما يليها من صلاتها" انتهى.
وفيما ذكر منازعة، وذلك أن "صه" اسم فعل، فمدلوله لفظ فعل، وإذا كان مدلوله لفظ فعل فكيف يؤول بمصدر؟ ولو كان مؤولًا بمصدر على مذهبه لكان له موضع من الإعراب، والمصنف لا يرى له موضعًا من الإعراب؛ لأنه من حيث أوله بمصدر لابد أن يكون ذلك المصدر إما في موضع رفع أو نصب أو جر، فيلزم من حيث أنه لا موضع له من

الإعراب أن لا يكون مؤولًا بمصدر.
وأما قوله: يتناول أيضًا (هو) من قوله {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} فلا يقال إن (هو) يتأول بمصدر؛ إذ الضمير إذا عاد على شيء لا يقال فيه إنه يتأول بذلك الشيء، لو قلت: زيد هو الفاضل، وأعربنا هو مبتدأ، لا نقول إنه يتأول بالاسم العلم الذي هو زيد، ولو قلت: خرج أخوك، فقال قائل: هو من أهل الخير، لا نقول إن "هو" يتأول باسم مضاف إلى ضمير، وهو "أخوك"، فكذلك "هو"، هو عائد على المصدر المفهوم مما قبله، فلا يقال أنه يتأول بمصدر. والحروف المصدرية قليلة جدًا، فالذي كان يناسب أن تعد لا أن تحد كما قلنا/ في أول كلامنا على الموصول.
وقوله ولم يحتج إلى عائد احتراز من "الذي" الموصوف به مصدر محذوف، فإنه يدل على المصدر، ولابد له من عائد، نحو: قمت الذي قمت، تريد: القيام الذي قمت، فهذا لابد من تقدير عائد، أي: قمته. قال المصنف: "ومثال ذلك قوله تعالى: {وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} أي: كالخوض الذي خاضوه، حذف الخوض، وأقام (الذي) مقامه، وحذف العائد إلى (الذي) لأنه منصوب متصل بفعل، وحذف مثله كثير" انتهى.
وهذا المثال أيضًا لا يتعين لما ذكر؛ بل قالوا يكون مما حذفت منه النون، أي: كالذين، أو صفة لمفرد في معنى الجمع، أي: كالجمع الذي خاضوا، ويكون قد جمع الضمير في الصلة على معنى "الذي" لا على لفظه.

وجَوَّزَ الكوفيون والمصنف أن تكون (الذي) مصدرية، فينسبك منها ومن صلتها مصدر، وتكون حرفية لا يعود عليها ضمير، أي: وخضتم كخوضهم، ومع هذا الاحتمالات لا يتعين ما ذكر في الآية.

-[ص: فمن الأسماء الذي والتي للواحد والواحدة، وقد تشدد ياءاهما مكسورتين أو مضمومتين، أو تحذفنا ساكنًا ما قبلهما أو مكسورًا، وتخلفهما في التثنية علامتها مجوزًا تشديد نونها وحذفها. وإن عنى بـ"الذي" من يعلم أو شبهه فجمعه "الذين" مطلقًا، ويغني عنه "الذي" في غير تخصيص كثيرًا، وفيه للضرورة قليلًا، وربما قيل "اللذون" رفعًا.]-
ش: بدأ المصنف بالذي والتي لأنهما -وإن كانا مبنيين- ظهر فيهما تصرف ما كالتثنية والجمع والتصغير، فصار فيهما بذلك شبه بالمعرب، ولأنه إذا التبس كون غيرهما موصولًا اختبر بصلاحية الذي والتي موضعه.
واللام والياء في "الذي" أصلان لأنه اسم ظاهر، فلم يكون على حرف واحد كسائر الأسماء الظاهرة.
وقال الكوفيون: الاسم الذال وحده لأم الياء تسقط في التثنية، ولو كانت أصلًا لم تسقط، ولحذفها في الشعر وتسكين الذال، واللام زيدت

ليمكن النطق بالذال ساكنة، ولتدخل اللام على متحرك.
وقالوا: والجواب عما قاله الكوفيون أنه لي بتثنية حقيقة، وحذفها في الشعر من الشذوذ لا يدل على زيادتها، وقد حذف كثير من الأصول في الشعر. والألف واللام في "الذي" زائدتان لا للتعريف، والتعريف بالصلة بدليل تعرف من وما بها إذا لا لام فيهما، ولأنهما لو حصلا التعريف لكان الاسم مستعملًا بدونهما نكرة؛ إذ جميع ما تدخل عليه لام التعريف كذلك، ورب زائد يلزم كالفاء في: خرجت فإذا زيد. انتهى هذا الرد، وفيه مناقشة.
وفي البسيط ما ملخصه: "مذهب س أن أصل الذي لذي كعمي، ومذهب الفراء أن أصله "ذا" التي لاسم الإشارة". "وكذا التي أصلها عن س لتي، وعند الفراء تي. ومذهب السهيلي أن أصل الذي ذو بمعنى صاحب"./ وللفراء والسهيلي تقديرات حتى صارت "الذي" في غاية الاضمحلال والتعسف، ضربنا عن كتابتها صفحًا.
وقوله للواحد أي: للمذكر سواء كان من ذوي العلم أم غيرهم.

والواحدة أي: للمؤنث سواء كانت من ذوات العقل أم غيرهن.
وقوله وقد تشدد ياءاهما مكسورتين مثاله قول الشاعر:
وليس المال فاعلمه بمال وإن أغناك إلا للذي
ينال به العلاء، ويصطفيه لأقرب أقربيه وللقصي
ويروى: وإن أرضاك إلا للذي. هكذا أنشد هذا البيت المصنف، وأنشد غيره:
................................. وإن أنفقته إلا الذي
تنال به العلاء وتصطفيه لأقرب أقربيك وللقصي
فعلى ما أنشده المصنف يكون "إلا للذي" استثناء مفرغًا، ويكون "للذي" واقعًا على الشخص، والتقدير: وليس المال فاعلمه بمالٍ لأحدٍ إلا للشخص الذي ينال به العلاء. وعلى ما أنشده غيره يكون استثناء من المال، ويكون "الذي" وقع على المال لا على الشخص، إذ التقدير: وليس المال فاعلمه بمال وإن أغناك إلا المالي الذي تنال به العلاء وتصطفيه لأقرب أقربيك وللقصي.
وظاهر قول المصنف "وقد تشدد ياءاهما مكسورتين" أنهما يبنيان على

الكسر، وإن ذلك جائز في الذي والتي. أما البناء على الكسر فليس يظهر في الرواية التي أنشدها المصنف، وهي قوله "إلا للذي" لأنه يجوز أن تكون الحركة حركة إعراب أحدثتها لام الجر. وأما في إنشاد غيره "إلا الذي تنال به" على الخطاب بـ"تنال" وبقوله "وتصطفيه" و"أقربيك" فإن فيه دليلًا على البناء.
وقد زعم أبو موسى أن الياء تجري بوجوه الإعراب الثلاثة. وإن صح هذا عن العرب فلا يكون في إنشاد المصنف دليل على أنها تبنى على الكسر؛ إذ يحتمل أن تكون الكسرة كسرة إعراب.
وذكر بعض أصحابنا أن في "الذي" إذا شددت البناء على الكسر والجري بوجوه الإعراب.
وأما جواز ذلك في الذي والتي فإن التشديد سمع في "الذي"، وأما في "التي" فلا يحفظ ذلك. وكأن المصنف اعتمد على أبي موسى في "الكراس" له حيث ذكر ذلك. وأما من تعرض لحصر لغات "التي" كالدينوري في "المهذب"، والهروي في "الأزهية"، والجوهري في "الصحاح"، فلم يذكروا ذلك في كتبهم.
وقوله أو مضمومتين مثاله ما أنشده المصنف من قول الشاعر:
أغض ما اسطعت فالكريم الذي يألف الحلم إن جفاه بذي

وظاهر كلام المصنف أنها تكون مبنية على الضم مشددة.
ولا حجة في هذا البيت على البناء إذ قد يحتمل أن تكون الحركة حركة إعراب، كما ذكروا أنه يجوز في "الذي" مشددة/ الجري بوجود الإعراب.
وقوله أو تحذفان ساكنًا ما قبلهما مثاله:
فلم أر بيتًا كان أحسن بهجة من اللذ به من آل عزة عامر
وقال:
ما اللذ يسومك سوءًا بعد بسط يد بالبر إلا كمتلي البغي عدوانا
وقال:
فما نحن إلا من أناس تخرموا بأدنى من اللذ نحن فيه وأوفرا
وقال آخر:
فكنت والأمر الذي قد كيدا كاللذ تزبى زبية فاصطيدا
وقال آخر:

فقل للت تلومك إن نفسي أراها لا تعوذ بالتميم
وقال آخر:
أرضنا اللت أوت ذوي الفقر والذل فآضوا ذوي غنى واعتزاز
وقوله أو مكسورًا مثاله قول بعض بني تميم:
واللذ لو شاء لكانت برًا أو جبلًا أصم مشمخرًا
وقوله:
لا تعذل اللذ لا ينفك مكتسبًا حمدًا، ولو كان لا يبقى ولا يذر
وقال الفراء: ومن العرب من يقول: "هو اللذ قال ذلك".
ولم ينشدوا على كسر التاء دون ياء شيئًا، لكن ذكر ذلك فيها الدينوري والهروي والجوهري، إلا أن المصنف في بعض نسخ شرح هذا الكتاب أنشد على ذلك قول الشاعر:

شغفت بك اللت تيمتك، فمثل ما بك ما بها من لوعة وغرام
ومن ذهب إلى أن هذا التصرف في ياء الذي والتي من التشديد في الياء، ومن حذفها والاجتزاء بالكسرة عنها، ومن حذفها وتسكين المكسور، مختص بالشعر، فمذهب فاسد، وإنما نقله أئمة العربية على أنها لغات من الذي والتي.
قال الفراء: "ومن العرب من يقول: هو اللذ قال ذلك، ويقول في الواحد: هو اللذ قال ذلك، بجزم الذال، وفي الواحدة: هي اللت قالت ذلك" انتهى.
وقد تقدم من قولنا أن تشديد الياء في "التي" لا نحفظه، لكن أكثر أصحابنا نص عليه كـ"الذي" سواء.
وقوله وتخلفهما أي: تخلف ياء الذي وياء التي في التثنية علامتها أي: الألف رفعًا والياء نصبًا وجرًا، تقول: اللذان/ واللتان، ورأيت الذين، ومررت بالذين، وكذلك "التي".
وقوله مجوزًا تشديد نونها أي: نون التثنية. وتخفيف النون لغة الحجاز وبني أسد، وتشديدها لغة قيس وتميم. وظاهر كلام المصنف جواز التشديد مع الألف والياء.

وفي البسيط: "وفيه وجهان: تشديد النون لغة قريش، وتخفيفها". فأما مع الألف فلا خلاف في تجويز تشديد النون، وقد قرئ في السبعة {والَّلذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ}، وأما مع الياء ففيه خلاف: مذهب البصريين أنه لا يجوز التشديد مع الياء. وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، وبه قرأ بعضهم في قوله {رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا}.
وذكر المصنف أن التشديد قصد به التعويض مما حذف من الاسم المفرد في التثنية؛ لأن القياس كان يقتضي أن لا يحذف منه شيء، فكان يقال: اللذيان كما قالوا: الشجيان، لكنهم حذفوا الياء في التثنية، فناسب أن يعوضوا من ذلك المحذوف التشديد في النون. ويحتاج من دعوى هذا إلى دليل.
ولمدع أن يدعي أن هذه الزيادة في النون إنما هي للفرق بين تثنية المبني وتثنية المعرب لا للتعويض من المحذوف؛ كما فرقوا بالحركة بين المعرب والمبني في قبل وبعد، فجعلوا الحركة فيهما إذا كان مبنيين ضمة، وكل واحد من القولين دعوى.
وفي البسيط أقوال في تشديد النون لم شددت، لا يقوم لشيء منها دليل.

وقوله وحذفها الحذف لغة بني الحارث بن كعب وبعض ربيعة، يقولون: هما اللذا قالا ذلك، بحذف النون، وهما اللتا قالتا ذلك، وعليه قوله في تثنية الذي:
أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك، وفككا الأغلالا
وقال:
وعكرمة الفياض منا وحوشب هما فتيا الناس اللذا لم يعمرا
وقال:
وحوصاء ورألان الـ ـلذي دلا على الحج
وقال في تثنية التي:
هما اللتا لو ولدت تميم لقيل فخر لهم عميم
وقوله وإن عني بـ"الذي" من يعلم أو شبهه يعني بشبهه الأصنام التي عبدت من دون الله إذ نزلوها منزلة من يعلم حتى عبدوها. فمثال إطلاق "الذين" على من يعلم قوله {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ}، وهو كثير جدًا. ومثال إطلاقه على من يشبه من يعلم قوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ

عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ} إلى قوله {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بها} إلى آخر الاستفهام.
وقوله فجمعه "الذين" مطلقًا يعني أنه يكون بالياء في موضع الرفع والنصب والجر. قال المصنف في الشرح: "لما كانت التثنية من خصائص الأسماء المتمكنة، ولحقت الذي والتي، وجل لحاقهما/ معارضًا لشبههما بالحروف، فأعربا في التثنية كما جعلت إضافة "أي" معارضة لشبهها بالحروف، فأعربت. ولم يعرب أكثر العرب "الذين" وإن كان الجمع من خصائص الأسماء لأن "الذين" مخصوص بأولي العلم و"الذي" عام، فلم يجريا على سنن الجموع المتمكنة؛ بخلاق "اللذين" و"اللتين"، فإنهما يجريا على سنن المثنيات المتمكنة لفظًا ومعنى. وعلى كل حال ففي "الذي" و"الذين" شبه بالشجي والشجين في اللفظ وبعض المعنى، فلذلك لم يجمع العرب على ترك إعراب الذين" انتهى.
والذي ذهب إليه المحققون أن اللذان واللتان والذين واللذون صيغ تثنية وجمع، وليست بتثنية صحيحة ولا جمع صحيح؛ لأنها لو كانت تثنية صحيحة للزم تنكيرها لأن الاسم لا يثنى حتى ينكر، ولذلك تقول "الزيدان"، والموصلات لا يتصور تنكيرها لأن موجب تعريفها لازم لها، وهو الألف واللام على قول، والصلة على قول آخر، فلما لم يتصور تنكيرها لم يتصور تثنيتها وجمعها. ويبين أنها ليست بتثنية صحيحة حذف الياء، إذ لو كانت تثنية صحيحة لقيل اللذيان واللتيان، كما تقول في القاضي والغازي

القاضيان والغازيان.
وقوله ويغني عنه "الذي" في غير تخصيص كثيرًا مثاله {والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ}، فلو لم يكن المراد به جمعًا لم يخبر عنه بجمع، وهو "أولئك"، ولا عاد عليه ضمير جمع.
قال المصنف: "ومنه {كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ} انتهى. وليس مثل ما تقدم لأنه يحتمل أن يكون (الذي) هو مفردًا، بل هو أظهر، بخلاف قوله {والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ}.
وقوله وفيه للضرورة قليلًا أي: وفي التخصيص. قال المصنف في الشرح: "إذا قصد بـ"الذي" مخصص فلا محيص عن "اللذين" في التثنية و"الذين" في الجمع، ما لم يضطر شاعر، كقوله:
أبني كليب إن عمي اللذا ......................................
وقوله:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد"
انتهى.
ولا يعرف أصحابنا هذا التفصيل بين أن يقصد به التخصص أو غيره، بل أنشدوا البيتين على الجواز في فصيح الكلام لا على الضرورة، وعلى

ذلك أنشدوا أيضًا قول الشاعر:
يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم، ولا فيمن قعد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد
وقول الآخر:
فبت أساقي القوم إخوتي الذي غوايتهم غيي ورشدهم رشدي
وقول الآخر:
أولئك أشياخي الذي تعرفونهم .................................
قال الأخفش: يكون "الذي" للجمع والواحد بلفظ واحد كـ"من". قيل: ومنه {والَّذِي/ جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ} و {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}. فعلى مذهب الأخفش لا يكون "الذي" المراد منه الجمع محذوفًا منه النون، بل هو من المشترك بين الواحد والجمع. ولو كان مثل "من" على ما ذهب إليه الأخفش لجاز أن يكون أيضًا للمثنى، فيعود عليه الضمير مثنى،

فتقول: جاءني الذي ضربا زيدًا، وهذا غير مسموع.
وقوله وربما قيل اللذون رفعًا يعني أنه أجري مجرى ما جمع بالواو والنون رفعًا، والياء والنون جرًا ونصبًا. قال المصنف: "إعراب الذين في لغة طيئ مشهور، فيقولون: نصر اللذون آمنوا على الذين كفروا".
ونقل غيره من أصحابنا أنها لغةً هذيل. ونقل غيرهما أنها لغةً عقيل. وأنشد من ذكر أنها لغةً طييء ومن ذكر أنها لغة هذيل قول الشاعر:
وبنو نوينجيه اللذون كأنهم ... معط مخدمة من الخزان
ص: وقد يقال لذي بأذان ولذان ولذين ولاتي. وبمعنى الذين الألى والألاء واللاء واللائين مطلقًا، أو جرًا ونصبًا، واللاؤون رفعًا. وجمع التي: اللاتي، واللاتي واللواتي، وبلا ياءات، واللأ واللوا واللواء واللاءات مكسورًا أو معربًا أعراب أولات والألي، وقد ترادف التي واللاتي ذات وذوات مضمومتين مطلقًا.

ش: قال المصنف في الشرح: "والسادسةً - يعني اللغة السادسةً - حذف الألف واللام وتخفيف الياء ساكنةً. وبهذه اللغة قرأ بعض الأعراب، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيًا يقرأ بتخفيف اللام، يعني {صِراطَ لَذِينَ} انتهى.
ولم يذكر المصنف شاهدًا على ما ادعاه من حذف الألف واللام من لذي ولذان ولذين ولتي ولاتي سوى قراءةً هذا الأعرابي، فإن كان مستنده القياس على قراءة هذا الأعرابي، فجوز الحذف من البواقي دون سماع، كان قياسًا فاسدًا لأن ذلك في {صِرَاطَ الَّذِينَ} في غايةً من الدور والشذوذ، فلا يقاس عليه، وهو شبيه بحذف الألف واللام من قول بعضهم "سلام عليكم"، بحذف التنوين على إرادة الألف واللام، وذلك على رأي من يزعم أن تعريف الذي وما فيه الألف واللام من الموصولات بالألف واللام.
وقوله وبمعنى الذين الألى هي على وزن "العلي"، والمشهود وقوعها بمعنى "الذين" فتكون للعقلاء، نحو قول الشاعر:

رأيت بني عمي الألي يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب
وقول الآخر:
وإن يكن من خيار أمته من الألي يحشرهم في زمرته
وقول الآخر انشده بعض البغداديين:
ألا أيها القوم الألي ينبحوني ... كما نبح الليث الكلاب الضوارع
ألم ترني بعد الذين تتابعوا ... وكانوا الألي أعطى بهم وأمانع
وقول الآخر:
أليسوا بالألي قسطوا جميعا ... على النعمان, وابتدروا السطاعا
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وأما الألي بمعنى اللذين فغنها تقع على من يعقل وما لا يعقل من المذكرين" انتهى. ولا تختص بالمذكر, بل تأتي للمؤنث على ما يذكر إن شاء الله.
وقال: "وقولنا الألي بمعنى "اللذين" تحرز منها بمعنى "أصحاب" نحو قوله:

لقد علمت أملى المغيرة أنني ... لحقت, فلم أنكل عن الضرب مسمعا
معناه: أصحاب المغيرة" انتهى.
وهذا وهم من الأستاذ، أولى تأنيث أول، ومعنى أولى في البيت متقدمةً الخيل المغيرةً، أو أولى الجماعةً المغيرةً، قال أبو عبد الله بن خالويه: سألت أبا عمر - يعني غلام ثعلب - عن قوله:
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... .................
فقال: أولى كل شيء أوله، وأنشد:
له وفضة قيها ثلاثون سيحفًا ... إذا ما رأت أولى العدى اقشعرت
ولو قال ابن عصفور: "احترز من ألي اسم الإشارة"، لكان له وجه لأن النطق بهما واحد، ورسمهما في الخط واحد، بخلاف أولى فإن بعد الهمزة واوًا، تمد الهمزةً لأجلها إذ هي عين الكلمةً، فلفظةً "ألي" مشتركةً بين أن تكون موصولةً وبين أن تكون مشارًا بها، ولا تكون بمعنى "أصحاب" البتة، ولا أيضًا "أولى" تأنيث "أول" بمعنى "أصحاب"، ثم إنه لا يقع اشتراك بين ألَى الموصولةً وألي اسم الإشارةً إلا إذا كانت الموصولةً دون ألف ولام، نحن قول الشاعر:
أأنتم ألي جئتم مع الدبر والدبا ... فطرتم، وهذا شركم غير طائر

وقول بشر بن أبي خازم:
ونحن ألي ضربنا رأس حجر ... بأسياف مهندةً رقاق
وقول والألاء مثال ذلك قول الشاعر:
أبى الله للشم الألاء كأنهم سيوف أجاد القين يوما صقالها
وقوله واللأء مثال قول الشاعر:
من النفر اللاء الذين هم إذا يهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
وقال كثير:
تروق عيون اللاء لا يطعمونها ويروي برياها الضجيع المكافح
وأنشد الفراء لرجل من سليم:
فما آباؤنا بأمن منه ... علينا اللاء هم مهدوا الحجورا

اجتزأ بالكسرةً عن الياء.
وقوله واللائين مطلقًا يعنى انه كـ "الذين", يكون بالياء رفعًا ونصبًا وجرًا، وهذه لغةً هذيل. وأنشد المصنف في الشرح قول الشاعر:
وإنا من اللائين إن قدروا عفوًا وان اتربوا جادوا, وإن تربوا عفوًا
وأنشد غيره:
ألمًا تعجبني وترى بطيطا من اللائين في الحقب الخوالي
وأنشد المصنف:
من اللاتي يعود الحلم فيهم ويعطون الجزيل بلا حساب
قال: "فقوله "من اللائين" يحمل أن يكون على لغة من يبني، ويحتمل أن يكون على لغة من يعرب".
وقوله واللاؤون هي أيضًا لغة لبعض هذيل، يقولون "اللاؤون، في الرفع، و "اللائين" في الجر والنصب، وأنشدوا:

هم اللاؤون فكوا الغل عني بمرو الشاهجان، وهم جناحي
ويجوز حذف النون من اللائين واللاؤون، قرأ ابن مسعود {لِلَّائي آلَوْا مِنْ نِسَائِهِمْ} وابن مسعود هذلي. وسمع الكسائي هذيلًا تقول: "هم اللاؤو صنعوا كذا". وحكي الفارسي في "الشيرازيات" عن بعض البغداديين أنه حكي: "هم اللائي فعلوا كذا"، فاستعمله بالياء في حالة الرفع محذوف النون كقراءة عبد الله.
ونسب المصنف لهذيل هذه اللغة، أعني "اللاؤون" رفعًا، ولم ينسب "اللائين" مطلقًا، وكلاهما لغة لهذيل. قال المصنف في الشرح: "والصحيح أن الذين جمع الذي مرادًا به من يعقل، وأن اللائين جمع اللاء مرادفًا للذين" انتهى. وهذه كما قلنا ليست بجموع حقيقةً.
وقوله وجمع التي اللاتي واللائي واللواتي وبلا ياءات هذه ستة ألفاظ للجمع في "التي". قال المصنف: "وإثبات الياءات فيهن هو الأصل، وحذفها تخفيف واجتناب للاستطالة، وقد بالغوا في ذلك حتى حذفوا التاء والياء من اللاتي واللواتي، فقالوا: اللأ واللوا، ولم أجد حجةً على ذلك إلا

تصديق الرواة" انتهى.
وعدم وجدانه هو لا يدل على عدم الوجود، وهذا هو من باب نقل اللغةً، وليس من شرط نقل اللغةً أن يجد في ذلك المتأخر نقلًا عن العرب بصريح لفظها، بل يكفي في ذلك قول اللغوي: إن العرب تقول كذا.
وقد أنشد المصنف في نسخةً أخرى من الشرح قول الراجز:
جمعتها من اينق عكار ... من اللوا شرفن بالصرار
وقال:
وكانت من اللا لا يعيرها ابنها إذا ما الغلام الأحمق الأم عيرًا
والبيت للكميت، وقال الكميت:
فدومي على العهد الذي كان بيننا أم أنت من اللا ما لهن عهود
قال: "والأظهر عندي أن الأصل في التي: اللوائي، وفي اللَّا:

اللاء". وأنشد غير المصنف:
اللاء كن مرابعا ومصايفًا ... بك, والغصون من الشاب رطاب
وقوله واللاءات مكسورًا أي مبنيًا على الكسر في الأحوال الثلاث، أو معربًا إعراب أولات، أي: يرفع بالضمةً، ويجر وينصب بالكسرةً. ولم يذكر بعض أصحابنا في "اللاءات" إلا البناء على الكسر. وأنشد المصنف:
أولئك إخواني الذين عزفتهم ... وأخدانك اللاءات زين بالكتم
وزاد "اللائي" بياء محضةً، و "اللاتي" بالسكون. ولا تثبت لغةً السكون بقوله {اللَّائِي يَئِسْنَ} لإمكانه أن يكون السكون لأجل الإدغام.
وقوله والألي تقدم أن "الألى" أيضًا يكون لجمع المذكر عاقلًا وغير عاقل، ومما جاء فيه لجمع المذكر بمعنى الذين وجمع المؤثنات بمعنى

اللاتي قول الشاعر:
وتفني الألي يستلئمون على الألي ... تراهن يوم الروع كالحدأ القبل
ومما جاءت فيه بمعنى "اللاتي" قوله:
فأما الألى يسكن غور تهامة ... فكل فتاة تترك الحجل أقصما
وقال يصف كلابًا وبقرةً وحشيةً:
تبذ الألى يأتينها من ورائها ... وإذ تتقدمها الطوارد تصطد
وقول وقد ترادف التي واللاتي ذات وذوات مضومتين مطلقًا تقدم أن "ذات" بمعنى صاحبةً تعرب بالضمةً والفتحةً والكسرةً، وأن "ذوات" بمعنى صواحب تعرب، بالضمةً والكسرةً نحو صاحبات. فأما إذا كانت "ذوات" بمعنى "التي" - أي: لمؤنثةً مفردةً - أو: "ذوات" بمعنى "اللاتي" - أي: لجمع مؤنث - فإنهما مبنيان على الضم أبدًا، ومن كلام العرب "بالفضل ذو فضلكم الله به، وبالكرامةِ ذات أكرمكم الله به، وقال الشاعر:

جمعتها من أينق موارق
ويروى: سوابق.
ذوات ينهضن بغير سائق
وهذا الذي ذكره هو لغة طيئ، وتأتي "ذو" إن شاء الله.
وتثنى ذات: ذواتا في الرفع وذواتي في الجر والنصب، فتعرب كإعراب تثنيةً "ذات" بمعنى صاحبةً. وقال المصنف في الشرح: "إن تاء ذات وذوات مضمومةً أبدًا، وحكي غيره إعراب "ذات" الموصولةً بالحركات إعراب "ذات" بمعنى "صاحبة". ونقل لنا شيخنا الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نمر الحلبي شهر بابن النحاس أنه حكي إعراب "ذوات" الموصولة إعراب "ذوات" بمعنى "صواحب", فترفع بالضمةً، وتجر وتنصب بالكسرةً، قال: وهذا غريب. والأفصح في "ذات" أن لا تثنى ولا تجمع، بل تكون "ذات" للمؤنثةً المفردةً ومثناها ومجموعها، وأن تبنى على الضم حالة الرفع والنصب والجر.

-[ص: وبمعنى الذي وفروعه من وما وذا غير ملغي ولا مشار به بعد استفهام بما أو من، وذو الطائيةً مبنية غالبًا، وأي مضافًا إلى معرفةً لفظا أو نيةً. ولا يلزم استقبال، عامله ولا تقديمه، خلافًا للكوفيين، وقد يؤنث بالتاء موافقًا للتي. وبمعنى الذي وفروعه الألف واللام، خلافًا للمازني ومن وافقه في حرفيتها، وتوصل بصفة محضة، وقد توصل بمضارع اختيارًا، ومبتدأ وخبر أو ظرف اضطرارًا.]-
ش: يعني بقوله "وفروعه" فروع "الذي"، وفروعه هي "التي" لأن التأنيث فرع التذكير، وتثنيتهما وجمعهما، نحو اللذان واللتان، والذين واللاتي. فـ "من" و"ما" يجوز أن يراد بكل منهما المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث؛ إلا أن لكل منهما بالنسبةً إلى ثم يعلم وما لا تعلم اعتبارًا يذكر - إن شاء الله. عند تعرض المصنف له.
وقوله غير ملغي إن عني بالإلغاء الزيادةً كما يفهم من ظاهر اصطلاح النحويين فليس قوله بصحيح لأن الأسماء لا تلغى، أي: لا تزاد، وإذ عني أنها ركبت مع "ما"، وصار المجموع اسم استفهام، فيصح.
وقوله وذا غير مشار به أصل "ذا" أنه اسم إشارةً، ثم جرد من معنى الإشارةً، واستعمل موصولًا بالشرط الذي يذكر، فإذا أقر على أصل موضوعةً من الإشارةً لم يحتج إلى صلةً، وانعقد منه مع "من" أو "ما" كلام، وإذا كان موصولًا كان جزء كلام، واهتم إلى صلة وعائد كغيره من الموصولات، وصار يقع على المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث.
وقوله بعد استفهام بما أو من أما جعل "ذا" موصولةً بعد "ما" الاستفهاميةً فلا نعلم خلافًا في جواز ذلك، وأما بعد "من"الاستفهاميةً ففيه

خلاف، فأكثر أصحابنا أجازوا ذلك، ومن النحويين من لا يجيز ذلك. واستدل لجواز ذلك بقول الشاعر:
وغريبة تأتي الملوك كريمة ... قد قتلها ليقال: من ذا قالها
وقول الآخر:
ألا إن قلبي لدى الظاعنينا ... حزين فمن ذا يعزي الحزينا
وفي البسيط: "وقيل: لا تكون "ذا" موصولةً مع "من" لأن "من" تخص من يعقل، فليس فيها إبهام كما في "ما"، وإنما صارت بالرد إلى الاستفهام في غاية الإبهام، فأخرجت "ذا" من التخصيص إلى الإبهام، وجذبتها إلى معناها، ولا كذلك "من"، لتخصيصها، فلذلك لا تستعمل استعمالها، وإنما تستعمل حيث قال س: "وأكثر ما تستعمل في الإنكار على معنى: ما أحد خيرًا منك، كما تقول: من ذا أرفع من الخليفة"، قال

تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} , فوصف "ذا" بـ "الذي"، ولم يرد أن يشير إلى إنسان قد عرف فضله على المسؤول، ولو أردت ذلك لنصبت" انتهى.
ولتعلم أن "ماذا" لها استعمالات:
أحدها: أن تنفي كل واحدةً على أصلها، فتبقى "ما" على استفهاميتها و"ذا" على إشارتها كما ذكرنا.
الثاني: أن تبقى "ما"على استفهاميتها، وتكون "ذا" موصولةً مفردةً هكذا لمذكر ولمؤنث وفروعهما.
الثالث: أن تركب "ذا" مع "ما"، ويصيرا اسمًا واحدًا استفهامًا. والفرق بين هذا والذي قبله أنك إذا قلث "ماذا صنعت؟ " كانت "ما" مبتدأ، و "ذا" بمعنى "الذي" خبره، و "صنعت" صلة "ذا" والعائد محذوف، والتقدير: ما الذي صنعته؟ هذا على الاستعمال الثاني. وأما على الاستعمال الثالث فيكون "ماذا" بجملته مفعولًا مقدمًا بـ "صنعت" ولا ضمير في "صنعت"، وكأنك قلت: أي شيء صنعت؟ وجواب هذا في الأفصح "خيرًا" بالنصب حتى يطابق بين السؤال والجواب، وجوابه في الوجه الثاني في الأفصح "خير" بالرفع حتى يطابق بين السؤال والجواب أيضًا، ويظهر الفرق بينهما بالبدل أيضًا، فعلى الاستعمال الثاني رفع البدل لأنه بدل من مرفوع، فتقول: ماذا صنعت أخير أم شر؟ وعليه جاء قوله:
آلا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
وعلى الاستعمال الثالث، تنصب البدل لأنه بدل من منصوب، فتقول:

ماذا صنعت خيرًا أم شرًا؟
ومما يدل على استعمالها مركبةً مع "ذا" قول العرب: "عماذا تسأل؟ " بإثبات ألف "ما" لكونها توسطت، ولا تصح موصوليةً "ذا" لأن حرف الجر لا يدخل على الجملةً، وبدليل قول الشاعر:
يا خزر تغلب، ماذا بال تسوتكم لا يستفقن إلى الديرين تحنانا
ولا تصح موصوليتها لأن العرب لا تقول إلا "ما بالك؟ " ولا تقول: ما الذي بالك؟ وبقول الشاعر:
وأبلغ آبا سعد إذا ما لقيته نذيرًا، وماذا ينفعن نذير
فدخول نون التوكيد يقضى بأن "ماذا" كلها جاءت استفهامًا. ولا يجوز أن تكون موصولة لأن الفعل الواقع صلةً لا تدخله نون التوكيد.
وتترجح دعوى التركيب إذا كان "الذي"بعد "ماذا" أو بعد "من ذا" كقوله تعالى {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} وقول الشاعر:
ويحسب آذ النائبات تركنه ومن ذا الذي عمرينه فهو وافر
وقول الشاعر في ماذا
فماذا الذي يشفي من الحب بعدما ... تشربه بطن الفؤاد وظاهره

ويحتمل أن تكون "ذا" موصولةً، ويكون فيه جمع بين موصولين نحو قوله:
إن الذين الألي أدخلتهم بقر ... لولا بوادر إرعاد وإبرق
ويخرج على التوكيد، أو على أن يكون الموصول الثاني خبر مبتدأ محذوف.
والرابع: أن تركب "ذا" مع "ما" ويصيرا اسمًا واحدًا موصولًا، وتكون ليس فيها شيء من الاستفهام، وعليه بيت الكتاب:
دعي ماذا علمت سأتقيه ... ولكن بالمغيب نبئيني
أي: دعي الذي علمت، سأتقيه، والمعنى: دعي ذكر الشيء الذي علمته، فإني سأتقيه واستعمالها في هذا الوجه - وهو أن تكون كلها موصولة - قال بعض أصحابنا فيه: هو قليل. وقال بعضهم: هذا الاستعمال جاء في الشعر.

وقد خلط في تخريج هذا البيت الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، قال: "ومن جعل "ماذا" اسمين قول الشاعر" وأنشد البيت. ثم قال: "ولا يتصور في "بماذا" أن تكون بتقدير اسم واحد؛ لأنه لو كان كذلك لم يخل من أن يكون منصوبًا بـ "دعي" أو بـ "علمت" أو بفعل مضمر يفسره "سأتقيه". وباطل أن يكون منصوبًا بـ "ادعي" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وباطل أن يكون منصوبًا بـ "علمت" لأنه لا يريد أن يشفهم عن معلوم, وباطل أن يكون منصوبًا بفعل مضمر يفسره "سأتقيه" لأنه لا يكون لـ "علمت" إذ ذاك موضع من الإعراب، فلم يبق إلا أن يكون مبتدأ وخبرًا علق عنه "دعي"، كأنه قال: دعي أي شيء الذي علمته فإني سأتقيه. والضمير الذي في "سأتقيه" عائد على "ذا"، انتهى تخريجه.
وكتب أستاذنا أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير على هذا التخريج ما نصه: "هذا كله نظر خلف، وتعد عن فهم مراد س، ومخالفًا للناس قاطبةً في فهمهم عن س أن "ماذا" لها ثلاثة أحوال: موصوليةً "ذا"، مع كون "ما" استفهامًا، وجعل الاسمين اسمًا واحدًا، إما أن يكون إذ ذاك استفهامًا، وهو الأكثر، أو يكون كله اسمًا موصولًا، ومنه هذا البيت، وهو قليل، وهذا كله ما لم تبق كل واحدة على بابها- وهذا تفسير السيرافي وابن خروف

والأستاذ أبي علي الشلوبين وفهمهم عن س. وقوله "وباطل أن يكون منصوبًا بدعي لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله" هذا لو سلم له أنه استفهام، ولم يقل بذلك أحدهم انتهى كلامه.
وقد رجع الأستاذ أبو الحسن عن هذا التخريج في بعض تصانيفه، فقال: "وقد استعملت في الشعر استعمالًا ثالثًا، وهو جعلها بمنزلة "الذي" أو بمنزلة نكرة موصوفةً، قال: "دعي ماذا علمت سأتقيه". وإلى أنها نكرةً موصوفةً ذهب أبو علي الفارسي ولا يجوز أن تكون "ذا" موصولةً لأنها تكون جملةً، و "دعي" ليس مما يعلق، فلا يدخل على جملةً الاستفهام. ولا يصح أن يكونا معًا استفهامًا لأنك إذ أعملت فيه "دعي" لم يجز لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، أو "علمت" لم يجز لأن "دعي" تكون قد دخلت على جملةً استفهاميةً، وهى "علمت" ومفعولها، وليست مما يعلق، فلم يبق إلا أن تكون "ماذا" موصولةً أو نكرةً موصوفةُ" انتهى ما ذكره ملخصًا.
وأنكر أبو علي الفارسي أن يكون "ماذا" في هذا البيت موصولًا بمعنى الذي، قال: "لأنا لم نجد في الموصولات ما هو مركب، ووجدنا في الأجناس ما هو مركب" وقال: "جاز لـ "ذا" أن يتنكر لأنه لما ركب مع "ما" حدث بالتركيب معنى لم يكن".
وقال المصنف في الشرح: "ومثل وماذا" في احتمال معنى "شيء" ومعنى "الذي" في غير استفهام قول جرير:
فالله ماذا هيجت من صبابةٍ على ... هالك يهذي بهند ولا يدري"
انتهى.

ولا يجوز عند البصريين أن يستعمل اسم الإشارةً موصولا إلا "ذا"، إما بانفرادها وإما مركبةً مع "ما" وزعم الكوفيون أن أسماء الإشارةً كلها يجوز أن تستعمل موصولات، ومن ذلك عندهم {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} فـ (تلك) عندهم موصول، و (بيمينك) صلته، كأنه قيل: وما التي بيمينك؟ وقال الشاعر:
عدس ما لعباد عليك، إمارة ... نجوت، وهذا تحملين طليق
كأنه قال: والذي حملين.
ولا حجةً في هذا لأنه يتخرج على أن يكون (بيمينك) متعلقًا بما في (تلك) من معنى الإشارةً؛ لآن المعنى: وما المشار إليها بيمينك؟ أو حالًا من المشار إليه، أو متعلقًا بفعل مضمر على جهة البيان، كأنه قال: أعني بيمينك. وعلى أن يكون "تحملين" في موضع الحال، أي: وهذا محمولًا لك طليق، أو في موضع خبر لـ "هذا"، و "طليق" خبر ثان كقولهم: هذا

حلو حامض, و:
............... ... فهو يقظان هاجع
وهذه تخاريج ابن عصفور. والبصريون حملوا (بيمينك) و "تحملين"على الحال. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "تقديره "أعنى بيمينك" بعيد، ولا يتعدى أعني بالباء، فهو تقدير ضعيف جدًا، فلا ينبغي أن يعول عليه، فالحال أشبه".
وقول وذو الطائيةً مبنيةً غالبًا إنما نسبها لطيئ لأنهم هم الذين يستعملونها موصولةً، أو من تشبه بهم من المولدين، فاستعملها، كأبي نواس وحبيب بن أوس, والحسن بن وهب وغيرهم، ومن كلام بعض

الطائيين: "أرى ذو ترون"، ومن كلامهم "فلا وذو في السماء بيته". والعجب لهذا المصنف أنه وصف "ذو" بالطائيةً، وقد ذكر "ذات" و"ذوات"، ولم يصفهما بأنهما طائيتان، والجميع مختص باستعمالها طيئ.
وقوله مبنية غالبًا لأن بعض العرب من الطائيين قد أعربها، فقال: جاءني ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام، قال الشاعر:
فإما كرام موسرون أتيتهم فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
ومنه في أحد الخريجين "اذهب بذي تسلم"، أي: بالذي تسلم. وأعربت تشبيهًا لها بـ "ذي" بمعنى "صاحب" لمشابهتها لها في اللفظ، حتى إن بعضهم، حكي أن "ذو" هذه منقولةً من "ذي" بمعنى "صاحب" لاشتراكهما في التوصل إلى الوصف. والأفصح في "ذو" أن لا تثنى ولا تجمع، بل تكون هكذا للمفرد والمثنى والمجموع من المذكر. وأنشدوا على "ذو" الطائية قول الشاعر:

ذاك خليلي وذو يعاتبني ... يرمي ورائي بامسهم وامسلمةً
وقول الآخر:
نغادر محض الماء ذو هو محضه ... على أثره عن كان للماء من محض
يروي العروق الهامدات من البلى ... من العرفج النجدي ذو باد والحمض
وقول الآخر:
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين العظم ذو أنا عارقه
وقول الآخر:
فإما كرام موسرون وجدتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا
وقوله:
قولا لهذا المرء ذو جاء طالبا ... هلم, فإن المشرفي الفرائض
أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ... ستلقاك بيض للنفوس قوابض

وحكى الأزهري أن "ذو" في لغة طيئ تستعمل بمعنى الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، فعلى أما حكاه الأزهري تستعمل "ذو" للمؤنث، وتثنيته وجمعه، ومنه قول الشاعر:
فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت
أي: بئري التي حفرت. وزعم ابن عصفور أنه ذكر البئر على معنى القليب، ومثله قوله:
يا بئر يا بئر بني عدي ... لأنزحن قعرك بالدلي
حتى تعودي أقطع الولي
فخرجه على أنه ذكر على معنى القليب، فأنث على معنى البئر. وقدره الفارسي: "حتى تعودي قليبًا اقطع الولي"، فهو من حذف الموصوف.
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وعندي أنه لا يجوز

ذلك في "ذو" قياسًا على الصفةً؛ لأن ذلك في الصفةً بالحمل على الفعل، فالصفةً الجاريةً مجرى الفعل يجوز فيها ما لا يجوز في غير الجاريةً؛ ألا ترى أن من قال "جاء الموعظة" لا يقول مشيرًا إليها: هذا الموعظة نفعتني، ولذلك زعم الخليل في قوله تعالى {هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}، أنه إشارةً إلى القطر لا للرحمةً، و "ذو" أقرب لأسماء الإشارةً منها للصفةً الجاريةً. وأيضًا فلم يذكر "ذات" كل من ذكر "ذو"، فهذا يدل على أن "ذو" أشهر "من ذات"، ولو كان مؤنثها كـ "التي" مع "الذي" لم يكن أحدهما أشهر لأن المذكر ومؤنثه في مرتبةً واحدةً" انتهى.
وحكي الهروي في "الأزهية" أن بعض العرب الطائيين يثنى "ذو" ويجمعها جمع "ذي" بمعنى "صاحب". وكذا قال ابن السراج: "إن تثنية ذو وجمعه لا يجوز فيهما إلا الإعراب"، فتقول: جاء ذوا قاما، ورأيت ذوي قاما، ومررت بذوي قاما، وجاءني ذوو قاموا، ورأيت ذوي قاموا، ومررت بذوي قاموا.
وقال المصنف في الشرح: "أطلق ابن عصفور القول بتثنيتها وجمعها، وأظن حامله على ذلك قولهم: ذات وذوات بمعنى التي واللاتي، فأضربت عنه لذلك" انتهى. ولم يفعل ذلك ابن عصفور لما قال

المصنف، بل نقل ذلك الهروي وابن السراج عن العرب.
وقوله وأي أي: تكون موصولةً على مذهب الجمهور، وخالف أحمد بن يحيى، فزعم أنها لا تكون إلا استفهامًا أو جزاء، وهو محجوج بثبوت ذلك في لسن العرب بنقل الثقات من النحويين، ومن ذلك قول الشاعر:
إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل
وقال تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ}، وأنشد سلمةً:
أباهل لو أن الرجال تبايعوا ... على أينا شر قبيلا وألام
وقال:
فادنوا إلى حقكم يأخذه أيكم ... شئتم، وإلا فإياكم وإيانا
وقال:
أما النساء فأهوى أيهن أرى ... للحب أهلا, فلا أنفك مشغوفا
قال س: "وحدثنا هارون أن ناسًا - وهم الكوفيون - يقرأونها {ثُمَّ

لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً} , وهي لغةً للعرب جيدةً، نصبوها، كما جروها حين قالوا: امرر على أيهم أفضل، فأجراها هؤلاء مجرى "الذي" إذا قلت: اضرب الذي أفضل" انتهى.
وقوله مضافًا إلى معرفةً هذا هو الأفصح فيها، فإذا قلت "يعجبني أو الرجال عندك" تبين بإضافة "أي" إلى "الرجال" أو إلى ضميرهم أن الذي أعجبك مذكر عاقل، ويحتمل أن يكون مفردًا أو مثنى أو مجموعًا. وكذلك "يعجبني" أو الماء عندك" و "أيهن عندك"، فيتبين أن التي أعجبك مؤنث عاقلةً.
وقد يضاف إلى النكرة، ولم يذكره المصنف، فيقال: يعجبني أي رجل عندك، وأي رجلين، وأي رجال عندك، وأي امرأةً، وأي امرأتين.
وقول لفظًا أو نيةً مثال إضافتها لفظًا ما مثلناه، ومثال إضافتها نية "يعجبني أي عندك"، ويحتمل أن تكون واقعةً على مفرد أو مثنى أو مجموع من المذكرين أو المؤنثات من عاقل أو غيره.
وقوله ولا يلزم استقبال عامله هذا الذي قاله واختاره ليس مذهب الجمهور، بل الجمهور نهجوا إلى أن أيًا إذا كانت موصولةً لم يعمل فيها الفعل الماضي، لا يجوز أن تقول: أعجبني أيهم

قام. قالوا: وسبب ذلك أنها وضعت على الإبهام والعموم، فإذا قلت "تعجبني أيهم يقوم" فكأنك قلت: يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنًا من كان، فلو جعلت معمولةً للفعل الماضي أخرجها ذلك عما وضعت له من العموم ألا ترى أنك لو قلت "أعجبني أيهم خرج" لم يقع إلا على الشخص الذي خرج؟ وسئل الكسائي في حلقة يونس: هل يجوز: أعجبني أيهم قام؟ فمنع من ذلك، فقيل له: لمَ لم يجز ذلك؟ فلم يلح له الوجه الذي لأجله امتنع ذلك، فقال: أي هكذا خلقت.
وظاهر كلام المصنف في الشرح أن الكوفيين لا يلتزمون استقبال عامل "أي" وهذا رأسهم الكسائي في هذه الحكاية يلتزمه، ويقول: هكذا خلقت، يعني أنها وضعت على أن لا يعمل فيها الماضي - وزعم الأخشف، أنها قد تكون معمولةً للماضي إلا أن ذلك قليل.
وقوله ولا تقديمه مذهبنا أن أيا الموصولةً كغيرها من الأسماء يعمل فيها العامل متقدمًا ومتأخرًا نحو: أحب أيهم قرأ، وأيهم قرأ أحب. ونقل المصنف عن الكوفيين أنهم يلتزمون تقديم العامل، قال "ولا حجةً لهم إلا كون ما ورد على وفق ما قالوه".

وقوله خلافًا للكوفيين ظاهره أن مذهب البصريين بخلافه، فلا يلتزمون الاستقبال ولا التقديم، أما الاستقبال فجمهور البصريين نصوا على أنه ملتزم، ولم يمثل س إلا بالمستقبل. وأما التقديم فمذهب البصريين، أنه لا يلتزم تقديم العامل، وقد مثل س به متأخرًا عن الموصول.
قوله وقد يؤنث بالتاء موافقًا لـ "التي" قال ابن كيسان: بعض العرب إذا أراد التأنيث قل "أية" نحو: يجيئني أيتهن في الدار, ولأضربن أيتهن في الدار. وهذه اللغة ضعيفةً، وأهلها يثنون أيا ويجمعونها إن أرادوا ذلك، تقول في التثنية: يعجبني أياهم عندك، وأيوهم عندك، واضرب أييهم عندك، وأيهم عندك، وللواحدةً أيتهن، وللتثنيةً أيناهن، وأيتيهن، وفي الجمع أياتُهن وأياتِهن. وكذلك يفعلون في حال الإفراد وفي حال الإضافةً إلى نكرة. وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على أن من أنث أيا يثنيها ويجمعها. ومن التأنيث قول الشاعر:
إذا اشتبه الرشد في الحادثات ... فارض بأيتها قد قدر
وفي البسيط: "وأما أي فلا تكون موصولةً وهي مضافةً إلى نكرةً، فلا تقول: اضرب أي رجل يقوم، على معنى: اضرب الذي يقوم منهم؛ لأنها نكرةً حينئذ، والموصولات معارف. وتعريف "أي" بالإضافةً، بخلاف

الاستفهام، فإنها تكون فيه نكرةً، وكذلك في الشرط، ولذلك امتنع في قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون} أن تكون أي موصولة بـ (يَنْقَلِبُونَ).
وقوله وبمعنى الذي وفروعه الألف واللام يعني أن "أل" اسم موصول تكون بمعنى الذي وفروعه، يعني من المؤنث والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وفي كونها موصولة بخلاف:
ذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنها حرف تعريف، وليست موصولةً، فـ "أل" في "الضارب" كـ "أل"في "الغلام".
قيل للاخفش: فإذا لم تكن من قبيل الموصولات فلم لا يقدم المنصوب باسم الفاعل علينا فيقولوا "هذا زيدًا الضارب"، كما يجوز "هذا زيدا ضارب؟ ".
فأجاب بأن اسم الفاعل لا يعمل إذا دخلت عليه "أل" كما لا يعمل إذا وصف أو صغر لأن "أل" خاصة من خواص الاسم كما أن الوصف والتصغير كذلك، والاسم المنتصب بعده ليس على سبيل المفعوليةً، إنما انتصب على التشبيه بالمفعول به، والمنصوب على التشبيه بالمفعول به لا يجوز تقديمه

على الوصف، فكذلك هذا.
وأبطل مذهب الأخفش بأن المشبه بالمفعول، لا يكون إلا سببيًا، ولا يكون في الكلام إلا نكرةً، أو معرفًا بالألف واللام، أو مضافًا إلى ما الألف واللام فيه، أو ضمير ما هما فيه، أو مضافًا إلى ضمير ما هما فيه، و"زيد" من قولك "هذا الضارب زيدًا" ليس سببيًا ولا نكرةً ولا شيئًا من المعارف الني ذكرناها، فثبت أنه ليس منصوبًا على التشبيه بالمفعول به وأن "أل"، من قبيل الموصول.
وذهب أبو بكر بن السراج، وأبو علي الفارسي وأكثر النحويين إلى أن "أل" موصول اسمي، وهو اختيار المصنف. واستدلوا بعود الضمير إليها، تقول: جاءتني الضاربها زيد، فالضمير عائد على "أل".
فإذ قلت: فلعل الضمير يعود على موصوف محذوف؟
فالجواب: أن ذلك باطل لأن الصفة لا تحذف إلا في مظان حذفها، وليس هذا منه، فإن لم يكن من مظان الحذف لم يجز حذفه إلا في ضرورةً، وجواز "جاءتني الضاربها زيد" في فصيح الكلام دل على أن "أل" بمنزلة "التي"، فكما جاز أجاءتني التي ضربها زيد" فكذلك جاز "جاءتني الضاربها زيد"، ولو كان حذف الموصوف في مثل هذا سائغًا لجاز "جاءتني ضاربها زيد" كما يجوز "جاءتني امرأةً ضاربها زيد" فامتناع ذلك يدل على أنه ليس

على حذف الموصوف.
ومما يدل علي أنه اسم موصول لا حرف موصول أنه لم يوجد في كلامهم حرف موصول إلا وهو مع ما بعده بمنزلة المصدر, وهذا لا يتقدر بمصدر, فدل علي أنه اسم.
واستدل ابن برهان علي موصولية "أل" بدخولها / علي المضارع, وأل المعرفة للاسم في اختصاصها به كحرف التنفيس في اختصاصه بالمضارع, فكما لا يدخل حرف التنفيس علي اسم كذلك لا تدخل "أل" للتعريف علي فعل, فوجب اعتقاد "أل" في نحو:
............. الترضي ....... .......................
اسما بمعني "الذي" لا حرف تعريف.
وقوله خلافا للمازني ومن وافقه في حرفيتها استدل المازني علي أنها حرف موصول لا اسم بتخطي العامل عمله إلي صلتها لا إليها, فإذا قلت "مررت بالضارب" فالعامل الجر في "الضارب" هو الباء, وكذلك "جاء

الضارب" و "رأيت الضارب", ولا موضع لـ "أل" من الإعراب, ولا يكون اسم في الكلام إلا وله موضع من الإعراب.
وأيضا لو كانت من الأسماء لكانت من الأسماء الظاهر, ولا يكون اسم ظاهر علي حرفين أحدهما ألف وصل, فيكون الاسم في الحقيقة حرفا واحدا.
وأيضا فهمزة الوصل في "الضارب" مفتوحة إذا ابتدأت, ولا تكون همزة وصل في الاسم إلا مكسورة إلا ما شذ من قولهم "ايمن الله", وإذا كانت حرفا كانت مفتوحة فيه كحالها في الرجل والغلام.
وأيضا لو كانت اسما لجاز أن يفصل بينها وبين صلتها بمعمول الصلة, فتقول: جاءني ال زيدا ضارب, كما يجوز ذلك في الذي إذا قلت: جاءني الذي زيدا ضرب.
وقال الأستاذ أبو علي: الدليل علي أن "أل" حرف قولك: جاء القائم, فلو كانت اسما كانت فاعلا, واستحق "قائم" البناء لأنه علي هذا التقدير مهمل لأنه صلة, والصلة لا يسلط عليها عامل الموصول.
والجواب عما قاله المازني علي ما ذكروه أنها جعلت مع الاسم كالشيء الواحد لأن الصلة والموصول كالشيء الواحد, فإذا كانت الصلة اسما مفردا كانت أشد اتصالا بالموصول وافتقارا إليه, فجعل الفاعل بجملته "الضارب" في قولك "قام الضارب" كما إذا قلت "هذه بعلبك" صار الاسم المجموع, فكذلك "الضارب" بمنزلة اسم واحد.

وأما كون الاسم الظاهر لا يكون علي حرف واحد فباطل, حكي من كلامهم "ام الله", وهمزته همزة وصل مع أنه معرب, فالأحرى أن يجيء علي ذلك الاسم المبني. وقد أجاز س بالقياس إذا سميت بالباء من اضرب أن تقول "إب" فتلحق همزة الوصل وتعرب, فأجاز أن يكون الاسم المعرب علي حرف واحد إذا وصلت, فإذا ابتدأت كان علي حرفين أحدهما همزة وصل, وقاس ذلك علي "أب"؛ ألا تري أنه علي حرفين ابتداء, فإذا وصلت في مثل "من أب لك" علي لغة من نقل الحركة وحذف الهمزة صار علي حرف واحد, بل يبقي الاسم المعرب علي حرف واحد وصلا وابتداء, حكي ابن مقسم عن ثعلب "شربت ما".
وأما فتح همزة الوصل فتشبيها بـ "أل" التي للتعريف, وإذا كانوا قد فتحوا همزة "ايمن" تشبيها بالحرف فالأحرى تشبيه "أل" الموصولة بأل المعرفة.
وأما عدم الفصل / بالمعمول فلشدة اتصال "أل" بصلتها وجعلهما كشيء واحد؛ إذا كانت الصلة مفردة؛ بخلاف صلة "الذي", فإنه جملة, بل ذلك يلزم المازني في مذهبه لأنهما عنده حرف, والموصول إذا كان حرفا غير عامل يجوز أن يفصل بينه وبين صلته, نحو ما تقول: يعجبك ما اليوم تصنع, تريد: صنعك اليوم, فكذلك ينبغي أن يجوز في مذهبه في قولك "الضارب". وأما من يجعلها اسما, ويجعلها مع صلتها كشيء واحد, فلا

يجوز الفصل كما لا يجوز الفصل بين جزأي بعلبك.
والجواب عما قاله الأستاذ أبو علي أن يقال: مقتضي الدليل أن يظهر عمل الموصولات في آخر الصلة لأن نسبتها منه نسبة عجز المركب منه, لكن منع من ذلك كون الصلة جملة, والجملة لا تتأثر بالعوامل, فلما كانت صلة الألف واللام في اللفظ مفردا جيء بالإعراب فيه علي مقتضي الدليل لعدم المانع. قاله المصنف.
وقال المصنف في الشرح: "وزعم المازني أن الألف واللام للتعريف, وأن الضمائر عائدة علي موصوفات محذوفة" انتهي.
وهذا الذي حكاه عن المازني هو الذي حكيناه نحن عن الأخفش من أن الألف واللام للتعريف. وحكينا عن المازني أن "أل" موصول حرفي. والجمع بين الحكايتين أن "أل" معرفة في مذهب الأخفش ومذهب المازني, إلا أن المازني هي عنده موصول حرفي, وعند الأخفش هي معرفة, وليست موصولة, فقد اشترك المذهبان في التعريف, واختص مذهب المازني بالوصل.
وقد ضعف المصنف مذهب المازني بأنه لو جاز حذف الموصوف مع "أل" المعرفة لجاز مع التنكير؛ إذ لا فرق بين تقدير الموصوف منكرا أو معرفا, بل يكون في التنكير أولي لأن حذف المنكر أولي من حذف المعرف. وبأنه لو كانت معرفة لقدح لحاقها في إعمال اسم الفاعل بمعني الحال والاستقبال, والأمر بخلاف ذلك, فإن لحاقها يسوغ لما لا يجوز أن يعمل دونها أن يعمل, وهو الماضي, فعلم أنها غير المعرفة وأنها موصولة

بالصفة لأن الصفة يجب تأولها بفعل لتكون في حكم الجملة المصرح بجزأيها, ولذا وجب العمل مطلقا, وحسن العطف علي اسم الفاعل الموصول به فعل صريح كقوله تعالي: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا. فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا} , {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا}.
وقوله وتوصل بصفة محضة قال: "نعني بالمحضة أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين" قاله المصنف. قال: "واحترز بالمحضة مما يوصف به وليس بصفة محضة كالأسد, فإن "أل" فيه معرفة, وليست موصولة بأسد, وإن كان يوصف به".
وفي البسيط: "وأما الصفة المشبهة فلا تدخل - يعني أل - عليها لضعفها وقربها من الأسماء؛ إذ ليس معناها: الذي فعل, فإذا أدخلت عليها فعلي حذف الموصوف, والعائد إنما يكون عليه / في قوله: مررت بالحسن وجه ابنه, ولا يقال: إن اسم الفاعل كذلك, أعني علي حذف الموصوف, والضمير يعود عليه؛ لأنا نقول: إن إجماعهم علي العمل معها كيف كان اسم الفاعل, ومنعهم الماضي دونها, وكلاهما وصف, يدل علي زيادة معناها هناك بحيث يقوي معني الفعل, وليس ذلك إلا معني "الذي" لأنه قد دخلها حين دخلت علي الفعل وعلي الجملة الابتدائية, فعلم أنها تكون لهذا المعني".
وقوله وقد توصل بمضارع اختيارا لا خلاف نعلمه أن وصل "أل" بالمضارع يختص بالشعر, وقد ذهب هو في بعض تصانيفه إلى أن وصل

"أل" بالمضارع قليل, وهنا أجاز ذلك في الاختيار. وأنشدوا علي ذلك:
ما أنت بالحكم الترضي حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
وقوله:
يقول الخنا, وأبغض العجم ناطقا إلي ربه صوت الحمار اليجدع
وقوله:
ما كاليروح ويغدو لاهيا فرحا مشمر يستديم الحزم ذا رشد
وقوله:
ويستخرج اليربوع من نافقائه ومن حجره بالشيحة اليتقصع
وقوله:
لا تعبثن الحرب, إني لك الينـ ـذر من نيرانها فاتق
وقوله:
فذو المال يؤتي ماله دون عرضه لما نابه والطارق اليتعمد

وأنشد الفراء رحمه الله تعالي:
أحين اصطباني أن سكت, وإنني لفي شغل عن دخلي اليتتبع
وقال ابن خالويه: "وليس في كلامهم فعل دخله الألف واللام إلا اليجدع, واليتقصع, واليتتبع, واليسع: اسم نبي, واليحمد: قبيلة, ولو سميت بالفعل نحو يزيد لم تدخله الألف واللام, فأما قوله:
رأيت الوليد بن اليزيد ..... ...........................
فهو بمنزلة "الغدايا والعشايا" للازدواج" انتهي.
وحصر ابن خالويه ليس بصحيح, وقد ذكرنا في الأبيات السابقة ما ينقض حصره, وكثيرا ما يقول في كتاب ليس: "ليس كذا" ثم يوجد في كلام العرب, فدل علي أن استقراءه ليس بتام.
قال المصنف في الشرح: "وعندي أن مثل هذا غير مخصوص بالشعر لتمكن قائل الأول أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته؛ ولتمكن قائل الثاني/ أن يقول: إلي ربنا صوت حمار يجدع, ولتمكن الثالث من أن يقول: ما من يروح, فإدخال "أل" يدل علي الاختيار لا الاضطرار. وأيضا فمقتضي النظر يدل علي أنها من حيث هي اسم موصول يجوز وصلها بما يوصل به الاسم الموصول من الجمل الاسمية والفعلية والظروف, فمنعت ذلك حملا علي المعرفة لأنها مثلها في اللفظ, وجعلوا

صلتها ما هو جملة في المعني ومفرد في اللفظ صالح لدخول "أل" المعرفة عليه, وهو اسم الفاعل وشبهه من الصفات, ثم كان في التزام ذلك إيهام أن "أل" معرفة لا اسم موصول, فقصدوا التنصيص علي مغايرة المعرفة, فأدخلوها علي الفعل المشابه لاسم الفاعل, وهو المضارع, ولكون ذلك جائزا في الاختيار لم يقل في أشعارهم كما قل الوصل بالجملة الاسمية" انتي كلامه, وفيه بعض تلخيص واقتصار.
وقوله ومبتدأ وخبر أو ظرف اضطرارا مثاله وصلها بمبتدأ وخبر قوله:
من القوم الرسول الله منهم لهم دانت رقاب بني معد
يريد: الذين رسول الله منهم. ومن النحويين من جعل "أل" زائدة في قوله "الرسول" لا موصولة, ولا نعلم ورود "أل" داخلة علي الجملة الاسمية إلا في هذا البيت.
وفي البسيط: "ولا تكون بغير اسم الفاعل إلا في ضرورة كقوله:
من القوم الرسول الله منهم .........................
البيت, وأجازه بعض الكوفيين" انتهي.
ومثال وصلها بظرف قوله:

من لا يزال شاكرا علي المعه فهو حر بعيشة ذات سعه
يريد: علي الذي معه. وقد انتهي ذكر ما ذكره المصنف من الموصولات.
وزعم الكوفيون أن الأسماء المعرفة بأل كلها يجوز أن تستعمل موصولة, واستدلوا علي جواز ذلك بقول الشاعر:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل
فـ "البيت" خبر أنت, و "أكرم" صلة لـ "البيت", كأنه قال: لأنت الذي أكرم أهله, أي: البيت الذي أكرم أهله. وزعموا أن النكرة توصل نحو: هذا رجل ضربته, فـ "ضربته" - عندهم - صلة "رجل". وكذلك إذا أضفت نكرة إلي نكرة يجوز أن تصلهما وأن تصل أيهما شئت, فتقول "هذه دار رجل دخلت" إن وصلت الأولي, و "هذه دار رجل أكرمت" إن وصلت الثانية, و "هذه دار رجل أكرمت دخلت" إن وصلتهما.
وفي البسيط: "وقد جعلوا - يعني الكوفيين - النكرة موصولة كالمعرفة, لكن صلتها تجري صفة عليها, فتقول: أنت رجل يأكل طعامنا. وخالفوا هذا, فجوزوا فيه تقديم معمول الصلة, فتقول "أنت طعامنا رجل يأكل" لاستقلال النكرة بنفسها" انتهي.
وكذلك أجازوا وصل النكرة إذا أضيفت/ إلي معرفة, نحو قولك: هذه

دار زيد بالبصرة, فـ "بالبصرة" صلة "دار" إذا كانت له دار بالبصرة ودار بغيرها. وجعلوا من ذلك قول الشاعر:
يا دار مية بالعلياء فالسند ........................
وهذا كله لا يجوز عند البصريين.
وهذه المواضع التي استدلوا بها حملها البصريون علي غير ذلك. أما "لأنت البيت أكرم أهله" فخرج علي حذف صفة, وجعل "أكرم" خبرا ثانيا, التقدير: لأنت البيت المحبوب عندي أكرم أهله. وأما ما جاء بعد النكرة فهو عند البصريين صفة لا صلة. وأما "هذه دار زيد بالبصرة" فـ "بالبصرة" في موضع الحال. وكذلك "يا دار مية بالعلياء" بالعلياء: في موضع حال من المنادي علي مذهب من يجيز الحال من المنادي. وأما علي مذهب من لا يجيزه فمتعلق بإضمار فعل علي وجهة البيان, التقدير: أعني بالعلياء. كما كان "لك" بعد "سقيا" من قولهم "سقيا لك" متعلقا بإضمار فعل تقديره: لك أعني.
ص: ويجوز حذف عائد غير الألف واللام إن كان متصلا منصوباً بفعل

أو وصف, أو مجرورا بإضافة صفة ناصبة له تقديرا, أو بحرف جر بمثله معني ومتعلقا الموصول أو موصوف به, وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام والمجرور بحرف وإن لم يكمل شرط الحذف.
ش: الضمير العائد ينبغي أن يكون مما للجملة به تعلق كالفاعل, والمفعول علي أصنافه, والمبتدأ والخبر, وأما إن كان مما يتعلق هو بالجملة كالتوابع فإن كان الذي له الموصول ظاهرا في الصلة فلا يجوز, نحو: بعت الذي أكلت الرغيف ثلثه, وأكرمت الذي سرق زيد ثوبه؛ لأن الموصول لا يكون لغير مذكور في الصلة ظاهرًا, وإن لم يكن ظاهرًا فإن كان مضافًا فيجوز, نحو: رأيت الذي ضرب زيد غلامه, وإن كان معطوفًا, نحو: رأيت الذي قام زيد وأخوه, والهاء عائدة علي "الذي" لا علي "زيد", فيجوز.
وفصل السهيلي, فقال: "إن كانت الواو جامعة جاز, وإن كانت عاطفة لم يجز. فإن صرح بالفعل فلا يجوز إجماعًا نحو: رأيت الذي قام زيد وقعد أخوه. وكذلك من يقدر في المعطوف فعلًا آخر لأن الصلة لا يعطف عليها إلا بعد تمامها".
ولما فرغ المصنف من عد الموصولات وذكر صلاتها, وكان قد ذكر أن الصلة تشتمل علي عائد أو خلفه, أخذ يذكر حكم ذلك العائد, وهو الضمير

الذي يعود على الموصول الرابط للصلة به بالنسبة إلي الحذف والإثبات, وذلك الضمير مرفوع الموضع ومنصوبه ومجروره, فبدأ أولا بذكر المنصوب, فقال: الضمير إما أن يكون عائد غير الألف واللام أو عائد صلة الألف واللام: إن كان عائد صلة الألف واللام فسيأتي حكمه, وإن كان عائد غير الألف واللام فإما أن يكون متصلا أو منفصلا؛ فإن كان منفصلا لم يجز حذفه, مثاله: جاءني الذي لم أضرب إلا إياه, وجاءني الذي إياه لم أضرب, أو إياه أضرب/. وإن كان متصلا فإما أن يكون نصبه بفعل أو بوصف أو بغير فعل ولا وصف: إن كان نصبه بغير فعل ولا وصف لم يجز حذفه, مثاله: جاءني الذي إنه فاضل, وجاءني الذي كأنه قمر, فلا يجوز حذف اسم إن ولا اسم كأن. ومثال نصبه بفعل: جاءني الذي ضربته, فيجوز حذف هذه الهاء, فتقول: جاءني الذي ضربت, قال تعالي: {أَهَاذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا} , التقدير: بعثه الله رسولًا. ومثال نصبه بوصف: الذي معطيكه زيد درهم, فالهاء منصوبة بـ "معطيك", وهي عائدة علي الذي, فيجوز حذفها, فتقول: الذي معطيك زيد درهم. وأنشد المصنف علي حذف الضمير المنصوب بالفعل قول الشاعر:
كأنك لم تسبق من الدهر ساعة إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
وقول الآخر:

وحاجةٍ دون أخرى قد سنحت بها جعلتها للتي أخفيت عنوانا
ومثل أيضا بقوله تعالي: {وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا} و {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّرونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.
وذكر مما جاء فيه الحذف والإثبات {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الأنفُسُ} , {وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ} , وقرئ (ما تشتهيه) (وما عملته) , والحكم متى كان كثيرا جدا فيكفي فيه مثال واحد.
وأنشد علي حذف الضمير المنصوب بالوصف قول الشاعر:
ما الله موليك فضل فاحمدنه به فما لدي غيره نفع ولا ضرر
وقول الآخر:
وليس من الراجي يخيب بماجد إذا عجزه لم يستبن بدليل
التقدير: موليكه, ومن الراجيه. وفي كون هذه الهاء في "الراجيه"

منصوبة خلاف, سيذكر إن شاء الله.
وقد سوي المصنف في جواز الحذف في الضمير المنصوب بالفعل والوصف, وليسا بسيين, هو في الفعل كثير جدا وفي الوصف نزر جدا.
وأغفل المصنف شرطين في جواز حذف الضمير المنصوب بالفعل:
أحدهما أن يكون الضمير متعين الربط به, نحو: جاءني الذي ضربته. فإن لم يتعين للربط لم يجز حذفه, نحو: جاءني الذي ضربته في داره, لا يجوز أن تقول: جاءني الذي ضربت في داره؛ لأنه لا يدري أهو المضروب أم غيره.
الثاني أن يكون الفعل تامًا, فإن كان ناقصا لم يجز حذف الضمير المنصوب, تقول: جاءني الذي ليسه زيد, ولا يجوز: ليس زيد, وكلما طالت الصلة كان الحذف أحسن, نحو: جاءني الذي ظننت قائما, وجاءني الذي أعلمت بكرا منطلقا, أي: ظنته قائما, وأعلمته بكرا منطلقا.
وإذا حذفت هذا الضمير المنصوب بشرطه ففي توكيده والنسق عليه خلاف, مثاله: جاءني الذي ضربت نفسه, / وجاءني الذي ضربت وعمرا, تريد: ضربته نفسه, وضربته وعمرا, فأجاز ذلك الأخفش والكسائي, ومنعه ابن السراج وأكثر أصحابه, واختلف عن الفراء في ذلك. واتفقوا علي جواز مجيء الحال من الراجع المحذوف إذا كانت مؤخرة عنه في التقدير, واختلفوا إذا كانت في التقدير مقدمة عليه, فأجازها ثعلب, ومنعها هشام.

وقوله أو مجرورًا بإضافة صفة احتراز من أن يكون مجرورا بإضافة غير صفة, مثاله: جاءني الذي وجهه حسن, فالهاء لا يجوز حذفها لأنها مجرورة بإضافة "وجه" إليها, و "وجه" ليس صفة.
وقوله ناصبة له تقديرا احتراز من أن يجر بإضافة صفة ليست ناصبة له في التقدير, ومثال ذلك: جاءني الذي زيد ضاربه أمس, فالهاء مجرورة بإضافة صفة - وهي "ضارب" - إليه, إلا أن ضاربا ليس ناصبا للهاء في التقدير لأنه اسم فاعل ماض, وليست فيه الألف واللام, فليس بعامل, بل الإضافة فيه كالإضافة في "وجهه".
ومثال ما الصفة ناصبة له في التقدير, وجاء الضمير محذوفا, قوله تعالي: {فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضِ} , التقدير: ما أنت قاضيه. وقال الشاعر:
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا
وقال الآخر:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصي ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وقال الآخر:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما كان جالبا
التقدير: طالبه وصانعه وجالبه. ومثله قول طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ........................
أي: جاهله.
وأورد شيوخنا هذا الحذف علي أنه جائز فصيح. وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن الأفصح فيه أن لا يحذف, قال: "وحذفه ضعيف جدا". ثم ذكر الاستدلال علي الحذف بقوله تعالي {فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ}.
ولا يسوغ ذلك لأن ما كثر في لسان العرب مجيئه, وجاء في القرآن, لا يقال فيه إنه ضعيف جدا. ثم له وجه قوي من القياس لأنه منصوب من حيث المعني, فكما يجوز حذفه لو نصبه الفعل كذلك يجوز حذفه إذا نصبه من حيث التقدير الوصف.
علي أن من النحويين من يزعم أن / هذا الضمير ليس مجرورا بالإضافة, بل هو منصوب, وحذف التنوين من الوصف لاتصال الضمير به لا للإضافة.
وزعم الكسائي أنه يجوز حذف الضمير المجرور بغير وصف, فينحذف معه المضاف إليه, فأجاز أن تقول: اركب سفينة الذي تعمل, التقدير: تعمل سفينته, فحذف الضمير, وانحذف بحذفه ما أضيف إليه. واستدل علي ذلك بقول الشاعر:
أعوذ بالله وآياته من باب من يغلق من خارج

تقديره: من باب من يغلق بابه من خارج, فحذف "بابه". ومنع من ذلك الجمهور.
وتأول بعضهم هذا البيت علي أن التقدير: يغلق بابه, فحذف "باب", وأقيم الضمير مقامه, فصار ضميرا مرفوعا, فاستتر في الفعل, أي: يغلق هو, أي: بابه. ولا يجوز حذف "بابه" كما ذكر الكسائي لأنه مفعول لم يسم فاعله, والمفعول الذي لم يسم فاعله بمنزله الفاعل, فلا يجوز أن يحذف كما لا يجوز أن يحذف الفاعل.
وقوله أو بحرف جر بمثله معني ومتعلقا الموصول أو موصوف به معناه: أو بحرف جر الضمير العائد علي الموصول بمثل ذلك الحرف معني ومتعلقا, أي: المتعلق به حرف الجر الداخل علي الموصول هو مثل المتعلق به الحرف الذي جر الضمير. مثال ذلك: مررت بالذي مررت به, ومررت بالرجل الذي مررت به, فهنا يجوز حذف حرف الجر والضمير, فتقول: مررت بالذي مررت, ومررت بالرجل الذي مررت, قال تعالي: {يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} يريد: مما تشربون منه.
وقال الشاعر:
نصلي للذي صلت قريش ونعبده, وإن جحد العموم

وقال الشاعر:
إن تعن نفسك بالأمر الذي عنيت نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا
يريد: للذي صلت قريش له, والذي عنيت به.
واندرج تحت قوله "بمثله معني" أن يكون أحد المتعلقين فعلا والآخر صفة بمعناه, نحو قوله:
وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة فبح لان منها بالذي أنت بائح
يريد: أنت بائح به.
فلو كان المضمر مجرورا بما جر الموصول, ولم يكن حرفا, لم يجز الحذف, نحو: جاء غلام الذي أنت غلامه.
فإن لم يدخل علي الموصول ولا علي الموصوف بالموصول حرف جر فلا يجوز حذف الضمير وحرف الجر, نحو: جاءني الذي مررت به, لا يجوز حذف "به".
وقال المصنف: لا يحذف إلا قليلا, نحو قول حاتم:
ومن حسد يجوز علي قومي وأي الدهر ذو لم يحسدوني
يريد: يحسدوني فيه. وقول الفرزدق:

/لعل الذي أصعدتني أن يردني إلي الأرض إن لم يقدر الخير قادرة
يريد: أصعدتني به.
وإن دخل علي الموصول حرف لا يماثل ما دخل علي الضمير لم يجز حذفه إلا ضرورة, نحو قوله:
فأصبح من أسماء قيس كقابض علي الماء لا يدري بما هو قابض
يريد: قابض عليه. فهذا قد اختلف فيه حرف الجر والمتعلق. وكذلك أنشدوا علي ذلك قول الشاعر:
فقلت لها: لا والذي حج حاتم أخونك عهدا, إنني غير خوان
قالوا: يريد: حج حاتم إليه. فهنا جر الموصول الواو, وجر الضمير إلي, فاخلف الحر, واختلف المتعلق, لأن حرف القسم يتعلق بفعل القسم, و "إليه" يتعلق بـ "حج".
ولا يتعين حمل البيت علي هذا إذ يحتمل أن يكون المقسم به هو الله تعالي, فيجيء ذلك التأويل. ويحتمل أن يكون المقسم به هو البيت, فيكون الضمير المحذوف منصوبا, تقديره: لا والبيت الذي حجه حاتم.
فإن تماثل الحرفان معني, واختلفا لفظا, فلا يجوز الحذف, نحو: حللت في الذي حللت به, لا يجوز حذف "به", والباء ظرفية, فالباء مماثلة لـ "في" معني لا لفظا, ولا يجوز حذف الضمير و "به" لأنه لا يدري ما المحذوف, أهو "فيه" أو هو "به", والذي يتبادر إلي الذهن أنه "فيه" لتقدم ذكره.

وإن تماثل الحرفان لفظا ومعني, واختلف المتعلق, لم يجز الحذف, نحو: مررت بالذي سررت به, فلا يجوز الحذف, فأما قوله {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} فلا ينبغي أن يقدر "بما تؤمر به" لئلا يختلف المتعلق, ولكن "أمر" تتعدي تارة بحرف جر وتارة بنفسها, فيكون التقدير: بما تؤمره, فيكون الضمير المحذوف منصوبا. وفي حذفه شروط جواز الحذف. وأما قول الشاعر:
وإن لساني شهدة يشتفي بها وهو علي من صبه الله علقم
وقول الآخر:
فأبلغن خالد بن نضلة والـ مرء معني بلوم من يثق
فضرورة, والتقدير: وهو علي من صبه الله عليه, ومعني بلوم من يثق به.
ولم يستوف المصنف ما يجوز حذف حرف الجر والضمير منه إذ ذكر الموصول والموصوف بالموصول, وترك قسما آخر, وهو أن يكون الحرف دخل علي المضاف للموصول, فإن حكمه حكم الموصول والموصوف بالموصول, مثاله: مررت بغلام الذي مررت به, فيجوز حذف "به" في هذه المسألة.
ونقصه شروط أخر في المسألة:
أحدهما/ أن لا يكون الضمير وحرف الجر في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله, فإنه إذ ذاك لا يجوز الحذف وإن استوفي الشروط التي ذكرها

المصنف، مثاله: مررت بالذي مر به، وغضبت على الذي غضب عليه، لا يجوز حذف "به" ولا حذف "عليه" لأنه في موضع رفع.
الثاني: أن لا يكون ثم ضمير آخر يصلح للربط، نحو: مررت بالذي مررت به في داره، فلا يجوز حذفه.
الثالث: أن لا يكون الضمير محصوراً ولا في معنى المحصور، نحو: مررت بالذي ما مررت إلا به، ومررت بالذي إنما مررت به.
قال المصنف في الشرح: "وقد يحذف العائد المجرور لوجود مثله بعد الصلة، كقوله:
لو أن ما عالجت لين فؤادها فقسا استلين به للأن الجندل
أراد: لو أن ما عالجت به لين فؤادها فقسا، فحذف "به" المتصل بـ "عالجت" استغناء عنه بالمتصل باستلين" انتهى. وهذا عند أصحابنا ضرورة إذ عري من شروط جواز الحذف.
وثبت في بعض النسخ: "أو بحرف متعين، أو مجرور بمثله معنى متعلقاً الموصول أو موصوف به". وشرح ذلك المصنف، فقال: "مثال المجرور بحرف متعين: الذي سرت يوم الجمعة، والذي رطل بدرهم لحم، أي: الذي سرت فيه، والذي رطل منه، فحسن الحذف تعين المحذوف كما حسنه في الخبر والصفة، والموصول بذلك أولى لاستطالته بالصلة، ومن ذلك قول الشاعر:
وإن الذي ترنو العيون محسداً جدير بشكر يستديم به الفضلا

ويمكن أن يكون منه قوله تعالى {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ}، وكذا قول الشاعر:
فقلت له: لا والذي حج حاتم ... ........................
انتهى.
وهذا الذي ذكره في صلة الموصول ذكره أصحابنا في خبر المبتدأ، ولم يذكروه في صلة الموصول، ولا ينبغي أن يقاس على ذلك، ولا أن يذهب إليه إلا بسماع ثابت عن العرب، وإلا فكل ما ذكر أنه جاء الحذف فيه ضرورة يمكن تخريجه على ما ذكر هذا المصنف من أنه حذف لأجل التعين، ألا ترى إلى قوله:
............................ ... وأي الدهر ذو لم يحسدوني
و:
لعل الذي أصعدتني ................................
و:
............................ ... ............ بما هو قابض
و:
........................... ... ... على من صبه الله علقم

و:
........................... .......... بلوم من يثق
كيف تعين حرف الجر والضمير في هذا كله. وهذا الذي ذكره هدم للقواعد التي ذكرها النحويون، فلا يلتفت إليه.
وقوله وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام مثال ذلك: الضاربها زيد هند، والجمهور على منع حذف هذا الضمير، وأجاز حذفه بعضهم، فتقول: الضارب زيد هند. وقد اختلف عن الكسائي في ذلك.
وهذا على خلاف في هذا الضمير أهو/ منصوب أو مجرور: فمذهب الأخفش أنه منصوب، ومذهب الجرمي والمازني أنه مجرور، ومذهب الفراء أنه يجوز أن يكون منصوباً وأن يكون مجروراً، ومذهب س اعتباره بالظاهر، فحيث جاز في الظاهر النصب والخفض جاز في الضمير مثل ذلك، نحو: جاء الضاربا زيداً، ويجوز: الضاربا زيد، فإذا قلت "الضارباهما غلامك الزيدان" حاز أن يكون "هما" في موضع نصب وفي موضع جر، وجيث وجب في الظاهر النصب وجب في الضمير، نحو: جاء الضارب زيداً، فإذا قلت "الضاربة زيد غلامك" فالضمير في موضع نصب.

وأنشد المصنف دليلاً على حذف منصوب صلة الألف واللام قول الشاعر:
ما المستفز الهوى محمود عاقبة ولو أتيح له صفو بلا كدر
يريد: ما المستفزة الهوى.
وقال بعض أصحابنا ممن جوز حذف الضمير في صلة الألف واللام: "إن كان الاسم الواقع في صلتها مأخوذاً من فعل يتعدى إلى واحد فالإثبات فصيح، والحذف قليل، نحو: جاءني الضاربة زيد، و"الضارب زيد" قليل، وإن كان مأخوذاً من فعل يتعدى إلى اثنين أو ثلاثة حسن الحذف لاجل الطول، والحذف في معتد إلى ثلاثة أحسن منه فيما يتعدى إلى اثنين، نحو: جاءني الظانة زيد منطلقاً، والمعطية زيد درهماً، والمعلمه بكر عمراً منطلقاً، وإن شئت قلت: الظان زيد منطلقاً، والمعطي زيد درهماً، والمعلم بكر عمراً منطلقاً".
وقال أيضاً بعض أصحابنا: إن لم يكن على حذفه دليل لم يجز حذفه، لم يجز حذفه، لا يجوز أن تقول: جاءني الضارب زيد، لأنه لا يعلم هل هذا الضمير المحذوف مفرد أو غير مفرد، ولا هل هو مذكر أو مؤنث. فإن كان عليه دليل كان حذفه قبيحاً، نحو: جاءني الرجل الضاربه زيد، وهو على قبحه في اسم الفاعل المأخوذ من متعد إلى ثلاثة أحسن منه في المأخوذ من متعد إلى اثنين، وفي المتعدى إلى اثنين أحسن منه في المتعدى إلى واحد.
وما علل به القبح من أنه لا يعلم الضمير مفرد أو غير مفرد، ولا مذكر أو مؤنث، يلزمه في: جاءني من ضربت، فعلى تعليله يكون حذفه من هذا قبيحاً، ولم يقل بذلك أحد.

وقال المازني: لا تكاد تسمع حذفه من العرب إلا أنه ربما جاء في الشعر.
وقوله والمجرور بحرف وإن لم يكمل الشرط قد ذكرنا ما حذف حرف الجر منه والضمير ضرورة، وذكرنا ما فات المصنف من الشروط في ذلك.

-[ص: ولا يحذف المرفوع إلا مبتدأ ليس خبره جملة ولا ظرفاً بلا شرط آخر عند الكوفيين، وعند البصريين بشرط الاستطالة في صلة غير أي غالباً، وبلا شرط في صلتها، وهي حينئذ على موصليتها مبنية على الضم غالباً، خلافاً للخليل ويونس، وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقاً، وإن أنثت بالتاء حينئذ لم تمنه الصرف، خلافاً لأبي عمرو.]-
ش: الضمير إذا عاد على الموصول وكان مرفوعاً فإما أن يكون مبتدأ أو غير مبتدأ، أو غير مبتدأ، إن كان غير مبتدأ - كأن يكون فاعلاً أو مفعولاً لم يسم فاعله أو خبر مبتدأ أو خبر إن وأخواتها أو غير ذلك - فلا يجوز حذفه، مثاله: جاء اللذان قاما، أو ضربا، أو جاءني الذي الفاضل هو، أو جاءني الذي إن الفاضل هو.
وإن كان مبتدأ فإما أن يكون ما بعده جمله أو ظرفاً أو لا. إن كان ما بعده جملة، نحو قوله تعالى {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ}، أو ظرفاً نحو "جاءني الذي هو في الدار"، فلا يجوز حذف هذا المبتدأ لأنه لو حذف لم يدر أحذف من الكلام شيء أم لا، لأن ما بعده من الجملة والظرف يصلح أن يقع صلة للموصول.
وإن لم يكن بعده جملة ولا ظرف جاز حذفه بلا شرط عند الكوفيين،

نحو: جاءني الذي هو فاضل، فيجيزون حذف "هو" في فصيح الكلام.
وفصل البصريون بين "أي" وغيرها، فجوزوا ذلك في "أي" سواء أطالت الصلة أم لم تطل، فتقول: يعجبني أيهم هو قائم، ويجوز حذف "هو"، هذا ما لم يكن في الصلة ما يستدعى ثبوته كالعطف عليه، نحو: أضرب أي الرجلين هو والعدم سواء.
وإن كان الموصول غير "أي" فلا يجوز ذلك عند البصريين إلا بشرط الاستطالة في الصلة، نحو ما روي عن العرب: "ما أنا بالذي قائل لك شيئاً"، يريد الذي هو قائل لك شيئاً، ومنه قوله تعالى: {وهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وفِي الأَرْضِ إلَهٌ} وقال الشاعر:
فأنت الجواد، وأنت الذي إذا ما النفوس ملأن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللقاء تضرب منها النساء النحورا
التقدير: هو في السماء إله وهو في الأرض إله، وهو جدير.
فإن لم تطل الصلة فلا يجوز حذفه إلا في ضرورة، وإن جاء في الكلام شيء منه فشاذ يحفظ، ولا يقاس عليه، نحو قال الشاعر:
لم أر مثل الفتيان في غير الـ أيام ينسون ما عواقبها

وقراءة من قرأ {تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ}، و {مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} برفع (أحسن) و (بعوضة)، أي: على الذي هو أحسن، ومثلاً ما هو بعوضة. وإنما حسن الحذف مع "أي" لافتقارها إلى الصلة وإلى الإضافة، فكانت أطول، فحسن معها تخفيف اللفظ.
وقوله ولا ظرفاً كان ينبغي أن يقول: ولا جاراً ومجروراً.
وقوله غالباً قال المصنف في الشرح: "إن عدمت الاستطالة ضعف الحذف، ولم يمتنع، كقول الشاعر:
من يعن بالحمد لا ينطق بما سفه ولا يجد عن سبيل الحلم والكرم
/ أراد: لا ينطق بما هو سفه". وهذا من المصنف جنوح لمذهب الكوفيين.
وقد نقص المصنف في جواز حذف هذا المبتدأ شروط:
أحدها: أن لا يكون معطوفاً على غيره، فإنه إن كان معطوفاً على غيره لم يجز حذفه، نحو: جاءني الذي زيد وهو منطلقان.
الثاني: أن لا يكون معطوفاً عليه غيره، نحو: جاءني الذي هو وزيد

فاضلان. وفي هذا خلاف للفراء، أجاز حذفه، فتقول: جاءني الذي وزيد فاضلان، ولم يسمع من كلامهم، ولئلا يؤدي إلى وقوع حرف العطف صدراً.
الثالث: أن لا يكون محصوراً، نحو: جاءني الذي ما في الدار إلا هو.
الرابع: أن لا يكون في معنى المحصور، نحو: جاءني الذي إنما في الدار هو.
الخامس: أن لا يكون بعد حرف نفي، نحو: جاءني الذي ما هو قائم.
السادس: أن لا يكون بعد "لولا" نحو: جاءني الذي لولا هو لقمت.
ومع حصول هذه الشروط فقال بعض أصحابنا: إن حذفه في غير أي قليل. هذا حكم الضمير المشتمل عليه الصلة إذا كان أحد جزأيها أو معمولاً لها.
فإن كان بعض معمول الصلة حذفت المعمول، فينحذف الضمير بحذفه، فتقول: أين الرجل الذي قلت؟ وأين الرجل الذي زعمت؟ تريد: أين الرجل الذي قلت إنه يأتي، أو زعمت أنه يأتي، أو نحو ذلك مما يكون المعنى عليه، قال تعالى: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} أي: تزعمون أنهم شركائي.
وقوله وهي حينئذ على موصوليتها مبنية على الضم غالباً، خلافاً للخليل ويونس مثال ذلك: يعجبني أيهم قائم، واضرب أيهم قائم، وأمرر بأيهم قائم. ومعنى "حينئذ" أي: حين إذ حذف المبتدأ الذي هو عائد عليها بالشروط التي تقدمت. والبناء إذ ذاك مذهب س والجمهور.

وقوله غالباً احتراز ممن أعربها إذ ذاك من العرب، وقد قرأ بعضهم (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد) بنصب (أيهم). ودل قوله "وهي حينئذ" على أنها إذا لم يحذف الضمير لم تبن، فتقول: أضرب أيهم هو قائم، ولا يجوز البناء.
وقد أورد بعض النحويين الخلاف في هذه المسألة، فقال: أيهم إن وصلت بجملة أعربت اتفاقاً، أو بمفرد أعربت اتفاقاً، أو بمفرد بنيت عند س جوازاً، وقد حكي س أن من العرب من لا يبنيها، وذهب الكوفيون وبعض البصريين إلى أنها معربة.
حُجة الأول أن أصلها البناء شرطاً أو استفهاماً لتضمنها معنى الحرف. أو موصولة لنقصانها، إلا أنها أعربت حملاً على نظيرها "بعض" ونقيضها "كل" بجامع عدم انفكاكهن عن الإضافة، والإضافة من أحكام الأسماء، فإذا لزمت عارضت موجب البناء، فلم يؤثر، فإذا حذف من صلتها شيء خالفت بقية أخواتها، فازدادت مخالفة، فوجب الرجوع إلى أصلها من البناء، وقوله تعالى {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ}.
وحجة الآخر ما قال الجرمي، قال: خرجت من البصرة، فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحد يقول "لأضربن أيهم" بالضم، بل بنصبها، ولأن "أيهم" معربة في غير هذا الموضع فتكون معربة هنا. قالوا: والآية محمولة على غير ما ذكرتم.

قال هذا الحاكي لهذا الخلاف. والجواب: يجوز أن يكون ما سمعه الجرمي لغة لبعض العرب، فإن س حكي خلافها الحكايتين، ويحمل الأمر فيهما على لغتين. والأقيس البناء، وأما قياسها عليها في الاستفهام والجزاء فلا يصح لأنها هناك تامة، وهي هنا ناقصة مخالفة لأخواتها من الموصلات. انتهى كلامه.
فلو كان صلة "أي" ظرفاً نحو "لأضربن أيهم في الدار" فلا يجوز البناء، كما إذا كانت صلتها جملة مصرحاً بجزأيها، ووجد في بعض تصانيف النحاة ما يدل على البناء مع الظروف.
وقوله خلافا للخليل ويونس يعني أنه تبنى خلافاً لهذين، فإنهما لا يريان البناء. وليس مذهبهما واحداً في تخريج ما ورد من ذلك مما ظاهره البناء، بل مذهب الخليل، أنها استفهامية محكية بقول محذوف، فإذا قلت "أضرب أيهم أفضل" فالتقدير عنده: أضرب من يقال فيه أيهم أفضل، وعلى التقدير حمل قوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ} أي: الجنس الذي يقال فيه أيهم أشد. والخليل مخير بين الأعراب على أن تكون موصولة وبين الحكاية على أن تكون استفهامية.
ورد مذهب الخليل بأن الجمل التي لم تستقر أسماً لشيء فإن بابها الشعر بمنزلة القول في "شاب قرناها" و"خامري أم

عامر"، لكن إذا بنيت أسماً لشيء جاز حكايتها نحو "تأبط شراً"، و"أيهم" في الكلام الفصيح، فلا ينبغي أن يحمل على "شاب قرناها".
وفي البسيط: "وقال الخليل: هو على الحكاية. قال أبو زيد - يعني السهيلي - على حكاية لفظ الاستفهام، ولا يريد على حكاية القول. وقال الأخفش: من: زائدة، وكل: مفعولة، و (أيهم أشد): جملة مستأنفة.
وأما يونس فإنها عنده أيضاً استفهامية، وليست محكية بقول محذوف، ولكنها عنده في موضع المفعول بالفعل الذي قبلها، ولا يؤثر فيها لأنها عنده اسم استفهام، ولكن على سبيل التعليق لأن التعليق عنده لا يختص بأفعال القلوب".
وذهب الكوفيون إلى أن "أيهم" علق عنه "شيعة" بما فيه من معنى الفعل، وكأنه قال: لننزعن من كل من يتشيع في أيهم أشد، أي: من كل من نظر في أيهم. وكأنهم رأوا أن (لننزعن) لا يعلق، فعدلوا إلى هذا. وهذا

باطل لأن س نقل عن العرب "لأضربن أيهم أفضل" فهذا لا يمكن فيه تعليق حال.
وقال ابن الطراوة: "غلطوا، ولم تبن إلا لقطعها عن الإضافة، وقوله (أيهم) (هم) من (أيهم) مبتدأ،/ و (أشد) خبره، و"أي" مقطوعة من الإضافة". انتهى.
وليس قوله بشيء لأنهم يقولون إنها لا تبنى إلا إذا أضيفت، وإن لم تضف فهي معربة، ولا تقول: جاءني أي.
وقال س: إنها بعدت عن حال أخواتها، فحذف معها أحد جزأي الجملة الابتدائية، فلما تغيرت كان من فعلهم فيها أن غيروها تغييراً ثانياً إذ قد ثبت أن التغيير يأنس بالتغيير، دليل ذلك "يا الله"، وهذا تعليل شذوذ، فلا يطلب طرده في جميع ما جاءت فيه "أي" مضافة.
والحجة لـ "س" - وهو مما يبطل مذهب الخليل ويونس - قول الشاعر:
إذا ما أتيت بني مالك فسلم على أيهم أفضل
وقوله:
أباهل لو أن الرجال تتابعوا على أينا شر قبيلاً وألأم
وما جاء نحوه، لأن حروف الجر لا تعلق عن العمل، ولا يضمر قول بينها وبين ما يليها، فتعين البناء.

وقال المصنف في الشرح: "وأعرابها حينئذ مع قلته قوي لأنها في الشرط والاستفهام تعرب قولاً واحداً لمخالفتها غيرها من أسماء الشرط والاستفهام بإضافتها، ووفاقها في المعنى لبعض إن أضيفت إلى معرفة، ولكل إن أضيفت إلى نكرة. والموصولة أيضاً مخالفة لغيرها من الأسماء الموصولة بإضافتها، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة، فوافقت في المعنى بعضاً دون كل، فضعف بذلك موجب إعرابها، فجعل لها حالان: حال بناء وحال إعراب، وكان أولى أحوالها بالبناء الحال التي يحذف فيها شطر صلتها مع التصريح بما تضاف إليه لأن حذف شطر صلتها لم يستحسن فيها إلا لتنزيل ما تضاف إليه منزلته، وذلك يستلزم تنزلها حينئذ منزلة غير مضاف لفظاً ولا نية، وإنما أعربت لإضافتها، فإذا صارت في تقدير ما لم يضف ضعف سبب إعرابها، فبنيت غالباً" انتهى.
وقوله وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقاً يعني سواء أحذف صدر صلتها المبتدأ أم لم يحذف، مثال: ذلك: أضرب أيا هو قائم، وأضرب أيا قائم. ومن مذهب الخليل ويونس وقولهما أنك تقول: أضرب أي أفضل× لأن الخليل يحكي، ويونس يعلق، فسيان عندهما إضافة "أي" وعدم إضافتها. وهذا الإعراب يدل على تمكن "أي" في الإضافة لاستغنائها بمعناها دون لفظها، وإلحاق التنوين بها عوضاً من المحذوف، فشابهت كلاً في حذف ما أضيفت إليه ودخول التنوين عوضاً منه.
وما ذكرناه من أنها تعرب إذا لم تضف لفظاً، وحذف صدر صلتها بشرطه، هو مذهب الجمهور. وذهب بعض النحويين إلى جواز البناء قياساً على التي لم يحذف ما تضاف إليه وحذف صدر صلتها.

وقوله وإن/ أنثت بالتاء حينئذ - أي حين حذف ما تضاف إليه - لم تمنع الصرف، خلافاً لأبي عمرو، أما الصرف فظاهر لأنه ليس فيها إلا التأنيث فقط، وأما أبو عمرو فتخيل أن فيها التعريف زيادة للتأنيث، فمنعها الصرف، والتعريف المانع مع التأنيث إنما هو تعريف العلمية. قال المصنف في الشرح: "وكان أبو عمرو يمنعها الصرف حينئذ للتأنيث والتعريف، لأن التعريف بالإضافة المنوية شبيه بالتعريف بالعملية، ولذلك منه من الصرف "جمع" المؤكد به لأن فيه عدلاً وتعريفًا بإضافة منوية، فكان كالعلم المعدول، إلا أن شبه "جمع" بالعلم أشد من شبه "أية" لأن "جمع" لا يستعمل ما يضاف إليه، بخلف أية، فإن استعمال ما تضاف إليه أكثر من عدمه، فلم تشبه العلم" انتهى.
وقد سلم المصنف أن امتناع الصرف من "جمع" هو للتأنيث والتعريف بنية الإضافة، ثم فرق بين "أية" وبين "جمع" بلزوم حذف ما أضيفت إليه "جمع" وكثرة استعماله في "أية". وهذا مذهب قد قيل به. وقيل: امتنع "جمع" للعدل وتعريف العلمية. وسيقرر ذلك في باب التوكيد، إن شاء الله.
كذا أورد المصنف مسألة "أي" إذا أنثت، وحذف ما تضاف إليه. وقال غيره: لو كانت - يعني الصلة - بمنزلة بعض الاسم حقيقة لم يعد منها ذكر إلى الموصول، وتثنى وتجمع، ولا يكون ذلك في بعض الاسم.
فإن قيل: إذا لم تكن الصلة كالجزء، بل هو كالصفة، فإذا سميت امرأة بـ "أية في الدار" فينبغي أن تمنع من الصرف للتأنيث والعلمية، وما بعدها من الصلة كالصفة، فكما لا يصرف قولهم "رأيت أحمر العاقل" - وإن كان

موصوفاً - فكذلك هذا.
قيل: قد اختلف النحويون في هذا، فكان أبو عمرو - فيما حكاه أبو عثمان عنه - يقول: رأيت أية في الدار، فلا يصرف. وكان أبو الحسن يصرف. فحجة أبي عمرو ما ذكرناه، وحجة أبي الحسن أن التسمية لما كان بالمجموع صار التنوين بعض الاسم لأنه وقع في الوسع، فلا يحذف كما في امرأة تسمى "خيراً منك".
قال أبو علي: وقد يفرق بينهما من جهة أن "خيراً منك" و"لا ضارباً زيداً" لا يشبه الصلة في "أية" لأن الصلة في "أية" توضح في الأصل، فهي في ذلك كالوصف، ألا ترى أنها لا بد لها من عائد كالصفة، وتثنى وتجمع مثل الموصول والموصوف، وليست توافق "خيراً منك".
قال أبو علي: والقول قول أبي الحسن، وهو أبين من قول أبي عمرو لأنهم إذا نونوا مع "خيراً منك" الذي هو يفتقر أحدهما إلى الآخر افتقار العامل إلى المعمول، فأحرى أن يثبت مع ما يفتقر إليه افتقار الجزء، لأنه لا تعمل الصلة في الموصول، فدل على شدة الاتصال وقوة التعلق.
ص: ويجوز الحضور أو الغيبة/ في ضمير المخبر به أو بموصوف عن حاضر مقدم، ما لم يقصد تشبيهه بالمخبر به، فتتعين الغيبة، ودون التشبيه يجوز الأمران إن وجد ضميران.

ش: الحضور يشمل حضور التكلم وحضور الخطاب، ثم إن المصنف لم يمثل في شرحه إلا بضمير المخاطب، فقال: "الإشارة بهذا الكلام إلى نحو: أنت الذي فعل، وأنت فلان الذي فعل، وأنت رجل فعل، ففي "فعل" الأول ضمير عائد على موصول مخبر به، وفي "فعل" الثاني ضمير عائد على موصول موصوفه مخبر به، وفي "فعل" الثالث ضمير عائد على نكرة مخبر بها، والمخبر عنه في الأمثلة الثلاثة حاضر، مقدم، وقد جيء بمضمر خبره غائباً معتبراً به حال الخبر، ولو جيء به حاضراً معتبراً به حال المخبر عنه جاز، فكنت تقول: "فعلت" في الأمثلة الثلاثة، لأن المخبر عنه والمخبر به شيء واحد في المعنى، وفي حديث محاجه موسى آدم عليهما السلام: "أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته؟ ". وفي رواية: "أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ ".
ومن اعتبار حال المخبر عنه قول الفرزدق:
وأنت الذي تلوي الجنود رؤوسها إليك، وللأيتام أنت طعامها
ومثله قول قيس العامري:
وأنت التي إن شئت نعمت عيشتي وإن شئت بعد الله أنعمت باليا
ومن اعتبار حال الخبر قول الفرزدق:

وأنت الذي أمست نزار تعده لدفع الأعادي والأمور الشدائد
انتهى كلامه.
ومنه قول الشاعر:
وأنت الذي آثاره في عدوه من البؤس والنعمى لهن ندوب
وقول الآخر:
نحن اللذون صبحوا الصباحا يوم النمير غارة ملحاحاً
ولم يمثل بشيء من ضمير المتكلم، ولا فرق بين المخاطب والمتكلم، فتقول في المتكلم: أنا الذي ضرب زيداً، وأنا الرجل الذي ضرب زيداً، وأنا رجل ضرب زيداً، ويجوز في هذه كله "ضربت" رعياً لـ "أنا"، قال:
أنا الذي فررت يوم الحرة والشيخ لا يفر إلا مره
وقال:
وأنا الذي قتلت عمراً بالقنا وتركت تغلب غير ذات سنام
وقال

أنا الذي سمتن أمي حيدرة أضرب بالسيف رؤوس الكفرة
وقال الآخر:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونني خشاشاً كرأس الحية المتوقد
وقال الآخر:
وأنت التي حببت كل قصيرة إلى، ولم تشعر بذاك القصائر
وهذه المسائل التي ذكرها المصنف تحتاج إلى تحرير وتقييد:
فمن ذلك أن شرط الموصول المخبر به أو الموصوف به أن يكون "الذي" و"التي" وتثنيتهما وجميعهما فقط، وزاد بعض أصحابنا الأخبار بـ "ذو" و "ذات" الطائيتين أو بالألف واللام. ولا يجوز في غير ذلك إلا العود غائباً، فتقول: أنا من قام، وأنت من ضرب زيداً، ولا يجوز: أنا من قمت، ولا أنت من ضربت زيداً.
ووقع لبعض أصحابنا وهم في ذلك، فقال وقد ذكر الموصولات: "ويجوز في جميعها إذا وقعت بعد ضمير متكلم أو مخاطب أن تعيد الضمير عليها كما تعيد على الاسم الظاهر إذا وقعت بعده، أعني ضمير غيبة، وأن تعامله معاملة ضمير المتكلم أو المخاطب لأن الموصول هو المتكلم أو المخاطب في المعنى" ثم مثل هذا القائل بـ "الذي". انتهى كلامه. وهو ظاهر كلام المصنف لأنه لم يشترط في الموصول أن يكون "الذي" وفروعه فقط،

وهو وهم كما ذكرناه.
ومن ذلك أن من شرط مراعاة ضمير المتكلم أو المخاطب أن يتأخر الخبر، فلو تقدم لم يجز إلا مراعاة الموصول، فيعود غائباً، مثاله أن تقدم الخبر في: أنا الذي قمت، وأنت الذي قمت، فإذا قدمته وجب أن يكون الضمير غائباً، فتقول: الذي قام أنا، والذي قام أنت، هذا مذهب الفراء، وهو الصحيح، وهو الذي تقتضيه أصول البصريين لأنهم يمنعون الحمل على المعنى قبل تمام الكلام، لأنه يلزم من ذلك الحمل على المعنى قبل حصول المعنى في اللفظ، ألا ترى أن الموصول إنما يكون في المعنى ضمير متكلم أو مخاطب إذا أخبرت عنه بضمير المتكلم أو المخاطب، أو أخبر عن الضمير به، وأما قبل أن يجعل أحدهما خبراً عن الآخر فلا يكون الموصول في معنى الضمير.
وأجاز الكسائي أن يعود مطابقاً لضمير المتكلم والمخاطب كحاله لو كان متأخراً، فتقول: الذي قمت أنا، والذي قمت أنت، وتبعه على ذلك الأستاذ أبو ذر مصعب بن أبي بكر الخشني.
واحترز المصنف بقوله "عن حاضر/ مقدم" عن أن يتأخر، فإنه لا تجوز مراعاة المعنى، خلافاً للكسائي كما بيناه. ومثال قولك "أنا رجل آمر بالمعروف" قول الشاعر:
وأنا لقوم ما نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلول
ومثال: "أنت رجل تأمر بالمعروف" قوله تعالى: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}، وقول الشاعر:

وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي وقبلك ربتني فضعت ربوب
ومثل قولك "أنا رجل يأمر بالمعروف"، و"أنت رجل يأمر بالمعروف" قول الشاعر:
وأنا ابن حرب لا يزال يشبها ناراً تسعر طالباً أو أطلب
وقول الآخر:
.... قد وليت ولاية فكن جرذا فيها يخون ويسرق
والنواسخ حكم الموصول والنكرة الواقعين خبراً للناسخ حكمهما إذا وقعاً خبراً، فيجوز أن يكون غائباً وأن يطابق الضمير، نحو قوله:
............................ فكن جرذاً فيها يخون ويسرق
يروى بالتاء وبالياء. وقال الشاعر:
وكنا أناساً قبل غزو قرمل ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا
وفي الحديث "إنك امرؤ فيك جاهلية".

والمحلى بالألف واللام عند الكوفيين إذا وقع خبراً للحاضر حكمه حكم النكرة في عود الضمير عليه غائباً، وفي عوده مطابقاً للضمير، قال الشاعر:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل
وقال آخر:
لقد علمت عرسي مليكة أنني أنا الليث معدياً علي وعادياً
ولا يجوز ذلك عندهم في مثل "الذي" إلا بالغيبة، لا يجيزون "أنت الذي ترغب فينا" بالتاء على الخطاب، بل لابد من الغيبة في الصلة لأن "الذي" ومثله لا يستقل بنفسه بخلاف الاسم النكرة وذي "أل".
وذكر أبو علي أن الحمل على اللفظ أكثر في الصلة والصفة، وقال: إذا قلت "أنت الذي قمت" لم يعد على الصلة ضمير، إنما عاد على "أنت". وكذلك إذا قلت "أنتم كلكم بينكم درهم" لم يعد على "كل" من خبره شيء. وكذلك الموصوف الذي مثلنا. وهي كلها تحتاج إلى ضمائرها، فخلوها من ذلك خروج عن القياس. قال: وهو قول أبي عثمان. وقال أبو عثمان: "لولا أنه مسموع من العرب لرددناه لفساده". فعلى هذا لم يعد على "كل" ضمير إذا خاطبت، لكن صح الكلام للحمل على المعنى، لأنه إذا عاد على "أنتم" - وهو "كل" في المعنى - فكأنه عاد على "كل". هذا ذكره أبو علي في

الإغفال/، وحكاه عن أبي عثمان، ورضيه. قال بعض أصحابنا: "والأولى أن يقال: عاد الضمير على لفظ الغيبة بلفظ الخطاب حملاً على المعنى، وهو الذي تلقيته عن الشيوخ" انتهى.
وفي البسيط: "ومن شأن الصلة أن تعامل معاملة الغائب وإن كان خبراً عن مخاطب، فتقول: أنت الذي يفعل كذا، وأنتم الذين يفعلون كذا، ولا يكون الخطاب إلا في الشعر كقوله:
وأنا الذي قتلت بكراً بالقنا وتركت مرة غير ذات سنام
والوجه: وأنا الذي قتل. وقال آخر:
يا مر يا بن رافع يا أنتا أنت الذي طلقت عام جعتا
وزعم بعض الكوفيين أن "الذي" يصلح أن تكون ملغاة، فتعامل الأول، فتقول: أنت الذي تقوم، وأنت الذي قمت. ومنعه بعضهم في "من" فلا تقول: أنت من تقوم، لأن "من" لم تلغ بخلاف (الذي) " انتهى.
وقوله ما لم يقصد تشبيهه بالمخبر به، فتتعين الغيبة مثاله: أنا في الفتك الذي قتل عروة الرحال، وأنت في الشجاعة الذي قتل مرحباً، والذي قتل عروة الرحال هو البراض، والذي قتل مرحباً اليهودي هو علي بن أبي طالب، فإنما أردت تشبيه نفسك بقاتل عروة، لا أنك هو، وكذلك أراد تشبيه المخاطب بعلي، لا أنه هو. فمثل هذا يتعين أن يعود الضمير غائباً، وذلك أنه على حذف "مثل"، فليس الموصول ضمير المتكلم والمخاطب من حيث

المعنى، وأنت لو صرحت بـ "مثل" لزم العود غائباً"، فكذلك إذا أردت معناها.
وقوله ودون التشبيه يجوز الأمران إن وجد ضميران مثاله: أنا الذي قام وضربت خالداً، وأنا الذي قمت وضرب خالداً، وأنت الذي قام وضربت خالداً، وأنت الذي قمت وضرب خالداً، وقال بعض الأنصار:
نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً
وقال امرؤ القيس:
وأنا الذي عرفت معد فضله ونشدت عن حجر بن أم قطام
وقال الآخر:
أأنت الهلالي الذي كنت مرة سمعنا به والأرحبي المعلق
إلا أنه إذا اجتمع الحملان فالأحسن أن يبدأ بالحمل على لفظ "الذي" قبل الحمل على المعنى.
وقد أطلق المصنف في هذه المسألة، وفيها تفصيل، وذلك أنه إما أن تفصل بين الحملين أو لا تفصل، فإن فصلت جاز ذلك باتفاق، وإن لم

تفصل بين الحملين فلا يجوز الجمع بين الحملين عند الكوفيين، فلا يجوز عندهم: أنا الذي قمت وخرج./ وأجاز البصريون ذلك، ولا يجعلون للفصل تأثيراً والسماع إنما جاء فيما فيه فصل بين الحملين كالأبيات التي استشهدنا بها على مجيء الحملين.

-[ص: ويغني عن الجملة الموصول بها ظرف أو جار ومجرور منوي معه "استقر" أو شبهة، وفاعل هو العائد أو ملابس له، ولا يفعل ذلك بذي حدث خاص ما لم يعمل مثله في الموصول أو موصوف به. وقد يغني عن عائد الجملة ظاهر.]-
ش: مثاله: عرفت الذي عندك، أو في الدار، تقديره: استقر عندك، أو استقر في الدار. قال المصنف: "وتقدير الفعل هنا مجمع عليه". وهذا كما ذكر، لا نعلم خلافاً في تقدير العامل جملة.
وقوله أو شبهه مثل "كان"، فإذا قلت "الذي عندك زيد" فتقديره: الذي استقر أو الذي كان عندك زيد، كما أنك إذا قلت "زيد في الدار" قدرته: مستقر في الدار أو كائن في الدار.
وقوله وفاعل هو العائد يعني العائد على الموصول، ففي "استقر" ضمير يعود على الموصول.
وقوله أو ملابس له مثاله: الذي في الدار أخوه زيد، فـ "أخوه" ملابس للضمير العائد على الموصول، وهو مرفوع بـ "استقر" المنوية".
وقوله ما لم يعمل مثله في الموصول أو موصوف به مثاله: نزلنا الذي البارحة، أي: الذي نزلناه البارحة. ومثال الموصوف به ما حكي الكسائي: نزلنا المنزل الذي البارحة، يريد: نزلنا البارحة، وذلك أن الحدث الخاص لا

يجوز حذفه وإبقاء الظرف أو المجرور مغنياً عنه، فلو قلنا: زيد الذي ضحك عندك، أو: نام في الدار، لم يجز حذف "ضحك" ولا "نام" لأنها أحداث خاصة. فإذا كان كوناً مطلقاً جاز ذلك. وكذلك في خبر المبتدأ، لو قلت: زيد نائم عندك، أو: ضاحك في الدار، لم يجز حذف "نائم" ولا "ضاحك".
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه إذا كان العامل في الظروف أو المجرور حدثاً خاصاً هو عامل في الموصول أو في الموصوف بالموصول جاز أن يحذف، فيه إخلال بقيد، وقياس فاسد في موضعين:
أما الإخلال بالقيد فإنه كان ينبغي أن يقيد الظرف بكونه قريباً من زمان الإخبار، فإنه إن كان غير قريب لم يجز حذف الصلة، قال الكسائي: "ولا يحذفون الصلة إلا مع ما قرب من الظروف، نحو: نزلنا المنزل الذي أمس، ونزلنا المنزل الذي البارحة، ونزل المنزل الذي آنفاً، ولا يقولون: نزلنا المنزل الذي يوم الخميس، ولا المنزل الذي يوم الجمعة" انتهى كلامه. فالكسائي حكي ذلك مقيداً فيه الظرف بأن يكون قريباً.
وأما القياس الفاسد في موضعين:
فالأول: هو أن المصنف قاس المجرور على الظروف، والظرف يتصور فيه أن يكون/ قريباً وبعيداً، وأما المجرور فلا يتصور فيه ذلك.
والثاني: أن محل السماع إنما هو حذف الصلة في الموصول الموصوف به غيره، نحو: نزلنا المنزل الذي البارحة، لا في الموصول الداخل عليه عامل مثل الصلة المحذوفة. وهذا الذي حكاه الكسائي هو خارج عن القياس، فلا ينبغي أن يقاس عليه، وإنما يقال منه ما قالته العرب.
وقوله وقد يغني عن الجملة ظاهر مثاله ما حكي الكسائي: "أبو سعيد

الذي رويت عن الخدري"، "والحجاج الذي رأيت ابن يوسف" يريد: رويت عنه، والحجاج الذي رأيته. وقال الشاعر:
إن جمل التي شغفت بجمل ففؤادي - وإن نأت - غير سال
وقال الآخر:
فيا رب ليلى أنت في كل موطن وأنت الذي في رحمة الله أطمع
وقال الآخر:
سعاد التي أضناك حب سعادا وإعراضها عنك استمر وزادا
يريد: بها، وفي رحمته، وحبها. وهذا في الصلة نادر. وأما الاستغناء بالظاهر عن المضمر في خبر المبتدأ فمنه مقيس، ومنه مختلف فيه، وسيأتي ذلك عند ذكر الروابط، إن شاء الله تعالى.

-[ص: فصل
و"من" و"ما" في اللفظ مفردان مذكران، فإن عني بهما غير ذلك فمراعاة اللفظ فيما اتصل بهما أو أشبههما أولى، ما لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاته، أو يلزم بمراعاة اللفظ لبس أو قبح، فتجب مراعاة المعنى مطلقاً، خلافاً لابن السراج في نحو "من هي محسنة أمك"، فإن حذف "هي" سهل التذكير.]-
ش: تخصيصه هذا الحكم من الموصلات بـ "من" و"ما" ليس بجيد لأن غيرهما من الموصلات مما يستعمل مفرداً مذكراً يشركهما فيه، فالأحسن أن يقال: وما كان من الموصلات مفرداً مذكراً في اللفظ، وكان معناه مخالفاً للفظه، وذلك هو "من" و"ما" و"ذا" بعد "من" و"ما" في الاستفهام، و"أي" في الأفصح، و "ذو" و"ذات" في الأفصح، و"أل".
وقوله فإن عني بهما غير ذلك أي: غير الإفراد والتذكير من تثنية أو جمع أو تأنيث.
وقوله فمراعاة اللفظ فيما اتصل بهما أو بما أشبههما أولى الذي يتصل بهما هو صلتهما إن كانا موصولين، أو فعل شرط إن كانا شرطين، أو استفهام إن كانا للاستفهام. وفسر المصنف الذي أشبههما بـ "كم" و"كأين"، ولولا اقتصاره على أن الذي أشبههما هو "كم" و"كأين" لا ندرج

في دلالة اللفظ ما أشبههما من الموصولات التي هي بلفظ واحد مذكر، ويراد به التأنيث والتثنية والجمع، / و"كم" و"كأين" فكان يكون الحكم شاملاً لما استدركناه عليه قبل.
ومثال ما روعي فيه اللفظ قوله تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ} {لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} وهو أكثر كلام العرب، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْهَا}، {ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا}.
ومثال ما روعي فيه المعنى قوله تعالى {ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ}، {ومِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ}، وقال امرؤ القيس:

............................ لما نسجتها من جنوب وشمال
أي: للتي نسجتها. وقال الآخر:
تعش، فإن عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
أي: مثل الذين يصطبحان. وقال الشاعر:
ألما بسلمى عنكما إن عرضتما وقولا لها: عوجي على من تخلفوا

وقوله ما لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاته مثاله قول الله تعالى {ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحًا}، وقول الشاعر:
فمنهن من تسقى بعذب مبرد نقاخ، فتلكم عند ذلك قرت
ومنهن من تسقى بأخضر آجن أجاج، ولولا خشية الله فرت
وقول الآخر:
وإن من النسوان من هي روضة تهيج الرياض قبلها وتصوح
فسبق (منكن) مقو لقوله (وتعمل) بالتاء حملاً على المعنى، وإن كان قد سبقه (ومن يقنت) بالياء، كما أن "منهن" مقو لمراعاة المعنى في قوله "تسقى"، و"من النسوان" مقو لمراعاة المعنى في قوله "من هي روضة".
وقوله أو يلزم بمراعاة اللفظ لبس مقاله "أعط من سألتك لا من سألك"، و"أعرض عمن مررت بها لا عمن مررت به"، فهذا ونحوه تجب فيه مراعاة المعنى مخافة اللبس.
وقوله أو قبح مثاله "من هي حمراء أمتك"، تتعين فيه مراعاة المعنى، إذ لو روعي اللفظ، فقيل "من هو أحمر أمتك" لكان في غاية القبح. قال المصنف في الشرح: "ووافق ابن السراج على منع التذكير في هذا

وأمثاله، وأجاز في نحو "من هي محسنة أمك" أن يقال: من هي محسن أمك، ومن محسن أمك. أما "من محسن أمك" فغريب، وأما "من هي محسن أمك" ففيه من القبح قريب مما في "من هي أحمر أمتك"، فوجب اجتنابهما. وحمل ابن السراج على جواز "من هي محسن أمك" شبه "محسن" بـ "مرضع" ونحوه من الصفات الجارية على الإناث بلفظ خال من علامة بخلاف "أحمر"، فإن/ إجراء مثله على مؤنث لم يقع، فلذلك اتفق على منع: من هي أحمر أمتك" انتهى كلامه.
ولأصحابنا طريقة غير هذه الطريقة التي سلكها المصنف في الحمل على اللفظ أو على المعنى، قالوا: تقول إن حملت على اللفظ: من قام هند، ومن قام أخواك، ومن قام إخوتك. وإن حملت على المعنى قلت: من قامت هند، ومن قاما أخواك، ومن قاموا أخوتك.
ويجوز الجمع بين الحملين، وإذا فعلت ذلك فالأحسن أن تبدأ بالحمل على اللفظ، نحو قوله تعالى {ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ}، {ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحًا} في قراءة من قرأ (يقنت) بالياء.
ويجوز أن تبدأ بالحمل على المعنى، ثم تحمل على اللفظ باتفاق من النحويين إن وقع بين الحملين فصل، فتقول: من يقومون في غير شيء وينظر في أمورنا قومك، فإن لم تفصل، وقلت: من يقومون وينظر في أمورنا

قومك، لم يجز عند الكوفيين، ويجوز ذلك عند البصريين؛ لأنه لا يجعلون للفصل تأثيرًا.
والسماع في الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى إنما هو مع الفصل، هذا نقل السيرافي أن البصريين لا يشترطون الفصل، يجيزون: من قام وقعدا، ومن قام وقعدت، والعكس، فتبدأ بالحمل على المعنى، ولا ترجع إلى اللفظ بعد الحمل على المعنى إلا بشرط الفصل. وزعم الأستاذ أبو علي أن مذهب البصريين هذا يعني اعتبار ذلك بالفصل، والأول مذهب الكوفيين.
وإذا كان الضميرُ المحمولُ على اللفظ مخبرًا عنه بعده، وأخبرت عنه بفعل، لم يجز الحمل إلا على اللفظ أو على المعنى، فتقول: من كان يقوم أخواك، ومن كانا يقومان أخواك، ولا يجوز: من كان يقومان أخواك.
وإن أخبرت عنه باسم وكان مشتقًا باطراد جاز الحمل على اللفظ والحمل على المعنى على الإطلاق، فتقول: من كان محسنًا أخواك، ومن كانا محسنين أخواك، ومن كان محسنين أخواك، ومن كان محسنًا أختك، ومن كان محسنة أختك، ومن كانت محسنة أختك. وإلى جواز الجمع بين الحملين ذهب الكوفيون وكثير من البصريين، وهو الصحيح.
وذهب ابن السراج إلى منع الجمع بين الحملين. والحجة عليه قوله تعالى {وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}، وقال الشاعر:

.............................. وأيقظ من كان منكم نياما
هذا إذا كان من الصفات المفصول بين مذكرها ومؤنثها بالتاء.
فإن كان من غيرها فإما أن تكون صفة المذكر والمؤنث من لفظ واحد أو لا، إن كانت من لفظ واحد، وأدى الحمل إلى جعل صفة المذكر للمؤنث أو للعكس، لم يجزه الكسائي، وأجازه/ الفراء، فتقول "من كانت حمراء جاريتك" على المعنى، و"من كان حمراء جاريتك"، الاسم على اللفظ، والخبر على المعنى، ولا يجيز الكسائي "من كانت من النساء أحمر جاريتك"، ولا "من كان أحمر جاريتك"، والفراء يجيزه لاتفاق الصفتين في الحروف الأصول كاتفاق قائم وقائمة في ذلك. وصحح مذهب الفراء بعض أصحابنا.
وإن لم تكن مشتقة من لفظ واحد، وأدى الحمل إلى جعل صفة المذكر للمؤنث أو العكس، لم يجز ذلك عند الكسائي ولا عند الفراء ولا عند أحد من البصريين فيما علمت، قاله بعض أصحابنا.
وقال بعضهم: "إن كانا لا يرجعان لاشتقاق واحد فالفراء والكسائي منعا الحمل على لفظ التذكير، فيقولان: من كان عجوزًا جاريتك، ولا يجيزان: من كان شيخًا جاريتك، إلا في لغة من يقول شيخ وشيخة، قال:
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا

ولا يجيزان: من كان غلامًا جاريتك، إلا في لغة من يقول غلام وغلامة، قال الشاعر:
ومركضة صريحي أبوها تهان لها الغلامة والغلام
والأحسن عند الفراء: من كان عجوزًا جاريتك، ومن كان أمة جاريتك، ولا يستحسن: من كان شيخًا جاريتك، ولا: من كان غلامًا جاريتك؛ لأن غلامة وشيخة قليل في كلامهم. وأصول البصريين تقتضي جواز ذلك كله لأنهم أطلقوا القول، ولم يفصلوا.
فإن لم يكن الضمير المحمول على اللفظ مخبرًا عنه بما بعده، وأردت حمل ما بعده عليه، حملته على لفظه، ولم يجز الحمل على معناه عند الكوفيين، فتقول: من ضربته أجمعون قومك، فتحمل على "من"، ولا يجوز النصب تأكيدًا للضمير على معناه لنه لا يحمل عندهم على المعنى إلا حيث لا يمكن إظهار المعنى في اللفظ، وأنشد الكسائي:
إذا ما حاتم وجد ابن عمي مجدنا من تكلم أجمعينا
فرد على من، ولا يجوز أن يرد على الضمير الذي في "تكلم" فيرفع؛ لأنه يمكن جمعه.

وأصول البصريين تقتضي جواز ذلك لأنهم لم يفصلوا، وهو الصحيح بدليل قوله تعالى {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ}؛ ألا ترى أن (خالدين) حال من الضمير المحمول على معناه، والعامل في الحال الفعل العامل في الضمير، ولا يجوز أن يكون حالًا من "من" لأن العامل في الحال لا يكون إلا العامل في ذي الحال، نحو: جاء زيد ضاحكًا، أو ذا الحال نفسه إن كان فيه معنى فعل، نحو قولك: هذا ضاحكًا زيد. ولا يجوز أن يكون العامل في الحال (من) لأنها ليس فيها معنى فعل، ولا العامل في (من)؛ لأن العامل فيها إنما هو معنى، والمعنى المجرد دون اللفظ لا يعمل في الحال، وإنما عمله الرفع خاصة" انتهى/ ما قاله بعض أصحابنا.
ومما وقع فيه الحمل على اللفظ خاصة، ولا يجوز الحمل على المعنى، قولك في التعجب: ما أحسن زيدًا! وإن كان الذي أوجب التعجب صفة مؤنثة أو صفات متعددة.
ومما وقع فيه الحمل على المعنى، ولا يجوز الحمل على اللفظ، قولهم "ما جاءت حاجتك" كأنه قال: أية حاجة صارت حاجتك.
فرع: إذا جاء العائد على لفظ الموصول دون معناه، ثم أكدته بلفظة مضافة، فحملت أولها على معنى الموصول وآخرها على لفظه، لم يجز ذلك عند الفراء، وأجازها الكسائي وهشام، ومثاله: جاءني من خرج أنفسه، جعلت العائد أولًا في "خرج" مفردًا على لفظ الموصول، ثم أكدت بـ"أنفس" جمعًا على معنى الموصول، ثم أفردت الضمير المضاف إليه

"أنفس" على لفظ الموصول.

-[ص: ويعتبر المعنى بعد اعتبار اللفظ كثيرًا، وقد يعتبر اللفظ بعد ذلك.]-
ش: مثال ذلك {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، {ومِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا}، {ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ} ثم قال {فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ}.
ومثال اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ قوله تعالى {ومَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا}، فأفرد الضمير في (يؤمن) و (يعمل) و (ندخله)، ثم جمعه في (خالدين)، ثم أفرده في (له رزقا). وقوله تعالى {مِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وإذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولَّى مُسْتَكْبِرًا} إلى آخر الآية، أفرد الضمير في (يشتري) و (ليضل) و (يتخذها)، ثم جمع (أولئك) و (لهم)، ثم أفرد في (وإذا تتلى عليه) إلى آخر الآية. وقال تعالى في "من" الشرطية -وحكمها حكم الموصولة- {ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) حَتَّى إذَا جَاءَنَا} في قراءة من أفرد الضمير في (جاءنا) أفرد في

(يعش) وفي (نقيض له) وفي (فهو له)، ثم جمع في (ليصدونهم) و (يحسبون أنهم مهتدون)، ثم أفرد في (جاءنا). وأما من قرأ (جاءانا) على التثنية فهو ضمير العاشي والقرين، وكانا قد أفردا، قم جمعا، ثم ثنيا، وكل من الضميرين مفرد، فلم يخرج أيضًا عن إفراد الضمير العاشي. وقال الشاعر:
لست ممن يكع أو يستكينو ن إذا كافحته خيل الأعادي
أفرد الضمير في "يكع"، ثم جمع في "يستكينون"، ثم أفرد في "كافحته".
وبهذا البيت والآيات السابقة يتبين خطأ صاحب البسيط في ادعائه اتفاق النحويين على أن العرب قد ترجع من الواحد إلى الجمع، ومن المذكر إلى المؤنث من لفظه إلى معناه، ولا ترجع من معناه/ إلى لفظه، قال: "بإجماع من النحويين". قال: "واستخرج ابن مجاهد عكس هذا من آية سورة الطلاق".
ص: وتقع من وما شرطيين، واستفهاميتين، ونكرتين موصوفتين. ويوصف بـ"ما" على رأي، ولا تزاد "من" خلافًا للكسائي، ولا تقع على غير من يعقل إلا منزلًا منزلته، أو مجامعًا له شمول أو اقتران، خلافًا لقطرب. و"ما" في الغالب لما لا يعقل وحده، وله مع من يعقل، ولصفات من يعقل، وللمبهم أمره، وأفردت نكرة، وقد تساويها "من" عند أبي علي. وقد تقع "الذي" مصدرية، وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق "أل".

ش: مثال "من" و"ما" شرطًا {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا}. ومثالهما استفهامًا {مَّنْ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ}؟ {ومَا رَبُّ العَالَمِينَ}؟ ومثال "من" نكرة موصوفة قولك: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، وقال الشاعر:
ألا رب من تغتشه لك ناصح ومؤتمن بالغيب غير أمين
فوصفك لـ"من" بمعجب وناصح، وهما نكرتان، دليل على أن "من" نكرة.
وشرط بعض أصحابنا فيها أنها لا تستعمل موصوفة إلا في حال تنكير. وليس كما ذكر؛ ألا ترى أنها توصف وهي معرفة، وذلك إذا كانت موصولة، نحو: قام من في الدار العاقل. ووقوع "من" نكرة موصوفة سائغ فيها سواء كانت في موضع تسوغ فيه النكرة والمعرفة أم في موضع لا تسوغ فيه إلا النكرة.
وزعم الكسائي أن العرب لا تستعملها نكرة موصوفة إلا بشرط وقوعها في موضع لا تقع فيه إلا النكرة، نحو قولك: رب من عالم أكرمت، ورب من أتاني أحسنت إليه، أي: رب إنسان آتٍ إلى أحسنت إليه، لأن "رب" لا تدخل إلا على نكرة. ومن ذلك قولُ

الشاعر:
رب من أنضجت غيظًا قلبه قد تمنى لي موتًا، لم يطع
وأنشد المفضل:
ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا تحية من أمسي إليك حزينا
تحية من لا قاطع حبل واصل ولا صارم قبل الفراق قرينا
بخفض "قاطع" فأنكر ذلك الكسائي، وقال: إنما هو "لا قاطع" بالرفع، و"من" موصولة، كأنه قال: تحية من لا هو قاطع. قيل له: فكيف تصنع ببيت الفرزدق:
إني وإياك إذ حلت بأرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور
فقال: "من" موصولة، وصلتها "بواديه"، و"ممطور" مكرر على "من"، يعني بدلًا منه، كأنه قال: كممطور بعد المحل.
وهذا الذي ذهب إليه الكسائي باطل؛ لأن رواية المفضل لا تندفع/ بروايته، وجعله ممطورًا بدلًا من "من" ضعيف لأنه مشتق، والبدل بابه أن يكون بالجوامد لأنه في نية تكرار العامل، والصفات التي هي غير مختصة بجنس الموصوف لا تباشرها العوامل إلا في ضرورة شهر، و"ممطور" من الصفات غير المختصة بجنس الموصوف، فحمله على البدل ضعيف، بل هو

غير جائز إلا في ضرورة، ولا داعية إلى ذلك لأن ما ذهب إليه غير صحيح بدليل رواية المفضل، وبدليل قول الشاعر:
فكفى بنا فضًا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا
فإنه روي بخفض "غير" نعتًا لـ"من".
وللكسائي أن يقول: "من" في رواية المفضل وفي هذا البيت زائدة، التقدير: تحية لا قاطع، وعلى غيرنا؛ إذ من مذهبه جواز زيادة "من".
ومثال "ما" نكرة موصوفة قولك "مررت بما معجب لك"، ومن ذلك قول أمية:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
"ما" بمنزلة "شيء"، و"تكره النفوس": صفة له، والعائد محذوف، كأنه قال: رب شيء تكرهه النفوس من الأمر له فرجة. لا تكون "ما" هذه هي المهيئة؛ لأن تلك حرف، فلا يعود عليها ضمير.
ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:

سالكاتٌ سبيل قفرة بدي ربما ظاعن بها ومقيم
فـ"ما" بمنزلة "إنسان"، ووقعت على من يعقل لأن الموضع موضع عموم، وظاعن: خبر ابتداء مضمر، ومقيم: معطوف عليه، والجملة في موضع صفة، كأنه قال: رب إنسان هو ظاعن بقلبه إلى أحبته الذين ظعنوا عن هذه البلدة مقيم بجسده فيها. ولا تكون "ما" كافة لأمرين: أحدهما أن "رب" التي تلحقها "ما" الزائدة لا تدخل على الجمل الاسمية. والآخر عود الضمير عليها، ولو كانت "ما" حرفًا لم يعد عليها ضمير.
ومن ذلك قول أبي داود:
ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهم المهار
فـ"ما" بمعنى شيء، كأنه قال: رب شيء هو الجامل، والجملة في موضع صفة. والدليل على أن "ما" اسم عودة الضمير عليها أيضًا.
وقد يمكن أن يكون من ذلك قوله تعالى {هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}، فتكون "ما" نكرة بمنزلة "شيء"، وعتيد: صفة له، كأنه قال: هذا شيء لدي عتيد.
وفي البسيط: أنكر بعض النحويين أن تكونا موصوفتين، واستدل بأنهما لا تستقلان بأنفسهما، وما هو كذلك فلا يكون اسمًا تامًا. وهذا مردود، فإن من الصفات ما يلزم الموصوف، نحو "الجماء الغفير" و"يا أيها الرجل"، و"من" و"ما" من هذا القبيل. ولا تستقل بوصفها إلا إذا كانت

مفعولة، نحو: مررت بمن صالح، وإذا كانت خبرًا عن مبهم نحو: هذا من أعرف، فلا تكتفي بكونها مع وصفها خبرًا، بل تأتي بشيء آخر يكون حالًا أو خبرًا، نحو: هذا من أعرف منطلق./ وإنما كان كذلك لأن الإخبار بالنكرات لا يفيد حتى تعتمد على معرفة، بخلاف الفعل، لأنه فيه تخصيصًا بسبب الزمان، فكما اشترط في المبتدأ أن يكون كذلك ليقع للتخصيص، كذلك يشترط في الخبر أن يكون فيه أيضًا إيضاح وبيان لتحصل الفائدة، وأنت إذا اعتمدت على مبهم، ثم أخبرت عنه بمبهم، فلم تحافظ على الفائدة، فصار بمنزلة "رجل قائم"، فلذلك احتجت إلى تخصيص إما بحال أو خبر.
وقوله ويوصف بـ"ما" على رأي، قال المصنف في الشرح: "واختلف ما "ما" من قولهم "لأمر ما جدع قصير أنفه"، فالمشهور أنها حرف زائد منبه على وصف مراد لائق بالمحل. وقال قوم: هي اسم موصوف به. والأول أولى لأن زيادة "ما" عوضًا من محذوف ثابت في كلامهم، من ذلك قولهم "أما أنت منطلقًا انطلقت"، فزادوا ما عوضًا من "كان". ومن ذلك قولهم: حيثما تكن أكن، فزادوا ما عوضًا من الإضافة. وليس في كلامهم نكرة موصوف بها جامدة كجمود "ما" إلا وهي مردفة بمكمل، كقولهم: مررت برجل أي رجل، وأطعمنا شاة كل شاة، وهذا رجل ما شئت من رجل. فالحكم على "ما" المذكورة بالاسمية واقتضاء الوصفية حكم بما لا نظير له، فوجب اجتنابُه" انتهى.

ولم يذكر أصحابنا خلافًا في أن "ما" تكون صفة. قال الأستاذ أبو محمد بن السيد: "ومنها "ما" التي تجري مجرى الصفة، وهي تنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يراد به التعظيم للشيء والتهويل به، كنحو ما أنشد سيبويه:
عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسود من يسود
أي: السيد إنما يسود لأمر عظيم يوجب له ذلك. ومنه قول امرئ القيس:
................................ وحديث ما على قصرة
أي: حديث طويل وإن كان قصيرًا.
وقسم يراد به التحقير كقولك لمن سمعته يفخر بما أعطاه: وهل أعطيت إلا عطية ما.
وقسم لا يراد به تحقير ولا تعظيم، ولكن يراد به التنويع، كقولك: ضربت ضربًا ما، أي: نوعًا من الضرب، وفعل فعلًا ما، أي: نوعًا من الفعل. ومن هذا قول العرب: افعله آثرًا

ما"، كأنه قال: نوعًا من الإيثار، و"آثرًا" مصدر جاء على فاعل".
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "مثال كونها صفة كقولك: فعلت هذا لأمر ما، إذا قصدت التعظيم، أي: لأمر عظيم، فـ"ما" لإبهامها ضمنت معنى "عظيم"؛ لأن العرب تستعمل الإبهام في موضع التعظيم، كقوله تعالى {فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، وكقوله سبحانه {الْحَاقَّةُ (1) مَا الحَاقَّةُ}، ومن كلامهم "لأمر ما جدع قصير أنفه". ومن ذلك أيضًا قوله:
................................... لأمر ما يسود من يسود
أي: لأمر عظيم.
ولا يمكن أن تكون "ما" زائدة لأمرين:
أحدهما أن زيادة "ما" قبل الجملة أو آخرًا تقل، بل لا يحفظ من ذلك إلا قولهم: "افعله آثرًا ما"، أي: آثرًا له على غيره، فزادها آخرًا. وقوله:
وقد ما هاجني، فازددت شوقًا بكاء حمامتين تجاوبان
وفي إحدى الروايتين، أي: وقد هاجني، ولم يجئ ذلك إلا في الشعر. ومثل: لأمر ما جدع قصير أنفه" كثير في كلامهم.
والآخر أنها تعطي التعظيم، ولا تستعمل نعتًا إلا إذا قصدته، ولو كانت

"ما" زائدة لم يكن في الكلام ما يعطي التعظيم".
وقوله ولا تزاد من، خلافًا للكسائي. مذهب البصريين والفراء أنه لا تزاد "من" لأنها اسم، والأسماء لا تزاد، وأجاز ذلك الكسائي، واستشهد على ذلك بقول عنترة:
يا شاة من قنص لمن حلت له حرمت على، وليتها لم تحرم
وبقول الآخر:
آل الزبير سنام المجد قد علمت ذاك القبائل والأثرون من عددا
التقدير عنده: يا شاة قنص، والأثرون عددا. وتأولوا هذا السماع على جعل "من" نكرة موصوفة، التقدير: يا شاة إنسان قنص، أي: مقتنص، أو ذي قنص، وكذلك والأثرون من يعد، وصف "من" بـ"عدد" كما وصفها بـ"قنص".
وقوله إلا منزلًا منزلته أي: منزلة العاقل، كقوله تعالى {ومَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ}، فعبر بـ"من" عن الأصنام لتنزلها منزلة

من يعقل. ومنه قوله:
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي فقلت ومثلي بالبكاء جدير
أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير
وقال امرؤ القيس:
ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وقوله:
وهل يعمن من كان أحدث عهده ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال
أوقع "من" على الطلل -وإن كان من قبيل ما لا يعقل- لما ناداه وحياه، فعالمه لذلك معاملة من يعقل. وكذلك لما بكى إلى سرب القطا، وناداها، وطلب منها إعارة جناح، أطلق "من" على ما لا يعقل إذ عاملها بذلك معاملة من يعقل.
وقوله أو مجامعًا له شمول مثاله قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ}، وقوله {ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ}؛ ألا ترى أن الماشي على رجلين منه عاقل كالإنسان وغير عاقل كالطائر، لكن أوقع على الجميع "من" لاختلاطهما، ولذلك لما قال

جرير:
/يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا
قال له الفرزدق: وإن كانوا قرودًا؟ فسوغ أن تقع "من" على ما لا يعقل لأجل الاختلاط، فأجابه جرير بأن قال: إنما قلت "من"، ولم أقل "ما". ووجه انفصال جرير أن "من" وإن وقعت على ما لا يعقل في حال اختلاطه بمن يعقل، فإنها فيمن يعقل أظهر. وقال تعالى {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} و {مَن لاَّ يَخْلُقُ} شمل المعبود من دون الله عاقلًا وغير عاقل. ومثله ما ذكر الفراء عن بعض العرب "اشتبه على الراكب وجمله، فلا أدري من ذا من ذا".
وقوله أو اقتران مثاله {ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ}، وقعت هنا على ما لا يعقل لاختلاطه بمن يعقل فيما فصل بـ"من" في قوله {واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ}؛ ألا ترى أن الدابة تقع على كل ما يدب من عاقل أو غير عاقل، فغلب من يعقل على ما لا يعقل، وعومل الجميع معاملة من يعقل، ففصل بـ"من" لذلك. ومن كلام العرب "خلق الله الخلق، فمنهم من يتكلم، ومنهم من لا يتكلم"، فأوقع "من" على ما لا يتكلم، وهو غير عاقل، لاقترانه بالعاقل في المفصل بـ"من" وهو الخلق، لأن الخلق يقع على كل مخلوق من عاقل وغير عاقل.

وتقول العرب "أصبحت كمن لم يخلق" تريد: كمن قد مات، فتقع "من" على هذا المعنى على العاقل، فإن أردت بمن لم يخلق المعدوم، فذهب الفراء إلى جواز ذلك، وذهب بشر المريسي إلى منع ذلك، قال بشر: "من": الناس، ومن لم يخلق ليس بشيء، فبأي شيء شبه؟ فأجاب الفراء عن ذلك بأن العرب توقع "ما" على المعدوم، فتقول "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"، فكما جاز ذلك في "ما" فكذلك يجوز في "من".
قال بعض أصحابنا: والصحيح ما ذهب إليه الفراء، ولا تخرج "من" بذلك عن معناها، بل تكون واقعة على عاقل موجود أو معدوم متوهم، فإن المعدوم المتوهم تجعله العرب شيئًا، قال عمر بن أبي ربيعة:
وهبها كشيء لم يكن أو كنازح به الدار، أو من غيبته المقابر
فأوقع شيئًا على ما لم يكن، وهو المعدوم. ومثل ذلك قول بشار:
وأخفت أهل الشرك، حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق
فأوقع النطف على ما لم يخلق.

وقوله خلافًا لقطرب، زعم قطرب وغيره أن "من" تقع على ما لا يعقل عمومًا دون اشتراط ما ذكر، واستدل بقوله تعالى {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}، قال: يعني بذلك الأوثان والأصنام. ولا حجة في ذلك كما بينا لاشتراك العاقل وغير العاقل في (من لا يخلق) إذ قد عبد من دون الله من يعقل/ ومن لا يعقل، أو لتنزيلها منزلة من يعقل إذ عبدت من دون الله، أو لاعتقاد من عبدها أنها عاقلة فعالة. فهذه الوجوه كلها يحتمل قوله {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}، فلا دليل على أنها تقع على آحاد ما لا يعقل.
وقوله و"ما" في الغالب لما لا يعقل قال المصنف في الشرح: "احترزت بقولي "في الغالب" من نحو قوله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، ومن قول بعض العرب: سبحان ما سخركن لنا" انتهى. ويعني أنها في قليل تطلق على آحاد ذوي العلم كما أطلقت في قوله "لما خلقت" على آدم، وفي "ما سخركن" على الله تعالى.

وإطلاقها على آحاد من يعقل هو مذهب أبو عبيدة وابن درستويه ومكي بن أبي طالب، ومن متأخري أصحابنا الأستاذ أبو الحسن بن خروف، وزعم أنه مذهب س. واستدلوا على ذلك بما تقدم، وبقوله "سبحان ما سبح الرعد بحمده"، وبقوله تعالى {والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا (5) والأَرْضِ ومَا طَحَاهَا (6) ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا (7)}، ومعلوم أن الذي بني السماء، وطحا الأرض، وسوى النفس، هو الله. وبقوله {ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}، ومعلوم أنه الله.
وأبى أصحابنا ذلك، وتأولوا ما استدل به المخالف. أما {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فقال السهيلي: "عبر بـ"ما" لأن السجود له لم يكن من حيث هو عاقل، بل من حيث الأمر كالقبلة. وقد يقال: أنه حين الخلق لم يكن عاقلًا، وإنما نفخ فيه الروح بعده بمدة" انتهى هذا التأويل.
وقوله "وإنما نفخ فيه الروح بعده بمدة" ليس بصحيح بدليل قوله {فَإذَا

سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}، فالأمر بالسجود إنما كان بعد التسوية ونفخ الروح فيه، وعتب إبليس على امتناعه من السجود إنما كان بعد الأمر وامتثال الملائكة، وقبل هذا كان قد سوي، ونفخ فيه الروح، فقوله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} كان بعدما سوي، ونفخ فيه الروح.
وتأولوا "سبحان ما سخركن لنا" و"سبحان ما سبح" على أن جعلوا "ما" مصدرية ظريفة، أي: مدة تسخيركن، ومدة تسبيح الرعد، و"سبحان" علمًا غير مصروف، كما جاء:
.............................. سبحان من علقمة الفاخر
ولا نقول إنه كان أصله: سبحان الله، فحذف المضاف إليه، وبقي: سبحان؛ لأنهم إذا خذفوا ما أضيفت إليه نونت، نحو قوله:
سبحانه، ثم سبحانًا نعوذ به وقبله سبح الجودي والجمد
فنون سبحانًا لما حذف المضاف إليه.
وأما (وما بناها) (وما طحاها) (وما سواها) و (لما خلقت بيدي) و (ما أعبد) فتأولوا ذلك على أن "ما" مصدرية، كأنه قيل: وبنائها وطحوها

وتسويتها وخلقي وعبادتي، أي: عبادة مثل عبادتي، وقد أول المصدر في لخلقي وعبادتي تأويل المفعول، أي: لمخلوقي ومعبودي، كما قالوا: درهم ضرب الأمير، وبرد نسج اليمن. قالوا: والضمير في (بناها) و (طحاها) و (سواها) عائد على الله تعالى، وإن لم يتقدم/ له ذكر؛ لأنه قد علم أن فاعل ذلك هو الله، فعاد على ما يفهم من سياق الكلام.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وقيل: يحتمل أن يكون عبر بالمصدر عن المعبود، والأولى أن يكون عبر بـ"ما" لأنه في مقابلة {لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}، وقد يجوز عند المقابلة ما لا يجوز ابتداء، وهو كثير في القرآن وكلام العرب، ومنه {ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ} ".
"وزعم أبو زيد السهيلي أنها لا تقع على أولي العلم إلا بقرينة وتلك القرينة هي التعظيم والإبهام. فوقعت عنده "ما" على الله تعالى فيما تقدم ذكره لأن المراد التعظيم، فأتى بـ"ما" لأنها مبهمة، والإبهام كثيرًا ما يستعمل إذا قصد التعظيم، نحو قوله {الْحَاقَّةُ (1) مَا الحَاقَّةُ (2)}، {فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}، فكأن المعنى: إن الذي بنى السماء وطحا الأرض لعظيم". وأما {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فتقدم تأويله فيه.
وأما {ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} فسوغ وقوع "ما" عنده على الله تعالى شيئان: أحدهما: الإبهام وتعظيم المعبود. والآخر: أن الحسد منهم يمنعهم من أن يعبدوا معبوده كائنًا ما كان. وقد تقدم تأويل ما احتج به.

وما ذكره أبو زيد من التعظيم لا يسوغ وضع الاسم الذي هو لما لا يعقل على من يعقل، والإبهام مقصد من مقاصد التعظيم، لكن ما ينبغي أن يكون ذلك الإبهام الذي يقصد به التعظيم مخرجًا للفظ عما وضع له.
وزعم المعري في "اللامع" له أنه إذا كان لا تدرك صفته، ولا تعلم حقيقته يجعل كالشيء المجهول فينطلق عليه "ما". وحمل على ذلك "سبحان ما سبح الرعد بحمده" أي: سبحان الذي سبح الرعد بحمده، وقد تقدم تأويل هذا.
والذي صححه أصحابنا أن "ما" لا تقع على آحاد أولي العلم إلا في موضعين:
أحدهما: الاستثبات عمن يفعل إذا لم تفهم الاسم؛ لأنك في الحقيقة لم تستثبت عن عاقل؛ ألا ترى أنه إذا قال: جاءني زيد، فلم تفهم الاسم، فاستثبته، وقلت: جاء مه؟ ففي الحقيقة لم تستثبت عن زيد لأنك لم تعلم أزيدًا قال أم غير ذلك، وإنما استثبت عن الفاعل من حيث هو فاعل.
والآخر: الاستفهام بها عن صفات من يعقل؛ ألا ترى أنك تقول: ما زيد؟ فيقول لك المسئول: كاتب أو عالم، فهي وإن كانت في الظاهر واقعة على كاتب أو غير ذلك من صفات زيد، و"كاتب" اسم واقع على من يعقل، فليست في الحقيقة واقعة على عاقل؛ لأنك إنما سألت بها عن صفة من يعقل، والصفة ليست من جنس العقلاء؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ما زيدٌ؟

فإنما تريد: ما صفة زيد؟ وقول المجيب "كاتب" جواب على المعنى؛ لأنه لو أجاب على اللفظ لقال: صفته كتب، إلا أن كاتبًا يغني عن ذلك، ويقوم مقامه.
وقوله وله مع من يعقل أي: ولما لا يعقل مع من يعقل/، مثاله {ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ}.
وقوله ولصفات من يعقل هذه عبارة الفارسي، زعم أنها تقع على صفات من يعقل، نحو {والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا} أي: والسماء وبانيها. ومثل المصنف بقوله {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ}. وعبر أصحابنا عن هذا المعنى بأن "ما" تقع على أنواع من يعقل، ومثلوا بقوله (ما طاب لكم)، ويريدون الطيب.
وقوله وللمبهم أمره هذا مذهب السهيلي الذي تقدم ذكره والرد عليه. قال المصنف في الشرح: "مثل أن ترى شبحًا تقدر إنسانيته وعدم إنسانيته، فتقول: أخبرني ما هناك؟ وكذا لو علمت إنسانيته ولم تدر أذكر هو أم أنثى، ومنه {إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} ".
وقوله وأفردت نكرة يعني أنها خلت من صلة وصفة وتضمن شرط أو

استفهام، وذلك في التعجب، نحو: ما أحسن زيدًا! على مذهب س، وفي نعم وبئس، نحو قول العرب "غسلته غسلًا نعمًا"، على مذهب غير س، وسيأتي الكلام على ذلك في التعجب، وفي باب نعم.
وقوله وقد تساويها من عند أبي علي يعني في كونها أفردت نكرة، هذا مما انفرد به أبو علي، وحجته قول الشاعر:
وكيف أرهب أمرًا، أو أراع به وقد زكأت إلى بشر بن مروان؟
ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه ونعم من هو في سر وإعلان
فـ"من" عنده في موضع نصب، وفاعل "نعم" ضمير مفسر بـ"من" كما فسر بـ"ما" في {فَنِعِمَّا}، و"هو" مبتدأ، خبره الجملة التي قبله، و"في سر وإعلان" متعلق بـ"نعم". قال المصنف في الشرح: "والصحيح غير ما ذهب إليه أبو علي".
وقوله وقد تقع "الذي" مصدرية حكي هذا عن يونس، وتأول عليه {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ} أي: ذلك تبشير الله عباده. وعلى قول يونس قد

يحمل قوله {وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} أي: كخوضهم.
وما ذهب إليه يونس ليس بشيء لأنه إثبات للاشتراك بين الاسم والحرف بغير دليل، وقد ثبتت اسمية "الذي" بكونها فاعلة ومفعولة ومجرورة ومبتدأة وتثنى وتجمع وتؤنث ويعود عليها الضمير، فلا نعدل عن هذا الحكم المقطوع به لشيء لا يقوم عليه دليل، بل ولا شبهه، والأحسن في الآية أن يكون التقدير: ذلك الذي يبشره الله عباده، وأصله: يبشر به، فلما صار منصوبًا حذف إذ مجوز الحذف فيه موجود.
وقوله وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق أل مثاله: مررت بالذي أخيك، ومررت بالذي مثلك، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة حين الكلام على الصلة في أول الموصولات.
وهذا الذي ذكره المصنف من جواز ذلك ليس مذهب البصريين، لا يجيزون شيئًا من ذلك، وإنما أجازه الكوفيون، وتقدم ذكر ما استدلوا به والرد عليهم.
قال أبو علي: "وقد/ أجاز البغداديون أن تكون "الذي" موصوفة لا موصولة كما في من وما". وقال المصنف في الشرح: "حاصل كلام أبي علي أن "الذي" موصولة وموصوفة مستغنية بالصفة عن الصلة، ومصدرية محكوم بحرفيتها، وهو مذهب الفراء، وهو صحيح، وبه أقول، وأجاز

الفراء في (تمامًا على الذي أحسن) أن تكون "الذي" مصدرًا، والتقدير: تمامًا على إحسانه، أي: إحسان موسى. وأن تكون موصوفة بـ"أحسن" على أن "أحسن" أفعل تفضيل، فال: "لأن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ولا تقول: مررت بالذي قائم؛ لأن "خيرًا منك" كالمعرفة إذ لم تدخل فيه الألف واللام. وكذلك يقولون: مررت بالذي أخيك، وبالذي مثلك، إذا جعلوا صفة "الذي" معرفة أو نكرة لا تدخله الألف واللام جعلوها تابعة للذي، أنشد الكسائي:
إن الزبيري الذي مثل الجلم
ومثله ما أنشد الأصمعي:
حتى إذا كانا هما اللذين مثل الجديلين المحملجين
وحكي الفراء عن بعض العرب: أبوك بالجارية الذي يكفل، وبالجارية ما يكفل، والمعنى: أبوك بالجارية كفالته. وهذا صريح في ورود "الذي" مصدرية. ومنه قول ابن رواحة:
فثبت الله ما آتاك من حسن في المرسلين، ونصرًا كالذي نصروا
أي: ونصرًا كنصرهم. ومثله قول جرير:

يا أم عمرو جزاكِ الله مغفرة ردي على فؤادي كالذي كانا
وقول ابن أبي ربيعة:
لو أنهم صبروا عنا فنعرفه منهم إذًا لصبرنا كالذي صبروا
وقول جرير:
دعاني أبو سعد، وأهدى نصيحة إلي، ومما أن تغر النصائح
لأجزر لحمي كلب نبهان كالذي دعا القاسطي حتفه، وهو نازح"
انتهي كلامه
ولا حجة في شيء مما ذكر على أن تكون "الذي" مصدرية، ولا أنها تتبع بمعرفة أو نكرة لا تقبل "أل" دون صلة؛ لأن الكوفيين يقولون: قالت العرب كذا، ويكون ذلك على قياس ما فهموا هم عن العرب، ولما اعتقدوا في قوله:
إن الزبيري الذي مثل الجلم
أن "مثل" تابع لـ"الذي"، وأنه لا صلة له، بنوا عليه أن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ومررت بالذي مثلك، وبالذي أخيك، وكل هذا قياس منهم على فهمهم في هذا الرجز وشبهه، وقد تقدم من تأويل البصريين/ لمثل هذا أنه مما حذفت منه الصلة، وأبقى معمولها، والمعنى: أن الزبيري الذي صار مثل الجلم. وكذلك:

حتى إذا كانا هما اللذين مثل الجديلين ..........
التقدير: عادا مثل الجديلين.
وأما ما استشهدوا به على أن "الذي" تكون مصدرية فلا حجة في شيء منه.
أما قول بعض العرب "أبوك بالجارية الذي يكفل" فـ"الذي" على حاله موصول، وبالجارية: متعلق بمحذوف، يدل عليه "الذي يكفل"، التقدير: أبوك كفيل بالجارية الذي يكفل، أو على إضمار "أعني"، كما يقدره بعض أصحابنا في كثير من المجرور، وإن كان "أعني" لا يتعدى في أصل الوضع بالباء.
وأما "أبوك بالجارية ما يكفل" فـ"ما" مصدرية، و"بالجارية" متعلق بمصدر محذوف، التقدير: أبوك كفالته بالجارية كفالته، كقول الشاعر:
وبعض الحلم عند الجهـ ـل للذلة إذعان
قدروه: إذعان للذلة إذعان.
وأما "كالذي نصروا" فيحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أصله: كالذين نصروا، فحذف النون، والتقدير: كنصر الذين نصروا. أو يكون "الذي" صفة لمصدر محذوف، والعائد عليه محذوف من نصروا، والتقدير: كالنصر الذي نصروه.
وأما قوله:
........................ ردي علي فؤادي كالذي كانا
فتأويله: كالفؤاد الذي كانا، والشيء يشبه بنفسه باعتبار حالين، تقول:

زيد الآن كهو أمس، والمعنى: إن قلبي كان سليمًا فيما مضى من الزمان، والآن قد شفه الغرام، فرديه إلى الحالة التي كانت سبقت له.
وأما قوله:
................ كالذي دعا القاسطي حتفه .......
فإن عندهم في معنى: كما دعا القاسطي حتفه، فـ"القاسطي" مفعول بـ"دعا"، و"حتفه" فاعل بـ"دعا"، ولا عائد على الذي.
وتأويله عندي على أنه قوله "كالذي دعا القاسطي" في موضع نعت لمصدر محذوف، و"الذي" صفة للدعاء، التقدير: دعاني أبو سعد دعاء مثل الدعاء الذي دعا القاسطي، ففي "دعا" ضمير يعود على "الذي"، وجعل الدعاء داعيًا على حد قولهم: شعر شاعر، وارتفاع "حتفه" على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما الذي دعاه؟ قال: هو حتفه، أي: الداعي هو الحتف. ويحتمل أن يكون ارتفاعه على أن يكون بدلًا من الضمير المستكن في "دعا" العائد على "الذي". وتأويل هذه النوادر أولى من إثبات قاعدة كلية بشيء محتمل مخالف لما استقر في اللسان العربي.

-[ص: فصل
وتقع أي شرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة مذكورة غالبًا، وحالًا لمعرفة، ويلزمها في هذين الوجهين الإضافة لفظًا ومعنىً إلى ما يماثل الموصوف لفظًا ومعنىً، أو معنى لا لفظًا.]-
ش: مثال الشرطية قول الشاعر:
أي حين تلم بي تلق ما شئـ ـت من الخير، فاتخذني خليلًا
والاستفهامية {فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ}.
وقوله وصفة لنكرة مذكورة/ مثال ذلك: مررت برجلٍ أي رجل، وبفارسٍ أي فارس، وقال الشاعر:
دعوت أمرًا أي أمري، فأجابني وكنت وإياه ملاذًا وموئلًا
ولا تكون إلا نكرة: فإن أضيفت إلى مشتق من صفة يمكن المدح بها كانت للمدح بالوصف الذي اشتق منه الاسم الذي أضيفت إليه، فإذا قلت: مررت بفارس أي فارس، فقد أثنيت على الأول بالفروسية خاصة.
وإن أضيفت إلى غير مشتق من صفة يمكن المدح بها فهي للثناء على الأول بكل صفة يمكن أن يثنى عليه بها، فإذا قلت: مررت برجل أي رجل، فقد أثنيت على الرجل ثناءً عامًا في كل ما يُمْدَح به الرجل.

وإنما كانت صفةً للنكرة، ولم تُوصف بها المعرفة، لأنها لو أُضيفت إلى معرفة كانت بعضًا مما تُضاف إليهن وذلك لا يُتصور في الصفة إذ الصفة أبدًا إنما هي الموصوف لا بعضه، و "أيٌ" وإن لم تكن مشتقة فهي في حكم المشتق.
قال أصحابنا: وإنما أُعطيت معنى الاشتقاق لأنها في الأصل استفهام، فإذا قلت: مررت برجلٍ أي رجلٍ، فكأنك قلت: مررت برجلٍ لنباهته وكماله يُتطلع إلى السؤال عنه والعجب من أحواله، فيقال: أي الرجال هو؟ هذا أصله، ولذلك أعطيت "أيٌ" معنى الكمال، وأزيل عنها الاستفهام ليعمل فيها ما قبلها، وبقي فيها إبهام الاستفهام ليفيد معنى المبالغة في الصفة.
وقال بعض أصحابنا: "ولا يعنون بقولهم "صفة" أنها جاريةٌ أبدًا على ما قبلها، بل يُعني بذلك أنها تُستعمل على معنى الوصف، وإلا فقد تُستعمل غير تابعة، نحو قوله:
فأومأت إيماءً خفيًا لحبترٍ ولله عينا حبترٍ أيما فتى
كأنه قال: أيما فتى هو، أي: هو الممدوح بكل ما مدح به الفتيان" انتهى.
وقوله غالبًا يعني أن الموصوف النكرة قبل "أيً" يكون مذكورًا غالبًا، واحترز بذلك من حذفه في قول الفرزدق:
إذا حارب الحجاج أي منافقٍ علاه بسيف كلما هز يقطع

أراد: منافقًا أي منافقٍ.
وهذا عند أصحابنا في غاية الندور، قالوا: "فارقت "أي" سائر الصفات في أنه لا يجوز حذف الموصوف وإقامتها مقامه، لا تقول: مررت بأي رجلٍ، وذلك لأن المقصود بالوصف بـ "أي" إنما هو التعظيم والتأكيد، والحذف يُناقص ذلك".
وقوله وحالًا لمعرفة أنشد المصنف في الشرح:
............................... فلله عينا حبترٍ أيما فتى
بالنصب، جعله حالًا. وتقدم أن أصحابنا انشدوه بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر مبتدأ، وقدوره: أيُ فتى هو.
ولم يذكر أصحابنا كون "أي" تقع حالًا،/ وإنما ذكروا لها خمسة أقسام: موصولة، وشرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة، ومنادى، وسيأتي حكمها في باب النداء، إن شاء الله.
وقوله ويلزمها في هذين الوجهين أي: في وجه استعمالها صفة، واستعمالها حالًا.
وقوله الإضافة لفظًا ومعنىً لأنها إذا كانت موصلة أو شرطية أو استفهامية لا يلزم إضافتها لفظًا.
وقوله إلى ما يُماثل الموصوف لفظًا ومعنىً فلا يجوز أن تقول: مررت برجلٍ أي عالمٍ، ولا: بعالمٍ أي رجلٍ، بل تقول: مررت برجلٍ أي رجلٍ، وبعالمٍ أي عالمٍ.

وقوله أو معنىً لا لفظًا مثاله: دعوت امرًأ أي فتى. هكذا مثله المصنف في الشرح. وينبغي أن يُحتاط في جواز هذا، ويتوقف حتى يُسمع من كلام العرب، وإلا منع؛ لأن الأصل فيها أن لا يُوصف بها، فلا يُتوسع في القياس فيها.

-[ص: وقد يُستغني في الشرط والاستفهام بمعنى الإضافة إن عُلم المضاف غليه، و "أي" بمنزلة "كل" مع النكرة، وبمنزلة "بعضٍ" مع المعرفة.]-
ش: استغناؤها في الشرط مثاله قوله تعالى {أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، ومثاله في الاستفهام ما ورد في الحديث: "من أبرُ يا رسول الله؟ قال: أمك. قال: ثم أيٌ؟ قال: أمك".
وقوله و "أيٌ" فيهما - يعني في الشرط والاستفهام - بمنزلة "كلً" في النكرة، وبمنزلة "بعضٍ" في المعرفة. مثالها في الشرط مضافةً إلى نكرة: أي رجل تضرب أضربه، وأي رجلين تضرب أضربهما، وأي رجال تضرب أضربهم، فيعود الضمير مطابقًا لما تضاف إليه "أيٌ".
ومثالها مضافةً إلى معرفة: أي الرجل تضرب أضربه، وأي الرجلين تضرب أضربه، وأي الرجال تضرب أضربه.
ومثالها في الاستفهام مضافةً إلى نكرة: أي رجلٍ أخوك؟ وأي رجلين أخواك؟ وأي رجال إخوتك؟ فيُطابق الخبر ما تضاف إليه "أيٌ".
ومثالها مضافة إلى معرفة: أي الرجلين أحسن؟ وأي الرجلين أخوك؟

وأي الرجال أخوك أو أخوك؟ وتقول: أي الثلاثة أخواك أو أخوك؟
ولا تقع الشرطية والاستفهامية إلا صدر كلام، فلا يعمل فيها عاملٌ متقدم عليها إلا الخافض بشرط أن يكون متعلقًا بالفعل الذي يليها، إلا في الاستفهام في الاستثبات، فإنه قد يتقدم عليها، فإذا قال قائل: ضربت رجلًا، قلت إذا استثبت: أيا ضربت؟ وضربت أيا؟

-[ص: ولا تقع نكرةً موصوفةً، خلافًا للأخفش، وقد يُحذف ثالثها في الاستفهام، وتُضاف فيه إلى النكرة بلا شرط، وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنيةٍ، أو جمعٍ، أو قصد أجزاءٍ، أو تكريرها عطفًا بالواو.]-
ش: أجاز الأخفش: مررت بأي كريمٍ، فجعل أيا نكرةً موصوفة، ولم يُسمع من العرب، وإنما أجازه قياسًا على "من" و "ما" من قول العرب: "رغبت فيما خيرٍ مما/ عندي"، و:
كفى بنا فضلًا على من غيرنا ................................
ويضعف القياس على ذلك، بل في قولهم "مررت بما معجبٍ لك" إن "ما" نكرة بمعنى شيء موصوفة بـ "مُعجب" نظرٌ، لأنه يجوز أن تكون "ما" زائدة بين حرف الجر والمجرور، والتقدير: مررت بمُعجبٍ لك، وكثيرًا ما زيدت "ما" بين حرف الجر والمجرور، فإن سُمع من كلامهم: رأيت ما مُعجبًا لك، وسرني ما معجبٌ لك، وكثر ذلك في كلامهم، ثبت أن "ما" نكرة موصوفة، على أنه لو سُمع قليلًا انبغى تأويله على زيادة "ما" كما زادوها في قوله:

................. ضرج ما أنف خاطبٍ بدم
وفي قوله "رويد ما الشعر"، وقد تقدم الاستدلال على كون "ما" نكرةً موصوفة بقوله:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر .....................
وليس بقاطع؛ إذ يحتمل أن تكون "ما" مُهيئة، و "من الأمر" في موضع المفعول بـ "تكره"، أي: شيئًا من الأمر، ويكون العائد في "له" عائدًا على ذلك المفعول المحذوف، وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
وقد تكرر للمصنف ذكر مذهب الأخفش في "أي" أنها تكون نكرة موصوفة، فإنه ذكرها هنا، وفي الشرح حين تكلم على "ما" وأنها تكون نكرة موصوفة.
ومثال حذف ثالث "أي" في الاستفهام قول الشاعر:
تنظرت نصرًا والسماكين أيهما علي من الغيث استهلت مواطره
وقوله وتضاف فيه - أي: في الاستفهام - إلى النكرة بلا شرط أي: لا تُشترط في إضافتها إلى النكرة شرط.
وقوله بشرط إفهام تثنيةٍ نحو: أي الرجلين أفضل؟ وأيهما أفضل؟ أو جمع: أي الرجال أفضل؟ وأيهم أفضل؟ أو قصد أجزاء: أي زيدٍ أحسن؟

أي الرجل أحسن؟ ولذلك تبدل منه، فتقول: أوجهه أم عينه؟ فالجواب لهذا الاستفهام إنما يكون بذكر شيءٍ من أجزاء زيد أو الرجل.
وقوله أو تكريرها عطفًا بالواو مثاله قول الشاعر:
أيي وأي ابن الحصين وعثعثٍ إذا ما التقينا كان بالحلف أغدرا
وقول الآخر:
فأيي ما وأيك كان شرًا فسيق إلى المقامة لا يراها
وقول الآخر:
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أيي وأيك فارس الأحزاب
ونقص المصنف أن تكون "أيٌ" مضافة إلى المفرد المعرفة جنسًا أو معطوفًا عليه غيره بالواو، مثاله: أي الدينار دينارك؟ وأي البعير بعيرك؟ ومثال المعطوف: أي زيدٍ وعمروٍ وجعفرٍ قام؟ ويمكن اندراج ذلك تحت قوله "أو جمعٍ" لأن/ اسم الجنس هنا يراد به الجمع، ولأن "أي زيدٍ وعمرٍ وجعفرٍ" هو في المعنى: أي هؤلاء قام؟ لكن المصنف مثل قوله "أو جمعٍ" بقوله: أي الرجال أفضل؟ وأيهم أكرم؟ فدل على أنه لا شعور له بالمسألتين اللتين ذكرناهما، ونص أصحابنا عليهما.
ولا يجوز أن يُعطف على "أي" الاستفهامية غير اسم استفهام، فإذا

قلت: أي القوم جاءك وزيدٌ؟ عطفت زيدًا على الضمير في جاء، ولا يجوز أن تعطفه على "أي". ولو قلت: أي القوم وزيدٌ جاء؟ لم يجز إلا إذا جعلت زيدًا معطوفًا على الضمير في جاء، وقدمته عليه، على حد قول الشاعر:
وأنت غريمٌ لا أظن قضاءه ولا العنزي القارظ الدهر جائيا
يريد: لا أظن قضاءه جائيًا هو ولا العنزي القارظ.
وإنما لم يجز ذلك لأنك تكون قد عطفت مخبرًا عنه على مستفهمٍ عنه، وذلك لا يجوز، لو قلت: أزيدٌ وعمروٌ منطلقان؟ وأنت تسأل عن انطلاق زيد، وتخبر عن انطلاق عمرو، لم يجز.

-[ص: من الموصولات الحرفية "أن" الناصبة مضارعًان وتوصل بفعلٍ متصرفٍ مطلقًا، ومن "أن"، وتوصل بمعموليها. ومنها "كي"، وتوصل بمضارع مقرونٍ بلام التعليل لفظًا أو تقديرًا. ومنها "ما"، وتُوصل بفعلٍ متصرفٍ غير أمرٍ، وتختص بنيابتها عن ظرف زمان، موصولة في الغالب بفعلٍ ماضي اللفظ مثبت أو منفي بـ "الم".]-
ش: احترز بقوله "الناصبة مضارعًا" من "أن" المخففة من "أن" الثقيلة، فإنها حكمها حكم المثقلة، ومن "أن" الزائدة، ومن "أن" التفسيرية، ولهذه الأقسام مواضع تُذكر فيها. وإنما ذكر هنا ما تُوصل به "أن" الناصبة للمضارع، فكما ذُكرت الموصلات الاسمية وصلاتها، كذلك ذكرت الحرفيات وصلاتها. وهذه الحروف الموصولات ينسبك منها مع صلاتها مصدر.

وقوله بفعلٍ متصرفٍ احترزٌ من الجامد.
وقوله مطلقًا يعني سواءٌ أكان ماضيًا، نحو: أعجبني أن قام زيدٌ، أم مضارعًا، نحو أريد أن تقوم، أم أمرًا، نحو: أرسلت إليه بأن أفعل، فلو كان الماضي غير متصرف كـ "عسى"، أو المضارع غير متصرف كـ "يهيط"، أو الأمر غير متصرف كـ "تعلم" بمعنى اعلم على رأي الأعلم، لم يكن شيء من ذلك صلة لـ "أن" هذه، فأما قوله {وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ} {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ} فـ "أن" هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع.
وجميع ما استدلوا به على أن "أن" هذه توصل بفعل الأمر محتمل أن تكون التفسيرية. ويُقوي ذلك أن ذلك تقدمه شرط التفسيرية، وهو أن تكون الجملة التي قبل "أن" فيها معنى القول، نحو قوله تعالى {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا}، وأشرت إليه أن قم، وكتبت إليه أن قم.
وقال/ بعض أصحابنا: "وتدخل على الأمر قليلًا، حكي س: كتبت إليه بأن قم" انتهى. وبهذا استدل على أنها المصدرية لا التفسيرية. ووجه الاستدلال أنه دخل عليها حرف الجر، والتفسيرية لا يدخل عليها حرف الجر.
ولا يقوي عندي وصل "أن" بفعل الأمر لوجهين:
أحدهما: أنه إذا سبكت من "أن" وفعل الأمر مصدرًا فات معنى الأمر

المطلوب والمدلول عليه بالصيغة، ففرق بين: كتبت إليه بالقيام، وكتبت إليه أن أقم.
والثاني: أنه لا يوجد من لسان العرب: يعجبني أن قم، ولا: أحببت أن قم، ولا: عجبت من أن قم، فكون ذلك مفقودًا في لسانهم دليل على أنها لا توصل بفعل الأمر، ولو وصلت بفعل الأمر لوجد ذلك في لسانهم، كما وجد ذلك في وصلها بالماضي والمضارع، تقول: أعجبني أن قام زيدٌ، وأحببت أن قام، وعجبت من أن قام، ويعجبني أن يقوم زيدٌ، وأحب أن يقوم زيدٌ، وعجبت من أن يقوم زيدٌ. وأما ما حكي س من قولهم "كتبت إليه بان قم" فالباء زائدة مثلها في:
................... ................ لا يقرأن بالسور
وزعم بعض النحويين أنها تُضمر بعد همزة الاستفهام في التسوية، ويكون ينسبك منها مع الفعل مصدر، فإذا قلت: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، فأصله عنده: أأن قمت أم أن قعدت، فالفعل بعدها بتقدير المصدر.
والصحيح أنه لا إضمار بعد الهمزة ولا يعد أم؛ لأنه لم يُلفظ بذلك في موضوع من المواضع، وإنما اكتفوا هنا بالمعنى دون الإضمار، ولا يُقاس عليه لأنه موضعٌ خرج فيه اللفظ عن أصله، فخرجت همزة الاستفهام والفعل عن أصلهما، وصار سبكًا معنويًا إلى المصدر، كما يُسبك إلى اسم الفاعل في قولك: ما أبالي منك أقمت أم قعدت؛ أي: قائمًا ولا قاعدًا.

وإنما لم تكن همزة الاستفهام مما ينسبك معها الفعل إلى المصدر لأن ما ينسبك معه يكون معمولًا لما قبله لفظًا، ولا يكون ذلك في الهمزة وإن كانت قد تكون مع ما دخلت عليه في موضوع معمولٍ في المعنى.
وذهب بعض النحويين إلى أنها تضمر "أن" بعد ظروف الزمان في نحو: يوم يقوم زيدٌ، أي: يوم أن يقوم، لكنهم استغنوا عنها بأن أنابوها عنها لأن لظروف الزمان خصوصية بالأفعال، فلم يحتاجوا معها إلى إضمار سابك.
والصحيح أنه لا إضمار فيه لأنه لم يُلفظ به قط، وإنما هو من الإضافة للدليل لفظًا، وهم يريدون المدلول، كم صغروا الفعل وهم يريدون المدلول من المصدر في باب التعجب، وكما يعدون ما يتعدى بحرف الجر نفسه.
وقوله ومنها "أن" وتوصل بمعموليها مثاله: أعجبني أن زيدًا قائمٌ، وأحببت أن زيدًا قائمٌ، وعجبت من أن زيدًا قائمٌ، تقول: عجبت من انطلاقك، لا دليل فيه على/ وقوعه أو تحققه، فإذا قلت: عجبت من أنك منطلقٌ، دل على الوقوع والتحقق. قاله في البسيط.
وقوله ومنها "كي"، وتوصل بمضارع مقرونٍ بلام التعليل لفظًا مثاله: جئت لكي أراك. أو تقديرًا مثاله: جئت كي أراك. فإذا قُرنت باللام لفظًا تعينت المصدرية، وإذا لم تُقرن بها احتملت، وقد تكلمنا على ذلك في نواصب المضارع مُستوفي هناك.
ولا تخلو "كي" من التعليل، فهي لا تتصرف تصرف "أن"، لا تكون مبتدأة ولا مفعولة ولا مضافًا إليها ولا مجرورةً باللام ظاهرةً أو مقدرةً معها.
وقوله ومنها "ما"، وتوصل بفعلٍ متصرفٍ غير أمر. احترز بـ "متصرف"

من الفعل غير المتصرف، على أنه قد جاء وصلها بـ "ليس"، وهي فعلٌ غير متصرف، قال:
......................... بما لستما أهل الخيانة والغدر
وفي البسيط: "ما أصلٌ في السبك لأنها أتي بها في الفعل لأجل ذلك لا لمعنى، بخلاف أخواتها، فإن لها تخليصًا وعملًا، ولا تكون سابكة إلا حيث تصح الموصولة؛ لأن الموصلة سابكة في المعنى؛ لأنك تسبك بها الجملة إلى الوصف المفرد، فلذلك لا تقول: أريد ما تخرج، وتقول: أحب ما صنعت؛ لأن "ما" في الوصل مبهمة، فلا تصلح للخصوص، ولما كان الخروج خاصًا، ونحوه" انتهى.
وما ذكره من أن شرط الوصل بها صلاحية وقوع "ما" الموصولة الاسمية موقعها، وأن الفعل الواقع بعدها لا يكون خاصًا، باطلٌ.
وأكثر ما تكون صلتها ماضيًا، قال تعالى {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}، وقال الشاعر:
يسر المرء ما ذهب الليالي ....................
أي: ذهاب الليالي. وفي (بما رحبت) وهذا البيت بطلان قول صاحب البسيط.
وقد ذكر عن السهيلي أن "ما" لا تكون مصدرية إلا في موضع إبهام

وعموم، ولذلك منع في قوله تعالى {بما أرك الله} أن تكون "ما" مصدرية، والعلم لا إبهام فيه لأنه تمييز، قال: ألا ترى أنك لا تقول: أعجبني ما رأيت، تريد: رؤيتك، وأعجبني ما خرج زيدٌ.
وقال في البسيط أيضًا: "وقال أبو زيد - يعني السهيلي - إن صلة "ما" لابد أن تكون فعلًا غير خاص، بل مبهمًا يحتمل التنويع، نحو: أعجبني ما صنعت؛ لأن الصنع عامٌ، ولا تقول: أعجبني ما تجلس، ولا: أعجبني ما جلست؛ لأن الجلوس نوعٌ خاصٌ ليس مبهمًا، فكأنك قلت: يعجبني الجلوس الذي جلست، فيكون آخر الكلام مفسرًا لأوله رافعًا للإبهام، فلا معنى حينئذ لها.
وذهب أيضًا إلى أن "ما" المصدرية اسم، وأنها هي التي بمعنى "الذي" من الصلة، وليست حرفًا. وهي رأي المبرد والرماني. واستدل على ذلك بأن تقول: أعجبني/ أن تجلس، ولا تقول: أعجبني ما تجلس؛ لأنها بمعنى "الذي"، فتكون مبهمة، فلا تكون صلتها خاصًا بل مبهمًا، وهذا خاصٌ، ولو كانت بمعنى "أن" لجاز انتهى.
ومثال وصلها بالمضارع قوله تعالى {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ

الْكَذِبَ}، أي: لوصف ألسنتكم الكذب، وعجبت مما تضرب زيدًا.
وقوله غير أمرٍ لا تقول: عجبت من ما قم، ولا: من ما أخرج.
وقوله وتختص بنيابتها عن ظرف زمانٍ موصولة في الغالب بفعلٍ ماضي اللفظ مُثبتٍ مثاله: "لا أصحبه ما ذر شارق"، وقوله تعالى {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ} أي: مدة ذرور شارقٍ، ومدة دوام السموات. وتُسمى هذه ظرفية.
وذهب الزمخشري إلى أنها تشاركها في هذا المعنى "أن"، وحمل على ذلك قوله تعالى {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ}، وقوله تعالى {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا}، تقديره عنده: وقت أن آتاه الله الملك، وإلا حين أن يصدقوا.
واستدل بعضهم على ذلك بقوله:
وقالوا لها: لا تنكحيه، فإن لأول سهم أن يُلاقي مجمعا
أي: لأول سهمٍ وقت ملاقاته مجمعًا.
وكونها تنوب عن ظرفٍ لا يعرفه أكثر النحويين. وما احتجوا به لا دليل فيه لأن {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ} تعليلٌ، أي: لأن آتاه الله. وكذلك: إلا لأن يصدقوا. وكذلك: بأن يلاقي مجمعًا. وهذا معنى صحيح سائغ، ولم يقم دليلٌ على أن تكون "أن" ظرفية مثل "ما". وإنما قال "في الغالب" لأنها قد توصل بالمضارع، نحو قوله:

نطوف ما نطوف، ثم نأوي ذوو الأموال منا والعديم
وقوله أو منفي بـ "لم" مثاله قول الشاعر:
ولن يلبث الجهال أن يتهضوا أخا الحلم ما لم يستعن بجهول

-[ص: وليست اسمًا فتفتقر إلى ضمير، خلافًا لأبي الحسن وابن السراج، وتوصل بجملة اسمية على رأي.
ومنها "لو" التالية غالبًا مُفهم تمنً، وصلتها كصلة "ما" في غير نيابة، وتُغني عن التمني، فينصب بعدها الفعل مقرونًا بالفاء.]-
ش: في "ما" المصدرية هذه خلاف: ذهب س والجمهور إلى أنها حرف. وذهب الأخفش وابن السراج وجماعة من الكوفيين إلى أنها اسم. فإذا قلت "أعجبني ما قمت" فيقدره س: قيامك، ويقدره أبو الحسن: القيام الذي قمته، ويحذف الضمير من الصلة. ورد عليه بوصل "ما" بـ "ليس" في قوله:
........................ بما لستما أهل الخيانة والغدر
ألا ترى أنه لا يسوغ تقدير "ما" هنا بـ "الذي" لعدم الرابط.

وقوله وتوصل بجملةٍ اسميةٍ على رأي. "ما" المصدرية/ لا تُوصل إلا بالفعل المتصرف غير الأمر في مذهب س. وذهبت طائفة منهم أبو الحجاج الأعلم إلى أنه يجوز أن توصل بالجملة الاسمية، وجعلوا من ذلك قول الشاعر:
أعلاقةً، أم الوليد بعدما أفنان رأسك كالثغام المُجلس
وقول الآخر:
أحلامكم لسقام الجهل شافيةٌ كما دماؤكم تشفي من الكلب
وقد اختلف رأي ابن عصفور في ذلك، فمرة أجاز ذلك، ومرة منعه. ومن منع ذلك تأوله على أن "ما" كافة لـ "بعد"، وللكاف عن العمل، ومهيئة للدخول على الجمل.
وقال المصنف في الشرح: "الحكم على ما هذه بالمصدرية أولى من جعلها كافة، لأنها إذا كانت مصدرية كانت هي وصلتها في موضع جر، فلم يصرف شيء عما هو له ثابت، بخلاف الحكم بأن ما كافة".

وقال أيضًا: "وأيضًا فمن مواقع "ما" المصدرية النيابة عن وقتٍ واقعٍ ظرفًا، والوقت الواقع ظرفًا قد يُضاف إلى جملة اسمية، كما يضاف إلى جملةً فعليه، فإذا وصلت بهما وهي للوقت سُلك بها مسلك الوقت، فالحكم بجواز وصلها بجملةٍ اسميةٍ راجحٌ على الحكم بالمنع على تقدير عدم كون ذلك مسموعًا، فكيف وقد سمع؟ قال:
واصل خليلك ما التواصل ممكنٌ فلأنت أو هو عن قليلٍ ذاهب
وقال آخر:
................... فعسهم أبا حسان ما أنت عائس
وإذا ثبت وصلها ظرفيةً بالجملة الاسمية لم يُستبعد وصلها بها إذا كانت غير ظرفية" انتهى. وفيه بعض تلخيص.
وقوله ومنها "لو" التالية غالبًا مُفهم تمنً. اختلف في "لو" هذه التي ذكرها: فذهب الجمهور إلى أن "لو" لا تكون مصدرية، وهو قول أشياخنا. وذهب الفراء وأبو علي وأبو زكرياء التبريزي وأبو البقاء

العكبري وهذا المصنف إلى إثبات ذلك من لسان العرب، وخرجوا عليه مواضع من القرآن، من ذلك قوله تعالى {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}، {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم}، {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم}، {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ}.
وقوله غالبًا احترازٌ مما جاء غير مفهم تمنيًا، كقول قتيلة:
ما كان ضرك لو مننت، وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق
وقال آخر:
لقد طوفت في الآفاق حتى بليت، وقد أني لي لو أبيد
/وقال آخر:
أصبن الطريف بن الطريف ومالكًا وكان شفاءً لو أصبن الملاقطا
وقال آخر:
وربما فات قومًا جُل أمرهم من التأني، وكان الحزم لو عجلوا

التقدير: ما كان ضرك منك، وقد أني لي البيود، وكان شفاءً إصابتهن، وكان الحزم عجلهم. ومن لم يثبت أن "لو" تكون مصدرية تأول هذه المواضع كلها.
وقوله مفهم تمن: الذي أوردوا من ذلك هو لفظ "ود" و "يود"، و "مُفهم تمن" يشمل ود وأحب وآثر وتمني واختار، ولم يُسمع من مفهم التمني في غير "ود".
وقوله وصلتها كصلة "ما": يعني أنها تُوصل بما وصلت به "ما" من فعلٍ متصرفٍ ماضٍ ومضارع، لا تُوصل بالأمر.
وذكر المصنف أن "ما" توصل بفعلٍ منفي بـ "لم"، وظاهر كلامه أن "لو" توصل بذلك، فتقول: وددت لو لم يقم زيدٌ.
وقد اختار المصنف في "ما" أنها توصل بالجملة الاسمية، واستدل لصحة ذلك. ولا يُحفظ ذلك في "لو"، لا يُحفظ مثل: وددت لو زيدٌ قائمٌ، فينبغي أن يُقيد قوله "وصلتها كصلة ما": "إلا في الجملة الاسمية". ومما يُبعد كون "لو" مصدرية أنه لا يُحفظ من كلامهم دخول حرف الجر عليها، لا يوجد: عجبت من لو خرج زيدٌ، أي: عجبت من خروج زيد.
وقوله في غير نيابةٍ يعني أن "ما" تنوب عن ظرف زمان، ولا تنوب "لو" المصدرية عن ظرف زمان، فهما وإن اشتركا في الصلة، فقد اختصت "ما" بالنيابة.
وقوله وتغني عن التمني إلى آخره، قال الشاعر:
سرينا إليهم في جموعٍ كأنها جبال شروري لو نعان فننهدا

قال المصنف في الشرح: "في نصب فننهد وجهان:
أحدهما - وهو المختار - أنه جواب تمن إنشائي كجواب "ليت"؛ لأن الأصل: وددنا لو نعان، فحذف الفعل لدلالة "لو" عليه، فأشبهت "ليت" في الإشعار بمعنى التمني دون لفظه فجووبت كجوابها.
والثاني: أنه من باب العطف على المصدر؛ لأن "لو" مع "نعان" تتقدر بالمصدر، فليس جوابًا، بل هو من باب:
......................... تقضي لبانات، ويسأم سائم
وذهب أبو علي في "التذكرة" إلى أن مثل "لو نعان فننهدا" "لو" أجريت فيه مجرى "لو" التي بمعنى الأمر، أي: أعنا يا الله فننهد، وفي {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ} أي: أحدث لنا كرةً فنكون.
وقال الزمخشري: "تجيء "لو" في معنى التمني كقولك: لو تأتيني فتحدثني". فإن/ أراد ما أردته فصحيح وإن أراد أن "لو" حرفٌ موضوع للتمني كـ "ليت" فغير صحيح؛ لأن ذلك يستلزم منع الجمع بينها وبين فعل التمني، كما لا يُجمع بين "ليت" وبينه، وذلك أن حروف المعاني قُصد بها النيابة عن أفعالٍ على سبيل الإنشاء، فلا يُجمع بينهم لأن لا يجمع بين نائب ومنوب، ولذلك لا يُجمع بين "لعل"

و "أترجى"، ولو بين "إلا" و "أستثني"، فلو كانت "لو" موضوعة للتمني كـ "ليت" لساوتها في امتناع ذكر فعل التمني معها، فكان قول القائل "تمنيت لو تفعل" غير جائز، كما أن "تمنيت ليتك تفعل" غير جائز.
فإن قيل: كيف دخلت "لو" المصدرية على "أن" في نحو {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ}؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن "لو" داخلة على "ثبت مقدرًا رافعًا لـ "أن"، فلا يلزم من ذلك مباشرة حرفٍ مصدري لحرفٍ مصدري.
الثاني: أن يكون هذا من باب التأكيد اللفظي، وهو من أحسنه لأنه توكيد كلمة بما يوافقها معنىً دون لفظ، وهو أجود من التوكيد بإعادة اللفظ بعينه، ومنه توكيد "السبل" بـ "الفجاج"، وتوكيد "الذين" بـ "من" في قراءة زيد {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. ولتفضيل هذا النوع من التوكيد على إعادة اللفظ بعينه كان قولك "زيدٌ كمثل عمروٍ" سائغًا مستحسنًا في النظم والنثر، بخلاف "زيدٌ ككعمرو"، فإنه مخصوص بالضرورة. وقد اجتمعت "أن" و "لو" المصدريتان في قول على كرم الله وجهه: ما كان عليك أن لو صمت لله أيامًا، وتصدقت بطائفة من طعامك محتسبًا". انتهى كلامه، وفيه بعض تلخيص.
فأما دعواه أن قوله "لو نعان فننهدا" أصله: وددنا لو نعان، فحذف الفعل لدلالة "لو" عليه، فهذا فيه إضمار الفعل حيث فهم من "لو" معنى

التمني، وهو على خلاف الأصل، وفيه إثبات أن "لو" في هذا التركيب تكون مصدرية، ولا يقول بذلك الأكثرون من النحاة، وإنما هو قول بعض الكوفيين ومن تبعه من متأخرين كالتبريزي.
وأما الوجه الثاني الذي جوزه من وجهي النصب فإنه على تسليم أن "لو" مصدرية.
وأما ما حكي عن أبي علي أن "لو" بمعنى الأمر فينبغي أن لا يُحمل على ظاهره، وإنما يريد أبو علي أنها أُشربت معنى التمني، والتمني طلب.
وأما قول الزمخشري إن "لو"س تجيء في معنى التمني فهو قول النحويين، ولا يعنون أنها وُضعت دالةً على التمني، وإنما المعنى أنها تُشرب معنى التمني، فتُجاب بما تُجاب به "ليت" من الفاء المنصوب بعدها المضارع بإضمار "أن"، وإذا أُشربت معنى التمني فهي "لو" التي هي حرفٌ لما كان سيقع لوقوع غيره، وهي المعبر عنها عند معظم النحويين بأنها حرف امتناع لامتناع، وليست قسمًا موضوعًا للتمني، إنما تُشربه على سبيل المجاز، فكأنك نطقت بـ "ليت"، ولذلك جمعت العرب/ بين "لو" وبين جوابها بالفاء لإشرابها معنى "ليت"، وبين جوابها الذي لها بحق أصل الوضع، قال الشاعر:
فلو نُبش المقابر عن كليبٍ فيُخبر بالذنائب أي زير
بيوم الشعثمين لقر عينًا وكيف لقاء من تحت القبور

فقوله "فيُخبر" لاحظ فيها معنى "ليت"، وقوله "لقر عينًا" لاحظ فيها أصل وضعها من أنها حرفٌ لما كان سيقع لوقوع غيره. وإنما حَسُن الجمع بين الجوابين لأن الأول هو معطوف على مصدرٍ مُتوهم، فالمعنى: لو حصل نبشٌ فإخبارٌ لقر عينًا.
وأما دعواه أن "لو" في قوله {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} هي المصدرية فلا نعلم أحدًا ذهب إلى ذلك غير هذا الرجل، بل هي عندهم الامتناعية أُشربت معنى التمني، وجوابها محذوف. وكذلك في قوله {لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، وكثيرًا ما يُحذف جواب "لو" لدلالة المعنى عليه، وقد بينا ذلك عند الكلام على "لو" الامتناعية.
وذكر أبو مروان عبيد الله بن عمر بن هشام الحضرمي أنه إذا كانت "لو" بمعنى التمني فلا تحتاج إلى الجواب الذي للامتناعية، قال: "واختلفوا في قوله:
فلو أنها نفسٌ تموت جميعةً ولكنها نفسٌ تساقط أنفسا
فقيل: "لو" للتمني، فلا تحتاج إلى الجواب لأنه أراد: فليت أنها نفسٌ، وذلك أنه لما طال سقمه تمنى أن يأتيه الموت، فتذهب نفسه مرة. وقيل: هي الامتناعية على بابها، والجواب محذوف، تقديره: لاسترحت" انتهى. والصحيح أن التي تُشرب معنى التمني هي الامتناعية بنفسها.
وأما جواب المصنف أنه على إضمار فعل، أي: لو ثبت أن لنا كرة،

فهذا مذهب المبرد، ذهب إلى أن إذا جاءت بعد "لو" كانت في موضع الفاعل بفعل مضمر تقديره: لو ثبت أنهم صبروا، أي: لو ثبت صبرهم. ومذهب س أن "أن" في موضع رفع على الابتداء. وقد تكلمنا على المذهبين في فصل "لو" من باب عوامل الجزم.
وأما قوله "وقد اجتمعت أن ولو المصدريتان في قول علي" فليست "لو" هنا مصدرية، بل "أن" هي المصدرية، وهي المخففة من الثقيلة، و"لو صمت" جملة امتناعية، وهي في موضع الخبر لـ "أن" المخففة، وجواب "لو" محذوف، و"أن لو" هنا نظير {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ}، والتقدير: وما كان عليك في أنه لو صمت وتصدقت لوجدت ثوابه، أو لنفعك.
وقال أبو مسلم الأصبهاني: "ود بمعنى تمنى، فتستعمل معها "لو" و"أن"، وربما جُمع بينهما، فيقال: وددت أن لو فعل" انتهى/.
وإذا ثبت أن الجمع بين "أن" و "لو" من كلام العرب في نحو "وددت أن لو كان كذا" حُمل على أن "أن" مخففة من الثقيلة، و "لو" هي الامتناعية، ولم يُجعلا حرفي مصدر.

-[ص: فصل
الموصوف والصلة كجزأي اسم، فلهما ما لهما من ترتيبٍ، ومنع فصلٍ بأجنبي إلا ما شذ، فلا يُتبع الموصول، ولا يُخبر عنه، ولا يُستثنى منه، قبل تمام الصلة أو تقدير تمامها. وقد ترد صلةٌ بعد موصولين أو أكثر مُشتركًا فيها أو مدلولًا به على ما حُذف.]-
ش: أشبه الأسماء بالصلة والموصول الاسم المركب تركيب المزج، فإن المفرد مُباين لهما بعدم التركيب، والمضاف والجملة مباينان لهما بتأثير صدريهما في عجزيهما.
وقوله فلهما - أي فللصلة والموصول - ما لهما - أي: ما لجزأي الاسم من ترتيب - أي: من تقدم الموصول وتأخير صلته تليه.
وقوله ومنع فصلٍ بأجنبي مفهومه إذا لم يكن الفصل بأجنبي جاز، وغير الأجنبي هو جملة الاعتراض، وهي ما كان فيها تأكيدٌ أو تبيينٌ للصلة، فمثال التوكيد الفصل بالقسم، قال الشاعر:
ذاك الذي - وأبيك - يعرف مالكًا والحق يدفع ترهات الباطل

فصل بين الموصول وصلته بالقسم لأن فيه تأكيدًا للصلة، كأنه قال: ذاك الذي يعرف مالكًا حقًا. وفي الحديث: "وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليهم من سوءٍ قط".
ومثال تبيين الصلة قوله تعالى {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}، فقوله (وترهقه ذلةٌ) من كمال الصلة لأنه معطوف على (كسبوا)، وفصل بينه وبين الموصول بقوله {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا}، وهي جملة من مبتدأ وخبر، والباء في الخبر لأن فيه تبيينًا لقوله (وترهقهم ذلةٌ) ألا ترى أن جزاء السيئة بمثلها من رهق الذلة لهم.
وعد أصحابنا الفصل بالقسم من الفصل بجملة الاعتراض، ويظهر من كلام المصنف أنهما غيران؛ لأنه قال: "ولا يدخل في الأجنبي القسم لأنه يؤكد الجملة الموصول بها، ولا جملة الاعتراض، كقول الشاعر:
ماذا - ولا عتب في المقدور - رمت، أما يُحظيك بالنجح أم خسرٌ وتضليل"
انتهى.
قال: "ففصل بين "ذا" و "رمت" بقوله: "ولا عتب في المقدور" لأن فيه توكيدًا وتسديدًا لمضمون الجملة الموصول بها". ولا يتعين في "ماذا"

أن تكون "ذا" موصولة إذ يحتمل أن تكون "ماذا" كلها استفهامية، وهو أحد محاملها التي تقدم ذكرها.
قال المصنف: "والجملة الحالية أولى أن لا تعد أجنبية، والنداء الذي يليه مخاطبٌ، قال:
/إن الذي، وهو مثرٍ، لا جود حرٍ بفاقةٍ تعتريه بعد إثراء
العامل في جملة الحال "يجود"، وما عمل فيه فعل الصلة فهو من الصلة، فلا يكون أجنبيًا. وقال الشاعر:
وتركي بلادي - والحوادث جمةٌ- طريدًا، وقدمًا كنت غير مطرد
وقال:
وأن الذي - يا سعد - أبت بمشهدٍ كريمٍ وأثواب المكارم والحمد
فلو لم يل النداء مخاطبٌ عد الفصل به أجنبيًا، ولم يجز إلا في ضرورة نحو:
.................. كن مثل من - يا ذئب - يصطحبان"
وقوله إلا ما شذ مثاله قول الشاعر:
وأبغض من وضعت إلى فيه لساني معشرٌ عنهم أذود

فصل بين الصلة ومتعلقها ومعمولها بقوله "إلي"، وهو أجنبيٌ من الصلة وما عملت فيه لأنه متعلق بالمضاف إلى الموصول، وهو "أبغض"، والأصل تأخيره بعد "لساني".
وقوله فلا يُتبع الموصول بعني بنعت ولا عطف بيان ولا توكيد ولا بدل ولا عطف نسق، فأما قول الشاعر:
لسنا كمن جعلت إيادٍ داراه تكريت تمنع حبها أن يُحصدا
وقول الآخر:
كذلك تلك، وكالناظرات صواحبها، ما يرى المسحل
فظاهره أن "إياد" بدل من "من" في رواية من جر، وبدل من الضمير المستكن في "جعلت" في رواية من رفع "إياد"، وقد فصل بالبدل بين الصلة التي هي "جعلت" و "دارها تكريت" اللذين هما معمولًا "جعلت". وكذلك فصل بقوله "صواحبها" - وهو مبتدأ - بين "الناظرات" ومعمولها الذي هو "ما يرى المسحل". فقيل: هذا الفصل ضرورة كقوله:
وأبغض من وضعت إلي فيه ................... (البيت)

وقيل: يتخرج على أن يكون الموصول قد تمت صلته عند قوله "جعلت"، وأبدل بعد تمام الصلة. وكذلك تم الكلام عند قوله "وكالناظرات صواحبها". وينتصب "دارها تكريت" و" ما يرى المسحل" بفعلٍ محذوف تدل عليه الصلة، التقدير: جعلت دارها تكريت، وينتظرن ما يرى المسحل.
وقوله ولا يُخبر عنه ولا يستثنى منه قبل تمام الصلة: لا يجوز: الذي محسنٌ أكرم زيدًا، في: الذي أكرم زيدًا محسنٌ. ولا يجوز: جاء الذين إلا زيدًا أساؤوا في: جاء الذين أساؤوا إلا زيدًا.
وقوله أو تقدير تمامها هو مثل التخريج الثاني في "لسنا كمن جعلت إيادٍ" والبيت الذي بعده.
وقوله وقد ترد صلةٌ بعد موصولين أو أكثر مشتركًا/ فيها مثاله قول الشاعر:
صل الذي والتي متا بآصرةٍ وإن نأت عن مرامي متها الرحم
فـ "متا" صلة اشتركت فيها "الذي" و "التي"، وكان القياس أن يقول: صل اللذين، فيُغلب المذكر، لكنه أفرد كلًا من الموصولات لأنه أوضح في التذكير والتأنيث من التغليب. ومثال ما هو أكثر من موصولين مشتركًا في الصلة:
[بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها أنفسٌ تردت]

وقوله أو مدلولًا بها على ما حُذف مثاله قوله:
وعند الذي واللات عُدنك إحنةٌ عليك، فلا يغررك كيد العوائد
وقول الراجز
من اللواتي والتي واللاتي يزعمن أني كبرت لداتي
التقدير: وعند الذي عادك، ومن اللواتي يزعمن أني كبرت لداتي والتي تزعم. ولو أنشد هذا دليلًا على أن الصلة مشترك فيها أكثر من موصولين لناسبن فتكون "يزعمن" صلة للموصلات الثلاثة على سبيل الاشتراك فيها.

-[ص: وقد يُحذف ما علم من موصولٍ غير الألف واللام، ومن صلة غيرهما، ولا تُحذف صلة حرفٍ إلا ومعمولها باقٍ، ولا موصولٌ حرفيٌ إلا "أن". وقد يلي معمول الصلة الموصول إن لم يكن حرفًا أو الألف واللام. ويجوز تعليق حرف جرً قبل الألف واللام بمحذوفٍ دل عليه صلتها، ويندر ذلك في الشعر مع غيرها مطلقًا، ومعها غير مجرورةٍ بـ "من".]-
ش: قوله من موصولٍ يعني اسمي؛ لأنه ذكر الموصول الحرفي بعد ذلك. وهذا الذي ذكره من جواز حذف الموصول الاسمي إذا عُلم هو شيء ذهب إليه البغداذيون والكوفيون، وأما البصريون غير الأخفش فلا يجيزون ذلك، وإن ورد فيكون ذلك مختصًا بالشعر.
وذهب المصنف مذهب الكوفيين والبغداذيين في ذلك، وزعم أنه ثابت

بالقياس والسماع، قال: "فالقياس على "أن"، فإن حذفها كتفي بصلتها جائزٌ بإجماع، مع أن دلالة صلتها عليها أضعف من دلالة صلة الموصول من الأسماء عليه؛ لأن صلة الاسم مشتملةٌ على عائد يعود عليه، ويُميل الذهن إليه، وليس ذلك في صلة الحرف، فالموصول الأسمى أولى بالحذف، وأيضًا فهو كالمضاف، وصلته كالمضاف إليه، وحذف المضاف إذا عُلم جائز، فكذلك ما أشبهه.
وأما السماع فمنه قول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه، وينصره سواء
وقول ابن رواحة:
/ فوالله ما نلتم وما نيل منكم بمعتدلٍ وفقٍ ولا متقارب
وقول بعض الطائيين:
ما الذي دأبه احتياطٌ وحزمٌ وهواه أطاع يستويان
وقول الآخر:
لكم مسجدا الله المزوران والحصى لكم قبضه من بين أثرى وأقترا
التقدير: ومن يمدحه، وما الذي نلتم، والذي هواه أطاع، ومن بين من

أثرى ومن اقتر، أي: استغني وافتقر".
قال المصنف: "وأقوى الحجج قوله تعالى {وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} أي: وبالذي أنزل إليكم، فيكون مثل {آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} " انتهى.
وقوله في "أن": "إن حذفها مُكتفي بصلتها جائزٌ بإجماع" ليس بصحيح، ولا إجماع فيه؛ لأنه إن أراد ما ينتصب بإضمار "أن" بعد الواو والفاء في الأجوبة الثمانية، وأو وحتى ولام "كي" ولام الجحود، فالخلاف فيه موجود، وإن أراد غير لك فالخلاف فيه أيضًا موجود، وينظر ذلك في كلامنا على النواصب في شرح هذا الكتاب.
وقوله ومن صلة غيرهما مثاله قوله:
أبيدوا الألى شبوا لظي الحرب، وادرأوا شباها عن اللائي فهن لكم إما
أي: عن اللائي لم يشبوا لظاها، حذف الصلة لتقدم ما يدل عليها، وقوله:
أصيبا به فرعا سُليم كلاهما وعز علينا أن يُصابا، وعز ما
أي: وعز ما أُصيبا به، وقولُ الآخر:

أتجزع إن نفسٌ أتاها حمامها فهلا الذي عن بين جنبيك تدفع
أي: فهلا تدفع الذي يُجزعك عن بين جنبيك. ومن الاستدلال في هذا الباب بالمتأخر قول الشاعر:
نحن الألي، فاجمع جمو عك، ثم وجههم إلينا
التقدير: نحن الألي عرفت عدم مبالاتهم بأعدائهم، وفهمت هذه الصلة بقوله: فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا. وأنشد أحمد بن يحي:
فإن أدع اللواتي من أناسٍ أضاعوهن لا أدع الذينا
قال أبو علي: "التقدير: اللواتي أولادهن من أناسٍ أضاعوهن، أي: أضاعوا هؤلاء النساء، فلم يحموهن كما تحمي الفحولة أزواجها، فلا أدع الذين أضاعوهن، والمعنى:/ إن أدع هجو هؤلاء النساء فلا أدع هجو هؤلاء الرجال".
وقوله ولا تُحذف صلة حرفٍ إلا ومعمولها باقٍ مثاله قول العرب: لا أفعل ذلك ما أن حراء مكانه، وما أن في السماء سحابةً، أي: ما ثبت، حذفوا "ثبت"، وأبقوا الفاعل بها، وهو "أن" ومعمولاها. ومن ذلك: "أما أنت منطلقًا انطلقت"، أي: لأن كنت، حذف "كان"، وهي صلة "أن"، وأبقي معمولاها. وقول العرب: "كل شيء أممٌ ما النساء وذكرهن" أي:

ما عدا النساء.
وقوله ولا موصولٌ حرفيٌ إلا "أن" إذا حذفت فتارةً يبقى عملها، وتارةً لا يبقى. قال المصنف في الشرح: "ومنه {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ}، وقوله:
فجاءت به وهو في عزبةٍ فلولا تجاذبه قد غلب
وقول الفرزدق:
ألا إن هذا الموت أضحى مسلطًا وكل امرئ لابد ترمى مقاتله
وقول ذي الرمة:
وحق لمن أبو موسى أبوه يوفقه الذي أرسى الجبالا
وقول الآخر:
أو ليس من عجبٍ أسائلكم ما خطب عاذلتي وما خطبي؟
وقول الفرزدق:
بحق امرئ بين الأقارع بيته وصعصعة البحر الجزيل المواهب
يكون سبوقًا للكرام إلى العلا إذا فصل المقياس بين الحلائب

وقول الآخر:
وقالوا: ما تشاء؟ فقلت: ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير
ومن كلام بعض العرب: "أذهب إلى البيت خيرٌ لي"، و "تزورُني خيرٌ لك"، و "تسمع بالمعيدي خيرٌ لا أن تراه"، التقدير: أن يريكم، وأن تُجاذبه، وأن تُرمى، وأن يُوفقه، وأن أسائلكم، وأن يكون، وأن ألهو، وأن أذهب، وأن تزورني، وأن تسمع" انتهى، وفيه بعض تلخيص، وفيه ما يُتأول على غير إضمار "أن".
وقوله وقد يلي معمول الصلة الموصول مثاله: جاء الذي زيدًا ضرب، تريد: ضرب زيدًا.
وقوله إن لم يكن حرفًا أطلق الحرف، وينبغي أن يُقيد بكونه ناصبًا، كما قيده غيره، مثل أن وكي وأن، فإنه لا يجوز أن يليها معمول شيء من صلاتها، فأما "ما" فإنه يجوز ذلك فيها، تقول: عجبت مما زيدًا تضرب، أي: مما تضرب زيدًا.
وعلل المصنف في الشرح امتناع تقديم معمول صلة الحرف/ عليها "بأن امتزاجه بصلته أشد من امتزاج الاسم بصلته؛ أشد من امتزاج الاسم بصلته؛ لأن أسميته منتفيةٌ بدونها، فلو تقدم معمولها كان تقدمه بمنزلة وقوع كلمةٍ بين جزأي مصدر، وليس كذلك تقدم معمول صلة الاسم غير الألف واللام؛ لأن له تمامًا بدونها ولذلك جُعل إعرابه إن كان مُعربًا قبلها، والإعراب لا يجئ قبل تمام

المعرب، ولما له من التمام بدونها جاز أن يستغني عنها وعن معمولها إذا علمت، بخلاف الموصول الحرفي" انتهى.
وظاهر هذا التعليل أنه عامٌ في كل موصولٍ حرفي، وقد ذكرنا أن النحويين فرقوا بين ما كان عاملًا من الحروف المصدرية وبين ما ليس بعامل، فمنعوا أن يتقدم معمول الصلة عليها إذا كان الموصول عاملًا، وأجازوه إذا كان غير عامل.
وعلة المنع في العامل أن الموصول قوي تشبثه بالصلة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فكونه عمل فيها، وأما من حيث المعنى فكونه معها في تقدير اسم واحد، وهو المصدر، فلما قوي تشبثه من الوجهين المذكورين لم يكن ليُفصل بمعمول الصلة بين الموصول الحرفي وبينها. وأما إذا لم يكن عاملًا فإنه إذ ذاك شبيهٌ بالاسم الموصول من حيث اقتضاء الصلة من غير عمل، فجاز أن يتقدم معمولها عليها، وأن يُفضل به بينها وبينه.
وقوله أو الألف واللام مثاله: جاءني القاتل زيدًا، لا يجوز: جاءني ال زيدًا قاتل. وعلة ذلك قوة امتزاجها بالصفة، وهو أقوى من امتزاج "أن" بصلتها لأنه يجوز أن يُفصل بين "أن" وصلتها بـ "لا"، ولا يجوز ذلك في "أل" لا بـ "لا" ولا بغيرها؛ لأنها أشبهت "أل" للتعريف، فعوملت معاملتها لفظًا.
وقوله ويجوز تعليق حرف جر قبل الألف واللام بمحذوفٍ تدل عليه صلتها مثال ذلك {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ}، و {إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ} و {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}، {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}.

ولا يجوز تقديم شيء من الصلة على الموصول، سواء أكان حرفًا أم اسمًان فمما جاء يقتضي ظاهره ذلك الآيات المذكورة، وقول الراجز:
ربيته حتى إذا تمعددا كان جزائي بالعصا أن أجلدا
وقوله:
...................... أبت للأعادي أن تذل رقابها
فأما ما ظاهره أن يعمل فيه متقدمًا ما كان صلةً للألف واللام ففي تخريجه وجوه:
أحدها: أن هذا من الاتساع في الظروف والمجرورات، فإنها قد جاز فيها أشياء لا تجوز في غيرها، واختاره شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع.
والثاني: أن "أل" ليست موصولة، وإنما هي للتعريف؛ ألا ترى أنك تقول: نعم القائم زيدٌ، ولا يجوز: نعم الذي قام زيدٌ، فإنما هو بمنزلة: نعم الرجل زيدٌ، وهو مذهب المازني في "أل" أنها للتعريف، وإلى هذا/ الوجه مال المبرد.
والثالث: أنه يتعلق بإضمار فعل تقديره: أعني فيه من الزاهدين، ويكون الخبر هو (من الزاهدين)، وكذلك باقيها، وروي هذا التخريج عن

المبرد أيضًا. ويُعبرون عن هذا بالتبيين، وليس الجار والمجرور داخلًا في الصلة، بل هو على جهة البيان كـ "لك" بعد "سقيًا".
الرابع: أنه يتعلق باسمٍ محذوف يدل عليه هذا الظاهر، تقديره: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وكذلك باقيها. وإلى هذا ذهب ابن السراح وابن جني، وقاله المبرد قبلهما، قال: جعل (من الشاهدين) و (من الناصحين) تفسيرًا لـ "شاهد" و "ناصح". قال المنصف في الشرح: "ويكثير هذا الحذف قبل الألف واللام داخلًا عليها "من" التبعيضية؛ لأن في ذلك إشعارًا بأن المحذوف بعض المذكورين بعد، فتقوى الدلالة عليه".
وقوله وينذر ذلك في الشعر مع غيرها مطلقًا أي: مع غير الألف واللام. ويعني بقوله "مطلقًا" سواء أوجدت "من" جرت الموصول أم لم توجد جارة له، فمثال ذلك مع "من" وقد جرت الموصول قول الشاعر:
لا تظلموا مسورًا، فإنه لكم من الذين وفوا في السر والعلن
تقديره: فإنه وافٍ لكم من الذين وفوا. ومثاله مع موصولٍ غير الألف واللام، ولم يجز بـ "من" قول الشاعر:

وأهجو من هجاني من سواهم وأعرض منهم عمن هجاني
قال المصنف: "أرد: وأعرض عمن هجاني منهم عمن هجاني منهم، على سبيل التوكيد، ثم حذف منهم من التوكيد، وحذف ما سواها من المؤكد" انتهى.
والأحسن - عندي - أن يكون التقدير - وأعرض عن هاجي منهم، فيكون المحذوف اسم فاعل، وهو أسهل من حذف موصولٍ وصلته.
وقوله ومعها غير مجرورةٍ بـ "من" أي: ومع الألف واللام غير مجرورة بـ "من"؛ لأنه ذكر أنه إذا كان مجرورة بـ "من" كان الحذف كثيرًا، ومثاله قوله:
تقول وصكت صدرها بيمينها أبعلي هذا بالرحى المُتقاعس
فـ "بالرحى" متعلق بمحذوف، يدل عليه قوله "المتقاعس"، تقديره مُتقاعسًا بالرحى، و "المتقاعس" ليس مجرورًا بـ "من".
وقوله:
فإن تنأ عنها حقبةً لا تلاقها فإنك مما أحدثت بالمجرب
فـ "مما أحدثت" متعلق بمحذوف، يدل عليه "بالمجرب"، و "المجرب" فيه الألف واللام، لكنه لم يجر بـ "من"، والتقدير: فإنك

مجرب مما أحدثت بالمجرب. وقول الشماخ:
فتىً ليس بالراضي بأدنى معيشة ولا في بيوت الحي بالمُتولج
/التقدير: ولا بمتولج في بيوت الحي بالمتولج.
وهذا المسألة والتي قبلها لا تجوز إلا في الضرورة، وأما إذا كان الموصول "أن" فلا يجوز أيضًا تقديم شيء من معمول صلتها عليها كما ذكرنا، فأما:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
ونحوه، فقد خرج على الحذف، أي: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلد.
إلا أن الفراء أجاز تقديم معمول صلة "أن" عليها، والكسائي أجاز تقديم معمول صلة "كي" عليها، فأجاز الفراء: أعجبني العسل أن تشرب، وأجاز الكسائي: جاء زيدٌ العلم كي يتعلم، ولا يجوز ذلك عندنا.
والمصدر الذي ينحل بحرفٍ مصدري والفعل حكمه في الامتناع من تقديم شيء من معمولاته عليه حكم الحرف المصدري فأما قول الشاعر:
وبعض الحلم عند الجهـ ـل للذلة إذعان
وقوله:

حَلَّت لي الخمر، وكنت امرًأ عن شربها في شغلٍ شاغل
فخرج على أن العامل في المجرور محذوف، تقديره: إذعانٌ للذلة إذعان، وكنت امرأً مشغولًا عن شربها.

الصفحات [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] [63] [64] [65] [66] [67] [68] [69] [70] [71] [72] [73] [74] [75] [76] [77] [78] [79] [80] [81] [82] [83] [84] [85] [86] [87] [88] [89] [90] [91] [92] [93] [94] [95] [96] [97] [98] [99] [100] [101] [102] [103] [104] [105] [106] [107] [108] [109] [110] [111] [112] [113] [114] [115] [116] [117] [118] [119] [120] [121] [122] [123] [124] [125] [126] [127] [128] [129] [130] [131] [132] [133] [134] [135] [136] [137] [138] [139] [140] [141] [142] [143] [144] [145] [146] [147] [148] [149] [150] [151] [152] [153] [154] [155] [156] [157] [158] [159] [160] [161] [162] [163] [164] [165] [166] [167] [168] [169] [170] [171] [172] [173] [174] [175] [176] [177] [178] [179] [180]  المجلد[3]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب إعراب الصحيح الآخر

العنوان الحالي : باب الموصول

العنوان التالي : باب اسم الإشارة  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة