التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


-[ص: باب المعرَّف بالأداة
وهي"أل" لا اللام وحدها , وفاقاً للخليل وسيبويه. وقد تخلفها "أم". وليست الهمزة زائدة خلافاً لسيبويه.]-
ش: ذكر المصنف في أداة التعريف مذاهب ثلاثة:"
أحدها: أن الأداة هي اللام وحدها. ونسب ذلك للمتأخرين وأن من عبر عنها بالألف واللام فهو تارك لما هو أولى وكذا المعبر عنها بـ"أل" حتى أن ابن جني قال:"ذكر عن الخليل أنه كان يسميها أل, ولم يكن يسميها الألف واللام كما لا يقال في قد القاف والدال".
المذهب الثاني: ما ذكر المصنف أن الخليل ذهب إليه وهو أن الأداة حرف وضع ثنائياً والهمزة فيه همزة أم وأو وأن.
المذهب الثالث: ما ذكر أن س- رحمه الله- ذهب إليه وهو أنها ثنائية

الموضع وقد عدَّها س في ثنائي الوضع في " باب عدة ما يكون عليه الكلم" إلا أن الهمزة وصل معتداً بها في الوضع كهمزة استمع ونحوه فلا يعد " استمع" رباعياً بحيث يضم أول مضارعه كالرباعي لأنهم اعتدوا بهمزته وإن كانت همزة وصل زائدة. وكذا لا تعد أداة التعريف اللام وحدها مع القول بأن همزتها همزة وصل زائدة. انتهى ملخصاً من كلامه في حكاية هذه المذاهب.
وعلى ذلك فيكون المذهب الأول الذي فيه أن اللام وحدها هي الأداة لا تكون الأداة بنيت على همزة الوصل فيتحد هذا المذهب ومذهب س , وإنما يكون الموضوع اللام وحدها ثم إنه لما لم يمكن النطق بالساكن اجتلبت همزة الوصل. فعلى هذا يتصور كون المذاهب ثلاثة. وثمرة الخلاف تظهر إذا قلت " قام القوم" هل كان ثم همزة وصل, فحذفت لتحرك ما قبلها لكونها موضوعة على حرفين أو لم يكن ثم همزة البتة, ولم يؤت بها لعدم الحاجة إليها لأن ما قبل اللام متحرك.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن المذاهب في الأداة ثلاثة - كما أوضحنا - خالف أصحابنا في ذلك فذكروا فيها مذهبين:
أحدهما: مذهب جميع النحويين إلا ابن كيسان وهو أن الحرف المعرف إنما هو اللام وأما الألف فهمزة وصل جيء بها وصلة للساكن فكان ينبغي أن تكسر لالتقاء الساكنين كسائر همزات الوصل , ونذكر علة فتحها.
والمذهب الثاني: مذهب ابن كيسان وهي أنها كلمة ثنائية الوضع بمنزلة قد وهل لا, والهمزة همزة قطع. وهذا المذهب هو الذي نقله المصنف

عن الخليل.
ونحن نذكر ما في كتاب س عن الخليل وعن س في ذلك فتقول: قال س في " هذا باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد" ما نصه: " زعم الخليل - رحمه الله -أن الألف واللام اللتين يعرفون بهما حرف واحد كقد, وأن ليست واحدة منهما منفصلة من الأخرى كانفصال ألف الاستفهام في قوله: أزيد؟ ولكن الألف كألف أيم في: أيم الله وهي موصولة".
ثم قال س: " وقالوا في الاستفهام: ألرجل؟ شبهه أيضا بألف أحمر كراهة أن يكون كالخبر, فيلتبس. فهذا قول الخليل وأيم الله كذلك فقد يشبه الشيء بالشيء في موضع ويخالفه في أكثر ذلك".
وقال س أيضا:" وقال الخليل - رحمه الله- ومما يدل على أن أل مفصولة من الرجل ولم يبن عليها وأن الألف واللام فيه بمنزلة قد, قول الشاعر:
دع ذا, وعجل ذا وألحقنا بذل ... بالشحم إنا قد مللناه بجل
قال: هي ههنا كقول الرجل وهو يتذكر: قدي ثم يقول: قد فعل ولا يفعل مثل هذا علمناه بشيء مما كان من الحروف الموصولة. ويقول الرجل: ألي ثم يتذكر فقد سمعناهم يقولون ذلك, ولولا أن الألف واللام بمنزلة قد وسوف لكانتا بناء بني على الاسم لا يفارقه ولكنهما جميعاً بمنزلة هل وقد وسوف يدخلان للتعريف ويخرجان".

وقال س في " باب عدة ما يكون عليه الكلم" وقد تكلم على جملة من الحروف الثنائية قال:" وأل تعرف الاسم في قولك القوم والرجل". وقال س في " باب ما يتقدم أول الحرف وهي زائدة":" وتكون موصولة في الحرف الذي تعرف به الأسماء. والحرف الذي تعرف به الأسماء هو الحرف الذي في قولك القوم والرجل والناس وإنما هما حرف بمنزلة قولك قد وسوف".
ثم قال:" ألا ترى أن الرجل يقول إذا نسي, فتذكر ولم يرد أن يقطع: ألي, كما يقول قدي ثم يقول: كان وكان ولا يكون ذلك في ابن ولا امرئ لأن الميم ليست منفصلة ولا الباء".
وقال س أيضا:" زعم الخليل أنها مفصولة كقد وسوف ولكنها جاءت لمعنى كما يجيئان للمعاني فلما لم تكن الألف في فعل, ولا في اسم كانت في الابتداء مفتوحة فرق بينها وبين ما في الأسماء والأفعال , وصارت في ألف الاستفهام إذا كانت قبلها لا تحذف شبهت بألف أحمر".
ثم قال:"ومثلها من ألفات الوصل الألف التي في ايم" ثم قال:" وهذا قول الخليل". انتهى ما نقلناه من كتاب س , وظاهره يدل على أن "أل" حرف ثنائي همزته همزة وصل, لا تنفصل الهمزة من اللام ولا تنفصل اللام من الهمزة وهو خلاف ما ذكره أصحابنا من أن حرف التعريف هو اللام وحدها.

وأما تشبيهه بـ"قد" فليس من حيث إن همزته قطع, وإنما هو من حيث إنه لم يجعل في بناء الاسم, كما لو يجعل"قد" في بناء الفعل بل هو حرف مستقل وحده جيء به لمعنى , ولذلك وقف عليه ساكناً في قوله"وألحقنا بذل" ولحقه علامة التذكار في قولهم"ألي" ولو كان مجعولاً في بناء الكلمة لم يوقف عليه, ولم تلحقه علامة التذكار ,ألا ترى أنك لا تقف على "مس" من قولك" مستعجل" ولا تلحقه علامة التذكار , فتقول "مسي" لأنه مجعول في بناء الكلمة, وكذلك"يستعجل" لا تقف على "يس" ولا تقف: "يسي". فليس في كلام الخليل ما يدل على أن الهمزة أصل مقطوعة في الأصل كهمزة أم وأن.
والمصنف قلد الزمخشري في نسبة ذلك إلى الخليل, قال الزمخشري: " وعند الخليل حرف التعريف أل كهل وبل/, وإنما استمر بها التخفيف للكثرة" انتهى.
وقد رد عليه ذلك أبو الحجاج يوسف بن معزوز وقال:" إنما هي في مذهب الخليل وس ألف وصل, ولكنه فهم كلام س هو وغيره من النحويين فهم سوء لأن في ظاهره إشكالاً ففهموه فهم السوء" ثم ذكر جملة من نصوص س التي قدمناها, وقرر أن حرف التعريف هو اللام وحدها , قال:" وقوله كقد أي: أنها منفصلة كما أن قد وأن منفصلة يريد أن اللام ليست كتاء اقتتل ولا كواو فدوكس, ولا كألف حبلى , وليس يريد

أن أل بمنزلة قد في العدد"
والذي يظهر أن مذهب الخليل وس واحد, وأن أل حرف ثنائي الوضع بني على همزة الوصل ولام ساكنة كبناء ابن واسم ,إلا أن "أل" حرف, وهذان اسمان. وفتحت فرقاً بين الحرف وبين الاسم والفعل.
ولنذكر ما احتج به ابن كيسان على أن الهمزة همزة قطع, وأنها كلمة ثنائية بمنزلة قد وهل, ونذكر بعد احتجاجه ما احتج به المصنف لهذا المذهب الذي زعم أنه مذهب الخليل. قال ابن كيسان:" الدليل على أنها همزة قطع فتحها ولو كانت وصلاً لم تفتح".
وأجيب عن هذا بأن الفتح لكثرة الاستعمال, والشيء إذا كثر استعماله خفف, فألزمت الفتح طلباً للتخفيف.
واحتج ابن كيس أيضا بأن وجدنا العرب يقفون عليها, تقول: ألي, ثم تتذكر فتقول: الرجل ولا تقف على حرف , لا تقف على الباء من بزيد ولا على كاف التشبيه وقالوا:
دع ذا وعجل ذا وألحقنا بذل ... .................
فوقفوا على اللام, ولا تقف إلا على ما كان على حرفين, فلو كان المعرف اللام لكانت على حرف, فلا يوقف عليها.
وأجيب بأن العرب وقفت عليها- وإن كانت على حرف - لأنها قد نضاف لها حرف آخر لزمها حتى صارت على حرفين.
وقال الجمهور: الذي يقطع بأن الهمزة وصل أنها تحذف عند الوصل, فتقول: مررت بالرجل.
فإن قال: هي همزة قطع وقد حذفت تخفيفاً.

فالجواب: أن همزة القطع لا تحذف تخفيفاً إلا وهم يتكلمون بالأصل فيقولون: ويل أمه وويله, وأي سيء هذا وأيس هذا, فلو كان على زعمه حذفها تخفيفاً لصرح بالقطع يوماً ما , فقيل: بالرجل وإنما نسب الخليل التعريف |إليهما وإن لم يكن إلا اللام لما لزمتها لأنها على حرف واحد, وجعلها بمنزلة قد وأن في أنها منفصلة مما بعدها غير معتد من حروفه كما أن همزة أحمر من الاسم , فأشبهت قد في هذا الطريق.
وقالوا: ولكن الألف وألف أيمن, وهي موصولة. نص في أن المعرف اللام وحدها, إذ الألف/ وصل فليست من الحرف.
وقالوا: فإن قلت: ما الذي سوغ دخول لام التعريف في باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد؟
قيل: لأنه زعم أن الحرف الساكن إذا أريد التكلم به فإنما يكون مجتلباً إليه همزة الوصل, فزعم أن نظيره لام التعريف لأنها كانت ساكنة, فعندما أرادوا التكلم بها جاؤوا بهمزة الوصل.
وأما احتجاج المصنف للمذهب الذي زعم أنه مذهب الخليل, ونقل أصحابنا أنه مذهب ابن كيسان فقال: الصحيح عندي قول الخليل لسلامته من وجوه كثيرة مخالفة للأصل موجبة لعدم النظير:
أحدها: تصدير زيادة فيما لا أهلية فيه للزيادة وهو الحرف.
قلت: هذا لا يلزم قد زعم النحويون أن اللام الأولى في "لعل" زائدة فكذلك الهمزة في أل.
الثاني: وضع كلمة مستحقة للتصدير على حرف ساكن, ولا نظير لذلك.

قلت: ليس في هذا حجة لمذهب الخليل على زعمه, لأن ظاهر كلام س أن "أل" حرف ثنائي وضع على حرفين , أولهما همزة وصل ولا دليل فيما ذكر على صحة مذهب الخليل في أنها همزة قطع.
الثالث: افتتاح حرف بهمزة وصل, ولا نظير لذلك أيضاً.
قلت: وعدم النظير يلزم أيضاً في مذهب الخليل الذي ادعاه له, وهو أنه لا توجد همزة قطع يلتزم فيها الوصل دائماً فهذا أيضا لا نظير له.
الرابع: لزوم فتح همزة وصل بلا سبب, ولا نظير لذلك أيضا. قال:" ولاحترزت باللزوم ونفي السبب من همزة "أيمن" في القسم, فإنها تكسر وتفتح وكسرها هو الأصل , ففتحت لئلا ينتقل من كسر إلى ضمتين دون حاجز حصين , ولم تضم لئلا تتوالى الأمثال المستثقلة , فإن جعل سبب فتتح همزة حرف التعريف طلب التخفيف لأجل كثرة الاستعمال لزم محذور آخر وهو أن التخفيف مصلحة تتعلق باللفظ, فلا يرتب الحكم عليها إلا بشرط السلامة من مفسدة تتعلق بالمعنى كخوف اللبس, وهو هنا لازم لأن همزة الوصل إذا فتحت التبست بهمزة الاستفهام, فيحتاج الناطق بها إلى معاملتها بما لا يليق بها من إبدال أو تسهيل ليمتاز الاستفهام من الخبر, وذلك يستلزم وقوع البدل حيث لا يقع المبدل منه, لأن همزة الوصل لا تثبت إذا ابتدئ بغيرها فإذا أبدلت أو سهلت بعد همزة الاستفهام وقع بدلها حيث لا تقع هي وذلك ترجيح فرع على أصل أفضى إليه القول بأن همزة "أل" همزة وصل زائدة".
الخامس: أن المعهود الاستغناء عن همزة الوصل بالحركة المنقولة إلى الساكن , نحو: ر زيداً والأصل أراء زيداً ولم يفعل/ ذلك بلام التعريف المنقول إليه حركة إلا على شذوذ بل يبدأ بالهمزة في المشهور من قراءة

ورش في مثل (الآخرة) وذلك في مثل: ر زيداً لا يجوز أصلاً فلو كانت همزة أداة التعريف زائدة للوصل لك يبدأ بها مع النقل كما لا يبدأ بها في الفعل المذكور.
قلت: الفرق بين"أل" والفعل ظاهر, وذلك أن الفعل يتصرف فيه, كثيراً ويقع فيه التغير فناسب أن لا تقر همزته مع النقل بخلاف الحرف, فإنه لا يتصرف فيه , فكان إقرار همزته راجحاً على حذفها مع النقل, وقد جاء حذفها وليس بشاذ كما زعم بل هما طريقان للعرب وإن كانت إحداهما أشهر لما ذكرنا من أن "أل" حرف وأصل الحروف أن لا يتصرف فيها, والاعتداد بالعارض أقوى في الفعل منه في الحرف إذ هو تصرف كما ذكرنا.
السادس: أنه لو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل لم تقطع في: يا الله, ولا في قول بعضهم " افألله لأفعلن" بالقطع تعويضاً من حرف الجر, لأن همزة الوصل لا تقطع إلا في الاضطرار, وهذا الذي ذكرته قطع في الاختيار روجع به أصل متروك, ولو لم يكن مراجعة أصل لكان قولهم " أفأ لله لأفعلن" أقرب إلى الإجحاف منه إلى التعويض إذ في ذلك جمع بين حذف ما أصله أن يثبت وإثبات ما أصله أن يحذف فصح أن الهمزة المذكورة كهمزة أم وأن وأو ولكن التزم حذفها تخفيفاً إذا لم يبدأ بها ولم تل همزة استفهام, كما التزم أكثر العرب حذف عين المضارع والأمر من "رأى" وحذف فاء الأمر من أخذ وأكل وهمزة أم في ويلمه.
قلت: استدل على أنها همزة قطع بمجيئها مقطوعة في موضعين في يا ألله, وفي لأفعلن ومجيئها موصولة لا يمكن حصر أماكنها لكثرتها,

فاستدل بالأقل النادر الشاذ وتره الكثير المطرد. فأما "يا ألله" فليست واجبة القطع, بل قيل: يالله بحذفها وقيل بالقطع , والقطع شذوذ في القياس وقد احتمل الشذوذ في هذا الاسم بأن نودي, وفيه أل ومحسن ندائه أنها لا تنفك من الاسم. وأما "أفأ لله لأفعلن" فلاستغناء عن التعويض بقطع الهمزة قليل, ولا يجعل مثل هذين الموضعيين الشاذين الجائز معهما غيرهما من حذف الهمزة دليلاً على أن الأصل همزة قطع.
وأما قول المصنف " التزم حذفها تخفيفاً" فقد تقدم من قول الجمهور أن همزة القطع لا تحذف تخفيفاً إلا وهم يتكلمون بالأصل. والذي ينبغي أن يذهب إليه إجراء الشيء على ظاهره في الوضع, ولا يعدل عن الظاهر إلا لمرجح قوي يدل على خلاف الظاهر. وهذه الهمزة الظاهر أنها همزة وصل, وحكمها حكم همزات الوصل في غير "أل" وأما/ أنها تقطع ابتداء فهذا من ضرورة التكلم, وليس ذلك مختصاً بهمزة "أل" بل كل همزة وصل إذا ابتدئ بها قطعت.
وأما إبدالها وتسهيلها إذا تقدمنها همزة الاستفهام فذلك لمخافة التباس الاستفهام بالخبر, أترى أنه إذا لم يلتبس لم يثبت ولو كانت همزة قطع لثبتت مع همزة الاستفهام, ولجاز الفصل بينهما بألف كما جاز في همزات القطع , فهذا مما يدل على أنها همزة وصل.
قال المصنف:" واحتج بعض النحويين لسيبويه بأن قال: قد قيل: "مررت بالرجل" فتخطى العامل حرف التعريف فلو كان الأصل "أل" لكان في تقدير الانفصال, وكان يجب أن يقع قبل الجار كما أن الحروف التي لا تمتزج بالكلمة كذلك, ألا ترى أنك تقول: هل بزيد مررت؟ ولا تقول: بهل

زيد مررت, فلولا أن حرف التعريف بمنزلة الزاي من "زيد" ما تخطاه العامل.
والجواب: أن تقدير الانفصال لا يترتب على كثرة الحروف بل على إفادة معنى زائد على معنى المصحوب ولو كان المشعر به حرفاً واحداً كهمزة الاستفهام, فإنها- وإن كانت حرفاً واحدا- في تقدير الانفصال لكون ما تفيده من المعنى زائداً على معنى مصحوبها غير ممازج له وعدم تقدير الانفصال يترتب على إفادة معنى ممازج لمعنى المصحوب كـ "سوف" فإنها- وإن كانت على ثلاثة أحرف- غير مقدرة الانفصال لكون ما تفيده من المعنى ممازحاً لمعنى الفعل الذي تدخل عليه, فإنها تعينه للاستقبال, وذلك تكميل لدلالته. وهكذا حرف التعريف غير مقدر الانفصال- وإن كان على حرفين - لأن ما أفاده من المعنى مكمل لتعيين الاسم مسماه, فينزل منزلة الجزء من مصحوبة لفظاً كما ينزل منزلة الجزء معنى , إلا أن امتزاج حرف التعريف بالاسم أشد من امتزاج" سوف" بالفعل لوجهين:
أحدهما: أن معنى حرف التعريف لا يختص به بعض مدلول الاسم, بخلاف معنى سوف فإنه يختص بأحد مدلولي الفعل.
والثاني أن حرف التعريف يجعل الاسم المقرون بها شبيهاً بمفرد قصد به التعيين وضعاً كالمضمر واسم الإشارة والعلم المرتجل, فلا يقدح في الامتزاج المعنوي كون أحد الممازحين بحرفين أو أكثر, و"سوف" وإن مازج معناها معنى مصحوبها لكن لا تجعله شبيهاً بمفرد قصد به وضعاً ما قصد بها وبمصحوبها , لأن ذلك غير موجود, وقد يترتب على هذا امتناع الفصل بين حرف التعريف والمعرف به ووقوعه بين"سوف" والفعل المصاحب بها

كقول الشاعر:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم أل حصن أم نساء
وفعل ذلك أيضا بـ"قد" كقول الشاعر:
لقد أرسلوني في الكواعب راعياً ... فقد- وأبي- راعي الكواعب أفرس
أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحق أبي فسكن الياء, وفصل.
واحتج قوم على الخليل بأن قالوا: لما كان التنكير مدلولاً عليه بحرف واحد- وهو التنوين- كصة ومه وجب كون التعريف مدلولاً عليه بحرف واحد- وهو اللام- لأن الشيء يحمل على ضده كما يحمل على نظيره.
وهذا ضعيف جدا لأن الضدين قد يتفقان في العبارة مطلقاً كصعب يصعب صعوبة فهو صعب, وسهل يسهل سهولة فهو سها, وقد يختلفان مطلقاً كشبع شعباً فهو شبعان وجاع جوعاً فهو جائع وقد يتفقان من وجه ويختلفان مكن وجه, كرضي رضا فهو راض وسخط سخطاً فهو ساخط, والاختلاف أولى بهما ليكون سبيلهما في المعنى واللفظ واحداً. إن سلم حمل الشيء على ضده فبشرط تعذر حمله على نده فقد أمكن ما يحمل عليه, فتعين الجنوح إليه.
ونقول: التعريف نظير التأنيث في الفرعية فاشتركا في استحقاق علامة, والتنكير نظير التذكير في الأصالة فينبغي أن يشتركا في الخلو من علامة, فإن وضع للتنكير علامة فحقها أن تنقص عن علامة التعريف تنبيهاً

على أنه أحق بالعلامة لفرعيته وأصلة التنكير, وذلك موجب لكون علامة التعريف حرفين وهو المطلوب.
وأيضا فإن التعريف طارئ على التنكير طروء التثنية على الإفراد, فسوي بينهما بجعل علامة كل واحد منهما حرفين, يحذف أحدهما في حال دون حال.
وأيضا لما كانت"من" ذات حرفين ومدلولها العموم في نحو: ما فيها من رجل, وكان حرف التعريف نظيرها في العموم سوي بينهما, فكان حرف التعريف حرفين تسوية بين النظيرين. ولما كانت اللام تدغم في أربعة عشر حرفاً فيصير المعرف بها كأنه من المضاعف العين الذي فاؤه همزة, جعل أهل اليمن ومن داناهم بدلها ميماً, لأن الميم لا تدغم إلا في ميم" انتهى كلام المصنف.
وفي البسيط:" واختلف فيها على القول بزيادتها هل هي همزة أو ألف؟
فقيل: هي همزة ولذلك إذا دخلت عليها همزة الاستفهام لم تحرك للاعتماد على همزة الاستفهام , فلزم إثباتها فرقاً بين الاستفهام والخبر, فثبتت ساكنة فأبدلوها ألفاً على قياس البدل.
وقيل: هي ألف فتثبت مع ألف الاستفهام من غير بدل , لأنه لا حاجة إلى تحريكها لتصير همزة". و" آلة التعريف قيلا هو الألف واللام معاً". " وقال المحققون: إنها اللام خاصة" انتهى.

وقد طال/ الكلام في "أل" طولاً زائدا على الحد واختلافهم فيما لا يجدي شيئاً لأنه خلاف لا يؤدي نطقاً لفظياً ولا معنى كلامياً, وإنما ذلك هوس وتضييع ورق ومداد ووقت يسطر ذلك فيه , والخلاف إذا لم يفد اختلافاً في كيفية تركيب أو في معنى يعود إلى أقسام الكلام, وينبغي أن لا يتشاغل به, ومن طلب لوضع المفردات معنى معقولاً وعلة تقتضي له خصوصية ذلك اللفظ فهو بمعزل عن العقل, هذا لسان الفرس وضعوا علامة للتنكير ألفا ممالة إمالة محضة بحيث لا تفتح أصلاً, يقولون في رجل: مردا, وفي فرس: أسبا, ووضعوا حذف تلك الألف علامة للتعريف, فتقول في الرجل: مرد وفي الفرس: أسب , بحذف الألف. وهذا لسان البخمور الذي يسمى عند العامة بالبشمور وضعوا علامة للتعريف في المذكر باء مكسورة فيقولون: روم, أي: رجل, وبروم أي: الرجل, وهور أي: كلي وبهور أي: الكلب, ووضعوا علامة للتعريف في المؤنث دالاً مكسورة فيقولون: سيم أي: امرأة ودسيم أي: المرأة , وشادي: قطة, ودشاد أي: القطة. وهذا كله أمر وضعيا لا يعلل. كذلك مذهبنا في وضع المركبات أنها لا تعلل أيضا, وإنما نتكلم في ذلك على سبيل نقل ما قاله أهل هذا الفن فأنهم زادوا فيه على قدر الحاجة, أو على سبيل ما حملوه هذه الصناعة مما لا يحتاج إليه.

-[ص: فإن عهد مدلول مصحوبها بحضور حسي أو علمي فهي عهديه, وإلا فهي جنسية. فإن خلفها كل دون تجوز فهي للشمول مطلقا ويستثنى من مصحوبها وإذا أفرد فاعتبار لفظه فيما له من نعت وغيره أولى فإن خلفها تجوزاً فهي لشمول خصائص الجنس على سبيل المبالغة.]-
ش: عني بالحضور الحسي ما تقدم ذكره لفظاً فأعيد مصحوباً بآل, كقوله تعالى {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} أو كان

حاضراً مبصراً نحو قولك: " القرطاس" لمن سدد سهما.
وعنى بالحضور العلمي نحو قوله تعالى {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} و {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} و {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}، فالغار والوادي والشجرة لم يجر ذكرها قبل لفظًا، ولا هي حاضرة مبصرة حالة الخطاب بهذه الآيات.
وتحصل من كلام المصنف أن "أل" على قسمين: عهديه وجنسية وأن المعهود على قسمين: معهود ذكراً نحو: لقيت رجلاً فضربت الرجل, تريد: الرجل المعهود في الذكر قبل, وليس معهوداً لأنه نكرة. ومعهود علماً وهو ما بينك وبين المخاطب عهد فيه, وهذا التقسيم الذي قسمه المصنف ذهب إليه أكثر أصحابنا.
وذهب الأستاذ أبو الحجاج يوسف بن معزوز إلى أن / "أل" قسم واحد في التعريف وهي عهديه سواء أدخلت على واحد أن على اثنين , أو على ما يقع على الجنس, فإذا قلت " جاءني الرجل" فمعناه: الرجل الذي عهدت بيني وبينك أو ما أشبه هذا. وإذا قلت " الدنيا خير من الدرهم" فمعناه: هذا الذي عهدت بقلبي على شكل كذا خير من الذي عهدت على شكل كذا, فاللام للعهد أبداً لا تفارقه. انتهى وهو نص كلامه في رده على الزمخشري في قوله:" تعريف جنس أو تعريف عهد".

وذكر أصحابنا أنه يعرض في العهدية الغلبة ولمح الصفة فـ"أل" للغلبة كالتي في "البيت" يريدون: الكعبة والتي في " النجم" يريدون: الثريا فهذه دخلت لتعريف العهد, ثم حدثت الغلبة بعد ذلك. و"أل" للمح الصفة لم تدخل أولاً على الاسم للتعريف لأن الاسم علم في الأصل, ولكن لمح فيه معنى الوصف, فسقط تعريف العلمية منه وأنت إنما تريد شخصاً معلوماً فلم يكن بد من إدخال"أل" عليه لذلك.
وقوله وإلا فهي جنسية أي: وإلا يعهد مدلول مصحوبها بما ذكر فهي جنسية."أل" الجنسية هي التي تحدث في الاسم معنى الجنسية نحو"دينار" ينطلق على كل دينار على سبيل البدل, فإذا أدخلت عليه "أل" دلت على الشمول, بخلاف قولك "لبن" فإنه واقع على جنس اللبن فإذا قلت "اللبن فـ"أل" عرفت الجنس ولم تصيره جنساً بل دخلت لتعريف الجنس , هكذا قاله الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وقرره.
نازعه بعض تلاميذه الأذكياء فقال: الذي يظهر أن"أل" في اللبن والدينار سواء, وأن "أل" إذا دخلت على كلي فتلك التي للجنس وإذا دخلت على شخصي فتلك للعهد, ولم يقل أحد في الاسم النكرة إنه يدل على الكلي, نحو"لبن" وإنما يتناول الجميع بصدقه على الآحاد على البدل, وإنما الذي يصير يعطي الكلي المعرف بالألف واللام إذا اقترنت به قرينة تدل على ذلك, فإنه قد يقول: الدينار ويشير إلى شخص منها بعينه, واللبن ويشير إلى قطعة بعينها فإذا قلت: اللبن أسوغ من العسل أو الدينار أنفس من الدرهم فهم المعنى الكلي.

وقال الأستاذ أبو الحسن:" تقول "اللبن" والماء" في الجنسية ولم يتقدم بينك وبين مخاطبك عهد في جنس الماء واللبن, فتحيله على ذلك, وإنما أدخلت الألف واللام لأنك تعلم أن هذين الجنسين معلومان عند كل أحد, ولا يبعد عندي أن تسمى الألف واللام اللتان لتعريف الجنس عهديتين لأن الأجناس عند العقلاء معلومة مذ فهموها, والعهد تقدم المعرفة فالأجناس إذا في نفوسهم معهودة , وإنما الذي يمتنع أن تسمى معهودة/ بمعنى أنها تقدم فيها عهد بين المخاطب والمخاطب وهو الذي أراد أبو موسى بالعهد, فكأنه قال: لا في معرض الحوالة على شيء معهود بينك وبين مخاطبك" انتهى.
قال ذلك التلميذ: "إنما سماها- يعني الجزولي - جنسيتين لخاصية إعطاء الجنس بهما, ولو كان كما ذكر الأستاذ - يعني أبا الحسن- لم يكن بينها وبين العهديتين فرق, والفرق بينهما أن الشخصيتين دخلتا في اسم متقدم فيه عهد بينك وبين مخاطبك مع استقلال الاسم دونهما بإفادته , والجنسيتان دخلتا في اسم لم يكن له استقلال بإفادة الجنس دونهما فلهما من إعطاء الاسم الكلي جزء دلالة, والشخصيتان أصبحتا المعهود خاصة ولم تدل مع الاسم عليه" انتهى كلامه.
قال أبو موسى: " ويعرض في الجنسية الحضور" وإنما جعل"أل" التي للحضور هي الجنسية من جهة أنك إذا قلت " خرجت فإذا الأسد" فليس بينك وبين مخاطبك عهد في أسد مخصوص وإنما أردت: خرجت فإذا هذه الحقيقة فدخلت "أل" لتعريف الحقيقة لأن حقيقة الأسد معروفة عند الناس,

واسم الجنس معلق على الحقيقة ولذلك يقع على ما قل وكثر منها, فـ"لبن" يقع على جميع اللبن ويقع على القطعة منه, لأن حقيقة اللبن موجودة في القطعة من اللبن كما هي موجودة في جميع اللبن.
وذكروا أن "أل" للحضور تكون في أربعة مواضيع:
أحدها: بعد إذا الفجائية نجو: خرجت فإذا بالأسد.
الثاني: أن تقع بعد أسماء الإشارة نحو: مررت بهذا الرجل.
الثالث: في النداء في نحو: يأيها الرجل.
والرابع: في نحو الآن والساعة وما في معناها من الزمان الحاضر.
وماعدا ما ذكر لا تكون فيه للحضور إلا أن يقوم دليل على ذلك نحو قول الشاعر:
فأنت طلاق, والطلاق عزيمة ... ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
في رواية من رفع ثلاثاً إذا لا يمكن أن يريد جنس الطلاق فإن جنسه ليس عزيمة وثلاثاً فلم يبق إلا أن يريد الطلاق الواقع في الزمان الحاضر الذي ليس يعطيه قولك"فأنت طلاق" كأنه قال: وطلاقي هذا عزيمة ثلاث.
وقد قسم بعض أصحابنا "أل" ستة أقسام:
الأول: أن تكون لتعريف العهد في شخص أو جنس

الثاني: أن تكون لتعريف الحضور.
الثالث: أن تكون للغلبة.
الرابع: أن تكون للمح الصفة.
الخامس: أن تكون بمعنى الذي والتي.
السادس: أن تكون زائدة.
فهذه أقسام لـ"أل" وعلى هذا التقسيم لا يقال: يعرض في الجنسية الحضور, ولا يقال: يعرض في العهدية الغلبة ولمح الصفة لأن قسماً من الشيء لا يكون قسيماً له.
وقوله فإن خلفها كل دون تجوز فهي للشمول/ مطلقاً مثال ذلك قوله تعالى {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} ويعني بقوله"مطلقاً" عموم الأفراد والخصائص ويصح تقديره: خلق كل إنسان ضعيفاً.
وقوله ويستثنى من مصحوبها مثاله {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا} فلولا أن أداة التعريف اقتضت شمول الحقيقة والإحاطة بأفرادها لم يستثن {الَّذِينَ آمَنُوا} من المعرف بها, وهو الإنسان.
وقوله وإذا أفرد فاعتبار لفظه فيما له من نعت وغيره أولى إنما قال" وإذا أفرد" لأن "أل" تدخل على المثنى وعلى المجموع وتكون فيه للجنس, فمثال دخولها على المثنى قولهم: نعم الرجلان الزيدان فأل جنسية وقد دخلت على المثنى وقال الشاعر:
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام

ومثال دخولها على الجمع {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} وهو كثير. ومثال موافقة لفظ الإفراد قوله تعالى {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} , {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} ومثال موافقة المعنى دون اللفظ- وهي قليلة- قوله تعالى {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا} وحكي الأخفش: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض, فهذا مثال النعت. ومثال غير النعت أن يكون خبراً أو في حيز الخبر أو حالاً نحو قولك: هذا الدينار حمر: أي هذه الدنانير حمر' وقولك: ما هو من الأحد أي: من الناس وأنشد اللحياني:
وليس يظلمني في وصل غانية إلا كعمرو وما عمرو من الأحد
قال اللحياني:" فلو قلت: ما هو من الإنسان , تريد: من الناس , أصبت".
وقوله فإن خلفها تجوزاً إلى آخره مثاله: زيد الرجل بمعنى: الكامل الرجولية الجامع لخصائصها فإن هذا تجوز لأجل المبالغة ويستعملون كلا بهذا المعنى تابعاً وغير تابع فيقولون: زيد كل الرجل وزيد الرجل كل الرجل.
ص: وقد تعرض زيادتها في علم وحال وتمييز ومضاف إليه تمييز, وربما زيدت فلزمت. والبدلية في نحو" ما يحسن بالرجل خير منك" أولى من

النعت والزيادة. وقد تقوم في غير الصلة مقام الضمير.
ش: مثال ذلك في العلم قول الشاعر:
باعد أم لعمرو من أسيرها حراس أبواب على قصورها
وقول الآخر:
عوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في ليل البلابل صفوان
وقول الآخر:
أما دماء لا تزال مراقة ... على قنة العزى وبالنسر عندما
وقال الآخر:
ولقد جنينك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
يريد: أم عمرو ومن مثل عوير وبنسر- وهم صنم - وعن بنات أوبر.
ومثال زيادتها في الحال قراءة بعضهم {لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} أي: ليخرجن العزيز منها ذليلاً وقال بعض العرب:" ادخلوا الأول

فالأول" أي: أولا فأولاً وقال الشاعر:
دمت الحميد فما تنفك منتصرا ... على العدا في سبيل المجد والكرم
فزاد"أل" في الحال. وهذا مذهب الجمهور.
وذهب بعض النحويين إلى أن الحال تكون معرفة ونكرة فعلى مذهب هذا لا تكون "أل" زائدة في الحال.
ومثال زيادتها في التمييز قول الشاعر:
رأيتك لما أن عرفت وجوهنا ... صددت وطبت النفس ياقيس عن عمرو
ومنه الحديث "أن امرأة كانت تراق الدماء" وحكي البغداديون: " الخمسة العشر الدرهم".
ومثال زيادتها فيما أضيف إليه تمييز قول الشاعر

إلى رُدُحٍ ممن الشيزى ملاء لباب البر يلبك بالشهاد
وزيادتها في التمييز هو على مذهب البصريين وأما الكوفيون فيجيزون تعريف التمييز, فلا تكون "أل" عندهم زائدة.
وقوله وربما زيدت فلزمت قال المصنف في الشرح: "أشرت إلى نحو اليسع والآن والذي" انتهى. أما "الآن" فذكر أصحابنا أن "أل" ليست زائدة بل هي للحضور وأما "الذي" ففيه خلاف فمن زعم أن الموصول يعرف بآل معرفة فيه.
وقوله والبدلية إلى آخر المسألة قال المصنف في الشرح:" زعم الخليل إنه إنما جر هذا على نية الألف واللام ولكنه موضع لا تدخله كما كان "الجماء الغفير" منصوباً على نية إلقاء الألف واللام, نحو: طرا قاطبة فحكم الخليل في المقرون بالألف واللام المتبع بـ"مثلك" وخير منك" بتعريف المنعوت والنعت.
وذهب أبو الحسن إلى أنهما نكرتان وأن الألف واللام زائدتان في نية الاطراح" قال:"وعندي أن أسهل مما ذهبا إليه الحكم بالبدلية وتقرير المتبوع والتابع على ظاهرهما" انتهى. فيكون بدل نكرة من معرفة لكن البدل بالمشتقات ضعيف, فهذا الذي حمل الخليل والأخفش على ما ذهبا

إليه وباب البدل إنما يكون/ بالجوامد.
وقوله وقد تقوم إلى آخره قال المصنف:" أشرت إلى نحو: مررت برجل حسن الوجه بتنوين حسن ورفع الوجه على معنى: حسن وجهه, فالألف واللام عوض من الضمير وبهذا التعويض قال الكوفيون وبعض البصريين" انتهى. وهذه المسألة أشبع الكلام فيها هنا المصنف وأخرناها نحن إلى بابها" باب الصفة المشبهة باسم الفاعل".
قال المصنف:" لما كان حرف التعريف بإجماع مغنياً عن الضمير في نحو: مررت برجل فأكرمت الرجل جاز أن يغني عنه في غير ذلك لاستوائهما في تعيين الأول" انتهى.
وهذه غفلة لم تغن"أل" عن الضمير في: فأكرمت الرجل بل "أل" وما دخلت عليه هي التي أغنت عن الضمير, وقامت مقامه وهذا بخلاف: مررت برجل حسن الوجه, فإن "أل" وحدها قامت مقام الضمير فقوله"إن حرف التعريف بإجماع مغن عن الضمير" فيما ذكر كلام ساقط.
وشمل قوله " في غير الصلة" مسألة باب الصفة المشبهة باسم الفاعل, ونحو قوله: ضرب زيد الظهر والبطن وقوله تعالى {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى} , {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى}. ومن لا يرى ذلك جعل الضمير محذوفاً وسيأتي الكلام في هذه المسألة في " باب الصفة المشبهة".
وقوله في غير الصلة احتراز من الصلة نحو قولهم:"أبو سعيد الذي

رَوَيت عن الخدري" تريد: رويت عنه, وهذا لا يطرد, وهو أن يكون الظاهر الذي هو الموصول في المعنى يقوم مقام الضمير, وليس على ما ذكر المصنف من أن "أل" تقوم في الصلة مقام الضمير, بل القائم مقامه هو الاسم الذي فيه "أل", فليست هذه المسألة, ولا مررت برجل فأكرمت الرجل, نظير: مررت برجل حسن الوجه, ولا} فَإنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَاوَى {؛ لأنها هنا وحدها قامت مقام الضمير, وهناك قام الاسم المعرف بها مقام الضمير, فهذا فرق ما بين المسألتين, وقد بيناه.

-[ص: فصل
مدلول إعراب الاسم ما هو به عمدة, أو فضلة, أو بينهما, فالرفع للعمدة, وهي: مبتدأ, أو خبر, أو فاعل, أو نائبه, أو شبيه به لفظا, وأصلها المبتدأ, أو الفاعل, أو كلاهما أصل. والنصب للفضلة, وهي: مفعول مطلق, أو مقيد, أو مستثنى, أو حال, أو تمييز, أو مشبه بالمفعول به. والجر لما بين العمدة والفضلة, وهو المضاف إليه. وألحق من العمد بالفضلات المنصوب في باب: كان, وإن, ولا.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "العمدة عبارة عما لا يسوغ حذفه من أجزاء الكلام إلا بدليل يقول مقام اللفظ به" انتهى.
وهذا كلام مدخول لأن لنا من أجزاء الكلام ما يسوغ حذفه لدليل, ولا يسمى عمدة, ولنا من أجزاء الكلام ما لا يسوغ حذفه ولو كان عليه دليل, ويسمى عمدة:
فمثال الأول "الفعل", فإنه يسوغ حذفه لدليل, ولا يسمى عمدة/, فإذا قلت "زيد" في جواب "أجاءك أحد"؟ فالتقدير: جاءني زيد, فـ (جاءني" جزء الكلام, وقد ساغ حذفه لدليل, ولا يسمى عمدة.
ومثال الثاني "الفاعل" و "المفعول الذي لم يسم فاعله", فإن كلا منهما

يسمى عمدة, ولا يسوغ حذفه لدليل.
وكذلك يلزم أيضا من قوله أن يكون بعض الحروف عمدة, وذلك أنه من أجزاء الكلام, ولا يسوغ حذفه إلا بدليل, نحو حرف النداء وهمزة الاستفهام وغيرهما.
وقال أيضا: "الفضلة عبارة عمارة عما يسوغ حذفه مطلقا إلا لعارض". يرد عليه بعض العمد الذي يسوغ حذفه مطلقا إلا لعارض, فمن ذلك المبتدأ في قطع النعوت, والخبر في نحو: لولا زيد لأكرمتك.
وقوله فالرفع للعمدة قال في الشرح: "لما كان الاهتمام بالعمدة أشد من الاهتمام بغيرها جعل إعرابه الرفع؛ لأن علامته الأصلية ضمة, وهي أظهر الحركات. وإنما قلنا هي أظهر الحركات لوجهين:
أحدهما: أنها من الواو, ومخرجها من الشفتين, وهو مخرج ظاهر؛ بخلاف الفتحة والكسرة, فإنهما من الألف والياء, ومخرجاهما من باطن الفم.
والثاني: أن الضمة يمكن الإشارة إليها بالإشمام عند سكون ما هي فيه وقفا وإدغاما بخلاف غيرها".
وقوله أو خبر يشمل خبر المبتدأ وخبر "إن" وأخواتها.
وقوله أو شبيه به يعني شبيه بالفاعل, وهو اسم "كان" وأخواتها.
وقوله وأصلها المبتدأ أي: وأصل العمدة المبتدأ, أو الفاعل, أو

كلاهما أصل, هذه أقوال للنحاة, وهو خلاف لا يجدي شيئا.
وقوله والنصب للفضلة لما جعلت الضمة للعمدة والكسرة للمتوسط بين العمدة والفضلة تعينت الفتحة للفضلة.
وقوله مفعول مطلق عنى به المصدر مؤكدا كان أو مبينا لنوع أو عدد.
وقوله أو مقيد عنى به المفعول به, والمفعول فيه, والمفعول من أجله, والمفعول معه.
وقوله أو شبيه بالمفعول به هو ما انتصب على سبيل الاتساع من ظرف, أو مصدر, أو مرفوع في باب الصفة المشبهة.
وقوله والجر لما بين العمدة والفضلة, وهو المضاف إليه إنما كان بينهما لأنه في موضع يكمل العمدة, نحو: جاء عبد الله, وفي موضع يكمل الفضلة, نحو: أكرمت عبد الله, وفي موضع يقع فضلة, نحو: زيد ضارب عمرو. ولما كانت الكسرة تشبه الضمة جعلت علما للمضاف إليه؛ لأنه قد يكمل العمدة, ولأنها متوسطة بين الثقل والخفة, فجعلت للمتوسط بين العمدة والفضلة. وهذه العلل في اختصاص العمدة بالضمة, والفضلة بالفتحة, وما بينهما بالكسرة, ذكرها المصنف وغيره, وهي غير محتاج إليها.
وقد حصر/ المصنف المرفوعات والمنصوبات والمجرور فيما ذكره هنا. فأما المرفوعات فذكر الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن الاسم يرفع إذا كان لمجرد عدد, وكان معطوفا على غيره, أو معطوفا عليه غيره, ولم يدخل عليه عامل لا في اللفظ ولا في التقدير, مثال ذلك: واحد واثنان وثلاثة وأربعة, فلو كان عاريا من عطفية كان موقوفا, نحو: واحد اثنان ثلاثة

أربعة, وكأن التركيب الذي حدث فيه بالعطف قام مقام العامل في حدوث هذه الضمة.
والعجب للأستاذ أنه ذكر هذا في باب ما يدخل المعرب فيه لقب من ألقاب الإعراب, وقد قرر قبل أن الإعراب هو تغير آخر الكلمة لأجل العامل الداخل عليها في الكلام الذي هي فيه. فكيف يكون إعراب بلا عامل؟ هذا تناقض.
والذي ينبغي أن يذهب إليه أن هذه التي في العدد المعطوف أو المعطوف عليه ليست حركات إعراب, وهي شبيهة بحركات الإعراب, وحدثت عند حصول هذا التركيب العطفي. ومن قال إن الإعراب حادث عن عامل لا يمكن أن يقول في هذه إنها حركات إعراب.
وعد البصريون في المرفوعات اسم ما الحجازية والتابع لمرفوع أو لجار مجرى المرفوع, ولم يعدهما المصنف.
وأما الكوفيون فأنكروا ارتفاع الاسم "بـ ما", وزعموا أنه مرفوع بالابتداء. ويرتفع الاسم عندهم من ثمانية عشر وجعها ترجع إلى ما ذكره البصريون إلا موضوعين:
أحدهما: ما ذكره الفراء من أن "لولا" الامتناعية يرتفع الاسم بها, وقد تكلمنا معه على ذلك في شرحنا الفصل الذي فيه حروف التخصيص من هذا الكتاب في "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك".

والثاني: أن الاسم يرتفع بظرف قد رفع غيره, أو باسم غير ظرف قد رفع غيره, فأما الظرف فإذا كان قد ناب مناب ظرفين من جهة المعنى, وذلك قولك: زيد حيث عمرو, فزيد وعمرو يرتفعان بـ "حيث" لأن معناه: زيد في مكان فيه عمرو, فلما خلفت "حيث" الظرفين رفعت الاسمين اللذين كانا مرتفعين بهما. وأما البصريون فـ "عمرو" عندهم مرفوع بالابتداء, والخبر محذوف لدلالة المعنى عليه.
وقال ابن كيسان: "حيث" يرتفع الاسم بعده على الابتداء, كقولك: قمت حيث زيد قائم. وأهل الكوفة يجيزون حذف "قائم", ويرفعون بـ "حيث" زيدا, فإذا أظهروا "قائما" بعد "زيد" أجازوا فيه الوجهين الرفع والنصب, يقولون: قامت مقام صفتين, والمعنى: زيد في موضع فيه عمرو, فعمرو يرتفع بـ "فيه", وهو صلة للموضع, وزيد مرفوع بـ "في" الأول, وهو خبره, وليست بصلة لشيء. قال: وأهل البصرة يقولون: حيث مضافة إلى جملة/ لم تخفض لذلك.
وأما الاسم غير الظرف الذي رفع غيره فكل اسم مشتق وقع خبرا لمبدأ أو لما أصله المبتدأ, نحو: زيد قائم, فزيد مرتفع بقائم, وقائم قد رفع الضمير المستكن فيه العائد على "زيد" ولو قدرته خلفا من موصوف رفع المبتدأ, واستتر فيه ضميران: أحدهما للمبتدأ, والآخر ضمير الموصوف الذي صار خلفا منه. فإن قلت "زيد القائم" فزيد مرفوع بالقائم, والقائم فيه ضميران: أحدهما للمبتدأ, والآخر لـ "أل", فلو جعلته خلفا لموصوف رفع أربعة أشياء: أحدها المبتدأ, والثاني ضمير المبتدأ, والثالث الضمير العائد على الموصوف الذي صار خلفا منه, والرابع الضمير العائد على "أل", وكذلك في "كان". وإذا أكدوا مثل "كان زيد القائم" على أنه خلف من موصوف, ويحمل ثلاثة ضمائر, قالوا: كان زيد القائم نفسه نفسه نفسه.
وزاد الأعلم في وجوه الرفع بالإهمال, وجعل من ذلك قوله

تعالى {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيم} , فارتفاع (إبراهيم) عنده بالإهمال من العوامل.
والذي يجرى مجرى المرفوع المشبه بالمرفوع نحو: يا زيد الظريف. والمحكوم به بحكمة نحو: قام هؤلاء العقلاء, ويا أيها العقلاء. وما هو في موضع رفع نحو: ما جاءني من رجل عاقل. وما هو مرفوع مقدار نحو: زيد يضرب وخارج. ومرفوع في المعنى نحو: ما قام غير زيد وعمرو, أي: ما قام إلا زيد وعمرو, هكذا عدوه, وعندي أن هذا هو عطف على توهم: ما قام إلا زيد. وجعل الكوفيون من هذا القبيل: ضارب زيد هندا العاقلة, برفع "العاقلة".
وأما المنصوبات فعد البصريون منها خبر "ما" الحجازية, وخبر "لا" و "لات" أختيها, واسم "لا" التبرئة, واسم "ألا" للمتني, واسم "إن" وأخواتها, وتابعا لمنصوب.
وأنكر الكوفيون انتصاب الاسم على أنه خبر "ما", وزعموا أن الاسم ينتصب من ثمانية عشر وجها, كلها ترجع إلى ما ذكره البصريون إلا ثلاثة:
أحدها أن الاسم ينتصب على القطع, نحو: جاء زيد أزرق, يريدون: الأزرق, فقطع عن الإتباع, وانتصب بسقوط الألف واللام. وأنكر الفراء ذلك حيث لا يراد التأكيد. وممن أجاز ذلك هشام.
والثاني: النصب على الخلاف, نحو: لو تركت والأسد لأكلك. وهذا عند البصريين مفعول معه.

والثالث: انتصاب الخبر بعد "ما" الحجازية بسقوط الباء.
وزاد السهيلي في وجوه النصب انتصاب الاسم على أنه مفعول به من جهة المعنى وإن لم يعمل فيه عامل لفظي, وذلك في باب/ الإغراء.
وزاد ابن الطراوة النصب بالقصد, وذلك في باب الاشتغال, نحو: زيدا ضربته.
والذي يجري مجرى المنصوب ما كان مشبها بالمنصوب, نحو: لا رجل ظريفا عندك, أو محكوما له بحكمه, نحو: رأيت هؤلاء العقلاء, أو في موضع نصب, نحو: ما رأيت من رجل ولا امرأة, أو منصوبا مقدرا نحو قوله:
فألقيته يوما يبير عدوه وبحر عطاء يستخف المعابرا
أي: مبيرا عدوه.
وزعم الكوفيون أن الاسم قد ينتصب لكون متبوعه مفعولا من حيث المعنى, نحو: ضارب زيد هندا العاقل, بنصب العاقل.
وأما المجرورات فيجر الاسم بالحرف, أو بالإضافة, أو بكونه تابعا لمجرور, أو لما جرى مجرى المجرور. والجاري مجرى المجرور أن يكون محكوما له بحكم المجرور, نحو: مررت بخمسة عشر رجلا كرام. أو مخفوضا مقدرا نحو قوله:
بات يعيشها بغضب باتر يقصد في أسوقها وجائر

أي: قاصد في أسوقها وجائر. أو متوهما خفضه, نحو:
بدالي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
توهم دخول الباء في "مدرك", فعطف على التوهم: ولا سابق.

الصفحات [217] [218] [219] [220] [221] [222] [223] [224] [225] [226] [227] [228] [229] [230] [231] [232] [233] [234] [235] [236] [237] [238] [239] [240] [241] [242] [243] [244] [245] [246] [247] [248] [249]  المجلد[3]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب إعراب الصحيح الآخر

العنوان الحالي : باب المعرف بالأداة

العنوان التالي : باب المبتدأ  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة