التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

 


/ص: باب المبتدأ
وهو ما عدم حقيقة أو حكما عاملا لفظيا من مخبر عنه, أو وصف سابق رافع ما انفصل وأغنى, والابتداء كون ذلك كذلك, وهو يرفع المبتدأ, والمبتدأ الخبر, خلافا لمن رفعهما به أو بتجردهما للإسناد, أو رفع بالابتداء المبتدأ وبهما الخبر, أو قال ترافعا. ولا خبر للوصف المذكور لشدة شبهه بالفعل, ولذلك لا يصغر ولا يوصف ولا يعرف ولا يثنى ولا يجمع إلا على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة". ولا يجري ذلك المجرى باستحسان إلا بعد استفهام أو نفي, خلافا للأخفش, وأجري في ذلك "غير قائم" مجرى "ما قائم".
ش: قوله "ما" يشمل الاسم والمقدر به, نحو} وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ {أي: صومكم. ويشمل المخبر عنه في نحو: زيد قائم, والوصف الذي ذكر نحو: ما قائم الزيدان, فزيد وقائم لم يدخل عليهما عامل لفظي حقيبة. والذي لم يدخل عليه عامل لفظي حكما هو ما جر بـ "من" الزائدة أو بالباء, نحو} هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ {و: بحسبك درهم, فـ (خالق) و "حسبك" مبتدآن, وقد عدما عاملا لفظيا حكما لا حقيقة لأنهما قد دخل عليهما عامل لفظي حقيقة, لكنه جعل دخوله كلا دخول, ولا يختص ذلك

بحرف الجر الزائد كما ذكره المصنف وغيره، بل من الحروف ما ليس بزائد، وجعل حكمه في دخوله على المبتدأ حكم الحرف الزائد، وذلك "رب"، تقول: رب رجل عالم أفادنا، فـ "رجل" موضعه رفع بالابتداء، وهو مبتدأ، وقد جر بحرف جر غير زائد، وسيذكر ذلك في "حروف الجر" إن شاء الله.
وشمل قوله "من مخبر عنه" ما أخبر عن لفظه نحو: زيد ثلاثي، و {وأَن تَصُومُوا} ناصب ومنصوب، وعن مدلوله نحو: ويد قائم، و {وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: صومكم، فـ "خير" خبر عن (أن تصوموا) باعتبار المعنى.
قال المصنف في الشرح: "ومن الإخبار باعتبار المعنى والمخبر عنه في اللفظ غير اسم قوله تعالى (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) أي: سواء عليهم الإنذار وعدمه" انتهى.
وظاهر كلام المصنف أن (سواء) خبر مقدم، والجملة في موضع المبتدأ. وقد أجازوا العكس، وهو أن يكون (سواء) مبتدأ، والجملة موضع الخبر. والقولان عن أبي علي الفارسي. وقال في "الإغفال": (سواء) مبتدأ، والجملة خبره، ولم تحتج لضمير لأنها المبتدأ في المعنى والتأويل. وبه قال الزجاج.
وأجاز بعض النحويين أن يكون (سواء) مبتدأ، والجملة في موضع/ الفاعل المغني عن الخبر، والتقدير: استوى عندي أقمت أم قعدت،

فيكون نحو قولهم "نولك أن تفعل" لما كان في معنى "ينبغي".
وأكثر ما جاء "سواء" بعده الجملة المصدرة بالهمزة المعادلة بـ "أم"، وقد تحذف تلك الجملة للدلالة عليها، نحو قوله تعالى (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) أي: سواء عليكم أصبرتم أم لم تصبروا.
ويأتي بعدها الجملة الفعلية المتسلطة على اسم الاستفهام، نحو: سواء على أي الرجال ضربت، قال:
سواء عليه أي حين أتيته أساعة نحس تتقى أم بأسعد
وقد جاء بعد ما عري عن الاستفهام، وهو الأصل، قال:
....... سواء صحيحات العيون وعورها
وأشعر قول المصنف "عاملًا لفظيًا" بان له عاملًا معنويًا.
وقوله من مخبر عنه احتراز من المضارع العاري من ناصب وجازم، فإنه يصدق عليه أنه عدم عاملًا لفظيًا حقيقة.
وقوله أو وصف المراد ما كان كضارب ومضروب من الأسماء المشتقة أو الجاري مجراها باطراد، نحو: أقائم الزيدان؟ وما مضروب العمرون، وما ذاهبة جاريتاك، وما قرشي أبواك، وما كريمةٌ نساؤكم،

وأقرشي قومك؟ وأقرشي أبواك؟ قال س: "ومن قال: أذهب فلانة؟ قال: أذهب فلانة؟ وأحاضر القاضي امرأة؟.
ويرد على المصنف مسألة "لا نؤلك أن تفعل"، فإن "نؤلك" ليس وصفًا، وقد جعلوه بمنزلة: أقائك الزيدان؟، فنولك: مبتدأ، وأن تفعل: فاعل به؛ إذ معناه: لا ينبغي لك أن تفعل. وقد حكي "نؤلك أن تفعل" دون "لا"، بمعنى: ينبغي لك أن تفعل، فهو من باب "قائم الزيدان" في مذهب أبي الحسن.
وقوله سابق احتراز من نحو: أخواك خارج أبوهما.
وقوله رافع يشمل ما رفع الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله.
وقوله ما انفصل احتراز من المتصل، فإن هذا الوصف المبتدأ لا يسد الضمير المتصل فيه مسد الخبر. وشمل قوله "ما انفصل" الاسم الظاهر، نحو قول الشاعر:
أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعنًا إن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا
وقال آخر:
أمرتجع لي مثل أيام حنة وأيام ذي قار على الرواجع
والضمير المنفصل. وفي هذا الوصف الضمير المنفصل خلاف:

ذهب البصريون إلى جواز ذلك، فيقولون: أذاهب أنتما؟ وما ذاهب أنتم.
وذهب/ الكوفيون إلى منع ذلك، فإذا قلت: أقائم أنت؟ جعلوا قائمًا خبرًا مقدمًا، وأنت مبتدأ. والبصريون يجيزون هذا الوجه، ويجيزون أن يكون أنت فاعلًا بقائم. وثمرة الخلاف تظهر في التثنية والجمع، فالكوفيون لا يجيزون إلا: أقائمان أنتما؟ وأقائمون أنتم؟
واحتج الكوفيون لمذهبهم بأن هذا الوصف إذا رفع الفاعل الساد مسد الخبر كان جاريًا مجري الفعل، والفعل لا ينفصل منه الضمير في قولك: أيقومان؟ وأيقومون؟ فلا ينبغي أن ينفصل مما جرى مجراه، وإن لم يجز انفصاله وجب أن يقال: أقائمان أنتما؟ وأقائمون أنتم؟ حتى يكون الضمير الذي في "قائم" متصلًا به كاتصاله بالفعل في أيقومان؟ وأيقومون؟ إلا أن الفعل مستقل بنفسه، والاسم الذي فيه ضمير مستتر غير مستقل بنفسه، فلذلك احتاج إلى مرافع، وهو أنتما وأنتم.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون. واستدلوا على ذلك بالقياس والسماع.
أما القياس فهو أن الصفة إذا جرت على غير من هي له برز منها الضمير المرفوع بها، نحو: زيد هند ضاربها هو، بلا خلاف بين أحد من النحويين في جواز ذلك، مع أنها إذ ذاك جارية مجرى الفعل، ولو وقع الفعل موقعه لم يبرز الضمير فيه، بل كنت تقول: زيد هند يضربها. فكما خالف اسم الفاعل الفعل في هذا الموضع مع أنه جار مجراه، فكذلك لا ينكر أن يخالف اسم الفاعل الفعل بانفصال الضمير منه في "أقائم أنتما" وشبهه.

وأما السماع فقول الشاعر:
خليلي ما واف بعهدي أنتما إذا لم تكونا لي على من أقطاع
وقول الآخر:
فما باسط خيرًا، ولا دافع أذى من الناس إلا أنتم آل دارم
في "أنتما" مرفوع بـ "واف"، و"أنتم" مرفوع بـ "باسط" أو بـ "دافع"، وهما ضميران منفصلان لم يطابقا الوصف، فلو عطفت على هذا الوصف بـ "بل" انفصل الضمير، فتقول: أقائم الزيدان بل قاعد هما؟ قاله المزني. ولو قال قائل "زيد قائم" لجاز أن تقول منكرًا عليه: أقائم هو؟ ترفع "هو" بـ "قائم". وتقول: "أقائم أخواك أم قاعد؟ هذا القياس والوجه. وحكى أبو عثمان: "أم قاعدان"، فأضمر المتصل على حد ما يضمر في اسم الفاعل، وعلى هذا قول الشاعر:
أناسية ما كان بيني وبينها وتاركة عقد الوفاء ظلوم
فأيهما أعمل في "مظلوم" من اسمي الفاعل لزم الإضمار في الآخر منفصلًا، لكن البيت/ جاء على ما حكاه أوب عثمان.
وقوله وأغنى يغني وأغنى عن الخبر. واحترز من نحو: أقائم أبواه زيد؟ فإن الفاعل فيه غير مغن، إذ لا يحسن السكوت عليه، فزيد: مبتدأ، وقائم: خبر مقدم، وأواه: مرتفع به. قال المصنف: "ويجوز أن يكون "قائم"

مبتدأ و"زيد" خبر، مع أن قائمًا نكرة وزيد معرفة، كما قال س في: مررت برجل خير منه أبوه، فـ "خير" عنده مبتدأ، و"أبوه" خبره. ويأتي بيان مثل هذا إن شاء الله".
وأورد على المصنف أنه إذا كان "أقائم" مبتدأ، و"أبواه" فاعل به، و"زبد" خبر "أقائم"، لزم من ذلك أن يكون المبتدأ قد اشتمل بمتعلقة على ضمير يعود على الخبر، وهو متأخر لفظًا ورتبة، وذلك لا يجوز لأنه ليس من المواضع التي يفسر فيها الضمير ما بعده.
واعترض على هذا الرد بأنه مثل ما أجاز أبو الفتح في قولهم: "ضرب غلامه زيدًا"؛ لأن الضمير فيه عاد على ما بعده لفظًا ورتبة، وهو المفعول لأنه متأخر لفظًا ورتبة.
وقد ذهل المصنف والراد عليه والمعترض عن قاعدة في الباب، وهو أن هذا الوصف القائم مقام الفعل لا يكون مبتدأ حتى يكون مرفوعة أغنى عن الخبر؛ لأن مرفوعة هو المحدث عنه، فلا يجتمع هو وخبر عن الوصف، و"أبواه" في هذه الصورة لا يغني عن الخبر لأنه لا يستقل مع الوصف كلامًا من حيث الضمير، فلا يجوز في الوصف أن يكون مبتدأ البتة، فيتعين أن يكون خبرًا مقدمًا، و"أبواه" فاعل به، و"زيد" مبتدأ.
وهذا الحد الذي ذكره المصنف فيه إبهام بلفظ "ما"، وترديد في قوله "أو حكمًا"، وفي قوله "أو وصف" حيث أتى بـ "أو". ثم هو حد يخالف فيه الكوفيون، فإنهم يزعمون ان المبتدأ مرفوع بالخبر، فإذا ما عدم عاملًا لفظيًا.
وقد حددته بحد مختصر، وهو: المبتدأ هو الاسم المنتظم منه مع

اسم مرفوع به جملة". فقولي "المنتظم" يشمل المخبر عنه والوصف الرافع للمنفصل المغني. وقولي "مع اسم مرفوع به" يشمل الخبر المسند للمبتدأ، فإنه مرفوع بالمبتدأ على ما يبين، والمرفوع بالوصف فاعلًا او مفعولًا لم يسم فاعله. وقولي "جملة" يشمل مثل: زيد قائم، وأقائم زيد، وأبوه قائم، من قولك: زيد أبوه قائم. واحترز بقوله "جملة" من نحو "قائم أبوه" من قولك: زيد قائم أبوه، فإن قولك "قائم أبوه" لا يسمى جملة.
وقوله والابتداء كون ذلك كذلك ذلك: إشارة إلى ما عدم عاملًا لفظيًا، وكذلك: إشارة إلى القيود التي قيد بها كل واحد من المخبر عنه ومن الوصف.
وقوله وهو يرفع المبتدأ، والمبتدأ الخبر أي: والابتداء يرفع المبتدأ، هذا مذهب س، نص عليه/، قال: "وأما الذي يبنى عليه شيء هو هو فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء، وذلك قولك: عبد الله منطلق، ارتفع بعبد الله لأنه ذكر ليتبني عليه المنطلق، وارتفع المنطلق لأن المبني على المبتدأ بمنزلته" انتهى. وبقول س قال جمهور البصريين، وهو أن العامل في المبتدأ بالابتداء، وفي الخبر المبتدأ. ونسب أيضًا هذا المذهب إلى المبرد.
وقد رد مذهب س، وقيل: هو باطل بدلائل.
أحدهما: أن المبتدأ قد رفع فاعلًا نحو: القائم أبوه ضاحك، فلو كان

رافعًا للخبر لأدى ذلك إلى إعمال عامل واحد في معمولين رفعًا من غير أن يكون أحدهما تابعًا للآخر، وذلك لا نظير له، وإذا لم يوجد في العوامل المتصرفة فكيف فيما يقصر عنها؟
والثاني: أن المبتدأ قد يكون اسمًا جامدًا، نحو "زيد"، والعامل إذا كان غير متصرف لم يجز تقديم معموله عليه، والمبتدأ يجوز تقديم الخبر عليه، فدل ذلك على أنه غير عامل فيه.
والثالث: أن المبتدأ قد يكون ضميرًا، والضمير لا يرفع إذا كان ضميرًا ما يعمل، فكيف إذا كان ضمير ما لا يعمل.
قال شيخاي أبو الحسن الأبذى وأبو الحسن بن الضائع: ما رد به على س لا يلزم:
أما الأول فلا يلزم لأن طلبه للفاعل يخالف طلبه للخبر، فقد اختلفت جهتا الطلب، وإنما يمتنع أن يعمل في فاعلين أو مفعولين بهما إذا كان لا يتعدى إلا إلى واحد، وأما إذا عمل رفعين من وجهتين مختلفين فلا مانع من ذلك.
وأما الثاني- وهو أن العامل إذا لم يتصرف فيه نفسه لم يتصرف في معموله- فإنما ذلك فيما كان من العوامل محمولًا على الفعل ومشبهًا به، والمبتدأ ليس من ذلك القبيل لأن عمله متأصل؛ لأنه إنما يعمل فيه لطلبه له كما يعمل الفعل في الفاعل لطلبه له، ولذلك لا أثر للتقدم هنا لهذا المعنى.

وأما الثالث فلا يلزم إلا لو كان المبتدأ يعمل بالحمل على الفعل أو بالنيابة منابه، وأما وهو يعمل بحق الأصالة فلا فرق فيه بين الظاهر والمضمر، والجامد والمشتق، وإنما يعتبر هذا الذي ذكروه بالنسبة إلى الأفعال المتصرف منها وغير المتصرف، أو لما ينوب مناب الأفعال من الأسماء.
وقوله خلافًا لمن رفعهما به أي: رفع المبتدأ والخبر بالابتداء، وهذا قول ابن السراج، وهو مذهب الأخفش والرماني.
قال المصنف في الشرح: وهذا لا يصح لأربعة أوجه:
أحدهما: أن الأفعال أقوى العوامل، وليس منها ما يعمل رفعين دون إتباع، فالمعنى إذا جعل عاملًا كان أضعف العوامل، فكان أحق بأن لا يعمل رفعين/ دون إتباع.
قلت: قد عد بعض النحويين رفع خبر المبتدأ على أنه إتباع لرفع المبتدأ، فعلى هذا يكون قد عمل العامل المعنوي رفعين بالإتباع، كما عمل العامل اللفظي رفعين بالإتباع.
الثاني: أن المعنى الذي ينسب إليه العامل، ويمنع وجوده دخول عامل على مصحوبه كالتمني والتشبيه، أقوى من الابتداء لأنه لا يمنع وجود دخول عامل على مصحوبه، والأقوى لا يعمل إلا في شيء واحد، وهو الحال، فالابتداء الذي هو أضعف أحق بأن لا يعمل إلا في شيء واحد.

قلت: لا نسلم أن التمني والتشبيه لا يعمل إلا في شيء واحد، بل قد عمل في الاسم والخبر وفي الحال، فهذه ثلاثة، والابتداء قد عمل في اثنين المبتدأ والخبر، فقد انحط عن العامل اللفظي درجة.
الثالث: أن الابتداء معنى قائم بالمبتدأ لأن المبتدأ مشتق منه، والمشتق يتضمن معنى ما اشتق منه، وتقديم الخبر على المبتدأ ما لم يعرض مانع جائز بالإجماع من أصحابنا، فلو كان الابتداء عاملًا في الخبر لزم من جواز تقديمه على المبتدأ تقديم معمول العامل المعنوي الأضعف، وتقديم معمول العامل المعنوي الأقوى ممتنع، فما ظنك بالأضعف؟
قلت لا يلزم ما ذكر لانا لا نسلم أن الابتداء معنى قائم بالمبتدأ فقط، بل هو معنى قائم بهما معًا، وإن الابتداء وقع بهما معًا، وإذا كان كذلك فلم يتقدم معمول العامل المعنوي الأضعف كما ذكر، وإنما تقدم أحد معمولي الابتداء على الآخر، إذ ليس معنى الابتداء قائمًا بالمبتدأ وحده دون الخبر.
الرابع: أن رفع الخبر عمل وجد بعد معنى الابتداء ولفظ المبتدأ، فكان بمنزله وجود الجزم بعد مضي معنى الشرط والاسم الذي تضمنه، فكما لا ينسب الجزم لمعنى الشرط بل للاسم الذي تضمنه، كذلك لا ينسب رفع الخبر للابتداء بل للمبتدأ.
قلت: هذا يبتنى على أن الابتداء هو معنى حل بالمبتدأ فقط، وقد منعا ذلك.
قال المصنف في الشرح: "وأمثل من قول من قال الابتداء يرفع

المبتدأ والخبر معًا قول أبي العباس: "الابتداء رفع المبتدأ بنفسه، ورفع الخبر بواسطة المبتدأ". وهو أيضًا مردود لأنه قول يقتضي كون العامل معنى متقويًا بلفظ، والمعروف كون العامل لفظًا متقويًا بلفظ كتقوى الفعل بواو المصاحبة، أو كون العامل لفظًا متقويًا بمعنى كتقوى المضاف بمعنى اللام أو معنى من، فالقول بأن الابتداء عامل مقوى بالمبتدأ لا نظير له، فوجب رده. وقد جعل بعضهم نظير ذلك إعمال أداة الشرط بنفسها، وفي الجواب بواسطة فعل الشرط. وليس كما زعم لأن أداة الشرط وفعله لفظان، فإذا قوي أحدهما بالآخر لم يكن/ بدعًا، وأما الابتداء والمبتدأ فمعنى ولفظ، فلو قوي اللفظ بالمعنى لكان قريبًا، بخلاف ما يحاولونه من العكس، فإنه بعيد، ولا نظير له" انتهى.
وقيل: قول أبي العباس وس واحد في أن المبتدأ رافع الخبر، قال أبو العباس في النداء وقد مثل بـ "زيد منطلق": فقد عمل زيد في منطلق عمل الفعل، ولا يجوز أن يدخل عامل على عامل، ولكنك تحكيه، كما انك لو سميت رجلًا "قام زيد" لقلت: يا قام زيد.
وقوله أو بتجردهما للإسناد يعني بتجردها للإسناد تعريهما من العوامل اللفظية، وهذا مذهب الجرمي والسيرافي وكثير من البصريين، وذكر

الفراء أنه مذهب الخليل، وأصحاب الخليل لا يعرفون هذا.
قال المصنف في الشرح: "هو مردود أيضًا بما رد له قول من قال هما مرفوعان بالابتداء، وفيه رداءة زائدة من ثلاثة أوجه:
أحدها: انه يجعل التجرد عاملًا، وإنما هو شرط في صحة عمل الابتداء، والابتداء هو العامل س وغيره من المحققين.
قلت: هذا ينعكس بقول: التجرد والتعرية هو العامل، والابتداء شرط في عمل التجرد.
الثاني: أنه جعل تجردهما واحدًا، وليس كذلك، فإن تجرد المبتدأ تجرد لإسناد إليه، أو إسناده إلى ما يسد مسد مسند إليه، وتجرد الخبر إنما هو ليسند إلى المبتدأ، فيبين التجردين بون، فكيف يتحدان؟
قلت: اتحدا من حيث الدلالة والاشتراك في القدر المشترك دون ما يخص كل واحد منهما، فليسا تجردين، وإنما هو تجرد واحد بالنسبة إلى القدر المشترك.
الثالث: أنه أطلق التجرد، ولم يقيده، فلزم من ذلك أن لا يكون مبتدأ ولا خبر ما جر منهما بحرف زائد، نحو: ما فيها من أحد، و:
............... ... هل أخو عيش لذيذ بدائم"
قلت: لا يحتاج إلى تقييد لأنه قد تقرر أن العامل الزائد كلًا عامل في

باب الفاعل، وفي باب المبتدأ، وفي غير ذلك، فلا حاجة لتقييده.
وقد صحح الأستاذ أو الحسن بن عصفور وبعض شيوخنا هذا المذهب، وزعموا أن التعري هو الرافع للمبتدأ والخبر. واستدلوا على ذلك بأنه قد وحد التعري عن العوامل رافعًا للاسم بشرط أن يكون المعرى قد ركب من وجه ما، حكي س أنهم يقولون: واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة، إذا عدوا، ولم يقصدوا الإخبار بأسماء العدد ولا عنها، وذلك مع التركيب بالعطف، فإن لم يعطف بعضها على بعض كانت موقوفة، فقلت: واحد، اثنان/، ثلاثة، فكذلك المبتدأ والخبر ارتفعا مع تركيب المبتدأ بالإخبار عنه، وتركيب الخبر بالإخبار به.
وذهب ابن كيسان إلى أن هذا المذهب يفسده كون ذلك مؤديًا إلى أن يكون وجود العامل أضعف من عدمه إن قدرت التعرية عن عامل نصب أو خفض؛ لأن التعرية تعمل رفعًا، ووجود العامل الذي قدرت التعرية عنه يعمل نصبًا أو خفضًا، وعامل الرفع أقوى من عامل النصب والخفض؛ إذ قد يعمل النصب والخفض معنى الفعل، وليس كذلك الرفع. وإن قدرت التعرية عن عامل رفع كان وجود العامل وعدمه سواء، وإنما ينبغي أن يكون الشيء موجودًا أقوى منه معدومًا.
قال الأستاذ أبو الحسن: "وهذا باطل لأنا لا نعني بالتعرية أكثر من أن الاسم المبتدأ لا عامل له، وإنما كان يلزم ما ذكر لو قدرنا أنه قد كان له

عامل، ثم حذف".
وقوله أو رفع بالابتداء المبتدأ، وبهما الخبر أي أن المبتدأ ارتفع بالابتداء، وارتفع الخبر بالابتداء والمبتدأ معًا. وقد نسب هذا المذهب إلى أبي العباس، وهو قول أبي إسحاق وأصحابه.
ورد بأنه يؤدي إلى منع تقديم الخبر لأنه لا يتقدم المعمول إلا من حيث يكون العامل لفظًا متصرفًا.
ولا يرد هذا المذهب بأنه يؤدي إلى إعمال عاملين في معمول واحد؛ لأنه لا يجعل الابتداء عاملًا على انفراده، والمبتدأ كذلك، بل يكونان العامل في الخبر، وقد تنزلا منزلة الشيء الواحد.
وقوله أو قال ترافعا يعني أن المبتدأ رفع الخبر، والخبر رفع المبتدأ. وهذا القول مروي عن الكوفيين.
وأطلق المصنف ترافعهما، وقيده غيره، فحكي أن المبتدأ مرفوع بالذكر الذي في الخبر، فإذا لم يكن ثم ذكر ترافعا، أي: رفع كل واحد منهما الآخر. قال: وهذا مذهب الكوفيين. وكأنهم حين قالوا "زيد ضربته" وجدوه مرفوعًا، فلما زال الضمير انتصب "زيد"، فقالوا: زيدًا ضربت، نسبوا الرفع للضمير، فعندما وجدوا الرفع فيما لا ضمير فيه أصلًا نحو "القائم زيد"

قالوا: ترافعا.
ورد هذا الحاكي هذا المذهب، فقال: وهذا خطأ لأن الضمير اسم جامد، والأسماء الجامدة لا تعمل. قال: وأما بطلان الترافع فبهذا، وبأن المبتدأ قد يرفع غير الخبر، والخبر كذلك قد يرفع غير المبتدأ، نحو: القائم أبوه ضاحك أخوة، فيؤدي ذلك إلى أن يعمل الاسم رفعين من غير حرف تشريك.
ومن الموضح أن الكوفيين ذهبوا في مثل "زيد قائم" إلى أن زيدًا مرفوع بلفظ "قائم"، و"قائم" مرفوع بزيد، والضمير رفع بمعنى "قائم" و"قائم" ينوب مناب اسم/ وفعل جميعًا، لا ينفصل الاسم من الفعل، ولا الفعل من الاسم. وقيل: يرتفع بالعائد من الذكر، وهو أيضًا مروي عن الكوفيين.
فتلخص عن الكوفيين مذهبان:
أحدهما: أن المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ مطلقًا، وسواء أكان في الخبر ذكر للمبتدأ أم لا يكون له ذكر.
والثاني: التفصيل بين أن يكون له ذكر، فيكون المبتدأ مرفوعًا بذلك الذكر، أو لا يكون، فيكون مرفوعًا بالخبر.
وقد رد الناس على الكوفيين هذا المذهب، فذكرنا رد حاكي التفصيل. وقال من رد هذا المذهب: هذا فاسد- أعني رفع الخبر للمبتدأ- لأن الخبر

قد يكون جامدًا، والجامد لا يعمل. ولأن رتبته بعد المبتدأ، ورتبه العامل قبل المعمول، فتنافيا. ولأنه يكون فعلًا، فلو عمل في المبتدأ لكان فاعلًا. ولأن الضمير قد يكون في الصلة، فلو عمل لعمل فيما قبل الموصول. ولأن الخبر كالصفة، ولا تعمل في الموصوف، فكذلك الخبر. ولأن العامل اللفظي يؤثر في المبتدأ، والخبر لفظي، والعامل اللفظي لا يبطل بالعامل اللفظي.
وقال المصنف في الشرح- وقد حكي مذهب الكوفيين- قال: "وهو مردود لأنه لو كان الخبر رافعًا للمبتدأ كما أن المبتدأ رافع للخبر لكان لكل منهما في التقدم رتبة أصلية؛ لأن أصل كل عامل أن يتقدم على معموله، فكان لا يمتنع "صاحبهما في الدار" كما لم يمتنع "في داره زيد"، وامتناع الأول وجواز الثاني دليل على أن التقديم لا أصلية للخبر فيه" انتهى.
ورد عليهم أيضًا بان قيل: العمل تأثير، والمؤثر أقوى من المؤثر فيه، فيفضي مذهبهم إلى أن يكون الشيء قويًا ضعيفًا من وجه واحد إذا كان مؤثرًا فيما أثر فيه. انتهى ما نقلناه من الرد على الكوفيين.
والذي نذهب إليه ونختاره- وهو الذي يقتضيه النظر- قول الكوفيين في أن كلا منهما رافع للآخر، وذلك أن كلا منهما يقتضي الآخر، وما كان مقتضيًا لشيء، وليس بمستقل، فينبغي أن يكون عاملًا فيه. ونحن نرد جميع ما احتج به على بطلان هذا المذهب.
أما الرد أولًا بـ "أن كلا منهما قد يرفع غير الآخر، فيؤدي إلى إعمال عامل رفعين من غير تشريك" فهذا لا يلزم إلا لو اتحداك جهتا الرفع، أما إذا اختلفت بأن رفع أحدهما على جهة الفاعلية، والآخر على غير جهة الفاعلية،

فلا يمنع، وقد ذكرنا ذلك في الرد على س في أن المبتدأ يرفع بالخبر.
وأما من رد بـ "أن الخبر قد يكون جامدًا، والجامد لا يعمل" فهذا لا يلزم إلا في الأفعال أو ما عمل لشبهه بها أو لنيابة منابها/، وقد تقدم ذلك أيضًا.
وأما من قال: "رتبة بعد المبتدأ، ورتبة العامل قبل المعمول، فتنافيا فهذا منقوض بما وقع الاتفاق عليه من قولهم: أيًا تضرب أضرب، فرتبة فعل الشرط بعد أداته، وهو عامل في اسم الشرط، ولا يلزم أن تكون رتبته قبل اسم الشرط، فلا تنافي ذلك.
وأما قولهم "إن يكون فعلًا، فلو عمل في المبتدأ لكان فاعلًا" فليس بصحيح، ليس الفعل الواقع خبرًا هو العامل في المبتدأ، بل الاسم الذي وقع الفعل خبرًا هو العامل في المبتدأ لم يلزم أن يكون المبتدأ فاعلًا؛ لأنه رفعه على جهة الخبرية بالنيابة عن الاسم، فلا يكون فاعلًا.
وأما قولهم "ولأن الضمير قد يكون في الصلة، فلو عمل لعمل فيما قبل الموصول" فهذا لا يلزم لأني لم أختر أن المبتدأ يرفع بالضمير الذي في الخبر، وإنما قولنا: إن الخبر رافع للمبتدأ.
وأما قولهم "إن الخبر كالصفة" فليس الخبر كالصفة، لا يشبه شيء هو أحد ركني الإسناد بشيء غير مفتقر إليه في كيفية الإسناد.
وأما قولهم "إن العامل اللفظي" إلى آخره، فنحن نجد العامل اللفظي يبطل عمله بالعامل اللفظي، تقول: ما قام رجل، فرجل مرفوع بقام، وليس

زيدٌ قائمًا، فقائمًا منصوب بليس، ثم تدخل من على "رجل"، والباء على "قائم" فبطل عمل العامل اللفظي، "وهو قان" و"ليس".
وأما رد المصنف بـ "أنه لو كانا مترافعين لكان لكل منهما في التقدم رتبة أصلية" إلى آخره، فهو منقوض باسم الشرط وفعله، فلا يلزم من ذلك أن يكون أصل كل عامل أن يتقدم على معموله. وأما امتناع: صاحبها في الدار، وجواز: في دار زيد، فليس مبنيًا على ما ذكره المصنف من أن أصل كل عامل أن يتقدم على معموله، وإنما ذلك لأن وضع الخبر أن يكون ثانيًا للمبتدأ لفظًا أو نية، والمبتدأ أول لفظًا أو نية لا من حيث العمل بل من حيث ترتيب الإسناد؛ لأن الأصل في الوضع أن يطابق المعنى للفظ، فتبدأ أولًا بالمسند إليه الحكم، وتأتي ثانيًا بالمسند لأنه حديث عنه، ولذلك كان باب وضع الفاعل على خلاف الأصل؛ لأنه ليس بالمعنى فيه مطابقًا للفظ؛ لأنك بدأت أولًا بالمسند، ثم أتيت بالمسند إليه، فلما اتصل بالمبتدأ ضمير شيء هو في الخبر، كان مفسره متأخرًا عنه لفظًا ونية إذ وقع في موضعه ثانيًا، وهو أصله، فلم تجز المسألة إذ ليست من المواضع المستثناة في تفسير المضمر بما بعده، وأما جواز "في داره زيد" فإن مفسره وإن تأخر لفظًا فهو مقدم رتبة، و"في داره" وإن تقدم لفظًا فهو مؤخره/ رتبة، فلما كانت النية به التأخير جاز ذلك.
وأما قولهم "العمل تأثير" إلى آخره فليس قويًا ضعيفًا من وجه واحد، بل اختلفت جهتا القوة والضعف؛ لأن طلب المبتدأ للخبر غير جهة طلب الخبر للمبتدأ، كما جاز ذلك في اسم الشرط وأداته.
وقد رام بعض النجاة أن يفرق بين عمل المبتدأ والخبر وبين أداة

الشرط وفعله بأن العمل في مسألة المبتدأ والخبر واحد، يعني رفعًا، وعمل أداة الشرط وفعله مختلف، إذ عمل الأداة جزمًا، وعمل الفعل نصبًا، فلذلك جاز في أداة الشرط وفعله، ومنعناه في المبتدأ والخبر.
وهذه التفرقة لا أثر لها لأن جهة الرفع مختلفة، فلا فرق بينهما. نعم لو كان الرفع من جهة واحدة لا متنع إن لم يكن بتشريك.
وأما عن زعم من النحويين أن الجزم في فعل الشرط ليس بأداة الشرط إذا كانت اسمًا، بل الجازم هو "إن" مقدره قبل أداة الشرط الاسمية، ولا يجوز أن تظهر كما لم يجز إظهار "أن" مع "حتى"، فإذا قلت "من يقم أقم معه" فـ "إن" مقدره قبل "من"، وعلى هذا لا يلزم أن يكون كل واحد من اسم الشرط وفعله عاملًا معمولًا؛ إذ النصب في اسم الشرط في نحو "أيًا تضرب اضربه" بـ "تضرب"، والجزم في "تضرب" بـ "إن" مقدرة قبل "أي". فهذا الزعم باطل لأن النحويين ذكروا أن "من" و"ما" وما أشبههما من أسماء الشرط بنيت لتضمنها معنى حروف الشرط، ولولا تضمنها معناه لم تبن، فإذا كان حرف الشرط مقدرًا قبلها لم تضمنه، فيلزم أن تكون معربة، وأيضًا فما ادعاه من التقدير لم يلفظ به في موضع من المواضع.
وكذلك أيضًا تفرقة من فرق البابين بأن عمل اسم الشرط هو بالنيابة عن الحرف، وعمله في الفعل ضعيف، وهو الجزم، بخلاف المبتدأ والخبر، لا أثر لها؛ لأنه لا فرق في التأثير بين أن يكون بالحرف أو بالاسم الذي تضمنه إذ الكل عمل.
وكذلك أيضًا لا فرق بين الرفع والنصب والجر والجزم إذا الكل بعوامل تقتضيها، ولا تقول إنها من حيث العمل أحدها أقوى من الآخر؛ لأنَّ

المؤثرات -وإن اختلفت آثارها- هي مشركة في القدر المشترك، وهو التأثير.
وإنما اخترنا مذهب الكوفيين لأنه جار على القواعد؛ إذ أصل العمل إنما هو للفظ، ولم نجد إلا مبتدأ وخبرًا، ووجدناهما مرفوعين، وأمكن أن ينسب العمل لكل منهما في الآخر؛ إذ قد اختلفت جهتا الاقتضاء، كما وجدنا ذلك فيما هو متفق عليه أو كالمتفق من اسم الشرط وفعله، وكان في ذلك بقاء على أن العامل لفظي دون ادعاء ما لا يصح من أن يكون العامل معنويًا، كمن ذهب إلى أن العامل في المبتدأ بالابتداء، أو من ذهب إلى الإسناد، أو من ذهب إلى التعري/ من العوامل اللفظية، أو من ذهب إلى أنه التهمم والاعتناء، أو من ذهب إلى أنه شبه بالفاعل. وهذه كلها معان ليس ثم لفظ يدل عليها. والمعاني لم يثبت لها عمل في موضع اتفاق، فيحمل عليه هذا المختلف فيه.
وقوله ولا خبر للوصف المذكور لشدة شبهه بالفعل: الفاعل في نحو "أقائم الزيدان" مغن عن الخبر إذ فائدة الإسناد قد حصلت بوجود مسند ومسند إليه بالمبتدأ والفاعل. وكأن هذا التركيب قد أخذ شبهًا من باب الفاعل ومن باب المبتدأ، فمن حيث إن فيه عاملًا مسكوتًا عليه، يتم الكلام به، أشبه باب الفاعل، ومن حيث إن فيه اسمًا مرفوعًا، لم يتقدمه رافع لفظي، أشبه باب المبتدأ.
وقد ذهب النحويين إلى أن خبر هذا الوصف محذوف. وهذا خطأ لأن المبتدأ المحذوف الخبر لا يستقل كلامًا إلا بتقدير ذلك الخبر، وهذا كلام تام بنفسه، فلو قدرت له خبرًا لزم منه تقدير ما لا فائدة فيه.
وقوله ولذا يصغر ولا يوصف ولا يعرف ولا يثنى ولا يجمع إلا على

لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة "الإشارة بقوله "ولذا "أي؛ لشدة شبهه بالفعل وإعماله عمله، فيرفع به الفاعل، وينصب المفعول، لا يصغر. وليس مختصًا بانتفاء هذه الأشياء عنه في هذا التركيب، بل اسم الفاعل واسم المفعول العاملان عمل الفعل حكمهما ذلك في هذا الباب وفي غيره، فلا تقول: أضويرب الزيدان؟ ولا: أمضيريب العمران؟ وكذلك أيضًا لا يوصف، لا تقول: أضارب عاقل الزيدان؟ وكذلك أيضًا لا يعرف، لا تقول: القائم أخواك؟ قال ابن السراج: لأنه قد يكمل اسمًا معرفة، والمعارف لا تقوم مقام الأفعال. وكذلك أيضًا لا يثنى ولا يجمع، لا يجوز: أقائمان أخواك؟ ولا: أقائمون إخوتك؟ على أن يكون "أخواك "و "إخوتك "مرفوعين على الفاعل إلا على لغة ضعيفة، وهي لغة "أكلوني البراغيث ".
قال ابن السراج: "القائمان أبواهما أخواك "لا يجوز؛ لأنك لا تثني الاسم قبل أن يتم. يعني أنه لما رفع اسم الفاعل أخواك صار الفاعل من تمامه، فلا يجوز تثنيته لأنه لم يتم، فعلى هذا لا يجوز: أقائمان أخواك؟ على تقدير رفع "أخواك "على الفاعلية.
وهذا الذي تقرر من أن هذا الوصف لا يثنى ولا يجمع نص عليه كثيرون من النحاة، قالوا: أقائم الزيدان؟ لا يثنى ولا يجمع لأنه تمكن في الفعلية بسبب الاستفهام والنفي، ولا تستعمله العرب إلا هكذا.
وقال القاضي أبو محمد بن حوط الله: هذا غلط بدليل ما جاء في الحديث من قوله صل الله عليه وسلم: "أو مخرجي هم "؟ قال ابن هشام الخضراوي: قلت

لأبي محمد: يكون كـ "يتعاقبون فيكم ملائكة "، فسكت. قال ابن هشام: إن لم يكثر فهذا/ وجهه، وإن كثر فعلى التقديم والتأخير. يعني: على أن يكون الوصف خبرًا مقدمًا، وما بعده مبتدأ.
وقد أجاز النحويون في هذا الوصف إن كان مطابقًا لما بعده في إفراد أو تثنية أو جمع أن يكون الوصف خبرًا مقدمًا، وما بعده مبتدأ. وإنما تتعين الفاعلية إذا لم يطابق في تثنية ولا جمع.
وقوله ولا يجري ذلك المجرى باستحسان إلا بعد استفهام أو نفي، خلافًا للأخفش. أشار بـ "ذلك المجرى "إلى جعل الوصف مبتدأ رافعًا للفاعل منتظمًا منهما كلام. وقوله "باستحسان "يدل على أن ذلك فيه- أعني الحكم المذكور فيه- يستحسن بعد الاستفهام والنفي، وأن تقدم النفي أو الاستفهام عليه ليس بشرط فيه. وكون إعمال الوصف يتقدمه استفهام أو نفي فرع من فروع الاعتماد. وهي مسألة خلاف بين جمهور البصريين والأخفش:
ذهب جمهور البصريين إلى أن شرطه الاعتماد على أن يتقدمه نفي أو استفهام، أو يقع صلة أو صفة أو حالاً أو خبرًا أو ثانيًا لظننت أو ثالثًا لأعلمت.
وذهب الأخفش ومن تبعه إلى أنه لا يشترط الاعتماد في إعماله. فعلى مذهبه يجوز: قائم زيد، فيكون "قائم "مبتدأ، و "زيد "فاعل به أعنى عن الخبر. وسيأتي استدلال المذهبين في باب اسم الفاعل، إن شاء الله.
وقال المصنف في الشرح: "لا يحسن عند س الابتداء به- أي بالوصف- على الوجه الذي تقرر إلا بعد استفهام أو نفي، فإن فعل به ذلك دون استفهام أو نفي قبح عنده دون منع. هذا مفهوم كلامه في باب الابتداء،

ولا معارض له في غيره. ومن زعم أن س لم يجز جعله مبتدأ إذا لم يل استفهامًا ولا نفيًا فقد قوله ما لم يقل "انتهى كلام المصنف في الشرح.
ونحن نسرد ما ذكره س في كتابه لننظر فيه. قال س في باب الإبتداء: "وزعم الخليل- رحمه الله- أنه يستقبح أن تقول: قائم زيد، وذلك إذا لم تجعل قائمًا مقدمًا مبنيًا على المبتدأ كما تؤخر وتقدم، فتقول: ضرب زيدًا عمرو، و "عمرو "على "ضرب "مرتفع، وكان الحد أن يكون مقدمًا، ويكون "زيد "مؤخرًا. وكذلك هذا، الحد فيه أن يكون الإبتداء مقدمًا، وهذا عربي جيد، وذلك قولك: تميمي أنا، ومشنوء من يشنؤك، وأرجل عبد الله، وخز صفتك. فإذا لم يريدوا هذا المعنى، وأرادوا أن يجعلوه فعلاً كقولك: يقوم زيد، وقام زيد، قبح لأنه اسم، وإنما حسن عندهم أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف، أو جرى على اسم قد عمل فيه، كما أنه لا يكون مفعولاً في "ضارب "حتى يكون محمولاً على غيره، فتقول: هذا ضارب/ زيدًا، وأنا ضارب زيدًا، ولا يكون "ضارب زيدًا "على قولك: ضربت زيدًا، وضربت عمرًا، فكما لم يجز هذا كذلك استقبحوا أن يجري الاسم الذي في معنى الفعل مجرى الفعل المبتدأ، وليكون بين الفعل والاسم الذي في معنى الفعل فصل وإن كان موافقًا له في مواضع كثيرة، وقد يوافق الشيء الشيء، ثم يخالفه لأنه ليس مثله "انتهى ما نقلناه من كتاب س في باب الابتداء، وليس فيه أن س يستحسن ذلك بعد استفهام أو نفي، بل فيه أن الخليل قد استقبح "قائم زيد "على أن لا يكون "قائم "خبرًا مقدمًا. وكذلك نص س على أنه إذا جعل "قائم " في معنى "يقوم "أو "قام "قبح، وأنه لا يحسن أن يعمل إلا إذا كان صفة أو خبرًا. هذا ملخص كلامه.

وقد استدل المصنف على صحة مذهب الأخفش بقول الشاعر:
خبير بنو لهب، فلا تك ملغيًا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت
وبقول الآخر:
فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال: يا لا
قال: "فخير: مبتدأ، ونحن: فاعل، ولا يكون "خير "خبرًا مقدمًا، و"نحن "مبتدأ؛ لأنه يلزم من ذلك الفصل بمبتدأ بين أفعل التفضيل و"من "، وهما كمضاف ومضاف إليه، فلا يقع بينهما مبتدأ كما لا يقع بين مضاف ومضاف إليه. وإذا جعل "نحن "مرتفعًا بـ "خير "على الفاعلية لم يلزم ذلك؛ لأن فاعل الشيء كجزء منه "انتهى.
وما استدل به المصنف لا حجة فيه: أما "خبير بنو لهب "فـ "خبير "خبر مقدم، و"بنو لهب " مبتدأ، ولا يحتاج إلى المطابقة في الجمع لأن خبيرًا فعيل، يصح أن يخبر به عن المفرد والمثنى والمجموع، ولاسيما ورود ذلك في الشعر، كما أخبروا بـ "فعول "، قال تعالى {هُمُ الْعَدُوُّ}، وقال بعض العرب:
...................... ... ........................ هنَّ صديق

فأخبر عن ضمير جمع النساء بـ "صديق ".
وأما قوله "فخير نحن "فخير: خبر مقدم، ونحن: مبتدأ، وعلى ما قررناه ونصرناه من مذهب الكوفيين أن الخبر هو رافع المبتدأ، فالمبتدأ معمول له، كما أن "من "الداخلة على المفضل عليه متعلقة به، فلم يفصل بينهما بأجنبي.
وأما قوله "إن أفعل التفضيل ومن كمضاف ومضاف إليه "إلى آخره، فليس بصحيح، لو كان كذلك لما جاز الفصل بينهما بالتمييز وبالفاعل وبالظرف وبالمجرور؛ لأنه لا يفصل بشيء من هذه بين المضاف والمضاف إليه، فلم يجريا مجراهما. ولو سلمنا أن المبتدأ ليس معمولاً للخبر لما ضر هذا الفصل لأنه/ وقع في شعر. وأيضًا فقد خرج الأستاذ أبو الحسن بن خروف قوله "نحن "على أنه تأكيد للضمير المستكن في قوله "فخير "، وخير: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فنحن خير نحن، كما تقول: أنت قائم أنت.
وذهب الكوفيون إلى ما ذهب إليه الأخفش من عدم اشتراط الاستفهام والنفي، إلا أنهم يجعلون الوصف مرفوعًا بما بعده، وما بعده مرفوع به على قاعدتهم. ويوافقونه في التزام إفراده وتجرده من ضمير، ويجيزون إجراءه مجرى اسم جامد، فيطابق ما بعده. ويجيزون أيضًا جعله نعت منوي مطابق للآخر في إفراده وتثنيته وجمعه، فلابد إذ ذاك من مطابقة النعت، ويسمونه خلفًا.
وأطلق المصنف الاستفهام والنفي ليشمل أدواتهما، فتقول: هل معتق أخواك؟ وما فاعل الزيدان؟ ومن ضارب العمران؟ ومتى راجع العمران؟ وأين قاعد صاحباك؟ وكيف مقيم ابناك؟ وكم ماكث صديقاك؟ وأيان قادم رفيقاك؟ هكذا قال المصنف في الشرح، وهو قياس على الهمزة، والأحوط أن لا

يقال منها تركيب إلا بعد السماع.
وذكر في أدوات النفي "ما " و "لا " و"إن " و"ليس "، إلا أن "ليس "يرتفع الوصف بعدها على أنه اسمها، ويرتفع به ما يليه، ويسد مسد خبرها، وكذلك "ما "الحجازية، تقول: ليس قائم الزيدان، وليس منطلق إلا العمران، وما ذاهب عبداك، وهذا قياس على "ما "، والأحوط التوقف حتى يسمع.
وفي البسيط: "واختلفوا في الظرف والمجرور، هل هو في تقدير اسم فاعل أو فعل؟ وعلى القول بأنه في تقدير اسم فاعل هل يصير رافعًا للظاهر إذا اعتمد، فتقول: أفي الدار زيد، أم لا؟ " انتهى. وقياس حرف النفي أن يكون كالهمزة.
وقال بعض أصحابنا: الظرف والمجرور إذا وقع خبرًا أو صفة أو حالاً رفع، وإذا اعتمد على أداة نفي أو استفهام فالأخفش يجيز أن يرفع، كما يجيز ذلك دون اعتماد، وس لا يجيز رفعه دون اعتماد على ما ذكر من غير النفي والاستفهام.
والصحيح أنه لا يعمل إذا اعتمد على نفي أو استفهام بخلاف اعتماده على ما ذكرنا قبل؛ لأنه في ذلك ملحوظ فيه الفعل؛ لأن غالب الخبر والصفة والحال لا يكون شيء منها إلا مشتقًا، فوقع في محل الاشتقاق، فرفع. والصلة إذا كانت بالظرف أو المجرور فإنما ذلك لأنهما في معنى الفعل، ولولا ذلك ما استقل بهما الاسم الموصول؛ لأنه لا يوصل إلا بالجملة، وأما الاستفهام والنفي فلا يقوى فيهما جانب الفعل؛ ألا ترى أنك تستفهم عن

الاسم الصريح، فتقول: أزيد أخوك؟ وكذلك/ النفي: ما زيد أخوك، فنهايته بعد الاستفهام والنفي أن يكون مثله قبلهما. وأيضًا فالعرب تقول: مررت بسرج خز صفته، ولا يرفعون هذا إذا أوقع عليه الاستفهام والنفي، فدل ذلك على صحة مذهب س.
وقوله وأجري في ذلك "غير قائم "مجرى "ما قائم ". قال المصنف في الشرح: "إذا قصد النفي بـ "غير "مضاف إلى الوصف فيجعل "غير "مبتدأ، ويرفع ما بعد الوصف به، كما لو كان بعد نفي صريح، ويسد مسد خبر المبتدأ، وعلى ذلك وجه الشجري قول الشاعر:
غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن
ومثله قول الآخر:
غير لاه عداك، فاطرح اللهـ ... ـو، ولا تغترر بعارض سلم "
انتهى.
وكأنه قال: ما مأسوف على زمن، فقوله "على زمن "في موضع رفع على أنه مفعول لم يسم فاعله بـ "مأسوف "، و"ينقضي "جملة في موضع الصفة لـ "زمن ".

وسأل عالي بن أبي الفتح أباه أبا الفتح بن جني عن قوله "غير مأسوف "البيت، فأجابه بأن المقصود ذم الزمان الذي هذه حاله، فكأنه قال: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، فزمان: مبتدأ، و"ينقضي ": صفته، و"غير ": خبر للزمان، ثم حذفت المبتدأ مع صفته، وجعلت إظهار الهاء مؤذنًا بالمحذوف، لأنك إنما جئت بالهاء لما تقدمها ذكر ما ترجع إليه، فصار اللفظ بعد الحذف والإظهار:
غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن
وهذا التخريج بعيد جدًا متكلف، وهي عادة ابن جني وشيخه في مجيئهما بالتخريجات المتمحلة المتكلفة التي لا يكاد يلحظها العرب.
قال أبو الفتح: وإن شئت قلت: هو محمول على المعنى، كما حملت "أقل امرأة تقول ذاك " على المعنى، فلم تذكر في اللفظ خبرًا لأنه مبتدأ، وقد أضفت "أقل "إلى "امرأة "، ووصفت المرأة بـ "تقول ذاك "، كأنك قلت: قل امرأة تقول ذاك، فلم تحتج "أقل "إلى خبر لأنها في معنى "قل ". وكذلك حمل س على المعنى قول من قال "خطيئة يوم لا أراك فيه "على معنى: يوم خطأ لا أراك فيه. وما حمل على المعنى كثير في القرآن وفصيح الكلام. انتهى هذا التخريج الثاني وهو الذي أخذه منه ابن الشجري، وخرج البيت عليه. ويعضده البيت الثاني، وهو "غير لاه عداك "، فإنه لا يتصور فيه التخريج الأول. ولأبي/ عمرو بن الحاجب في هذا البيت كلام طويل وترديد، ثم خرجه على تخريجي أبي الفتح.
ص: ويحذف الخبر جوازًا لقرينة، ووجوبًا بعد "لولا "الإمتناعية غالبًا، وفي قسم صريح، وبعد واو المصاحبة الصريحة، وقبل حال إن كان المبتدأ أو معموله مصدرًا عاملاً في مفسر صاحبها، أو مؤولا بذلك، والخبر الذي

سَدَّت مسده مصدر مضاف إلى صاحبها لا زمان مضاف إلى فعله، وفاقًا للأخفش، ورفعها خبرًا بعد "أفعل "مضافًا إلى ما موصولة بـ "كان "أو "يكون "جائز، وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع.
ش: مثال حذفه جوازًا لقرينة "زيد "لمن قال: من في الدار؟ وقولك: زيد قائم وعمرو، التقدير: زيد عندي، وعمرو قائم، فحذف "عندي "لجريانه في جملة السؤال، و "قائم "لجريانه في الجملة المعطوف عليها. فإن قلت "زيد وعمرو قائم "فخبر أحدهما محذوف، فقيل: خبر الأول، وقيل: خبر الثاني، وقيل: أنت مخير في تقدير الخبر، فإن شئت قدرته خبر الأول، وإن شئت قدرته خبر الثاني. وصحح هذا المذهب الأخير بعض أصحابنا. وحكي أبو حاتم: هند وزيد قائم، فهذا حذف فيه الخبر من الأول، إذ التقدير: هند قائمة وزيد قائم.
قال المصنف في الشرح: "ومن الحذف الجائز الحذف بعد "إذا "الفجائية، نحو: خرجت فإذا السبع، والحذف بعد "إذا "قليل، ولذلك لم يرد في القرآن مبتدأ بعد "إذا "إلا وخبره ثابت غير محذوف، كقوله تعالى {فَإذَا هِيَ حَيَّةٌ}، {فَإذَا هِيَ بَيْضَاءُ}، {فَإذَا هُمْ جَمِيعٌ}، {فَإذَا هُمْ قِيَامٌ} " انتهى الكلام.
وليس كما ذكر: أما قولهم "خرجت فإذا السبع "فإن "إذا" الفجائية

ظرف مكان، وهو خبر عن "السبع "، وقدروه: خرجت فبالحضرة السبع، أي: فبالمكان الذي أنا حاضر فيه السبع. هذا ظاهر كلام س ومذهب أشياخنا، وهو الذي تلقناه منهم. وسيأتي الكلام على "إذا "الفجائية وعلى الخلاف فيها، حيث ذكرها المصنف في باب المفعول المسمى ظرفًا، إن شاء الله. و "خرجت فإذا السبع "كلام تام بنفسه لا يحتاج إلى تقدير شيء محذوف، ولما كان مدلولها ظرف المكان جاز أن تأتي خبرًا إذا أريد الإخبار بها عن الجثة، وجاز أن تأتي معمولة للخبر إذا لم تجعل هي الخبر، فتقول: خرجت فإذا زيد، وخرجت فإذا زيد قائمًا، وخرجت فإذا زيد قائم، كما تقول: خرجت ففي الدار زيد، وخرجت ففي الدار زيد جالسًا، وخرجت ففي الدار زيد جالس، إذا كان "في الدار "متعلقًا بـ "جالس "الذي هو الخبر.
وأما قوله تعالى {فَإذَا هِيَ حَيَّةٌ} إلى آخر ما ذكر مما جاء في القرآن، فإنما لم يحذف/ الخبر لكونه لا يدل على حذفه دليل، ولم يمكن جعل "إذا "في الآيات خبرًا لأن المقصود الإخبار عن المبتدأ الذي بعد "إذا "بأشياء لم تكن معلومة للسامع إلا من ذكر الخبر، لو قلت: فألقى عصاه فالبحضرة هي، وفأخرج يده فبالحضرة هي، لم يكن كلامًا، فمتى قصد الإخبار بخبر غير معلوم للسامع، وهو أن يكون بحيث لو حذف لم يكن ثم ما يدل عليه، وجب ذكره، وصار نظير قولك ابتداء: زيد منطلق، فلا يجوز حذف "منطلق "لأنه لا دليل على حذفه. ومتى قصد الإخبار عن زيد بـ "إذا " الفجائية كانت هي الخبر، وإنما بنى المصنف على ما اختاره هو من كون "إذا "الفجائية حرفًا، فلا يصح أن تكون خبرًا، فاضطر إلى تقدير خبر في: خرجت فإذا السبع.

وقوله ووجوبًا بعد "لولا" الامتناعية غالبًا سقط "غالبًا" من بعض النسخ، وهو أجود لأن الوجوب والغلبة لا يجتمعان؛ إذ الوجوب هو أن لا يجوز ذكره، والغلبة هي أن يغلب حذفه، فهي من باب الجائز، ومحال أن يكون الشيء واجبًا جائزًا، أعني الجواز بمعنى التخيير، ولأن مشهور قول أكثر النحويين هو أنه يجب حذف خبر المبتدأ الذي بعد "لولا"، وهذا الذي ذكره في "لولا" هو على تقدير رفع الاسم بالابتداء. وقد ذكرنا اختلاف الناس في ذلك، وتكلمنا على هذه المسألة في "فصل حروف التحضيض" في "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة غلى ذلك".
قال المصنف في الشرح: "وإنما وجب حذف الخبر بعد "لولا" الامتناعية لأنه معلوم بمقتضى "لولا"؛ إذ هي دالة على امتناٍع لوجود، والمدلول على امتناعه هو الجواب، والمدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل "لولا زيد لأكرمت عمرًا" لم يشك في أن المراد: وجود زيد منع من إكرام عمرو، فصح الحذف لتعين المحذوف، ووجب لسد الجواب مسده وحلوله محله، والمراد هنا بالحذف الكون المطلق، فلو أريد كون مقيد لا دليل عليه لم يجز الحذف، نحو: لولا زيد سالمنا ما سلم، ولولا عمرو عندنا لهلك، ومنه قوله صلي الله عليه وسلم: "لولا قومك حديثو عهٍد بكفٍر لأسست البيت على قواعد إبراهيم". فلو أريد كون مقيد مدلول عليه جاز الإثبات والحذف، نحو "لولا أنصار زيد حموه لم ينج"، فـ"حموه" خبر مفهوم المعنى، فيجوز إثباته وحذفه. ومن هذا القبيل قول المعري في صفة

سيف:
....................... فلولا الغمد يمسكه لسالا
وهذا الذي ذهبت /إليه هو مذهب الرماني والشجري والشلوبين، وغفل عنه أكثر النحويين. ومن ذكر الخبر بعد "لولا" قول أبي عطاء السندي:
لولا أبوك، ولولا قبله عمر ألقت إليك معد بالمقاليد"
انتهى كلامه.
وهذا الذي اختاره غير مختار، بل المختار ما حكاه الجمهور من أن خبر المبتدأ بعد "لولا" يجب إضماره، وأنه لا يكون إلا كونًا مطلقًا لا كونًا مقيدًا.
وحكي الأخفش عن العرب أنهم لا يأتون بعد الاسم الواقع بعد "لولا" بالحال، كما لا يأتون بالخبر، وقد زعم أنه إن ورد خبر لمبتدأ بعد "لولا" كان شذوذًا أو ضرورة، وهو منبهة على الأصل.
وقال شيخنا أبو الحسين بن أبي الربيع: أجاز قوم: لولا زيد قائم لأكرمتك، ولولا زيد جالس لأكرمتك. وهذا لم يثبت بالسماع، والمنقول: لولا جلوس عمرٍو، ولولا قيام زيٍد.
وقوله وفي قسٍم صريح مثاله: لعمرك، وأيمن الله، وأمانة الله، ويمين

الله. قال المصنف في الشرح: "وجب حذف الخبر هنا لأن فيه ما في خبر المبتدأ بعد "لولا" من كونه معلومًا، مع سد الجواب مسده". واحترز بقوله "صريح" من مبتدأ في القسم صالح لغير القسم، نحو: عهد الله، فلا يجب حذف الخبر إذ ذاك، بل يجوز نحو: على عهد الله لأفعلن، فيجوز أن تحذف، فتقول: عهد الله لأفعلن؛ لأن "لعمرك" و"أيمن الله" لا يستعملان إلا في قسم، و"عهد الله" لا يشعر بالقسم حتى يذكر المقسم عليه.
وما ذهب إليه المصنف من أن "أيمن الله" وشبهها مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا ليس متفقًا عليه، بل أجازوا في مثل هذا أن يكون خبرًا محذوف المبتدأ، التقدير: قسمي يمين الله. وممن أجاز الوجهين الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، ولذلك لم يذكر هذا الموضع فيما يجب حذفه من الخبر. ويأتي الكلام على ذلك في "باب القسم" إن شاء الله.
وقوله وبعد واو المصاحبة الصريحة مثاله: أنت ورأيك، وكل رجٍل وضيعته، وكل ثوٍب وقيمته. ذكر الأخفش في كتابه "الأوسط" في مثل هذا عن النحويين قولين:
أحدهما: أنه مبتدأ لا يحتاج إلى تقدير خبر؛ إذ هو كلام تام لأنه في معنى: أنت مع رأيك، وكل رجل مع ضيعته. وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن خروف.
والقول الثاني: أن الخبر محذوف، تقديره "مقرونان" أو ما في معناه. وهذا قول الجمهور. وكان الحذف واجبًا لدلالة الواو وما بعدها على

المصحوبية إذ قامت مقام "مع"، فلو جئت بـ"مع" مكان الواو كان الكلام تامًا.
ونقل القولين أبو المعالي الموصلي في "شرح الدرة"، إلا أنه نسب حذف الخبر للبصريين، والاستغناء عن تقديره إذ الواو أغنت عنه للكوفيين.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع: /التقدير: كل رجٍل مع ضيعته وضيعته معه، وعلى هذا: زيد وكتابه، وعمرو وفرسه، إذا أردت أن كل واحد منهما لا يفارق صاحبه. وتدخل نواسخ الابتداء على هذا، قال الشاعر:
فمن يك سائلًا عني فإني وجروة لا ترود، ولا تعار
وقال آخر:
فكان تنادينا وعقد عذاره وقال صحابي: قد شأونك، فاطلب

التقدير: فإني مع جروه وجروه معي، وتنادينا مع عقد عذاره وعقد عذاره مع تنادينا، فحذف من الأول ما دل الثاني عليه، ومن الثاني ما دل الأول عليه. ويجري مجراه في الاستغناء: أنت أعلم وربك، التقدير: أنت أعلم بربك وربك أعلم بك. وعلى هذا الحديث "لا أنا ولا ثابت". انتهى.
وما قدره الجمهور أخصر مما قدره الأستاذ أبو الحسين، إذا قدروا المحذوف خبرًا واحدًا، وجعلوا الكلام جملة واحدة، والأستاذ أبو الحسين قدر خبرين محذوفين، وجعل الكلام جملتين.
فإذا قلت "أنت أعلم ومالك" فقال أبو القاسم بن القاسم: لا يصح عطف "مالك" على "أنت" على حد: أنت أعلم وزيد؛ لأنك تضمر في هذا خبرًا من جنس ما أظهرت، والمال لا يعلم، ولا على "أعلم" لأن المعطوف على الخبر خبر يصح انفراده، فلو قلت "أنت مالك" لم يصح، ولا على الضمير في "أعلم" لوجوه: منها استتاره غير مؤكد. ومنها أن أفعل التفضيل لا ترفع الظاهر إذا وليها، فكذلك إذا عطف على مضمر رفعته، وقد يكونان هذان الوجهان بشذوذ. قال: فإذا استحالت هذه الأوجه كان معطوفًا على "أنت" لا على ذلك الوجه، بل هو بمنزلة: شاة ودرهم، أي: معطوف في اللفظ، خبر في المعنى، لنيابته منابه.
وهكذا أعرب المسألة الجرمي في "الفرخ"، قال: الشاء شاة ودرهم. قال: من قال هذا جعل الشاء مبتدأ، وشاة مبتدأ، ودرهم خبره، والجملة خبر الأول.

وذهب الأستاذ أبو بكر بن طاهر إلى أنه معطوف على "أعلم"؛ لأن الأصل "بمالك"، فوضعت الواو موضع الباء، فعطفت على ما قبلها، ورفعت ما بعدها في اللفظ، وهو بمعنى الباء متعلقة بـ"أعلم". وهذا أقرب لتفسير كلام س؛ لأنه قال في الواو: "يعمل فيما بعدها المبتدأ". يريد:
أنك تعطفه على "أعلم"، فيعمل فيه ما عمل في "أعلم" وهو المبتدأ.
ومما اختلفوا فيه قول العرب "حسبك ينم الناس":
فقيل: الضمة في "حسبك" ضمة بناء، وهو اسم سمي به الفعل، والكاف حرف خطاب، وبنيت على الضم لأن حسبًا كان معربًا قبل ذلك، فحملت على قبل وبعد ويا حكم. وهو مذهب أبي عمرو بن العلاء، /نقله عنه أبو زرعه أحد أصحاب المازني.
وذهب الجمهور إلى أنها ضمة إعراب. واختلفوا: فقيل: هو مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه، والتقدير: حسبك السكوت ينم الناس. وذهب جماعة إلى أنه مبتدأ لا خبر له لأن معناه: اكفف، وهو اختيار أبي بكر بن طاهر.
وقوله الصريحة احتراز مما كان يحتمل المصاحبة، ويحتمل مطلق العطف، فإذ ذاك لا يجب الحذف، نحو قولك "زيد وعمرو" وأنت تريد: مع عمرو، فإنه غير صريح، فلك أن تأتي بالخبر، فتقول: زيد وعمرو مقرونان، ولك أن تستغني عن الخبر اتكالًا على أن السامع يفهم من اقتصارك عليهما

معنى الاقتران والاصطحاب.
وقوله وقبل حاٍل إن كان المبتدأ أو معمولة مصدرًا عاملًا في مفسر صاحبها أو مؤولًا بذلك يعني أنه يجب إضمار الخبر قبل حاٍل مشروٍط فيها ما ذكر، وهذا يستدعي تسليم أربعة أشياء مختلف فيها:
أحدها: أن ذلك المصدر أو معمولة مرفوع بالابتداء.
الثاني: أنه مبتدأ محتاج إلى خبر.
الثالث: أن خبره محذوف لا ملفوظ به.
الرابع: أنه مقدر قبل تلك الحال.
فأما الأول فاختلفوا في رفعه:
فذهب الجمهور إلى أنه مرفوع بالابتداء.
وذهب بعضهم إلى أنه فاعل بفعل محذوف تقديره: يقع ضربي زيدًا قائمًا، أو ثبت ضربي زيدًا قائمًا.
ورد هذا المذهب بأنه حذف ما لا دليل على تعينه؛ لأنه كما يجوز تقدير "ثبت" يجوز تقدير "قل"، أو: عدم ضربي زيدًا قائمًا، وما لا يتعين تقديره لا سبيل إلى إضماره، مع أنه إذا دار الأمر بين الحذف من أول الكلام وآخره كان الحذف من آخره أولى، فإن أول الكلام موضع استجمام وراحة، وآخره موضع طلب استراحة وموضع تعب. والذي يجزم ببطلان هذا المذهب دخول نواسخ الابتداء عليه، فلو كان فاعلًا لم يجز دخول النواسخ عليه، نحو قول الشاعر:
إن اختيارك ما تبغيه ذا ثقةٍ بالله مستظهرًا بالحمل والجلد

فأدخل "إن" على المصدر الموصوف بما ذكر، وتقول: كان ضربي زيدًا قائمًا.
وأما الثاني فذهب ابن درستويه إلى أنه مبتدأ، ولا يحتاج إلى خبر لأن المصدر واقع موقع الفعل، فمعنى ضربي زيدًا قائمًا: ضربت زيدًا، أو أضرب زيدًا قائمًا، فصار نظير: أقائم الزيدان؟ فكما أن "أقائم" مبتدأ لا يحتاج إلى خبر لأنه في معنى الفعل، فكذلك هذا المصدر مبتدأ لا يحتاج إلى خبر لأنه في معنى "ضربت".
ورد هذا المذهب بأنه لو كان كذلك لحسن الاقتصار على الفاعل، كما صح الاقتصار على الفاعل في: أقائم الزيدان؟ وحيث لم يصح أن يقال "ضربي زيدًا" ويقتصر بطل هذا المذهب.
وأما الثالث والرابع فيأتي حكمهما إن شاء الله.
/مثال المبتدأ مصدرًا: ضربي زيدًا قائمًا. ومثال معمول المبتدأ: أكثر شربي السويق ملتوتًا، ومثله المصنف في الشرح بقولك: كل شربي السويق ملتوتًا، وبعض ضربك زيدًا بريئًا، ومعظم كلامي معلمًا. وهذا فيه نظر، فإن ذلك لا يحفظ إلا في مصدر، أو في أفعل التفضيل مضافًا إلى مصدر، أو مؤول بالمصدر.
وفي الإفصاح: "هذا الباب معتبر عند النحويين في كل مصدر وفيما أضيف إليه إضافة بعٍض لكل أو كل للجميع، والمعنى أن يكون المضاف إليه مصدرًا في المعنى، نحو: أكثر شربي، وأقل شربي، وأيسر شربي السويق ملتوتًا، وكل ركوبي الفرس دارعًا".

ومعنى قوله "أو معموله" أن المصدر مجرور بإضافة المبتدأ الذي ليس مصدرًا إليه. وشمل قوله "في مفسر صاحبها" أن يكون المفسر مفعولًا بالمصدر، أو فاعلًا من حيث المعنى بالمصدر، نحو: قيامك ضاحكًا.
واحترز بقوله "عاملًا في مفسر صاحبها" من نحو: ضربي زيدًا قائمًا شديد، فإن المصدر عامل في صاحب الحال وفي الحال، فلم يصلح أن تغني عن خبره لأنها من صلته.
ومعنى قوله "مفسر صاحبها" أن قائمًا حال من الضمير المستكن في "كان" المحذوفة، ومفسره "زيد" الذي هو معمول المصدر.
واحترز أيضًا من قولهم "حكمك مسمطًا"، فالمبتدأ فيه مصدر مستغن عن خبره بحال استغناء شاذًا؛ لأن صاحب الحال ضمير عائد على المبتدأ الذي هو "حكمك"، التقدير: حكمك لك مسمطًا أي: مثبتًا، فصاحب الحال هو الضمير المستكن في "لك"، وهو عائد على المصدر المجعول مبتدأ، فهذا ونحوه الحذف فيه شاذ غير لازم، ونحو "ضربي زيدًا قائمًا" الحذف فيه ملتزم مطرد.
وقوله أو مؤولًا بذلك أي بالمصدر. مثاله: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، فإن أنبت "أن" مع الفعل مناب المصدر، فقلت: أن ضربت زيدًا قائمًا، وأن تضرب زيدًا قائمًا، ففيه خلاف: أجاز ذلك بعض الكوفيين، ومنعه الجمهور.
وقال ابن الأنباري: أبطل الكسائي والفراء وهشام: أن تضرب عبد الله قائمًا، واتفقوا على إجازة: الذي تضرب عبد الله قائمًا، وما تضرب عبد الله قائمًا، على أن "الذي" و"ما" بمعنى المصدر، معناهما: ضربك عبد الله

قائمًا. وعَلَّلَ المنع في "أن" بأنها لما عملت فيما بعدها أشبهت الأدوات، وبعدت عن المصادر، فلم يجز فيها ما جاز في المصادر.
وفي هذا التعليل نظر، فإن المصدر أيضًا عامل فيما بعده. وقيل: علة ذلك أن الحال إنما تسد مسد الخبر إذا كان ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون خبرًا لـ"أن" والفعل.
وقوله والخبر الذي سدت مسده مصدر مضاف إلى صاحبها لا زمان مضاف إلى فعله وفاقًا للأخفش. الذي ذهب إلى أن الخبر هو زمان مضاف إلى فعله /هو س وجمهور البصريين، ويقدرونه إن كان ماضيًا: إذ كان قائمًا، ومستقبلًا: إذا كان قائمًا.
واختار المصنف مذهب الأخفش، والتقدير: ضربي زيدًا ضربه قائمًا، فضربي: مبتدأ، وضربه: خبره، وقائمًا: منصوب بـ "ضربه"، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله ضمير المتكلم محذوفًا على ما يذكر في "باب المصدر"، وكأنه كان في الأصل: ضربي زيدًا ضربيه قائما.
ورد هذا المذهب بأنه "إما أن يفهم من نفس الخبر عين المفهوم من المبتدأ، فلا يصح، وإما أن يفهم منه أن ضربيه المطلق مثل ضربيه قائمًا، وهو غير المعنى المفهوم، وإن جعل المصدر مضافًا إلى فاعله صار المفهوم منه غير المطلوب من الكلام". قاله شيخنا بهاء الدين بن النحاس، رحمه الله.
وقال: "هنا نكتة لطيفة، وهو أن الاسم العامل ومعموله يتنزلان

منزلة المضاف والمضاف إليه في باب النداء، وباب "لا"، فكما يحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه، كذلك يحذف العامل، ويبقى معموله، إلا أنه لما كان الأكثر إذا حذف المضاف يعرب المضاف إليه إعرابه، ولا كذلك العامل والمعمول، كثر حذف المضاف، وقل حذف العامل. وهذا وإن اشترك فيه مذهب س والأخفش، فإن مذهب س ينفرد بما أذكره، قال شيخنا الإمام جمال الدين محمد بن عمرون الحلبي، رحمه الله: "والذي يوضح المسألة أن معنى: ضربي زيداً قائماً: ما ضربت زيداً إلا قائماً، وهذا المعنى لا يستقيم إلا على مذهب س لأن العامل يتقيد بمعموله، فإذا جعلت الحال من تمام المبتدأ يكون الإخبار بأن ضربي مقيداً بالقيام واقع، وذا لا ينفي أن يقع الضرب في غير حال القيام، وإذا جعل الحال من جملة الخبر يكون ضربي زيداً هذا الذي لم يقيد بحال كائن إذا كان قائماً، فلو قدر وقوع ضرب في غير حال القيام يكون مناقضاً للإخبار، إذ من المحال وقوع غير المقيد بالحال في زمان وتختلف شيء منه عن ذلك الزمان إذا أريد الحقيقة".
ثم قال - رحمه الله - في مسألة: أكثر شربي السويق ملتوتاً: "وما أبطلنا به مذهب من يعتقد أن الحال من معمول المصدر يظهر في هذه المسألة أكثر، لأن ملتوتاً لو جعل من تمام الشرب يكون الإخبار حينئذ عن أكثر شرب سويق ملتوت أنه حاصل، وذلك لا ينفي أكثرية في غير حال اللت، والمراد من هذا الكلام أن الأكثرية تقع في حال اللت، ولو وقعت في غير حال اللت لا يكون في الإخبار كبير فائدة" انتهى.
وقد رجع المصنف في الشرح مذهب الأخفش على مذهب سيبويه

بأنه أقل حذفاً مع صحة المعنى، لأنه لم يحذف منه إلا خبر مضاف إلى مفرد، ومذهب س حذف منه خبر، ثم نائب عن الخبر مع فعل وفاعل، لأن الأصل فيه: ضربي زيداً مستقر إذا كان قائماً. ولأنه حذف منه خبر عامل، فبقي معموله، ودلالة المعمول/ على عامله قوية، وفي مذهب س بقي فيه بعد الحذف معمول عامل أضيف إليه نائب عن الخبر الأصلي الذي هو مستقر، فضعفت الدلالة لبعد الأصل بكثرة الوسائط. وأيضاً فالحاذف آمن عذراً في الحذف لأن المحذوف لفظه مماثل للفظ المبتدأ، فيستثقل الباعث على الحذف، وليس في قول القائل "ضربي زيداً ضربه قائماً" تعرض لكون زيد وقع به غير الضرب المقارن لقيامه أو لم يقع، بل تعرض به لما تعرض بقولك: ضربته قائماً. انتهى ما رجح به المصنف مذهب الأخفش على مذهب س.
أما الأول فلا ترجيح فيه لأن مستقراً العامل في "إذا كان" ممات الحذف إذا كان يقدر، ولا يلفظ به، ولا يجمع بينه وبين الظرف، بل تنتقل أحكامه إلى الظرف من تحمل الضمير، ومن رفع الظاهر به وغير ذلك، فكأنه لم يحذف إلا الظرف الواقع خبراً، فقد ساوى من حيث الحذف مذهب س مذهب الأخفش.
وأما الثاني - وهو كثرة الوسائط - فهو مبني على الأول، وإذا بطل الأول بطل الثاني. وأما أنه يؤمن عذر في الحذف لمماثلة المحذوف لفظ المبتدأ فهذا هو المبعد من تقدير الحذف، لأنه إن كان مماثلاً لفظ الخبر المحذوف للفظ المبتدأ فلا حاجة له، إذ قد استفيد من لفظ المبتدأ معنى لفظ الخبر.
فإن قلت: قد يقيد بالحال هذا الخبر المحذوف؟ قلت: الحال التي تقيد الخبر تكون في المعنى وصفاً للمبتدأ وخبراً عنه، فهي في الصورة حال،

وهي في المعنى خبر، مثاله قوله تعالى {وهَذَا بَعْلِي شَيْخًا}، وقوله {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}، "وقائماً" هنا من وصف المفعول ولا من وصف المبتدأ، فلا يجوز أن تكون مقيدة للخبر في تقدير الأخفش. وما ذكره المصنف من أن مذهب الأخفش هو حذف الخبر قبل الحال، وأن تقديره "ضربه قائماً" نقله غيره عنه.
ونقل بعض أصحابنا أن مذهب أبي الحسن أن الحال سدت مسد الخبر كالظرف لأنها في تقديره، كأنك قلت: ضربي زيداً في حال كونه قائماً، والعرب تقول: أكثر شربي يوم الجمعة، فاستعملوا الحال استعمال الظرف. وبه قال الجرمي في "الفرخ"، وهو مذهب أبي الحجاج الأعلم، وقال به ابن كيسان، وسيأتي ذكره والرد عليه.
وحكي أبو علي عن عضد الدولة أنه كان يرى حذف المصدر لطول الكلام وتكرير اللفظ والدلالة على المعنى، وكان يقدر ضربي زيداً: ضريبة قائماً، وأكثر شربي السويق: شربي إياه ملتوتاً، فحذف المصدر، وأبقي معموله، فقام مقامه. وكان يستحسن هذا القول أبو القاسم بن القاسم، وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله، وأكثر النحويين لا يجيزونه، وقد نص على منعه س، وقدره في مواضع./ والذي يصح من مذهبه منعه. وهذا الذي ذهب إليه العضد هو مذهب الأخفش.
وإنما كان الخبر ظرفاً دون غيره في مذهب س لأنا نقدر الخبر

محذوفاً، والحذف وتوسع، فالظروف أحمل لذلك من غيرها، وقدر ظرف زمان دون ظرف المكان لأن الحال عوض منه كما ذكرنا، والحال لظرف الزمان أنسب منها لظرف المكان لأنها توقيت للفعل من جهة المعنى، كما أن الزمان توقيت للفعل، ولذلك قدر س الحال بـ "إذا" في قوله تعالى: {وطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ}، فقال: "إذ طائفة في هذه الحال"، ولأن المبتدأ هنا حدث، وظرف الزمان مختص بالإخبار به عن الحدث دون الجثة، فهو أخص به من ظرف المكان.
وكان الظرف الزماني المقدر "إذ" و"إذا" دون غيرهما لأن "إذ" تستغرق الماضي، و"إذا" تستغرق المستقبل.
وكان المقدر بعدهما "كان" التامة دون غيرها لأن الظرف المقدر لابد له من فعل أو معناه ليكون ظرفاً له، والحال لابد لها أيضاً من عامل، والأصل في العمل للفعل، فقدرت "كان" التامة لتدل على الحدث المطلق الذي يدل الكلام عليه.
ولم يعتقد في "قائم" الخبرية للزومة التنكير، وحكي ابن خروف أن الفراء أجاز أن يكون منصوباً على خبر "كان"، وانشد قول الشاعر:
لذو الرمة ذا الرمـ ـة أشهر منه غيلاناً
فنصب "ذا الرمة" و"غيلان" - وهما علمان - على الخبرية. وهذا نادر لا يعتد به، ودخول الواو عليهما على ما سيأتي - إن شاء الله - يوجب

الحالية. وهذا الذي حكاه ابن خروف عن الفراء هو خلاف مذهبه في هذه المسألة على ما سيأتي ذكره إن شاء الله.
وزعم الزمخشري أنه يجوز أن يكون التقدير: إذ كنت أو إذا كنت قائماً، فتكون "كان" مسندة إلى فاعل الضرب.
ولا ينبغي أن يجوز هذا إلا بدليل لأن التقييدات بالأحوال والصفات، وعود الضمير لا يكون إلا لأقرب مذكور، ألا ترى أن ما جاء من ذلك في تمثيلهم يعين أن يكون حالاً من المفعول، كقولهم: أكثر شربي السويق ملتوتاً، وأكلي التفاحة نضيجة، وغير ذلك، أما إذا دل دليل على ذلك أو كان المصدر قد اقتصر به على الفاعل لحذف المفعول أو لكونه مصدراً لفعل لازم، فيتعين إذ ذاك تقدير: إذ كنت، أو إذا كنت، إن كان المصدر مضافاً لضمير متكلم، وإن كان مضافاً لمخاطب أو لغائب طابق.
وقوله ورفعها خبراً بعد أفعل مضافاً إلى "ما" موصولة بـ "كان" أو "يكون" جائز. أي: رفع الحال، أي: ما كان حالاً، ومثال ذلك: أخطب ما يكون الأمير قائماً، فأجاز الأخفش في "قائم" الرفع على أنه خبر "أخطب". وتبعه المبرد وأبو علي الفارسي/ وهذا المصنف، قال في الشرح: "يلزم من ذلك ارتكاب مجازين:

أحدهما إضافة "أخطب"، مع أنه من صفات الأعيان، إلى "ما يكون"، وهو في تأويل الكون.
والثاني الإخبار بـ "قائم" مع أنه في الأصل من صفات الأعيان، عن "أخطب ما يكون" مع أنه في المعنى كون لأن أفعل التفضيل بعض ما تضاف إليه، والحامل على ذلك قصد المبالغة، وقد فتح بابها بأول الجملة، فعضت بآخرها مرفوعاً" انتهى. ولذلك امتنع رفع قائماً في قولك: ضربي زيداً قائماً، إذ لم يفتتح أول الجملة بمجاز.
ولم يذكر المصنف خلافاً في المسألة، إنما ذكر إجازته لذلك، وذكر غيره الخلاف، فقال: أجاز الأخفش: عبد الله أحسن ما يكون قائم، بالرفع ومنعها س إلا بالنصب. قال شيخنا الإمام بهاء الدين بن النحاس رحمه الله: "وجه ابن الدهان رفع الأخفش قائماً بأن جعل "أخطب" مضافاً إلى "أحوال" محذوفة، تقديره: أخطب أحوال كون الأمير، فلا مجاز في قائم حينئذ" انتهى.
فقوله "فلا مجاز في قائم حينئذ" غير مسلم، بل هو مجاز لأن تقديره "أخطب أحوال كون الأمير" لا يخبر عنه بـ "قائم" لأن قائماً من صفات الأعيان لا من صفات الأحوال، فالمطابق للإخبار عن قوله "أخطب أحوال الأمير" أن يقال: القيام، كما تقول: أحسن أحوال الأمير السرور أو الضحك، ولا تقول: الضاحك ولا السار، فجعله قائماً خبراً عن "أخطب" فيه مجاز بلا شك.
قال شيخنا بهاء الدين بن النحاس: "ويجوز أن تجعل "ما" بمنزلة شيء، ويكون الأمير صفته، والعائد محذوف خبر "يكون الأمير"،

و"يكون" ناقصة، كأن أصلها: اخطب أحوال يكون الأمير فيها قائماً، وتكون "ما" للعموم والكثرة كقوله {ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ}. ودليل وقوعها للجنس والعموم والإشارة إليها بقوله {ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ}، وتكون "ما" حينئذ كناية عن الأحوال، فيتوجه ما قاله الأخفش" انتهى. ويكون الإخبار بـ "قائم" عن "أخطب أحوال يكون الأمير فيها قائماً" على سبيل المجاز، إذ القائم ليس خبراً عن "أخطب" في الحقيقة، لأن من صفات الأعيان لا صفات الأحوال كما بينا.
وأجازوا أيضاً في هذا المثال أن يكون التقدير: أخطب أزمان كون الأمير قائماً، قالوا: فيجوز على هذا أن تكون "إذا" أو "إذ" المقدرة المحذوفة خبراً عن "أخطب" بنفسها، لأن "أخطب" إذ ذاك زمان لإضافته إلى الزمان، ولا يكون العامل في "إذا" ولا في "إذا" إذ ذاك محذوفاً لأنه هو المبتدأ. قالوا: ولا يستنكر خروج "إذا" عن الظرفية ورفعها، فقد جاءت مجرورة في قول الشاعر:
وبعد غد، يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي، ولست برائح
فأبدل "إذا" من "غد". وحكي: جئتك بعد إذ قام زيد، وفي القرآن {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا}.

وأجاز أبو العباس الرفع الصريح فيها، وذلك: إذا يقوم زيد إذا يقوم عمرو، فـ "إذا" الأولى مبتدأة، والثانية خبر. ويبين لك ذلك أنه إذا ظهر الإعراب في الظرف رفع، تقول: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، إذا جعلت "أخطب" زماناً، فإن جعلت "أخطب" كوناً نصبت يوم الجمعة، وكان "إذا" و"إذا" في موضع نصب.
وهذا الذي أجازوه من التصرف في "إذ" و"إذا" وإخراجهما عن الظرفية لا يجوز عندي، وسيأتي الكلام على ذلك في "باب المفعول المسمى ظرفاً" إن شاء الله.
فعلى هذا الذي قالوه في "أخطب ما يكون" تكون "ما" مصدرية، ولا حذف، وهو الظاهر، أو يكون المحذوف أزماناً أو أحوالاً مضافة إلى الكون، أو تكون "ما" بمعنى شيء، و"تكون" صفة.
وأجاز ابن الدهان في "ضربي زيداً قائماً" رفع "قائم" على أن يكون خبراً عن "ضربي" إذا كان معنى "قائم" ثابت ودائم، كما تقول: الأمر بيننا قائم، والحرب قائمة على ساق، وهذا جار على قولهم: ضربي زيداَ شديد، ولا خلاف في جوازه.
وقوله وفعل ذلك بعد مصدر صريح دون ضرورة ممنوع أي: رفع ما كان حالاً على أن يكون خبراً للمصدر الصريح ممنوع، مثال ذلك: ضربي زيداً قائم. واحترز بقوله "صريح" من المسألة التي أجاز فيها الرفع، وهي: أخطب ما يكون الأمير قائم.
وقوله دون ضرورة مشعر بأن ذلك يجوز في الضرورة، وهو أن يكون خبراً عن المصدر الصريح. ثم لما تكلم في المسألة في الشرح لم يجز الرفع على هذا الوجه، وهو أن يكون خبراً عن "ضربي"، إنما أجازه على إضمار

مبتدأ مقرون بواو الحال، تقديره: ضربي زيداً وهو قائم، قال: "وحقه أن يمنع مطلقاً لأن شبيه بقولك: جاء زيد راكب، على تقدير: وهو راكب، لكن الضرورة أباحت حذف المبتدأ المقرون بالفاء في جواب الشرط، وهو أصعب، فإجازة حذف مبتدأ مقرون بواو الحال أولى. ومثال حذف المبتدأ مقروناً بالفاء قول الشاعر:
بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها بني ثعل من ينكع العنز ظالم"
انتهى كلامه.
وكان ينبغي أن لا يقول "دون ضرورة"، بل يقول: وفعل ذلك بعد مصدر صريح ممنوع، فإن أدت الضرورة إلى رفعه خبر مبتدأ محذوف، وتكون الجملة حالاً، جاز. ولم يبين المصنف جهة الأصعبية. ونقول: بل هو في الشرط أسهل لأن جواب الشرط لابد أن يكون جملة، وكونها أسمية جائز، فإذا حذف دل طلب الشرط عليه. وأما هذه/ الحال السادة مسد خبر المبتدأ ففيها خلاف: أتقوم الجملة مقامها أم لا؟ يجوز إلا أن تكون صريح الاسم، وسيأتي ذكر ذلك. فعلى هذا لا مقتضى للجملة، بخلاف جملة الشرط، فإنها تطلب جملة الجواب، وتقتضيه، فإذا حذف منها شيء، دل عليه الشرط.
ص: وليس التالي "لولا" مرفوعاً بها، ولا بفعل مضمر، خلافاً للكوفيين. ولا يغني فاعل المصدر المذكور عن تقدير الخبر إغناء المرفوع بالوصف المذكور، ولا الواو والحال المشار إليهما، خلافاً لزاعمي ذلك، ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلاً، خلافاً للفراء، ولا جملة اسمية بلا واو،

وِفاقاً للكسائي، ويجوز إتباع المصدر المذكور، وفاقاً له أيضاً.
ش: المناسب ذكر قوله "وليس التالي لولا مرفوعاً بها، ولا بفعل مضمر، خلافاً للكوفيين" متصلاً بقوله "ووجوباً بعد لولا الامتناعية غالباً"، أما أن يفصل بذلك بين مسائل الحال السادة مسد الخبر فغير سديد في التصنيف.
وقوله مرفوعاً بها هو قول الفراء. وقوله ولا بفعل مضمر هو قول الكسائي. وأبهم في قوله "خلافاً للكوفيين". وقد أمعنا الكلام على المرفوع بعد "لولا" في كتاب "التكميل" في الفصل الثاني من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك".
وقوله ولا يغني فاعل المصدر المذكور إلى آخر المسألة تقدم الكلام على هذه المسألة، فأغنى عن إعادته.
وقوله ولا الواو والحال المشار إليهما، خلافاً لزاعمي ذلك. أما الواو فيعني بها واو المصاحبة، فلا تغني عن الخبر، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وأما الحال فقد ذهب الكسائي والفراء وهشام وابن كسيان إلى أن الحال بنفسها هي الخبر لا سادة مسدة، على خلاف بينهم في ذلك:

فقال الكسائي وهشام: الحال إذا وقعت خبراً للمصدر كان فيها ذكران مرفوعان: أحدهما من صاحب الحال، والآخر من المصدر. وإنما احتاجوا إلى ذلك لأن الحال لابد لها من ضمير يعود على ذي الحال، وهي خبر، والخبر عندهم لابد فيه من ضمير يعود على المبتدأ، لأن المبتدأ عندهم إنما يرتفع بما عاد عليه في أحد مذهبي الكوفيين. و"ضربي" مبتدأ مرفوع، فلابد له من رافع، فاحتاجوا إلى القول بتحمل "قائم" ضميره ليرفعه، حتى إنهما قالا: يجوز أن تؤكد الضميرين اللذين في "قائماً"، فتقول: ضربي زيداً قائماً نفسه نفسه، وقيامك مسرعاً نفسك نفسه، فإن أكدت القيام أيضاً على المضمرين قلت: قيامك مسرعاً نفسك نفسه، فتكرر النفس ثلاث مرات.
وزعم الفراء ومن أخذ بقوله أن الحال/ إذا وقعت خبراً للمصدر لا ضمير فيها من المصدر لجريانها على صاحبها في إفراده وتثنيته وجمعه وتعريها من ضمير المصدر للزومها مذهب الشرط، والشرط بعد المصدر لا يتحمل ضمير المصدر، فكذلك الحال.
وجاز نصب قائماً ومسرعاً وما أشبههما على الحال عند الكسائي وهشام والفراء وإن كان خبراً لما لم يكن المبتدأ، ألا ترى أن المسرع هو المخاطب لا القيام. والقائم هو زيد أو أنا لا الضرب، فلما كان خلاف المبتدأ انتصب على الخلاف، لأن الخلاف عندهم يوجب النصب.
وقال ابن كيسان: إنما أغنت الحال عن الخبر لشبهها بالظرف.
وحكي أبو محمد بن السيد البطليوسي عن الكوفيين أن الخبر محذوف بعد "قائم"، تقديره: ثابت أو موجود. وكذا قال ابن هشام في الإفصاح، قال: "والكوفيون يجعلون قائماً حالاً من زيد، والعامل فيه

المصدر، والتقدير: ضربي زيداً قائماً واقع، على معنى: يقع أو وقع، وقالوا: تقدير اسم مفرد أولى من تقدير ظرف قد قام مقام جملة، ثم تقدير فعل وفاعل بعده، فتقدير اسم مفرد أولى". قال: "وهذا التقدير لا يوافق المعنى الشرط، كأنه قال: إنما أضربه بشرط أن يكون قائماً، وإنما ضربته لما كان قائماً، وهذا المعنى يصح بتقدير إذ وإذا، فلهذا احتاج البصريون إلى تقديرهما".
فأما مذهب الكسائي وهشام فأبطل بأن العامل الواحد لا يعمل في معمولين ظاهرين ليس أحدهما تابعاً للآخر رفعاً، فكذلك لا يعمل في مضمرين، وأما قولهم في "زيد حيث عمرو" من أن "حيث" رفعت زيداً وعمراً لنيابتها مناب ظرفين فقد أبطلناه فيما تقدم في الفصل قبل "باب الابتداء". وإذا انتفى أن ترفع الحال ضميرين انتفى كونها خبراً. وأيضاً، فنقول: ضربي الزيدين قائمين، فلا يمكن أن يكون فق "قائمين" ضميران، لأنه لو كان كذلك لكان أحدهما مثنى من حيث عوده على مثنى، والآخر مفرد من حيث عوده على مفرد، وتثنية اسم الفاعل وإفراده إنما هو بحسب ما يرفع من الضمير، فلزم أن يكون اسم الفاعل مفرداً في حال واحدة، وهذا لا يمكن.
وأما تأكيد الضميرين فشيء قالوه بقياس مبني على قول فاسد، ولا سماع يعضده.
وأما ما ذهب إليه الفراء فأبطل بأن الشرط بمفرده من دون جواب لا يصلح أن يكون خبراً لأنه لا يفيد، وإذا كان كذلك تعين أن يكون جواب الشرط محذوفاً، فيكون الضمير محذوفاً مع الجواب، مع أن قيام الشرط

بمفرده دعوى لا دليل على شيء منها.
وما ذهب إليه ابن كيسان من أن الحال تشبه الظرف، فكأنه قال: ضربي زيداً في حال قيام، ليس بشيء، لأنه لو جاز ذلك لهذا التقدير لجاز مع الجثة/ أن تقول "زيد قائماً" لأنه في معنى: زيد في حال قيام، وحيث لم يجز ذلك دل على فساد ما ذكره. وقال المصنف في الشرح موضحاً لهذا الدليل السابق في إبطال مذهب ابن كيسان: "إما أن يقدر لهذه الحال عامل أو لا، أن لم يقدر لها عامل لزم استغناؤها عما لا يستغنى عنه الظرف مع أنه أصل بالنسبة إليه، ولو جاز ذلك مع المصدر لجاز مع غيره، فكان يقال: زيد قائماً، لأنه بمعنى: زيد في حال قيام. وإن قدرت لم يكن العامل إلا مثل المقدر في الظرف، فكما يقدر في: زيد في حال قيام: زيد مستقر في حال قيام، يقدر: ضربي زيداً مستقراً قائماً، فكان يلزم من ذلك الإخبار عن الضرب بما للضارب، وذلك محال، وما أفضى إلى المحال محال" انتهى.
وأما ما حكاه ابن السيد عن الكوفيين فقد رد لأنه تقدير ليس في اللفظ ما يدل عليه، فكما تقدره "ثابت" فيجوز أن تقدره "منفي"، ولأنه يكون من الحذف الجائز لا الواجب، لأن قائماً إذ ذاك يكون حالاً من "زيد"، والعامل فيه المصدر، فلا تكون الحال سدت مسد الخبر، فلا يجب حذفه، وإنما يجب إذا سدت الحال مسده، لأن الحال إذ ذاك عوض من الخبر بدليل أن العرب لا تجمع بينهما، ولا تحذف خبر هذه المصادر إلا مع وجود الأحوال للمناسبة التي بين الحال والخبر، لأن أصل الخبر التنكير كالحال، ولأن الحال هي صاحبها، كما أن الخبر المفرد هو المبتدأ، والحال مقيدة كما أن الخبر كذلك، ففهم من عدم اجتماعهما قصد العوضية، ولا تتصور العوضية إلا على قول من قدر أن الخبر قبل الحال، لأنك إذا قدرت الخبر

"ثابت" أو "موجود"، وجعلت قائماً حالاً من "زيد" فإما أن يكون إخبارك المخاطب عن ضرب قد عهد منك إيقاعه بزيد في حال قيامه، فلا يكون في الإخبار بثابت أو موجود فائدة لأنه معلوم عنده، أو عن ضرب لم يعهده منك في تلك الحال، فلا دليل على ذلك المحذوف لجواز أن يكون التقدير: ضربي زيداً قائماً غير ثابت، ولأن في جعل "قائماً" معمول "ضربي" حذف الحبر برمته، وفي جعل "قائماً" معمول الخبر حذف بعض الخبر، وحذف بعض الخبر أولى من حذف جميعه.
وتلخص من مجموع هذه المذاهب أن النحويين أجمعوا على رفع "ضربي" من قولك: ضربي زيداً قائماً. فقيل: ارتفع على الفاعليه بفعل محذوف. وقيل: على الابتداء. فقيل: لا خبر له لإغناء فاعله عنه. وقيل: له. خبر فقيل: ملفوظ، وهي الحال على اختلاف في التقدير، وقيل: محذوف. فقيل: بعده. وقيل: قبله. فقيل تقديره: ضربه قائماً. وقيل: إذا كان أو إذ كان.
وهذا الذي ذكرناه من سد الحال مسد خبر المبتدأ ينبغي أن يقتصر به على مورد السماع/ لأنه شيء خارج عن القياس، فلا يجوز ذلك إلا فيما سمع، وهو أن يكون المبتدأ مصدراً أو أفعل التفضيل مضافاً إلى المصدر أو ما قدر بالمصدر.
وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن الاسم الذي لا حقيقة له في الوجود يجري مجرى المصدر في هذا المعنى لا مجرى الجثث، فتسد الحال مسد خبره. واستدل على صحة ذلك بقول الشاعر:

خيال لأم السلسبيل ودونها مسيرة شهر للبريد المذبذب
فـ "خيال" مرفوع بالابتداء، وجاز الابتداء، وجاز الابتداء به لأنه وصف بقوله "لأم السلسبيل"، فلا يصح أن يكون خبراً لأنه صفة، بل الخبر هو محذوف، سدت الحال - وهي قوله "ودونها مسيرة شهر" - مسدة. وساغ ذلك لأن الخيال لا حقيقة له جسمية.
ولا حجة في هذا البيت لأنه يحتمل أن يكون "خيال" خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا خيال.
وقوله ولا يمتنع وقوع الحال المذكورة فعلاً، خلافاً للفراء. اختلف في ذلك: فأجاز ذلك أبو الحسن والكسائي وهشام، نحو: حسنك تركب، أي: راكباً. ونقل عن س المنع.
واختلف النقل عن الفراء: فحكي ابن خروف عنه الجواز، ونقل ابن عصفور المنع، وهو الصحيح عنه.
ونقل ابن أصبغ الخلاف عن الكسائي.
وقال أبو بكر بن الأنباري: "أجاز الفراء رد الحال إلى الاستقبال إذا كانت غير رافعة، وأبطل ذلك فيها إذا رفعت، فخطأ عند الفراء: حسنك تركب. وأجاز هو والكسائي: حسنك تركب مسرعاً.
قال ابن عصفور: والذي يمنعه الفراء المضار المرفوع. وعلله بأن النصب الذي في لفظ المفرد عوض من التصريح بالشرط، والمستقبل المرفوع ليس في لفظه ما يكشف مذهب الشرط" انتهى.
والصحيح الجواز لورود ذلك عن العرب، قال الشاعر:

ورأي عيني الفتى أباكا يعطي الجزيل، فعليك ذاكاً
وقال الآخر:
عهدي بها في الحي قد سربلت بيضاء مثل المهرة الضامر
قال ابن هشام: يمكنه أن يجعل الخبر في المجرور، أي: عهدي واقع بها، ويجعل الجملة حالاً من الضمير المجرور.
وقوله ولا جملة اسمية بلا واو وفاقاً للكسائي. اختلف في وقوع الجملة الأسمية حالاً مصحوبة بالواو: فنقل عن س والأخفش أنه لا يجوز ذلك، وأن الحال لا تسد مسد الخبر إلا إذا كانت اسماً منصوباً. وأجاز ذلك الكسائي والفراء. وقد ورد السماع بما منعه س، قال الشاعر:
عهدي بها الحي الجميع، وفيهم عند التفرق ميسر وندام
وقال آخر:
خير اقترابي من المولى حليف رضا وشر بعدي عنه، وهو غضبان

ولم ينقل المصنف خلافاً في الجملة الاسمية المصحوبة بواو الحال، بل حكي عن ابن كيسان ما ظاهره الجواز في كل الأحوال، قال: "قال كيسان: إن قلت "مسرتك أخاك هو قائم" جاز ذلك عن الكسائي وحده، فإن جئت بالواو قبل "هو" جازت في كل الأقوال". فظاهر قوله "في كل الأقوال"

أنه لا خلاف في ذلك، وقد حكي أن س منع من ذلك.
وأما إذا كانت جملة اسمية لا واو معها فأجاز ذلك الكسائي فيما فيه ذكر، كما قاله ابن كيسان، واتبعه المصنف. ومنع ذلك الفراء وقال: واو الحال هي رافعة المصدر، والرافع لا يحذف. والبصريون على مذهب الكسائي في هذا الأصل، قاله بعضهم. ويقتضي مذهب س المنع لأنه لا يجيز وقوع الجملة الاسمية المصحوبة بالواو حالاً، وكونها محذوفة الواو فرع على هذا المنع، فهو أولى بالمنع.
والذي ورد عن العرب في هذا إنما هو بالواو، فينبغي إتباعه. ومن أجاز حذفها فليس مذهبه ببعيد. قال المصنف في الشرح: "مقتضى الدليل أن يكون حذف الواو هنا أولى لأنه موضع اختصار، لكن الواقع بخلاف ذلك، وباب القياس مفتوح".
وقوله ويجوز إتباع المصدر المذكور وفاقاً له أيضاً. أي: للكسائي، أجاز الكسائي: ضربي زيداً الشديد قائماً، وشربي السويق كله ملتوتاً. وحجته في ذلك إتباع القياس.
وحجة من منع أن الموضع موضع اختصار، ولم يرد به سماع، ولا يجوز أن يقع المصدر موضع هذه الحال لأنه لا مناسبة بينه وبين الزمان، لأنهم إنما عدلوا إلى الحال المشتقة للمناسبة، وهذه المناسبة لا تحفظ إلا مع صورة الحال الأصلية، ولا يجوز التجوز في الحال لكونها كالظرف، لأنه لا يتجوز في الشيء الواحد مرتبين.
وقد أغفل المصنف ذكر مسائل تتعلق بهذه المسألة:

الأولى: أجاز السيرافي وابن السراج دخول "كان" الناقصة على هذا المصدر، فتقول: كان ضربي زيداً قائماً. وقال ابن عصفور: هو قبيح لأن تعويض الحال من الخبر إنما يكون بعد حذفه، وحذف خبر "كان" قبيح.
الثانية: إذا كنيت عن المصدر الذي سدت الحال مسد خبره قبل ذكر الحال، نحو "ضربي زيداً هو قائماً" حال سدت مسد خبره. وعند الكسائي يرتفع الضرب بالراجع من "هو"، ويرتفع "هو" بقائم، وهذا جار على مذهبه. وقال الفراء: لا يجوز ذلك/ لأن المكني مثل "زيد" لا يرفعه إلا ما يرفع زيداً وعمراً، والحال لا ترفع زيداً ولا عمراً.
الثالثة: اختلفوا في جواز تقديم هذه الحال على المصدر:
فقال الفراء: لا يجوز ذلك سواء أكانت من ظاهر أم من مضمر، فيمنع: مسرعاً قيامك، وإن كان يجيز: مسرعاً قمت، لأن الحال مبنية على الشرط، والشرط يرفع آخراً، ولا يعرب أولاً، فيقال: قيامك إن أسرعت، وسكوتك إن أنصفت، ولا يقال: أن أنصفت سكوتك.
وقال الكسائي وهشام: يجوز ذلك إذا كانت من مضمر لا من ظاهر، فيجوز: مسرعاً قيامك، كما يجوز: مسرعاً قمت، ومسرعاً تقوم، ولا

يجوز: مسرعاً قيام زيد.
فإن كان المصدر متعدياً نحو "شربك السويق ملتوتاً" فمنع التقديم الكسائي والفراء وهشام، فلا يجيزون: ملتوتاً شربك السويق.
وأجاز ذلك البصريون سواء أكان المصدر متعدياً أم لازماً، نقلاً عنهم، خلافاً لمن قال: لا نقل عن البصريين، بل مقتضي قولهم جواز تقديمها إن قدر الخبر مقدماً على المصدر، ووجوب التأخير إن قدر مؤخراً.
وقال ابن الدهان: لا يمتنع في القياس تقديمها، ومن نقل وعلم حجة على من لم ينقل ولم يعلم.
وفي الإفصاح: ذكر السيرافي أن الزجاج أجاز: قائماً ضربي زيداً، قدم الحال كقولك: اليوم القتال، كأنك قلت: إذا كان قائماً ضربي زيد يقع.
الرابعة: تقديم الحال على مفعول المصدر، نحو: شربك ملتوتاً السويق، أبطل ذلك الكسائي والفراء وهشام، وحكي عن البصريين جواز ذلك. ولعله لا يصح، وإجازة ذلك تشكل لأن فيه الفصل بين المصدر ومعموله بالحال التي سدت مسد الخبر، بخلافها إذا تقدمت، فإنه لا يلزم في ذلك فصل بين المصدر ومعموله.
الخامسة: إذا كانت الحال بالواو فهل يجوز تقديمها على المصدر؟ أبطل ذلك الكسائي وهشام الفراء إن كان المصدر متعدياً لمفعول، نحو قولك: وهو ملتوت شربي السويق، وإن كان لازماً جاز ذلك عند الكسائي،

نحو: وأنت راكب حسنك، ولم يجز ذلك عند الفراء لأن الحال لا ترفع مقدمة.
السادسة: أجمعوا على إبطال: أكلك متكئاً الطعام، لأن الطعام في صلة الأكل، ومتكئاً خبره، والصلة لا تأتي بعد الخبر، وقد تقدم الخلاف في جواز نحو: شربك ملتوتاً السويق، فينظر ما الفرق بين المسألتين.
السابعة: اتفقوا على جواز دخول "إن" وفاء "أما"، تقول: إن حسنك راكباً، وأما حسنك فراكباً.
الثامنة: اتفقوا على منه: ما حسنك براكب، لأن الباء تغير نصب الحال، فتفسد المسألة لذلك.
التاسعة: أما ضربيك فإنه حسناً، على أن الهاء ترجع إلى الضرب، وخبر إن حسناً، وحكم كان وظن حكم إن في هذا المعنى، فأجازوا: أما ضربيك فكان حسناً، وأما/ ضربيك فظننته حسناً، على أن حسناً صفة الضرب. وأبطلها الفراء على حسناً صفة للياء والكاف. والكسائي يجيزهن كلهن.
العاشرة: أجاز الكسائي وهشام: عبد الله وعهدي بزيد قديمين، وكذلك: عبد الله والعهد بزيد قديمين. ترتيب المسألة: العهد بعبد الله وزيد قديمين، فقدم "عبد الله"، ورفع بما بعده، وثني "قديمين" لأنه لـ "عبد الله" و"زيد"، وكانا خبراً للعهد كما تكون الحال خبر المصدر.
وسوى الكسائي وهشام بين قولك: إن عبد الله والعهد بزيد قديمين، وعبد الله وإن العهد بزيد قديمين.
ولا يعلم أن الفراء أجاز شيئاً من هذا، وأصحابه يردون على الكسائي

وهشام ما جوزاه من هذه المسائل. وقياس البصريين يقتضي المنع.
ولا يجوز في قول الكسائي وهشام: عبد الله فالعهد بزيد قديمين، ولا يصلح عندهما في هذا المعنى العطف إلا بالواو الجامعة.
الحادية عشرة: أجاز الكسائي والبصريون تقديم معمول الحال السادة مسد خبر المصدر على الحال بعد تمام المصدر بما هو من صلته، نحو: ضربي زيداً فرساً راكباً، تقديره: راكباً فرساً.
ومنع ذلك الفراء، قال: لأن راكباً لا يرد إلى الاستقبال، وما لم يرد إلى الاستقبال لم تقدم صلته عليه، وإنما يجيز الكسائي تقديم صلته عليه إذا كانت إلى جنبه، فإن فرق بينهما لم يجز ذلك عنده. وقياس قول البصريين الجواز.
والثانية عشرة: أجاز الزجاج: عبد الله أحسن ما يكون القيام، وقال: لا يجوز غيره. ومنعها المبرد.
الثالثة عشرة: "أكثر ضربي زيد" منعها الكوفيون، وأجازها البصريون. قيل: ولا خلاف نعلم في جواز: أكثر لبسي الكتان.
الرابعة عشرة: أجاز ابن كيسان: أما ضربي زيداً فكان قائماً نفسه نفسه، فتكون الأولى لذكر زيد، والثانية لذكر الضرب. وحكي أبو جعفر النحاس إن ذلك جائز على مذهب البصريين والكسائي، وغير جائز على مذهب الفراء.
الخامسة عشرة: "علمي بزيد كان ذا مال" منعها أبو علي على أن يكون "علمي" مبتدأ، و"بزيد" متعلق به، "وكان" في موضع خبره، واسمها مستتر فيها، وهو عائد على علمي، و"ذا" خبر كان من حيث إنه يصير التقدير إلى: علمي ذو مال، و "ذو مال" ليس نفس العلم، ولا منزل منزلته.

وتجوز المسألة على وجوه: منها ما جوزه بعضهم من أن تكون من باب: ضربي زيداً قائماً، أي: كائناً ذا مال، وقد كان ذا مال، وذلك على تقدير الكوفيين في نقل من نقل عنهم أنهم يقدرون الخبر متأخراً محذوفاً، أي: علمي بزيد كان قائماً واقع، أو على تقدير العضد: علمي بزيد علمي به ذا مال، وأما على تقدير من قدر "إذا كان" فلا يصح. ويمكن أن يكون خبر علمي، أي: علمي ملتبس كان قائماً واقع، أو على تقدير العضد: علمي بزيد علمي به ذا مال، وأما على تقدير من قدر "إذا كان" فلا يصح. ويمكن أن يكون خبر علمي، أي: علمي ملتبس يزيد أو واقع به ذا مال، أي: غنياً، ويمكن أن تكون "كان" زائدة، ويكون المعنى: علمي بزيد ذا مال.
/وزعم بعض النحويين أنه يجوز: علمي بزيد كان ذا مال، على تقدير: إذ كان، وحذف "إذا" للدلالة عليها.
وهذا ضعيف لأن العرب إنما حذفت هنا الظرف والفعل معاً، واطرد ذلك في كلامهم، ولم تحذف أحدهما دون الآخر.
وأجاز الأستاذ أبو علي في بعض تقاييده على الإيضاح أن تكون "كان" ناقضة، واسمها مضمر يعود على العلم، و"ذا مال" حال تسد مسد خبر "كان" كما تسد مسد خبر المبتدأ.
قال بعض أصحابنا: واتفقوا على منع ما أجازه الأستاذ أبو علي، واختلفوا في التعليل: فقيل: امتنع ذلك لأنه باب حذف واختصار وتعويض، ولم يجعل العرب ذلك إلا مع المصدر أو مع مضاف إلى المصدر، وعلى أن يكون بعضه أو كله لا مع ضميره، وإن كان في المعنى مصدراً، وعلينا إتباعهم.
وقال أبو علي في التذكرة: لم يجز لأنك حلت بينه وبين معموله، يريد أن الحال القائمة مقام الخبر عن المصدر لابد أن يكون في المصدر من الحال له، ويكون معمول المصدر، فإذا أضمرت المصدر لم يبق معموله لأن

الضمير العائد على المصدر لا يعمل، فإذا لا يصح أن تكون الحال سادة مسد الخبر عن مصدر مضمر لأنها لا تسد إلا عن مصدر معموله صاحب الحال، والمضمر لا يعمل، فليس له معمول.
وقيل: لم يسمع منهم: ضربي زيداً هو قائماً، فلا تدخل عليه كان، فيكون اسماً لها، وكل ما كان اسماً لـ "كان" يجوز أن يتقدم، ويضمر فيها ضميره، فتقول في كان زيد قائماً: زيد كان قائماً، وهذا لم يأت في نحو هذا، لم يسمع: ضربي زيداً كان قائماً.

-[ص: ويحذف المبتدأ أيضاً جوازاً لقرينة، ووجوباً كالمخبر عنه بنعت مقطوع لمجرد مدح أو ذم أو ترحم، أو بمصدر بدل من اللفظ بفعله، أو بمخصوص في باب نعم، وبئس، أو بصريح في القسم، وإن ولي معطوفاً على مبتدأ فعل لأحدهما واقع على الآخر صحت المسألة، خلافاً لمن منع، وقد يغني مضاف إليه المبتدأ عن معطوف، فيطابقهما الخبر.]-
ش: مثال حذفه جوازاً لقرينة: صحيح، لمن قال: كيف زيد؟ و: مسك، عند شم طيب، و: إنسان، عند رؤية شبح، وقال الشاعر:
إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامة معتقة مما تجيء به التجر
أي: هذا طعم مدامة. ولو كان هذا معرفة لجاز جعله مبتدأ محذوف الخبر. ومما يحسن الحذف دخول فاء الجزاء على ما لا يصلح أن يكون مبتدأ، كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} أي: فصلاحه لنفسه.
وقوله لمجرد مدح أو ذم أو ترحم مثاله: الحمد لله أهل الحمد، ومررت بزيد الفاسق، ومررت ببكر المسكين. وإنما التزم/ هنا إضمار

المبتدأ لأنه مما يجوز فيه القطع إلى النصب على إضمار فعل لا يجوز إظهاره، قصدوا إنشاء المدح أو الذم أو الترحم، ولم يريدوا به الإخبار، فالتزموا فيه الإضمار إمارة على الإنشاء، كما فعلوا في النداء، إذ لو أظهر لأوهم الإخبار، فأجري الرفع مجرى النصب في إضمار الرافع والناصب ليستويا. واحترز بقوله "لمجرد مدح أو ذم أو ترحم" من أن يكون لغير ذلك، فإنه يجوز إظهار المبتدأ وإضماره، وإظهار الناصب وإضماره، نحو: مررت بزيد الخياط، يجوز فيه الرفع والنصب، ويجوز أن تقول: بزيد هو الخياط، وبزيد أعمي الخياط، وقال الشاعر:
نفسي فداء أمير المؤمنين إذا أبدى النواجذ يوم باسل ذكر
الخائض الغمر والميمون طائره خليفة الله يستسقى به المطر

وقوله أو بمصدر بدل من اللفظ بفعله مثاله قولهم: سمع وطاعة، وقال الشاعر:
فقالت: حنان، ما أتى بك ههنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف
التقدير: أمري سمع وطاعة، وأمري حنان.
والأصول في هذا النصب لأنه مصدر جيء به بدلاً من اللفظ بالفعل، فلم يجز إظهار ناصبه لئلا يكون جمعاً بين البدل والمبدل منه، ثم حمل الرفع على النصب، فالتزم إضمار المبتدأ.
وقيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ فقال: حمد الله وثناء عليه، أي: أمري

حَمْدُ الله. وقد جاء إظهار هذا المبتدأ في الشعر، أنشد ابن جني في الخصائص:
فقالت: على اسم الله، أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
وقوله أو بمخصوص في باب نعم وبئس مثاله: نعم الرجل زيد، جوزوا في "زيد" أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو زيد، فعلى هذا قالوا: يكون قد حذف المبتدأ وجوباً، وسيأتي الكلام في هذه المسألة إن شاء الله. ويتضح أنه لا يجوز في هذا المخصوص إلا أن يكون مبتدأ، والجملة التي قبله في موضع الخبر، له، كما لو كان تقدم على الجملة.
وقوله أو بصريح في القسم مثاله قول العرب: في ذمتي لأفعلن، أي: في ذمتي ميثاق أو عهد، وهذا عكس قولهم: لعمرك لأفعلن، ذكر هذه المسألة أبو علي الفارسي، وقال الشاعر:
تسور سوار إلى المجد والعلا وفي ذمتي لئن فعلت ليفعلا
ومما يجب فيه إضمار المبتدأ مواضع:
أحدها أن يذكر الشاعر منزلاً أو منازل/ يتغزل بها، ثم يقول: دار فلانة، أو ديار فلانة، كما قال الشاعر:
أتعرف رسم الدار قفرا منازله كسحق اليماني زخرف الوشي ماثله

بتثليث أو نجران أو حيث نلتقي من النجد في قيعان جاش مسايله
ثم قال:
ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى وإذ حبل سلمى منك دان تواصله
أي: هي ديار، أو تلك ديار. وقال الآخر:
هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا كما عرفت برسم الصيقل الخللا
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم بالقادسية نرعى اللعو والغزلا

وكذلك ما انتصب توكيداً لنفسه، نحو {صُنْعَ اللَّهِ}، و {وعْدَ اللَّهِ}، و {كَتَبَ اللَّهُ} و {صِبْغَةَ اللَّهِ}، هذا كله يجوز رفعه بإضمار مبتدأ لا يجوز إظهاره.
قال بعض أصحابنا: "وكذلك سائر ما جاء من الفصل الأول". يعني ما ارتفع خبر مبتدأ، وأصله أن ينصب بفعل لا يجوز إظهاره. قال: "إلا أنه غير مقيس، لا تفعله". يعني ترفعه على خبر مبتدأ إلا فيما سمعت بخلاف ما جاء في الديار، وما قطع في النعوت، وفي مصادر التوكيد، لكن ما سمع منه لا يكون إلا على هذا، أي: على خبر مبتدأ، كقولهم: من أنت زيد؟
الثاني: قول العرب: من أنت زيد؟ أي: مذكورك زيد، حذفت

المبتدأ وجوباً لأنهم قالوا: من أنت زيداً؟ بالنصب، أي: تذكر زيداً، اضمروا في الرفع كما أضمروا في النصب.
الثالث: قول العرب "لا سواء" حكاه س، وتأوله على حذف المبتدأ، تقديره: هذا لا سواء، وقال س: "إنما دخلت لا هنا لأنها عاقبت ما ارتفعت عليه سواء، ألا ترى أن لا تقول: هذان لا سواء". والمبرد لا يمنع ظهوره، يعني ظهور المبتدأ. وقدره بعضهم بعد "لا"، أي: لا هما سواء. ومن كلام المختار بن أبي عبيد، وقد قتل حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وأباه عمر بن سعد: "عمر بالحسين، وحفص بعلي بن الحسين، ولا سواء"، أي: ولا هما سواء. ولم تكرر "لا" لأن المعنى: ولا يستويان، فكما أن الفعل لا يلزم تكرير "لا" معه، فكذلك مع ما في معناه.
وفي كتاب أبي الفضل الصفار: س لا سواء، يريد أن هذه اللفظة تستعمل عندما تسوي بين شيئين أو أشياء، فيقول الراد: لا سواء، أي: هما لا سواء، لكن لم يظهر قط ما ارتفعت عليه سواء، وعاقبه "لا"، فكما أنك لو قلت "هما سواء" لم يلزم تكرار، فكذلك ما عاقبه.
الرابع: قولهم "لاسيما زيد" في من رفع زيداً، التقدير: لا سي الذي هو زيد.

وقوله وإن ولي معطوفاً إلى آخر المسألة مثال/ ذلك: عبد الله والريح يباريها، فمجيز ومانع، والمنع أظهر لأن "عبد الله" مبتدأ، و"الريح" معطوف عليه، والمعطوف على المبتدأ مبتدأ، و"يباريها" خبر عن المبتدأ الواحد، ويبقى الآخر لا خبر له، فلو لم تكن الواو صحت إجماعاً.
ومن أجازها من البصريين جعل خير المبتدأين محذوفاً، وتقديره: عبد الله والريح يجريان يباريها، و"يباريها" في موضع نصب على الحال، واستغنى بها عن الخبر لدلالتها عليه. ومن أجازها من الكوفيين فعلى معنى: يتباريان، إذ من باراك فقد باريته، ولم يقدر محذوفاً. قال أبو بكر بن الأنباري: عبد الله والريح يباريها، وأخوك والدنيا يذمها، بين هشام أن "عبد الله" رافعة في الأصل ما عاد من "يباريها"، و"الريح" يرفعها رجوع الهاء في "يباريها"، والواو نسقت "الريح" على "عبد الله"، فبنيا على: عبد الله والريح يتباريان، وعبد الله والدنيا مقرونان ومجتمعان، وبطل: عبد الله فالريح يباريها، وأخوك ثم الدنيا يذمها.
ولهشام في هاتين المسألتين جواب آخر، وهو أن الواو ترفع "عبد الله"، و"الريح" نسق على "عبد الله"، و"يباريها" حال لـ "عبد الله" و"الريح".
وتلخيص المسألة: عبد الله مع الريح يباريها، إذا كان معروفاً بالسخاء والإفضال والإشباه للريح في هذا المعنى، فكانت الواو هنا على ما هي عليه في: كل ثوب وثمنه، وكل رجل وضيعته.
وقال أحمد بن يحيي: إذا نسقت الريح على عبد الله على أن يباريها

حال نصب إذا صرف إلى الدائم، فقيل: مباريها، وإذا عمل على أن يباريها خبر عبد الله والريح اختلطا في عقدة، واجتمع "عبد الله" و"الريح" في التقرب لاختلاط الخبرين، إذا صرف "يباريها" إلى الدائم رفعه، وأتي بعده بكناية صاحبه، وصاحبه "عبد الله".
وقيل: عبد الله والريح مباريها هو، بإسكان الياء، وأخوك والدنيا ذامها هو، برز "هو" بعد "مباريها "وذامها" لأن فاعلاً جرى على غير صاحبه، فلم يحتمل ضميراً من صاحبه، كما فعل ذلك في "يدك باسطها أنت" لما جرى "باسط" على اليد، وهو فعل للكاف، لم يحتمل ضميراً من الكاف، فظهر صاحبه معه وأبرز.
قال أبو بكر: وقد شرحنا من إجازة الكوفيين هذا المكني، وأبي البصريون إلا إظهاره.
وأصل المسألتين بغير واو عاطفة: عبد الله الريح يباريها، وأخوك الدنيا يذمها. وللريح والدنيا وجهان:
أحدهما النصب بـ "يباري" و"يذم"، وهما مبنيان عند الكوفيين على التأخر بعد الفعل، والبصريون ينصبون الدنيا والريح بفعل مضمر قبل الدنيا والريح، يفسرهما الفعل المظهر.
والوجه الآخر ارتفاعهما برجوع الهاء. فمن عمل على أن "الدنيا" والريح في موضع نصب، وصرف المستقبل إلى الدائم، لم يحتج إلى زيادة في الكلام، فقال: عبد الله الريح مباريها، وأخوك الدنيا ذامها، فذام ومبار/ رافعهما عبد الله والأخ. ومن عمل على أن "الدنيا" و"الريح" في موضع رفع، وصرف المستقبل إلى الدائم، قال: عبد الله الريح مباريها هو، وأخوك الدنيا ذامها هو، احتيج في هذا المعنى إلى إبراز "هو"، وفيه من الحذف ما في غيره.
وقد أجاز هشام: كل رجل وأخوه قائم، على أن كلا يرفعه رجوع الهاء، والأخ رافعه قائم، نسقت الأخ على كل، لما اجتمع الخبران واختلطا

شُبِّها باختلاطهما في: عبد الله والدنيا يذمها.
وقد خالف بعض الكوفيين هشاماً في هذا وفي إجازته: عبد الله وصاحبه قائم، على أن الصاحب معطوف على عبد الله تشبيهاً بـ "أخوك والدنيا يذمها"، وقال: لا ينبغي أن نقيس على المختلطين غيرهما. انتهى ما لخص من كلام ابن الأنباري في هذه المسألة.
وقد أطلق المصنف في قوله "وإن ولي معطوفاً على مبتدأ"، وقد قيدوه بأن يكون العطف بالواو، فلو كان بالفاء أو بثم لم يجز. وقيد المصنف بقوله "فعل لأحدهما"، وقد جوزوا ذلك في الفعل وفي اسم الفاعل كما سبق في كلام ابن الأنباري.
وقال المصنف في الشرح: "واستدل أبو بكر بن الأنباري على صحة هذا الاستعمال بقول الشاعر:
واعلم بأنك والمنيـ ـة شارب بعقارها"
انتهى:
ولا حجة فيه لأنه لا يتعين أن تكون الواو للعطف، إذ يحتمل أن تكون واو "مع"، ويكون "شارب" خبراً لـ "أن" في قوله "بأنك"، التقدير: بأنك مع المنية شارب بعقارها، كما تقول: إنك مع هند محسن إليها.
وقد جعل الكوفيون هذا مقيساً على أن تكون الواو بمعنى "مع"، فيجيزون: إن زيداً وعمراً قائم، كأنك قلت: إن زيداً مع عمرو قائم، فليس لك ما تخبر عنه إلا اسم واحد، ولو أردت العطف عندهم لم يجز إلا أن تثني الخبر. واستدلوا على ذلك بقوله:

فإنك والكتاب إلي علي كدابغة, وقد حلم الأديم
وسيأتي ذكر هذه المسألة في "باب إن" إن شاء الله.
وقوله وقد يغني مضاف إلي آخر المسألة. قال المصنف في الشرح: "قد يقصد اشتراك المضاف والمضاف إليه في خير, فيجيء الخبر مثني كقول بعض العرب "راكب البعير طليحان", والأصل: راكب البعير والبعير طليحان, فحذف المعطوف لوضوح المعني" انتهي.
وهذه المسألة أجازها الكسائي وهشام, فلو قدمت, فقلت "طليحان صاحب الناقة" أبطلاها إذ لم يقم سابق دليل علي تثنية الخبر, والمرفوع المخبر معنه واحد.
قال ابن الأنباري: "وإنما جاز الأول لأن التقدير في التقديم: الناقة والصاحب, فثني الخبر بالدليل السابق, وهو الاثنان المذكوران, واستحال / "طليحان صاحب الناقة" لتثنية الفعل ورفعه من غير سبق دليل يوجب التثنية, ولا تأخر اثنان مرفوعان يكون مبناه عليهما, وما يصح البناء علي مدلول عليه إلا بمقارنة الدليل وسبقه إياه" انتهي.
وقال صاحب البديع: فأما قولهم "راكب الناقة طليحان" فتقديره: أحد طليحين, فحذف المضاف, وأقيم المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكون قد حذف المعطوف للعلم به, تقديره: راكب الناقة والناقة طليحان, ومثله

قول الشاعر:
أقول له كالنصح بيني وبينه هل أنت بنا في الحج مرتحلان
وقد جوز بعضهم: غلام زيد ضربتهما, فيعيد الضمير إليهما.

-[ص: والأصل تعريف المبتدأ وتنكير الخبر, وقد يعرفان. وينكران بشرط الفائدة, وحصولها في الغالب عند تنكير المبتدأ بأن يكون: وصفا, أو موصوفا بظاهر أو مقدر, أو عاملا, أو معطوفا, أو معطوفا عليه, أو مقصودا به العموم أو الإبهام, أو تالي استفهام أو نفي أو لولا أو واو الحال أو فاء الجزاء أو ظرف مختص أو لاحق به, أو بأن يكون دعاء, أو جوابا, أو واجب التصدير, أو مقدرا إيجابه بعد نفي. والمعرفة خبر النكرة عند س في نحو: كم مالك؟ واقصد رجلا خير منه أبوه.]-
ش: إنما كان الأصل تعريف المبتدأ لأن المبتدأ مسند إليه, والإسناد إلي المجهول لا يفيد المخاطب إلا بقرينة لفظية أو معنوية تقربه من المعرفة. وإنما كان الأصل تنكير الخبر لأن نسبته من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل, والفعل يلزمه التنكير, فرجح تنكير الخبر علي تعريفه, قاله المصنف, قال: "أو لكونه إذا كان معرفا مسبوقا بمعرفة توهم كونهما موصوفا وصفة, فمجيئه نكرة يرفع ذلك التوهم". ومثال تعريفهما: {اللهُ رَبُّنَا} و {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ}.
وقوله وقد يعرفان مثاله: زيد القائم, وفائدته أقل من فائدة الإخبار بالنكرة؛ لأنك إنما تستفيد منه النسبة إلي المبتدأ لا ثبوته, لأنك تعلمه,

ويشترط فيه أن لا يكون معلوم النسبة لأنه لا فائدة فيه إلا أن يدخله معني تعظيم, نحو: أنا أنا, ونحوه.
وقد خير بعض النحويين في جعل أيهما شئت المبتدأ أو الخبر. وقال بعضهم: هو بحسب المخاطب, فإن علم منه أنه في علمه أحد الأمرين, أو سأل عن أحدهما بقوله: من القائم؟ فقلت في جوابه: القائم زيد, فلا اختيار هنا؛ لأن الثاني كالمجهول, وأما لو أحضر الأمرين, فقال: هل أخوك زيد؟ فحينئذ تكون بالخيار. وأما من خير فلأنه لا فرق بين كونه في ذكره الأمران أو أحدهما إذا كان عالما بذلك في الجملة.
وفي الإفصاح: قال بعض المتأخرين: محل الفائدة - وهو الذي كان غير معلوم عند المخاطب - / هو الخبر, والمعلوم عنده هو الاسم, يعني في "باب كان". قال: وكذلك جعلوه في المبتدأ والخبر, وألزم بعضهم تقديم الخبر علي هذا لئلا يلبس.
وقال بعضهم: إذا كان أحد الاسمين أعم من الآخر فالعموم هو الخبر, نحو: زيد صديقي, إذا كان له أصدقاء غيره, ولا يجوز علي هذا: صديقي زيد, كما لا يجوز: الحيوان زيد, ولا: الكاتب عمرو, ولا: كاتب الأمير عمرو, إذا كان له كتاب, وتقول: عمرو كاتب الأمير. إذا لم يكن له كاتب ساواه. وقال بعضهم: هذا علي معني الحصر.
والذي عليه المتقدمون قول أبي علي: إنك تجعل ما شئت منهما الاسم والآخر الخبر, يعني في "باب كان وأخواتها" وكذا في المبتدأ والخبر.

وقد قال أبو بكر بن الصائغ في قول الشاعر:
أردت قصيرات الحجال, ولم أرد قصار الخطا, شر النساء البحاتر
إن "البحاتر" هو المبتدأ, و "شر النساء" الخبر لأنه أعم منه؛ لأن القصر من العيوب, والقصائر بعض معيبات النساء.
وسلم له ابن السيد هذا علي أنه الوجه والأصل, وأجاز أن يكون مبتدأ لأن الأول هو الثاني, وإذا علمنا من أحد الشيئين أنه الآخر علم من الآخر أنه الأول, فوقعت الفائدة. واحتج بقول زهير:
وإما أن تقولوا: قد أبينا فشر مواطن الحسب الإباء
قال: فدخول الفاء يدل علي أنه مبتدأ لأنها لا تدخل علي الخبر.
قال ابن هشام: "وهذا خطأ فاحش لأن الجواب إنما يكون في صدر الكلام, فإن تقدم الخبر كان صدرا, ودخلت عليه الفاء, كقولك: أما زيد ففي الدار, و: إن كان زيد في السجن ففي الدار عمرو. والحجة في قوله تعالي {إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ} " انتهي, وفي بعضه لي قليل توضيح.

وقوله وينكران من النكرات ما يلزم حالا واحدة, نحو: عريب وكتيع وأحد الذي همزته أصل, تقول: ما أحد مثلك, ونحوه؛ لأنه عام, ولا يقع إلا في النفي, وسيأتي خلاف المبرد فيه. ومنه ما لا يلزم طريقة واحدة.
وقوله وحصولها - أي: وحصول الفائدة - في الغالب قال المصنف: "تنبيه علي أن الفائدة قد يندر حصولها في الإخبار عن نكرة خالية من جميع ما ذكر, كقول من خرقت له العادة برؤية شجرة ساجدة أو بسماع حصاة مسبحة: شجرة سجدت, وحصاة سبحت" انتهي.
والمصنف لم يستوف المسوغات لجواز الابتداء بالنكرة, وسنذكر ما أغلفه منها, ونبين أن في هذا مسوغا منها: فالوصف قول العرب " ضعيف عاذ بقرملة", أي: إنسان ضعيف أو حيوان ضعيف التجأ إلي ضعيف والقرملة: شجرة ضعيفة.
والموصوف بظاهر "شوهاء ولود خير/ من حسناء عقيم". وهذا يسميه بعضهم خلفا من موصوف, أي: امرأة شوهاء.
وبمقدر قولهم: "السمن منوان بدرهم", أي: منوان منه بدرهم, وصف "منوان" بالمجرور المقدر, ومنوان: مبتدأ, بدرهم: خبره, والجملة خبر عن قولهم "السمن". وجعل المصنف من هذا قوله {وَطَآئِفَةٌ قَدْ

أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي: من غيركم, وهم المنافقون, وقول الشاعر:
إني لأكثر مما سمتني عجبا يد تشج, وأخري منك تأسوني
أي: يد منك.
ولا يتعين ما ذكر لأنه موضع تفصيل, فيجوز أن يكون المسوغ هو التفضيل.
وأنشد المصنف أيضا من ذلك:
وما برح الواشون حتي ارتموا بنا وحتي قلوب عن قلوب صوادف
أي: قلوب منا عن قلوب منهم.
والعامل: "أمر بمعروف صدقة, ونهي عن منكر صدقة". قال المصنف: (ويدخل في هذا المضاف إلي نكرة, نحو "خمس صلوات كتبهن الله علي العباد").
والمعطوف: زيد ورجل قائمان, فـ "رجل" نكرة جاز الابتداء بها لعطفها علي معرفة.
والمعطوف عليه قوله تعالي {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} علي أن يكون التقدير: طاعة وقول معروف أمثل, فساغ الابتداء بقوله (طاعة) لأنه عطف

عليه ما فيه مسوغ لجواز الابتداء به, وهو (معروف) الذ هو وصف لقوله (وقول) , وقال الشاعر:
غراب وظبي أعضب القرن ناديا بصرم, وصردان العشي تصيح
فابتدأ بـ "غراب" - وهو نكرة - لعطف "وظبي" عليه, وفيه مسوغ, وهو وصفه بـ "أعضب القرن". وظاهر كلام المصنف في الشرح أن مطلق العطف مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة, وجعل من ذلك قولهم "شهر ثري, وشهر تري, وشهر مرعي" وقول الشاعر:
فيوم علينا, ويوم لنا ويوم نساء, ويوم نسر
وهذا عند غيره ليس مسوغ الابتداء فيه بالنكرة ما ذكره المصنف من العطف, وإنما مسوغ ذلك التفضيل, وقد ذكره أصحابنا في المسوغات, وأغفله المصنف.

وجعل المصنف مما ابتدئ فيه بالنكرة لأجل العطف قول الشاعر:
عندي اصطبار وشكوى من معذبتي فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا
ولا يتعين ما ذكره المصنف لأنه قد تقدم هنا علي النكرة ظرف, وهو مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة, وقد ذكر هذا المسوغ المصنف, وسيأتي في التمثيل.
والمقصود به العموم قول ابن عباس "تمرة خير من جرادة", وقول العرب "خبأة خير / من يفعة سوء".
والإبهام مثله المصنف بقولهم: ما أحسن زيدا! وأصحابنا يقولون: جاز الابتداء بـ "ما" لأن فيها معني التعجب. وجعلوا من ذلك قول العرب: عجب لزيد. ولم يذكر المصنف هذا المسوغ, استغني عنه بالإبهام.
وتالي الاستفهام: أرجل في الدار؟ والنفي: ما رجل في الدار.
و"لولا" قول الشاعر:
لولا اصطبار لأودي كل ذي مقة حين استقلت مطاياهن للظعن

وواو الحال قول الشاعر:
سرينا, ونجم قد أضاء, فمذ بدا محياك أخفي ضوؤه كل شارق
وقال البعيث:
أغر إذا ما شد عقدا لذمة حماها, وطير في الدماء كروع
وأنشد المصنف في الشرح:
عرضنا, فسلمنا, فسلم كارها علينا, وتبريح من الوجد خانقه
ولا يتعين أن يكون الابتداء هنا بالنكرة لأجل واو الحال؛ لأن "من الوجد" إما أن يكون متعلقا بتبريح, أو يكون في موضع الصفة, وكل منهما مسوغ, أما إذا كان متعلقا بتبريح فيكون المسوغ كون المبتدأ عاملا, وأما إن كان في موضع الصفة فيكون المسوغ كونه موصوفا بظاهر, وقد ذكر المصنف هذين المسوغين.
وفاء الجزاء قول العرب: "إن ذهب عير فعير في الرباط".
وظرف مختص: أمامك رجل, فلو كان غير مختص لم يجز, نحو: أماما رجل. واللاحق به هو الجار والمجرور. قيل: وإنما جاز هذا لأن المخبر عنه في الحقيقة هو أمامك, المعني: أمامك معمور برجل. وشرط السهيلي أن يكون المجرور معرفة.

ومثلُهما في ذلك ما ذكره المصنف من الجملة المشتملة علي فائدة, نحو: قصدك غلامه رجل. ولا أعلم أحدا أجري هذه الجملة مجري الظرف والمجرور إلا هذا المصنف.
والدعاء: ويل لزيد, {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} , و "أمت في الحجر لا فيك", و "خير بين يديك".
والجواب: درهم, في جواب: ما عندك؟ أي: درهم عندي. قال المصنف: "ولا يجوز أن يكون التقدير "عندي درهم" إلا علي ضعف؛ لأن الجواب ينبغي أن يسلك به سبيل السؤال, والمقدم في السؤال هو المبتدأ, فكان هو المقدم في الجواب, ولأن الأصل تأخير الخبر, فترك في مثل: عندي درهم؛ لأن التأخير يوهم الوصيفة, وذلك مأمون فيما هو جواب, فلم يعدل عن الأصل بلا سبب" انتهي. وغير مطابقة الجواب للسؤال في الإعراب لا نقول إن ذلك هو / ضعيف, بل هو جائز, وإن كان الأرجح المطابقة؛ ألا تراهم جوزوا الوجهين في باب الاشتعال في الجملة الاشتغالية التي تكون جوابا, وإن كان الطباق في الإعراب أولي عندهم, لكن الوجه الآخر ليس بضعيف.
وواجب التصدير: من في الدار؟ وكم عبدا لك؟
ومقدر إيجابه بعد نفي "شر أهر ذا ناب" و "مأرب دعاك إلينا لا

حفاوة" بمعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر, وما دعاك إلينا إلا مأرب, ومثله قول الشاعر:
قدر أحللك ذا المجاز, وقد أري وأبي لك ذو المجاز بدار
وقال الآخر:
قضاء رمي الأشقى بسهم شقائه وأغري سبيل الحر كل سعيد
أي: ما أحللك ذا المجاز إلا قدر, وما رمي الأشقى إلا قضاء. أنشد المصنف البيتين علي هذا المعني.
قال بعض أصحابنا: "لا يقال "شيء ما جاء بك" إلا لمن جاء في وقت ما جرت العادة بأن يجيء في مثله إلا لأمر مهم. وكذلك "شر أهر ذا ناب", لا يقال إلا في وقت لا يهر الكلب فيه إلا لشر, وجرت العادة لذلك, وإلا فالكلب يهر لغير الشر كثيرا.
وقال س: "إنما جاز أن يبتدأ به لأنه في معني: ما جاء بك إلا شيء".
وقال ابن الطراوة: إنما جاز لأنه مفاجأة, فلا يحتاج إلي التعريف, وإنما التعريف والتنكير أمر يختص به المخاطب. وهذا ليس بشيء, فإن قولك "شيء ما جاء بك" لا يقال إلا لمن تستقبل بالخبر كما بينا, ولو زعم ذلك في "شر أهر ذا ناب" أمكن لأنه يمكن أن يستقبل به أحد, لكن لا على

اللزوم, فنهايته أن زاد في شروط الابتداء بالنكرة أن تكون مفاجأة. وكذلك جعل المثل "ليس عبد بأخ لك" علي المفاجأة. ونحن نقول أن يكون سببه النفي" انتهي. وقد انتهت المسوغات التي ذكرها المصنف, وهي ثمانية عشر.
وزادوا: أن تكون موضع تفصيل, نحو قوله:
فأقبلت زحفا علي الركبتين فثوب نسيت, وثوب أجر
وأن يكون اسم شرط, نحو: من يقم أقم معه. وهذا داخل تحت قول المصنف "أو واجب التصدير".
وأن يكون قارب المعرفة, نحو: أفضل من زيد عندنا. وهذا داخل تحت قول المصنف "أو عاملا" لأن "من" تتعلق بأفعل التفضيل.
وأن يكون مصغرا, نحو: رجيل عندنا. وهذا يمكن أن يدخل تحت قول المصنف "أو موصوفا" لأن التصغير وصف في المعني, فكأنك قلت: رجل صغير الجرم عندنا.
وأن يكون "كم" الخبرية, نحو: كم رجل جاءني. وهذا يندرج تحت قوله "واجب التصدير".
وأن يكون فيه معني التعجب/ , نحو: عجب لزيد. وعلي هذا يتخرج ما تقدم ذكره من قول المصنف "شجرة سجدت" وشبهه؛ لأن الناطق بذلك تعجب من هذا الخارق العظيم.
وأن يكون محصورا بأداة الحصر, نحو: ما في الدار إلا رجلٌ, وإنما

في الدار رجلٌ. وهذا في معني ما تقدم عليه حرف النفي, أو تقدم عليه الظرف, وكلاهما مسوغ للابتداء.
وزاد الأخفش في مسوغات الابتداء بالنكرة أن تكون في معني الفعل, نحو: قائم زيد. وتقدم مذهبه في ذلك. وما استدل به أيضا من قوله تعالي {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا} في قراءة من رفع (دانية) لا حجة فيه لاحتمال أن يكون خبرا مقدما.
وزاد الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في المسوغات أن تكون النكرة لا تراد لعينها, نحو: رجل خير من امرأة, يريد واحدا من هذا الجنس, أي واحد كان خير من كل واحدة من هذا الجنس, قال: "إلا أن معناه يؤول إلي العموم, إلا أنه يخالف العموم في أنه يدل علي كل واحد علي جهة البدل, أعني أنه لا يتناول الجميع دفعة واحدة" انتهي.
وهذا الذي ذكره الأستاذ أبو الحسن يندرج تحت قول المصنف "ومقصودا به العموم"؛ لأن العموم علي قسمين, عموم شمول, نحو: كل يموت, وعموم بدل, نحو: "تمرة خير من جرادة".
ولا يجوز أن يبتدأ بالنكرة إلا وفيها مسوغ من هذه المسوغات التي ذكرنا, فأمَّا قوله:

مرسعة بين أرساغه به عسم يبتغي أرنبا
فزعم بعضهم أنه جاز الابتداء بالنكرة هنا لأنه فعل ذلك ضرورة.
ورد هذا بأنه ليس من أحكام الضرائر أن يجوز بسببها الكلام الذي لا يفيد.
وخرجه بعض أصحابنا علي أنها نكرة لا تراد بعينها؛ لأنه لا يراد مرسعة دون مرسعة, بخلاف قولك: رجل قائم, فإن رجلا لا يقع هنا إلا علي الذي وقع منه القيام.
ولم يشترط س في الابتداء بالنكرة إلا أن يكون في الإخبار عنها فائدة, لكن النحويين تتبعوا مواضعها. ولا يدخل علي س جواز ما أجمع النحويون علي أنه ليس من لسان العرب, وهو: رجل في الدار, لاعتقاد أن فائدته وفائدة "في الدار رجل" واحدة؛ لأن امتناع "رجل في الدار" إنما هو لعروض اللبس الحاصل بتأخر "في الدار" أهو صفة أم خبر, وأنه ينبغي حمله علي الصفة لاحتياج النكرة إليها لشدة إبهامها, وذلك بخلافه إذا تقدم. ولا يرد عليه نحو "زيد القائم" فيمنع لأنه يؤدي إلي اللبس لاحتمال أن

يكون صفة؛ لأن النكرة أحوج إلي النعت من المعرفة, فلذلك كان اللبس إلى النكرة أسرع منه إلي المعرفة.
وقال بعضهم: الابتداء بالفعل فيه إنباء بأمر وقع في زمان, فيتشوف الذهن عند سماعه إلي محل الفعل, فإذا أتيت بما أتيت حصل غرض / السائل. وكذلك إذا قدمت المجرور, بخلاف تقديم النكرة.
وقيل: المجرور نائب عن عامل في الخبر بحيث لا يذكر معه, وإذا ناب عن عامل صار بمنزلة تقديم الفعل, والفعل يكون فاعله نكرة, ولم يكن ذلك في "قائم زيد" لأن "قائم" لم ينب عن عامل كالمجرور.
وقوله في نحو: كم مالك؟ إنما حكم س علي "كم" بالابتداء مع أن ما بعدها معرفة لأن أكثر ما يقع بعد أسماء الاستفهام النكرة والجمل والظرف, فيتعين إذ ذاك أن يكون اسم الاستفهام مبتدأ, نحو: من قائم؟ ومن قام؟ ومن عندك؟ فحكم عليها بالابتداء وعلي المعرفة بالخبر ليجري علي حال واحدة, فيكون الأقل حمل علي الأكثر, قال معناه المصنف.
وقال غيره: "ما أنت وزيد؟ " "ما" عند س مبتدأ, و "أنت" الخبر, نص علي هذا, وغيره يعكس, ويقول: قدم الخبر لأجل الاستفهام. وما ذكر س أولي لأن معني الاستفهام كالتعريف, يحسن الابتداء بالنكرة, وإذا تقدم علي معرفة صارا كالمعرفتين, نحو: زيد أخوك, والمقدم منهما هو المبتدأ.
وكذا قال في "كم أرضك"؟ إن "كم" مبتدأ, و "أرضك" الخبر.

وغيره رأى أن المستفهم به هو المجهول, والمستفهم عنه معلوم للمخاطب, فلا يخبر به, وهو في الجواب خبر, فكذلك ينبغي أن يكون في السؤال. وس يري أن الأول لما كان الثاني معني وقعت الاستفادة بمجموعهما. قال المصنف: "والكلام علي أفعل التفضيل كالكلام علي أسماء الاستفهام" انتهي.
ونقول: إن قولك: اقصد رجلا خير منه أبوه, كان القياس أن يكون "خيرا" منصوبا ليكون صفة للنكرة قبله, لكن منع من ذلك أن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر فصيحا إلا في مسألة "ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد", ولو جعلت مكان "أفضل" وصفا غير أفعل التفضيل لرفع الظاهر, فكنت تقول: اقصد رجلا محسنا لك أبوه, لكان كونه منصوبا صفة أحسن من كونه مرفوعا, فلما كان محل "أفضل" محل ما يرفع به ما بعده ترك مرفوعا بالابتداء, ليرتفع به "أبوه", وجعل "أبوه" خبرا حتى لا يخلو أفعل التفضيل من العمل فيه؛ إذ كان قياسه لو كان منصوبا علي الوصف أن يعمل فيه هذا مع كونه فيه مسوغان لجواز الابتداء بالنكرة: أحدهما كونه عاملا يتعلق به المجرور. والثاني قربه من المعرفة حيث لا يقبل "أل".

-[ص: والأصل تأخير الخبر, ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائية الخبر أو فاعلية المبتدأ, أو يقرن بالفاء أو بإلا لفظا أو معني في الاختيار, أو يكن لمقرون بلام الابتداء, أو لضمير الشأن, أو شبهه, أو الأداة استفهام أو شرط أو مضاف/ إلي إحداهما, ويجوز نحو: في داره زيد, إجماعا, وكذا: في داره قيام زيد, وفي دارها عبد هند, عند الأخفش.]-
ش: إيهام ابتدائية الخبر بأن يكونا معرفتين أو نكرتين, فأيهما تقدم هو المبتدأ لأنه لا يتميز المبتدأ من الخبر إلا بأن يتقدم, فإذا قلت: زيد أخوك, وأفضل منك أفضل مني, فـ "زيد" و "أفضل منك" هو المبتدأ. فلو كان ثَمَّ

قرينة تميز الخبر من المبتدأ جاز التقديم للخبر علي المبتدأ, كما قال حسان:
قبيلة ألام الأحياء أكرمها وأغدر الناس بالجيران وافيها
وقال آخر:
وأغناهما أرضاهما بنصيبه وكل له رزق من الله واجب
أي: أكرمها ألأم الأحياء, وأرضاهما بنصيبه أغناهما. قال:
بنونا بنو أبنائنا, وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
أي: بنو أبنائنا بنونا, فـ "بنونا" خبر شبه به المبتدأ, وعلي هذا يجوز في: زيد زهير شعرا, وعمرو عنترة شجاعة, وأبو يوسف أبو حنيفة فقها, تقديم زهير وعنترة وأبي حنيفة وإن كانت أخبارا مشبها بها المبتدآت لوضوح المعني بأن الأعلى لا يشبه بالأدنى عند قصد الحقيقة. وكذلك قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك, وقد تعدي الصحاح مبارك الجزب
فـ "من يجني" هو المبتدأ, و "جانيك" الخبر, أي: كاسبك الذي تعود

جنايته عليك. هذا كله تفسير المصنف في الشرح لقوله " إن لم يوهم ابتدائية الخبر".
وسواء أكانا معرفتين أم نكرتين أم كان المبتدأ مشبها بالخبر, فمتى دل المعني علي تمييز المبتدأ من الخبر في هذه الأشياء جاز أن يتقدم الخبر علي المبتدأ, ومتى لا يتميز وجب تقديم المبتدأ وتأخير الخبر.
وأطلق أكثر أصحابنا القول بوجوب تأخير الخبر إذا كانا معرفتين أو نكرتين, أو كان الخبر مشبها به المبتدأ من غير لحظ لما يدل علي التمييز مما لا يدل. ولا يعني بكونهما ومعرفتين تساويهما في رتبة التعريف, ولا يعني أيضا بكونهما نكرتين تساويهما في رتبة المسوغ لكل واحد منهما في جواز الابتداء بالنكرة, بل مطلق التعريف ومطلق المسوغ, فإذا قلت: زيد أخوك, فالمتكلم قدر أن المخاطب يعرف زيدا, ويجهل نسبة الأخوة, فلو عكست انعكست النسبة إذ يكون المخاطب عالما بأن له أخا, وجهل كونه زيدا, فلذلك لم يجز تقديمه إلا إن كان ثم ما يميز المبتدأ من الخبر.
وهذه المسألة فيها خلاف: فمن النحويين من أجاز ذلك, ولم يلتفت إلي هذا الانعكاس, / ويقول الفائدة تحصل للمخاطب سواء أقدمت الخبر أم أخرته. ومنهم من منع لهذا الذي ذكرناه.
وهذه المسألة جري الكلام فيها بين رجلين كبيرين من علماء بلادنا الأندلس, وهما الأستاذ أبو محمد بن السيد, وأبو بكر بن الصائغ, وأصل

ذلك اختلاف النحاة بمدينة سرقسطة في قول الشاعر:
وأنت التي حببت كل قصيرة إلي, ولم تشعر بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال, ولم أرد قصار الخطا, شر النساء البحاتر
فقال بعضهم: "شر النساء" خبر مقدم, و "البحاتر" مبتدأ, ولا يجوز غيره لأن الشاعر أراد أن يحكم علي البحاتر أنهن شر النساء. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك لئلا ينقلب المبتدأ خبرا والخبر مبتدأ. فدارت بين الرجلين مكالمة ونزاع وتعصب, حتى أملي في ذلك ابن السيد, وأجاز أن يكون خبرا مقدما, وأجاز أن يكون مبتدأ. ويوقف علي ترجيح ذلك من كلامه, وقد حكي هو الخلاف في ذلك, فقال: لم يجز ذلك عند جماعة من النحويين.
وقوله أو فاعلية المبتدأ وذلك بأن يخبر عنه بفعل مستكن فيه ضميره, نحو: زيد قام, فلا يجوز تقديم قام لأنه لو تقدم أوهم أن زيدا فاعل. فلو أمن اللبس ببروز الفاعل في حال التثنية والجمع, فقلت: الزيدان قاما, والزيدون قاموا, والهندات قمن, ففي جواز التقديم خلاف:
منهم من منع ذلك إجراء لضمير التثنية والجمع مجري الضمير المفرد لأنهما فرعه, فيجري الباب مجري واحدا, ويقول: إذا ورد مثل "قاما أخواك" فله تأويلان:
أحدهما: أن الألف علامة تثنية كالتاء في قامت زينب, وهي لغة "أكلوني البراغيث".
والثاني: أن تكون الألف فاعلا, وما بعدها بدل منها.
ومنهم من أجاز ذلك لأنه موضع قد أمن فيه اللبس. وإياه اختار

المصنف في الشرح, وقال: "لا يمنع من ذلك احتمال كونه علي لغة "أكلوني البراغيث"؛ لأن تقديم الخبر أكثر من تلك اللغة, والحمل علي الأكثر راجح".
فلو كان الضمير منفصلا أو رفع سببيا جاز التقديم, نحو: ما قام إلا هو زيد, وقام أخوه زيد. فإن رفع الفعل ظاهرا غير السببي قبح, نحو: ضرب أبو بكر زيد, أي: زيد ضربه أبو بكر. ووجه قبحه أنك صدرت الموضع بما لا يصح أن لكون له, فتبني الكلام علي الفعل. وقال يعقوب: قرئ {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} علي معني: السموات والأرض وسعها كرسيه.
وقوله أو يقرن بالفاء مثاله: الذي يأتيني فله درهم. وعلته أنه إنما دخلت الفاء في الخبر تشبيها للمبتدأ باسم / الشرط, ولخبره بجواب الشرط, فكما لا يجوز أن يتقدم جواب الشرط, كذلك لا يجوز أن يتقدم هذا الخبر المشبه به.
وقوله أو بإلا لفظا مثاله {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ}.
وقوله أو معني مثاله {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ}.
وقوله في الاختيار إشارة إلي أنه قد جاء في الشعر مقدما وقد قرن بـ "إلا", قال الشاعر:

فيا رب هل إلا بك النصر ... عليهم وهل إلا عليك المعول
وقوله أو يكن لمقرون بلام الابتداء مثاله: لزيد قائم, فلا يجوز: قائم لزيد. وسبب ذلك أن اقتران المبتدأ باللام يؤكد الاهتمام بأول الجملة, والتقدم عليه مناف لذلك فامتنع فأما قوله:
خال لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكثر الأخوال
فتخريجه إما على زيادة اللام في الخبر كقوله:
أم الحليس لعجوز شهر به ترضى من اللحم بعظم الرقبة
وإما على إضمار مبتدأ أي: خالي لهو أنت والزيادة أولى من اعتقاد كونها للتأكيد وحذف المبتدأ لأن مصحوبها مؤكد بها, فينا فيه الحذف ومن زيادتها في الخبر قول كثير عزة:
أصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجن اللواتي قلن: عزة جنت
فهن لأولى بالجنون وبالردى ... والسيئات ما حيين وحيت
وزيدت مع المبتدأ في قول الخنساء:
وبنفسي لهموم ... فهي حرى أسفه

وقوله أو ضمير الشأن مثاله: هو زيد منطلق فلو تأخر "هو" لم يدر أهو ضمير الشأن أم لا, ولاحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في " منطلق".
وقوله أو شبهه مثاله: كلامي زيد منطلق يمتنع تقديم الخبر لأن تقديم قولك"زيد منطلق" يعلم منه السامع أنه كلامك فإذا قلت بعد ذلك"كلامي" لم يفده هذا شيئاً, وكأنك قلت: كلامي كلامي, ولا فائدة في ذلك.
وقوله أو لأداة استفهام مثاله: أيهم أفضل؟ أو شرط: من يقم أقم معه.
وقوله أو مضافاً إلى احدهما مثاله: غلام أيهم أفضل؟ وغلام من يقم أقم معه. فهذه المواضع التي ذكر المصنف أنه يجب فيها تأخير خبر المبتدأ.
وزاد بعض أصحابنا أن يكون خبراً لـ"كم" نحو قولك: كم غلام عندي: أو لمضاف إليها نحو: وزير كم ملك زارني. أو لـ"ما" التعجبية/ نحو: ما أحسن زيدا! أو لمبتدأ مستعمل مقدماً عليه في مثل نحو " الكلاب على البقر" و"أمت في الحجر لا فيك" و" عبد صريخه أمه".
أو يكون خبراً لضمير متكلم, أو مخاطب موصولاً يجوز تثنيته وجمعه أو نكرة والصلة والصفة قد عاد الضمير فيهما مطابقاً للمبتدأ في التكلم أو الخطاب مثاله: أنت الذي تضرب وأنا الذي أضرب وأنت رجل تضرب زيداً وأنا رجل أضرب فلا يجوز تقديم الخبر في شيء من

هذه المثل، خلافاً للكسائي فإنه يجيز التقديم.
أو خبراً لمبتدأ فيه معنى الدعاء: معرفة, نحو {الْحَمْدُ لِلَّهِ} والويل لزيد و {لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} والخيبة لزيد. فأما: لله الحمد وقول الشاعر:
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة بنة يشكرا
فإنما خرج مخرج الخبر الثابت الذي لا يرجى ولا يطلب. أو نكرة نحو: ويح لزيد وويل له ولبيك وخير بين يديك وسلام عليك وويس لك, وويله لك وعوله, وخير لك وشر لك وفدى لك أبي وأمي وحمى لك أمي ووفاء لك أمي من هذا عند س. أو جملة لا تحتمل الصدق لا الكذب نحو: زيد اضربه, وزيد هلا ضربته.
قال بعض أصحابنا: وكذلك: ما زيد بقائم يجب فيه تقديم "زيد" على اللغتين فلا يجوز: ما بقائم زيد. ويعني بـ"اللغتين" لغة تميم ولغة الحجاز وسيأتي ذكر الخلاف في هذا إن شاء الله.
وزاد الجزولي أن يكون الخبر محذوفاً والمبتدأ معرفة , ومثلوه بقولهم: لولا زيد لأكرمتك فالنية بالخير المحذوف التأخير.
ولا ينبغي أن يجعل قوله" والمبتدأ معرفة" قيداً في المبتدأ بل أخرج مخرج الغالب, ألا ترى أنه يجوز أن يأتي المبتدأ نكرة بعد"لولا" وإنما قُدِّر

مؤخراً لأنه خرج عن الأصل بالحذف فلا يجمع عليه مع ذلك خروجه عن الأصل بنية التقديم, وقد تقد الخلاف في الرافع للاسم بعد"لولا"
وزاد في "الإفصاح " قولهم: ضربي زيداً قائماً والمبتدأ بعد"أما" نحو: أما زيد فعالم لأن الفاء لا تلي "أما".
وقوله ويجوز نحو"في داره زيد" إجماعاً إنما جاز ذلك لأنه منوي به التأخير, وفيه ضمير يفسره ما بعده لفظاً والنية به التقديم فهو شبيه بقولهم: ضرب غلامه زيد.
وما ذكره المصنف من جواز هذه المسألة إجماعاً ليس كما ذكر بل فيها خلاف عن الأخفش نقل عنه أبو جعفر الصفار أنه إذا ارتفع "زيد" بالظرف منعها. وإنما منعها لأنه إذا رفع الظرف الاسم بعده كان واقعاً في محله لأنه عامل, فيلزم من ذلك أن يتقدم/ الضمير على مفسره, وذلك لا يجوز.
وأجاز ذلك البصريون لأن زيداً مرفوع بالابتداء لا بالظرف, وذلك عندهم على التقديم والتأخير. وكذلك أجاز هذه المسألة الكوفية.
فقيل لهم: كيف أجزتموها وليس المعنى التأخير؟
قالوا: حمل على المعنى لأن المعنى: استقر زيد في داره وحل في داره أو نزل في داره فهي مع الظرف بمنزلتها مع المفعول.
قيل: أو ليس قد صار الظرف رفعاً وحل محل الفعل الذي لا يجوز تأخيره؟.

قالوا: بلى, ولكنه بمنزلة ذلك الذي كان يتقدم ويجوز تأخيره يعنون المفعول والقياس على قولهم أن لا يجوز.
وقوله وكذا "في داره قيام زيد" و"في دارها عند هند" عند الأخفش.
قال المصنف في الشرح:"أجاز الأخفش تقديم خبر مشتمل على ضمير عائد على ما أضيف إليه المبتدأ وسوى في ذلك بين الصالح للحذف وإقامة المضاف إليه مقامه, نحو: في داره قيام زيد, وبين ما لا يصلح لذلك, ونحو: في دارها عبد هند. وبقوله أقول لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد, فإذا كان المضاف مقدر التقدم بوجه ما كان المضاف إليه مقداراً معه, إلا أن تقديم ضمير ما يصلح أن يقام مقام المضاف أسهل, ومنه قول العرب " في أكفانه درج الميت" وقول الشاعر:
بمسعاته هلك الفتى أو نجاته فنفسك صن عن غيها تك ناجيا"
انتهى كلامه.
وما ذكر المصنف من أن الأخفش أجاز المسألتين هو قول البصريين, وذكره جواز ذلك منسوباً إلى الأخفش يوهم أن غيره من البصريين يخالفه, وليس كذلك.
ومنع الكوفيون المسألتين فلا يجيزون: في داره قيامُ زيد, ولا:

على بابها عبد هند وكذلك أيضا لا يجيزون: مفاعله الدال على الخير.
ويجيزه البصريون , وإنما أجاز البصريون ذلك لأنهم يرفعون زيداً والدال بالابتداء.
وحكي أبو جعفر الصفار عن الأخفش المنع إن رفعت بالظرف. فكان ينبغي للمصنف في هذه المسألة أن يفصل القول عن الأخفش , فيقول: إن رفع بالظرف لم يجز, أو بالابتداء جاز.
ولو كان الخبر مضافاً إلى ضمير يعود على مضاف إليه المبتدأ نحو: غلامه محبوب زيد, أو جملة مصدره بمضاف إلى ضميره نحو: أبوه ضربه عمرو, فنقل ابن كيسان أن ذلك لا يجوز من قول النحويين أجمعين, فلو زدت اسماً فقلت: أبوه ضربه عمرو زيد, والفعل لعمرو والهاء في "أبوه" لزيد جاز ذلك في قول البصريين على التقديم والتأخير, لأن من كلامهم: أبوه صائم زيد.

-[ص: ويجب تقديم الخبر إن كان أداة استفهام أو مضافاً إليها أو مصححاً تقديمه الابتداء بنكرة أو دالاً بالتقديم على ما لا يفهم بالتأخير أو مسنداً دون أما إلى "أن" وصلتها أو إلى مقرون بالا لفظً أو معنى أو إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر.]-
ش: مثاله أداة استفهام: أين زيد؟ واحترز بقوله "إن كان - أي الخبر- أداة استفهام" من أن يكون جزءا في الخبر نحو: زيد هل ضربته؟ فإنه لا يجب تقديم الخبر هنا.
مثاله مضاف للأداة: صبح أي يوم السفر؟
ومثال المصحح: في الدار رجل, وخلفك امرأة. وقال المصنف "ونحو: قصدك غلامه رجل, لولا الكاف من "قصدك" لم يفد الإخبار

بالجملة كما أنه لولا اختصاص الظرف والمجرور لم يفد الإخبار بهما"
وذهب الكوفيون إلى أن قولك: أمامك رجل, وفي الدار رجل ارتفع الاسم فيهما على الفاعلية. وكذلك لو كان معرفة نحو: أمامك زيد, وفي الدار عمرو, لأنه في معنى: حل أمامك رجل, وحل في الدار رجل, فحذف الفعل واكتفي بالظرف والجار فتقدمه كتقدم الفعل ولو تقدم الفعل لوجب أن يكون فاعلاً فكذلك هذا.
ورد هذا المذهب بجواز دخول النواسخ عليه, فلو لم يكن الأصل الابتداء الخبر لم يجز دخول النواسخ. واتفق أكثر القائلين على أن الظرف أو الجار إن كان معتمداً عمل لقوته.
وزعم بعضهم أنه يرتفع بالابتداء سواء اعتمد أم لا يعتمد. وسيأتي الكلام في ذلك.
ومثال الدال بالتقديم قولهم: الله درك! وشبهه من الجمل التعجبية فأن تعجبها لا يفهم إلا بتقديم الخبر وتأخير المبتدأ. قال المصنف في الشرح: "وكذا نحو {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} من الجمل الاستفهامية المقصود بها التسوية فإن الخبر فيها لازم التقدم, وذلك لأن المعنى: سواء عليهم الإنذار وعدمه فلو قدم (أَأَنذَرْتَهُمْ) لتوهم السامع أن المتكلم مستفهم حقيقة وذلك مأمون بتقديم الخبر, فكان ملتزما" انتهى كلامه.
وما ذكره المصنف من أن (سواء) هو خبر مقدم واجب التقديم هو

قول جماعة, وذهب بعضهم إلى أنه مبتدأ والحبر جملة وقد ذكرنا هذين القولين فيما تقدم.
وذهب بعضهم إلى أن (سواء) مبتدأ والجملة فاعل, والتقدير: استوي عندي أقمت أم قعدت فيكون ذلك مثل تخريجهم "نولك أن تفعل" على أن "نولك" مبتدأ و"أن تفعل" فاعل به لأنه في معنى: ينبغي لك أن تفعل.
وللسهلي في هذه المسألة مذهب غريب قال ما نصه:" ومما لا يجوز تقديمه باتفاق: سواء علي أقمت أم قعدت فـ"سواء" مبتدأ, والجملة خبر. و"سواء" ليس بمبتدأ في المعنى, إذ لو كان مبتدأ لكان في الجملة عائد فالجملة/ إذا ليست خبراً على الحقيقة لأن المعنى: سواء على القيام والقعود فالقيام مبتدأ معنى ولا يكون في المبتدأ ضمير يعود على الخبر البتة, فكذلك في هذه الجملة الواقعة موقع المبتدأ الذي هو "إنذار" هذا تفسير مذهب أبي علي ومن قال بقوله,
ولا يصح ذلك لأنك تقول: سيان زيد وعمرو, ولا تقول: سيان أقمت أم قعدت ولا: سواء أقمت أم قعدت حتى تقول: على أو عليهم لأنك لا تريد استواء الشيئين في صفة هي لهما, كما إذا قلت: سواء زيد وعمرو إذا سويت بينهما في حسن أو قبح أو نحوهما وإنما المساواة في عدم المبالاة فمعنى ذلك: لا أبالي أكان هذا أم هذا فقد عاد معنى المساواة إلى فعل القلب, وهو عدم الالتفات والمبالاة وإذا عدم الالتفات بالقلب إلى الشيء عدم العلم به فصار معنى "سواء علي": لا أبالي ولا ألتفت وصارت الجملة الاستفهامية في موضوع المفعول بـ"لا أبالي" كما تكون في موضع

المفعول إذا قلت: لا أدري, وصار الفعل نحو الضمير المخفوض في علي وعليهم, ولولا قوله "علي" و"عليهم" ما جازت المسألة, وإنما أتى بـ"على" دون غيرها لأن المعنى: هين عليهم أي: لا يبالون, فالضمير في "عليهم" هو الفاعل في "يبالون" فلابد منه في هذه المسألة كما لا بد منه في {ثُمَّ بَدَا لَهُم} فقوله (ليسجننه) و (أَأَنذَرْتَهُمْ) كلام لا يكون في موضع رفع أبدا, إنما يكون في موضع نصب بعد فعل القلب, وذلك أن معنى بدا: ظهر وهو هنا ظهور للقلب لا للعين ولا بد له من فاعل وفاعله هو الاسم المجرور باللام من قوله (لهم) قال: المعنى إلى العلم ورؤية القلب فكأنه قال: ثم رأوا ليسجننه فالفاعل في (رأوا) هو المجرور باللام, كما أن الفاعل في "لا يبالون" هو المجرور بـ"علي" إذا قلت: سواء عليهم وقد قال س في قولهم " له صوت صوت حمار": بنصب الثاني إن"صوت حمار" مفعول وإن الفاعل هو المجرور باللام من قولك "له" وإنه الضمير الذي في يصوت أو يبدي صوت حمار, فكذلك الفاعل هو المخفوض بـ"على" وباللام من قوله (سواء عليهم) و (بدالهم) والجملة المستفهم عنها أو المؤكدة باللام هي المفعول بالمعنى الذي بيناه فـ"سواء" على هذا مبتدأ في الفظ دون المعنى ولذلك لم يكن له خبر في الحقيقة كما كان في قولهم" حسبك ينم الناس" معناه: اكفف فخالف باطن الكلام ظاهره, فلم يكن له خير كما أن قولك "اكفف" لا يخبر عنه وكذلك أقائم زيد؟ " قائم: مبتدأ في اللفظ وزيد: فاعل به ولا خبر لـ"قائم" لأن معنى الكلام: أيقوم زيد؟ وكل مبتدأ معناه/ معنى الفعل فخبره متروك مراعاة للمعنى الذي تضمنه الكلام ولهذا نظائر في أبواب كثيرة من العربية " انتهى كلامه.

وتلخص من هذا كله أن الجملة بعد (سواء) إما مبتدأ و (سواء) الخبر وإما خبر, و (سواء) المبتدأ وإما فاعل بـ (سواء) و (سواء) مبتدأ وإما مفعول و (سواء) مبتدأ.
وقوله أو مسنداً دون "أما" إلى "أن" وصلتها مثال ذلك: معلوم أنك عاقل قال تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ}.
وهذا الذي ذكره من وجوب تقديم الخبر على "أن" ومعمولها إذا لم تلها "أما" فيه خلاف:
ذهب س والجمهور إلى المنع.
وأجاز تقديم "أن" الأخفش والفراء وأبو حاتم فتقول: أنك عاقل صحيح.
واعتلوا للمنع بخوف الالتباس بالمكسورة أو الالتباس بـ"أن" التي بمعنى "لعل" أو التعرض لدخول "إن" فيستثقل اجتماعهما.
واستدل من أجاز بالقياس على "أن" نحو قوله {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}.
فإن وليتها أما جاز التقديم بلا خلاف قال الشاعر:
دأبي اصطبار , وأما أنني جزع ... يوم النوى فلوجد كاد يبريني
وقوله أو إلى مقرون بإلا لفظاً: ما في الدار إلا زيد أو معنى: إنما في الدار زيد.
وقوله أو إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر مثاله: في الدار ساكنها

وخلف دارك من يشتريها, ومعرض عند هند أخوها وقول الشاعر:
أهابك إجلالاً وما بك قدرة علي ولكن ملء عين حبيبها
وقدم الخبر في هذه لأنه لو تأخر لعاد الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة. فهذه المواضع التي ذكر المصنف أنه يجب فيها تقديم خبر المبتدأ.
وزاد بعض أصحابنا أن يكون الخبر"كم" الخبرية نحو: كم درهم مالك. أو يكون مضافا إليها نحو: صاحب كم غلام أنت, أو يكون قد استعمل متقدماً في مثل نحو قولهم "في كل واد بنو سعد". أو تكون الفاء دخلت على المبتدأ نحو: أما في الدار فزيد.
وزاد بعض أصحابنا: إذا تقدم الخبر ودخله الوصل, نحو: والله لفي الدار أخوك وإن تقم ففي الناس من ينكر قيامك وإن قدمت بعد الوصل جاز.
وزاد آخر أن يكون الخبر اسم إشارة ظرفاً نحو: ثم زيد وهنا جعفر وقال: فهذا يتقدم على المبتدأ ولا يجوز تأخيره أصلا لأن فيها الإشارة, فقدمت كما تقدم "هذا" على "زيد" في الإخبار ألا ترى أنك تقول: هذا زيد ولا تقول: زيد هذا ولما رآه الفراء مبدوءا به جعله أعرف من العلم, وذلك أن تقدمه إنما كان لأجل الإشارة وقد ثبتت الإشارة مقدمة

في: ههنا زيد/ وثم عمرو فكذلك: هذا زيد. انتهى.
ولما ذكر المصنف ما يجب فيه تأخير الحبر, وما يجب فيه تقديمه, واستدركنا عليه ما ذكره أصحابنا دل ذلك على أن ما سوى ما ذكر يجوز فيه التقديم والتأخير سواء أكان الخبر اسماً رافعاً ضمير المبتدأ أم رافعاً سببيه, أو ناصباً ضميره أو سببيه نحو: قائم زيد وقائم أبوه زيد وقام أبوه زيد, وضربته زيد, وضرب أخاها زيد هند, وهذا مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى منع تقديم الخبر في هذه المسائل كلها ونسب ذلك إلى الخليل.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون, حكي س عن العرب:" مشنوء من يشنؤك وتميمي أنا وخز صفتك وأرجل عبد الله" وقال الشاعر:
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه, ولا كانت كليب تصاهره
وقال الآخر:
قد ثكلت أمه من كنت واحدة وصار منتشباً في برثن الأسد
وقال:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا وحب الزاد في شهري قماح

التقدير: من يشنؤك مشنوء, وأنا تميمي وصفتك خز وأعبد الله رجل؟ وأبوه ما أمه من محارب ومن كنت واحدة قد ثكلت أمه وابن الأعز فتى إذا شتونا.
ونقل بعض أصحابنا عن ألكسائي والفراء أنهما يجيزان التقديم إذا لم يكن الضمير مرفوعاً نحو: ضربته زيد, ويمنعان ذلك مع المرفوع نحو: قائم زيد.
والصحيح عن الكوفيين المنع مفرداً كان الخبر أو الجملة وفرقوا بيم: قائم زيد, وضربته زيد فمنعوا, وبين: في داره زيد فأجازوا. قالوا: لأن هذا الضمير غير معتمد عليه, ألا ترى أن المقصود: في الدار زيد, وحصل هذا الضمير بالعرض كما أنهم أجازوا: ضرب غلامه زيد لأن المقود: ضرب الغلام واتفق أن كان المضروب غلامه. وهم محجوجون بالسماع السابق ذكره.
وذهب أبو الحسين بن الطراوة إلى مذهب غريب في تقديم الخبر بناه على مذهب له في الواجب والجائز والممتنع فالواجب عنده: رجل وقائم ونحوهما مما يجب أن يكون في الوجود ولا ينفك الوجود عنه. والممتنع: لا قائم ولا رجل إذ يمتنع الوجود أن يكون لا رجل فيه ولا قائم. والجائز مثل زيد وعمرو, لأنه جائز أن يكون وجائز أن لا يكون. قال: فكلام مركب من واجبين ولا يجوز, نحو: رجل قائم, لأنه لا فائدة فيه, وكلام مركب من ممتنعين أيضا لا يجوز مثل: لا رجل لا قائم لأنه /كذب ولا فائدة فيه, كلام مركب من واجب وجائز صحيح نحو: زيد قائم وكلام مركب من ممتنع وجائز لا يجوز ولا من واجب وممتنع, نحو: زيد لا قائم ورجل لا قائم لأنه كذب إذ معناه: لا قائم في

الوجود وكلام مركب من جائزين لا يجوز نحو: زيد أخوك لأنه معلوم لكن بتأخيره صار واجباً فصح الإخبار به لأنه مجهول في حق المخاطب, فالجائز يصير بتأخيره واجباً. وإذا ثبت هذه كله أنبني عليه أن لا يجوز: قائم زيد, لأن زيدا صار بتأخيره واجباً فصار الكلام مركباً من واجبين فصار بمنزلة: قائم رجل. فلا يجوز عنده تقدم الخبر إذ كان واجباً.
وتأول المثل التي أوردها س, فقال:" مشنوء من يشنؤك" دعاء كأنه قيل: شنئ من يشنؤك فكأنك ابتدأن بفعل. ورد هذا التأويل بأنه دعوى, ولو كان على معنى الدعاء لنقله س.
وقال: "تميمي أنا" هو جواب لمن قال: ماأنت؟ فقال: تميمي على معنى: أنا تميمي وحذف المبتدأ ثم أتى بـ"أنا" توكيدا. ورد بأن قوله "إنه جواب" دعوى, ولم يقله أحد ولا يجوز حذف المؤكد للتناقض.
وقال:" خز صفتك " على معنى: من خز صفتك فابتدأت بمجرور. وكذا عمل في: هذا درهم ضرب الأمير أي: من ضرب الأمير فهو صفة للنكرة وخرجه الخليل على إضمار "هو" أي: هو ضرب الأمير , ورد بأنه يلزمه: هذا راقود الخل, لأنه في معنى: من الخل والعرب لا تقول لا ذلك.
وقال: "أرجل عبد الله؟ " عبد الله: فاعل وكأنك قلت: أكامل عبد الله؟ قال: والدليل على هذا أنك لم ترد أن تسأل عن كونه رجلاً لأن ذلك معلوم. ورد ذلك فهو يخالف "أكامل" في العمل غايته أن يعمل في الحال في نحو: أنت الرجل علماً أما أن يعمل رفعاً فلا لضعفه.
وأما قوله"إن الجائز بتأخيره يصير واجباً" فرد عليه بأنه لا يصير الجائز بالتأخير واجباً, ومعناه مقدما وموخراً واحد أي: هو مخبر عنه قدمته أم أخرته كما لا يصير الفاعل بتأخيره عن المفعول مفعولاً ولا المفعول بتقديمه فاعلاً.

-[ص: وتقديم المفسر إن أمكن مصحح خلافاً للكوفيين إلا هشاماً ووافق ألكسائي في جواز نحو: زيدا أجله محرز لا في نحو: زيداً أجله أحرز.]-
ش: قال المصنف في الشرح:" إذا التبس المبتدأ بضمير اسم ملتبس الخبر, وأمكن تقديم صاحب الضمير صحت المسألة عند البصريين وهشام الكوفي نحو: زيداً أجله نحرز, وزيداً أجله أحرز, ووافق ألكسائي في مسألة اسم الفاعل لا في مسألة الفعل" انتهى كلامه.
وقال غيره:" وتقول:/ زيداً أبوه ضرب أو يضرب جائزة من قول البصريين وهشام وخطأ من قول ألكسائي الفراء. والحجة لهما أن تقدير "زيد" أن يكون بعد الفعل فيصير التقدير: أبوه ضرب زيدا فيتقدم المكني على الظاهر فإن قلت: زيداً أبوه ضارب أجازها البصريون والكسائي, وأحالها الفراء" انتهى.
قال المصنف:" وعضد أبو علي قول ألكسائي بأن قال: المبتدأ وخبره المفرد بمنزلة الفعل والفاعل, فكما لا يمتنع: زيداً أحرز أجله, لا يمتنع: زيداً أجله محرز, لأنه لم يفصل بين المنصوب وناصبه أجنبي, بخلاف: زيداً أجله أحرز فإن الأجل- وإن كان الفعل خبره- فالإخبار بالفعل على خلاف الأصل لأن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام فعد المبتدأ فبلهما أجنبياً بخلاف وقوعه قبل اسم الفاعل فإن اتصال المبتدأ به على الأصل لأنه مفرد.
قال المصنف:" وقول أبي علي"إن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقلَّ

بهما كلام, فعد المبتدأ قبلهما أجنبياً" تحيل جدلي لا ثبوت له عند التحقيق لأن الجملة لا توقع موقع المفرد إلا لتؤدي معناه وتقوم مقامه, فلا يعد ما هي له خبر أجنبيا, كما لا يعد أجنبيا ما المفرد له خبر.
وقد يفرق بين الصورتين بأن اسم الفاعل لا يجب تأخيره فلا يمتنع تقديم معموله بخلاف الفعل فإن تأخيره إذا وقع خبر مبتدأ واجب فلا يجوز تقديم معموله لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون من التسوية في الجواز بين: زيدا أجله محرز وزيداً أجله أحرز بل الآخر أولى بالجواز لأن العامل فيه فعل, عامل المثال الأول اسم فاعل فمن يمنع الأول دون الآخر فقد رجح فرعاً على أصل, ومن منعهما فقد ضيق رحيبا وبعد قريباً ومن حجج البصريين قول الشاعر:
خيراً المبتغية حاز وأن لم ... يقض فالسعي في الرشاد رشاد
فهذا مثله: زيداً أجله أحرز" انتهى كلام المصنف.
وفي البسط: إذا كان في الفاعل ضمير يعود على المفعول, وقدمتهما فقلت: زيداً أجله أحرز, وزيداً غلامه ضرب فأكثر النحويين المتقدمين يحيلها وجوزها هشام والمتأخرون منهم لأن المفعول لما تقدم عاد عليه الضمير , فكأنك قلت: أجل زيد أحرز زيداً, وإذا كان يجوز عود الضمير على ما لم يتقدم كقوله تعالى {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن

دَابَّةٍ} , و {بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ} فأولى هنا, وليس المفعول كالفاعل في التقدم فإن الفاعل إذا تقدم خرج عن الفعل بخلاف المفعول فلذلك بقي مفعولاً
تم بحمد الله تعالى وتوفيقه
الجزء الثالث من كتاب" التذييل والتكميل"
بتقسيم محققه ويليه- إن شاء الله تعالى-
الجزء الرابع, وأوله:
"ص: فصل: الخبر مفرد وجملة, والمفرد مشتق وغيره"

التذييل والتكميل
في شرح
كتاب التسهيل

ألفه
أبو حيان الأندلسي

حققه الأستاذ
الدكتور حسن هنداوي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- فرع القصيم

الجزء الرابع

دار القلم
دمشق

-[ص: فصل
الخبر مفرد/ وجملة، والمفرد مشتق وغيره، وكلاهما مغاير للمبتدأ لفظًا متحد به معنى، ومتحد به لفظًا دال على الشهرة وعدم التغير، ومغاير له مطلقًا دال على التساوي حقيقة، أو مجازًا، أو قائم مقام مضاف، أو مشعر بلزوم حال تلحق العين بالمعنى، والمعنى بالعين مجازًا.
ولا يتحمل غير المشتق ضميرًا ما لم يؤول بمشتق، خلافًا للكسائي، ويتحمله المشتق خبرًا أو نعتًا أو حالًا ما لم يرفع ظاهرًا أو محلًا، ويستكن الضمير إن جرى متحمله على صاحب معناه، وإلا برز، وقد يستكن إن أمن اللبس، وفاقا للكوفيين.]-
ش: قسم المصنف خبر المبتدأ إلى قسمين: مفرد وجملة، وذكر أن المفرد ما تسلطت عوامل الأسماء على لفظه عاريًا من إضافة وشبهها، أو متلبسًا بأحدهما، نحو: زيد ومنطلق، وعمرو صاحبك، وبشر قائم أبوه، وذكر أن قولك: "قائم أبوه" من هذا الكلام ليس بجملة عند المحققين، وذكر أن الجملة ما [تضمن جزأين ليس] لعوامل الأسماء تسلط على لفظهما أو لفظ أحدهما، نحو: زيد أبوه عمرو، وبشر حضر أخوه. وهذا التقسيم عليه جمهور النحويين.
وذهب أبو بكر بن السراج إلى أن الإخبار بالظرف أو المجرور

قسم برأسه، ليس من قبيل المفرد ولا من قبيل الجملة. ذكر ذلك عنه أبو علي الفارسي في الشيرازيات والعسكريات، وزعم أنه مذهب حسن، فإذا قلت: زيد في الدار، أو زيد أمامك، فهو تركيب برأسه، وليس من تركيب الاسم مع الاسم، ولا من تركيب الاسم مع الفعل.
واستدل على ذلك بأن العرب عاملتهما معاملة غير المفرد وغير الجملة، بدليل قولهم: إن في الدار زيدًا، ولو قلت: إن استقر في الدار زيدًا، أو إن مستقر في الدار زيد، لم يجز ذلك، فلو كان الظرف أو المجرور بمنزلة مستقر أو استقر لم يجز تقديمه على اسم إن، كما لا يجوز تقديمهما، وقد جاز ذلك، فدل على أنهما ليسا بمنزلتهما.
قال بعض أصحابنا: "والصحيح أن تركيب الاسم والظرف أو المجرور لا بد له أن يكون في الأصل راجعًا إلى تركيب الاسم مع الاسم؛ أو الاسم مع الفعل، وإنما وجه جعله نوعًا ثالثًا مخالفة حكمه بعد الحذف لحكمه قبل الحذف فيما ذكرناه، ومخالفة الحكم لا يلزم عنها مخالفة التركيب؛ ألا ترى أنك إن راعيت المحذوف وقدرته كان الاسم المبتدأ مركبًا مع ذلك العامل المحذوف على حسب ما تقدره من اسم أو فعل؛ وإن لم تراع المحذوف لقيام الظرف والمجرور مقامه وجب أن يكون الرعي للظرف والمجرور القائمين مقام المحذوف، والظرف اسم، فليزم أن يكون المبتدأ والظرف من قبيل تركيب الاسم مع الاسم والحرف.

والصحيح عندي/ أن الرعي في هذا وأمثاله إنما هو للمحذوف لا للفظ القائم مقامه؛ ألا ترى أن قولك: سبحان الله، ومعاذ الله، وأشباههما من قبيل ما تركب فيه الاسم مع الفعل، مع أن الأفعال الناصبة لها لا تظهر لقيامها مقامها، ولو كان الرعي هنا للقائم مقام المحذوف لكان الكلام اسمًا واحدًا غير مسند، وذلك شيء لا يسوغ القول به" انتهى كلامه.
والذي يرد به على ابن السراج أنا إذا قلنا: إن في الدار زيدًا، أو إن أمامك بكرًا، لا يقدر العامل في الظرف والمجرور متقدمًا عليهما؛ إذ ليس موجودًا في اللفظ، فنقول هو مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، فيلزم منه الفصل بيم إن واسمها، وإذا لم يكن ملفوظًا به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ، والظرف والمجرور المقدمان قبل المبتدأ دالان عليه، والدال على الشيء غير الشيء، ولذلك لم يجز: في الدار نفسه زيد، ولا: فيها أجمعون قومك؛ لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد، وجاز "إن في الدار زيدًا" لأن الظرف ليس هو الخبر في الحقيقة، إنما هو متعلق بالخبر، والخبر منوي في موضعه، ولذلك عدل س في قولهم: فيها قائم رجل، و:
لمية موحشًا طلل ..........................
إلى أن جعلها حالًا من نكرة، ولم يجعلها حالًا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخر في النية، وهو العامل في الحال، وهو معنوي، والحال لا تتقدم على العامل المعنوي، فهذا يدل على أن الظرف والمجرور ليس هو الخبر في الحقيقة. وسيأتي الكلام على تمام هذه

المسألة - إن شاء الله- عند تعرض المصنف لشيء من هذا في هذا الباب.
وتلخص مما ذكرناه أن الظرف والمجرور ليس من قبيل ما هو قسم برأسه؛ إذ لا يجوز تقديم العامل فيهما على اسم "إن" تقديرًا، بل نقدره مؤخرًا، وإذا قدرناه مؤخرًا فهل يقدر باسم فاعل أو فعل؟ سيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.
وقوله والمفرد مشتق وغيره المشتق هو المبني من المصدر أو من الاسم غير المصدر غير المصدر دالًا على ما اشتق منه وعلى المحل القائم به معنى المصدر، والاسم غيره، مثاله: ضارب ومضروب ومضرب ونحو ذلك، فهذه مبينات من المصدر- وهو الضرب- ودالة عليه وعلى المحل الذي قام به معنى المصدر؛ إذ معنى المصدر موجود فيها كلها. ومثال ما بني من الاسم غير المصدر قولهم: أظفر، هو مأخوذ من الظفر، وليس الظفر مصدرًا، وهو دال على محل قام به معنى ذلك الاسم.
وقال المصنف في الشرح: "المراد هنا بالمشتق ما دل على متصف مصوغًا من مصدر مستعمل أو مقدر، نحو: ضارب ومضروب وحسن وأحسن منه، وربعة وحزور وقفاخر من الصفات التي لا مصادر لها ولا أفعال، فيقدر لها مصادر كما تقدر للأفعال التي لم تستعمل لها مصادر. وغير المشتق ما عري مما رسم به المشتق" انتهى.

والذي نقول/ أن ربعة وحزورًا وقفاخرًا ليست بمشتقة من مصادر أهملت، ولا نقدر لها مصادر، وإن كانت تستعمل أوصافًا، لأن الإخبار بها لا يستلزم اشتقاقها؛ إذ المخبر به يكون مشتقًا وغير مشتق، فإن استعملت نعوتًا أو أخبارًا رافعة ما بعدها فنقول ليست مشتقة، ولكنها أجريت مجرى المشتق، وقد قال المصنف ذلك في باب النعت، قال لما قسم النعت إلى مفرد وجملة قسم المفرد لمشتق لفاعل أو مفعول، ولجار مجرى المشتق أبدًا، ولجار مجراه في حال دون حال. فذكر من الجاري مجراه أبدًا قولهم: لوذعي بمعنى فطن، وجرشع بمعنى غليظ، وصمحمح بمعنى شديد، وشمردل بمعنى طويل، وذي بمعنى صاحب، وغير ذلك، فكذلك نقول إن ربعة وحزورا وقفاخرًا هي جارية مجرى المشتق، فربعة بمعنى مستوى القامة، وحزور بمعنى [مقارب البلوغ]، وقفاخر بمعنى [حسن الخلق].
وقوله وكلامهما- أي: المشتق وغير المشتق- مغاير للمبتدأ لفظًا متحد به معنى نحو: زيد قائم، وهذا بكر.
وقوله ومتحد به لفظًا دال على الشهرة وعدم التغير فمثاله مشتقًا قول بعض طيئ:
خليلي خليلي دون ريب، وربما ألان امرؤ قولًا، فظن خليلًا
وقال علقمه:
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه، والمحروم محروم

وقولهم: المشؤوم مشؤوم. ومثاله غير مشتق قوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
وقالوا: "كان ذلك والناس ناس"، وقال:
إذ الناس ناس، والبلاد بغرة وإذا أم عمار صديق مساعف
وذكر الخليل: "أنت أنت"، وقال الشاعر:
هذا رجائي مصر عند عابرة وأنت أنت، وقد ناديت من كثب
وأنشد أبو زيد:
رقوني، وقالوا: يا خويلد له ترع فقلت: وأنكرت الوجوه: هم هم
فهذا- وإن اتحد بالمبتدأ لفظًا- فإنه فيه من حيث المعنى زيادة بها صح أن يقع خبرًا، فكأنه قال: خليلي هو الخليل المصافي الذي لا يتغير في حضور ولا غيبة. وشعري هو الشعر المعروف بالجزالة والجودة وكذلك باقيها، وهو على معنى أنه على حاله، لم يتغير، فذلك أفاد. وقد

جاء في جملة الجزاء نظير جملة الشرط، نحو: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، والمعنى: فقد وقعت موقعها لما تحصل فيها من جزيل/ الثواب.
وقوله ومغاير له مطلقًا دال على التساوي حقيقة أو مجازًا مثال الأول قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}، وعنى بالتساوي التساوي في الحكم، أي: وأزواجه في التحريم والاحترام مثل أمهاتهم. ومثال المجاز قوله:
ومجاشع قصب هوت أجوافها لو ينفخون من الخؤورة طاروا
وقوله أو قائم مقام مضاف مثاله: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ}، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ}، التقدير: ذوو درجات، وبر من آمن. قال المصنف: "ويدخل في هذا- أي: في القائم مقام المضاف- الدال على التساوي مجازًا، فيقدر "مثل" مضافًا إلى الخبر في قولهم: زيد وزهير، ومجاشع قصب، ونحو ذلك" انتهى.
وقوله أو مشعر بلزوم حال تلحق العين بالمعنى والمعنى بالعين مجازًا مثال الأول: زيد صوم، تريد المبالغة، جعلته نفس الصوم، ولا يراد بذلك: ذو صوم؛ لأن صاحب الصفة يصدق على القليل والكثير، وزيد صوم لا يصدق إلا على المدمن الصوم.

ومثال الثاني: نهارك صائم، وليلك قائم، ومنه {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا}، أنشد س:
أما النهار ففي قيد وسلسلة والليل في جوف منحوت من الساج
ومنه: شعر شاعر، وموت مائت. هذه كلها مثل المصنف في شرحه. وهذا التقسيم في الخبر المفرد تكثير من المصنف.
وقد قسمه أصحابنا إلى ثلاثة أقسام: قسم هو الأول، نحو: زيد أخوك. وقسم يتنزل منزلته من جهة المعنى، نحو: زيد حاتم جودًا. وقسم واقع موقع ما هو الأول، وهو الظرف والمجرور، نحو: زيد أمامك، وزيد في الدار. وهذه الأقسام التي كثر بها المصنف راجعة إلى القسمين الأولين من تقسيم أصحابنا في التحقيق.
وقوله ولا يحتمل غير المشتق ضميرًا مثاله: هذا أسد، تشير إلى السبع، فأسد جامد لا ضمير فيه.
وقوله ما لم يؤول بمشتق يعني: فيتحمل إذ ذاك الضمير، ويرتفع به، فإذا قلت: زيد أسد، تريد به معنى "شجاع" فإنه فيه ضمير يعود على المبتدأ. ومن ذلك قول العرب: مررت بقوم عرب أجمعون، ومررت

بقاع عرفج كله، فعرب وعرفج جامدان إلا أنهما مؤولان بالمشتق، فعرب أول بفصحاء، وعرفج أول بخشن، فلذلك تحملا ضميرًا، وأكد ذلك الضمير المرفوع بقولهم: "أجمعون" وبقولهم "كله"، وهما مرفوعان، فعلى هذا تقول: هذا القاع عرفج كله، فيكون كله تأكيدًا للضمير المستكن في عرفج لأنه ضمن معنى خشن. وكذلك: هؤلاء عرب أجمعون؛ لأنه ضمن معنى فصحاء.
ولتأويله بمعنى المشتق إذا أسند إلى ظاهر رفعه، فأجاز س أن تقول: مررت برجل أسد أبوه، بالجر إذا أردت/ أن تجعله شديدًا مثله، فإذا قلت: مررت بدابة أسد أبوها، لم يكن عند س إلا الرفع؛ لأنك تخبر بأن أباها هو السبع. ومن ذلك قول الشاعر:
وليل يقول الناس من ظلماته سواء صحيحات العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتًا حصينة مسوحًا أعاليها وساجًا كسورها
أول مسوحًا وساحبًا بـ "سود"، فرفع بهما الظاهر. وإذا رفع الظاهر لتأوله بمشتق فرفع المضمر أولى؛ إذ قد وجدنا ما لا يرفع الظاهر، ويرفع المضمر، كأفعل التفضيل في أكثر الكلام.

قال المصنف في الشرح: "وإذا رفع الجامد لتأوله بمشتق ضميرًا وظاهرًا جاز أن ينصب تمييزًا وحالًا بعده، كقول الشاعر:
تخبرنا بأنك أحوذي وأنت البلسكاء بنا لصوقًا
والبلسكاء: حشيشة تلصق بالثياب كثيرًا.
وقوله خلافًا للكسائي هذا راجع للمسألة الأولى، وهي قوله: "ولا يتحمل غير المشتق ضميرًا" لا للمسألة الثانية، وهي قوله: "ما لم يؤول بمشتق". وذكر المصنف هنا الخلاف منسوبًا إلى الكسائي، قال المصنف: "وهذا القول وإن كان مشهوراً انتسابه إلى الكسائي دون تقييد فعندي استبعاد لإطلاقه إذ هو مجرد دليل، والأشبه أن يكون حكم بذلك في جامد عرف لمسماه معنى ملازم لا انفكاك عنه، كالإقدام والقوة للأسد، والحرارة والحمرة للنار" انتهى. وهذا الذي قيده به هو تأويله بالمشتق، فيكون إذ ذاك مما لا خلاف فيه.
وقد نقل صاحب البسيط وصاحب كتاب الإنصاف الخلاف في هذه المسألة منسوبًا للكوفيين والرماني لا للكسائي وحده. ومن الأقوال ما هو ضعيف جدًا كهذا القول، وكم للكوفيين من قول ضعيف ودعاو لا يقوم على شيء منها دليل، من ذلك دعواهم أن "منذ" أصلها: من إذ، ودعواهم أن "كم" أصلها كاف التشبيه وما الاستفهامية، ودعواهم أن

"اللهم" أصله: يا ألله أمنا بخير، وغير ذلك.
وقد رد هذا المذهب بأنه لو تحمل ضميرًا لجاز العطف عليه مؤكدًا، فقلت: هذا أخوك هو وزيد، كما تقول: زيد قام هو وعمرو، ولصح أن يكون صفة، والجامد لا يكون صفة.
وقوله ويتحمله المشتق هذا لا يصح على الإطلاق؛ لأن لنا مشتقًا لا يتحمل ضميرًا كالآلات، نحو مفتاح ومكسحة، واسم الزمان والمكان كمغزى، وما بني على مفعلة للتكثير، نحو مسبعة ومأسدة، وإنما يتحمل الضمير من المشتقات ما جاز أن يعمل عمل الفعل.
وقوله خبرًا أو نعتًا أو حالًا مثال ذلك: زيد قائم، زيد رجل عاقل،/ زيد منطلق مسرعًا، ففي قائم وعاقل ومسرع ضمائر مرفوعة بها.
وقوله ما لم يرفع ظاهرًا لفظًا مثاله: الزيدان قائم أبوهما.
وقوله أو محلًا مثاله: زيد ممرور به.
وقوله ويستكن الضمير إن جرى متحمله على صاحب معناه مثال جريه على صاحب معناه: زيد هند ضاربته. وظاهر كلام المصنف يدل على أن الصفة إذا جرت على من هي له استكن الضمير، وأنه لا يبرز، وزعم في الشرح أنه يستكن الضمير بإجماع لعدم الحاجة إلى إبرازه، وليس كذلك، بل يجوز في الصفة إذا جرت على من هي له استكنان الضمير، كالمثال الذي مثلناه، وإبرازه، فإذا أبرزته قلت: زيد هند ضاربته هي، وهو إذ ذاك يتخرج إعرابه على وجهين:
أحدهما: أن يكون تأكيدًا للضمير المستكن في الصفة.

والوجه الثاني: أن يكون فاعلًا بالصفة على حد إعرابه وبروزه إذا جرت الصفة على غير من هي له. وقد أجاز س في نحو: "مررت برجل مكرمك هو" أن يجعل "هو" تأكيدًا للضمير المستكن في "مكرمك"، وأن يكون فاعلًا بالصفة. والفرق بين التقديرين يظهر في التثنية والجمع، فعلى الفاعل تقول: مررت برجلين مكرمك هما، وعلى التأكيد: مكرمَيك هما.
وفي الإفصاح: أجاز بعض أهل عصرنا أن تقول: زيد عمرو ضاربة هو، فيكون جاريًا على "عمرو"، وهو له، وترفع الضمير به، أو تجعله توكيدًا. واحتج بعموم قول س والنحويين. ولا يجوز عندي على قول من يرى أن ذلك لرفع اللبس؛ لأنهم لم يكونوا ليرفعوا اللبس إذا وقع، ثم يفعلون ما لا يلزم، فيرفعون به اللبس، فهذا نقض لما اعتزموا عليه.
وقوله وإلا برز أي: وإن لم يجر متحمله على صاحب معناه، بل جرى على غير من هو له، برز الضمير، وسواء ألبس أو لم يلبس، هذا مذهب البصريين. مثاله إلباسه: زيد عمرو ضاربه هو، فلو حذفنا "هو" لتبادر الذهن إلى أن "ضاربه" جرى خبرًا لعمرو، وتكون الهاء لزيد، ويكون المعنى: عمرو ضارب زيد؛ إذ أصل الخبر أن يكون للمبتدأ الذي هو خبر عنه، فإذا أردت معنى أن زيدًا هو ضارب عمرو بهذه العبارة ألبس إن لم تأت بـ "هو"، فيكون بإبراز "هو" فرقًا بين المعنيين، ويتعين هذا المعنى الثاني، ويزول الإلباس. ومثال ما لا يلبس: زيد الفرس راكبه هو، فلو حذفنا "هو" لم يلبس.

فلو كان الخبر الجاري على غير من هو له مسندًا لغير ضمير المبتدأ، فلا ضمير فيه، فيبرز إذ قد أسند إلى غيره، ومثال ذلك: زيد الفرس راكبه أخوه، فـ "راكبة" خبر جرى على الفرس.
ولو كان الخبر فعلًا فلا نأتي بالضمير على أنه فاعل بالفعل، بل يجوز أن نأتي به على طريق التأكيد للضمير المستكن في الفعل،/ مثال ذلك: زيد هند يضربها، ويجوز أن تقول: يضربها هو، على سبيل التأكيد للضمير المستكن في "يضربها" العائد على "زيد". هكذا أطلق معظم النحويين في الفعل أنه لا يجب إبرازه.
ويعرض اللبس في الفعل كما يعرض في الصفة، وذلك إذا كان التساوي من كل جهة، نحو: زيد عمرو يضربه، وهند دعد تضربها، والزيدان البكران ضرباهما؛ ألا ترى أن الفعل في كل هذا يحتمل أن يكون للثاني، وهو المتبادر للذهن، ويحتمل أن يكون للأول. فإذا خيف اللبس في الفعل كرر الظاهر الذي هو الفاعل ليزول اللبس، فتقول إذا ألبس: زيد عمرو يضربه زيد، فـ "يضربه زيد" في موضع خبر "عمرو"، والرابط له به الضمير العائد عليه، و"عمرو" وخبره في موضع خبر "زيد"، والرابط له تكرار لفظ المبتدأ الذي هو "زيد"، ولزم الإظهار لأنك لو قلت: "زيد عمرو يضربه" لم يُدرَ هل الفعل لعمرو أو لزيد.
وزعم المصنف في الشرح أنه إذا خيف اللبس في الفعل وجب الإبراز، كقولك: غلام زيد يضربه هو، إذا كان المراد أن زيدًا يضرب الغلام. وما زعمه المصنف من إبراز الضمير في هذه المسألة مخالف لما تقدم من ذكر الظاهر الذي هو الفاعل.
وعله بروز الضمير في الوصف دون الفعل أنه إذا تحتملته الصفة لم

يكن له ما يبينه إلا جريان الصفة على من هي له إذ الضمير ليس له صورة في اللفظ، بل هو مستتر في الصفة، فاحتيج إذا جرت الصفة على غير من هي له إلى إبرازه؛ إذ ليس له إذ ذاك ما يبينه إلا خروجه إلى اللفظ وظهوره، وإذا خرج إلى اللفظ لزم انفصاله لأن الصفات لم تستحكم في اتصال ضمائر الرفع بها استحكام الفعل في ذلك؛ لأن الفعل يتصل به الضمير على وجهين:
أحدهما: أن يكون مستترَا في الفعل.
والآخر: أن يلفظ به، ويكون كالجزء من الفعل، ولذلك سكنوا له آخر الفعل في مثل ضربت، والصفة لا يتصل بها الضمير إلا أن يكون مستترًا، ولا يلفظ به، ويجعل كالجزء منها، فلما لزم إظهاره في حال جريانها على غير من هي له لما ذكرناه لزم انفصاله، وليس الفعل كذلك؛ إذ لا يعدم مبينًا له، إما جريانه على من هو له نحو: زيد قام، أو اللفظ الموضوع له نحو: قاما، وقاموا، أو العلامات اللاحقة للفعل نحو: أقوم ونقوم وتقوم ويقوم، فلم يحتج إلى إبرازه، وإن جرى على غيره من هو له، إلا إن خفيف لبس ضمير الغيبة كالمسألة التي تقدمت، فيبرز الظاهر. وإذا برز الضمير في الصفة الجارية على غير من هي له فهو مرفوع بالصفة على الفاعلية، ولا يقال إن الفاعل مستكن في الصفة، والضمير البارز توكيد؛ إذ لو كان كذلك لم يلزم لأن/ التوكيد لا يلزم، ولوجبت تثنية الصفة وجمعها، فكنت تقول: الهندان الزيدان ضاربتاهما هما، والهندات الزيدون ضارباتهم هن، فلما لم تقل ذلك العرب إلا في لغة أكلوني البراغبث، وقالت: الهندان الزيدان ضاربتهما هما، فأفردت

ضاربة، ولم تثن، دل على أنه ليس في الصفة ضمير مستتر، بل هذا الضمير المنفصل مرفوع بالصفة.#
وإنما أفردت العرب الصفة الرافعة للضمير المنفصل في جميع الأحوال لجريانها مجرى الفعل، فكما أن الفعل إذا رفع الضمير المنفصل لا تتصل به علامة تثنية ولا جمع، فكذلك الصفة، تقول: الزيدان ما قام إلا هما، والزيدون ما ضرب عمرًا إلا وهم. وكذلك لو فصل ضمير الفاعل من الفعل في الضرورة لم تتصل به علامة تثنية ولا جمع، نحو:
.............. إلا يزديهم حبًا إلى هم
وعومل الضمير المنفصل معاملة الظاهر فيما ذكرناه لأن العرب تحكم له بحكم السببي وهو ظاهر، فيقولون: إن زيدًا لم يضربه إلا هو، فيعدون فعله إلى مضمره المتصل، كما يقول: إن زيدًا لم يضربه غلامه، وليس كذلك ضمير الرفع المتصل بدليل أنهم لا يعدون فعله إلى ضميره المتصل في غيره فقدت وعدمت وباب ظننت.
وقال السهيلي: كل صفة جرت على غير من هي له فأصلها أن لا تجري عليه، وأن تكون خبرًا عمن هي له، فقولك: مررت برجل ضاربه عمرو، الأصل: عمرو ضاربه، وكذلك: زيد مررت برجل محبه هو، أصله هو محبه، ثم تقول: "محبه هو" على أن يكون خبرًا مقدمًا، ثم أجريته صفة للأول، وجعلت المبتدأ فاعلًا، فتركته منفصلًا على ما كان يلزمه إذ كان مبتدأ إشعارًا بحكم أصله.
وقوله وقد يستكن إن أمن اللبس وفاقًا للكوفيين إذا جرت الصفة على غير من هي له ففي ذلك خلاف.

مذهب البصريين أنه لا بد من بروز الضمير فيها، ألبس أو لم يلبس، كما ذكرناه إلا في مسألة واحدة، وهي قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين، فجميلين صفة جارية على رجل، وليست له بل للأبوين، ولم يبرز الضمير فيها، فيقال: جميلين هما، أجروا الضمير الرابط هنا مجراه الصفة الجارية على الموصوف، فاستتر، وساغ ذلك، وإن لم يعد على الموصوف، من حيث كان عائدًا على الأبوين المضافين إلى ضميره، فصار لذلك كأنه من جهة المعنى قد قال: مررت برجل حسن أبواه جميل أبواه.
ويذهب الكوفيين أن الضمير إما يتقدم له ذكر أو لا يتقدم، فإن لم يتقدم برز، نحو: مررت برجل ضاربه أنت. وإن تقدم فإما أن يلبس أو لا: إن ألبس برز، نحو: زيد عمرو ضاربة هو، إذا أردت أن زيدًا ضرب عمرًا؛ لئلا يتلبس بأن عمرا ضرب زيدًا. وإن لم يلبس جاز أن يبرز وأن لا يبرز، نحو قولك: يدك باسطها أنت، ويجوز: يدك باسطها، وهند زيد ضاربته هي، ويجوز: هند زيد ضاربته./
واستدل لمذهبهم في جواز ترك إبراز الضمير إذا يلبس بقول الشاعر:
وإن امرأ أسرى إليك، ودونه سهوب وموماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته وأن تعلمي أن المعان موفَّق

وبقول الآخر:
ترى أرباقهم متقلديها إذا صدئ الحديد على الكماة
ويروي: حمي الحديد. وقول الآخر:
قومي ذرا المجد بانوها، وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطمان
وبقول الآخر:
إن الذي لهواك آسف رهطه لجديرة ان تصطفيه خليلًا
وحكي الفراء عن العرب: "كل ذي عين ناظرة إليك"، وقال تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)، وقرأ ابن أبي عبلة: "حتى يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه" بجر (غير).
فمحقوقة صفة للمرأة، وقد جرت على "امرئ"، ولم يبرز الضمير، فيقول: لمحقوقة أنت. ومتقلديها قد جرى على "الأرباق"، وليس لها، ولم يبرز الضمير، فيقول: متقلديها هم. و"بانوها" جرى على "ذرا المجلد"، وليس له، ولو برز لقال: بانوها هم. ولجديرة صفة للمرأة، وقد جرت على "الذي آسف"، ولم يبرز الضمير، فيقول: لجديرة أنت. و"ناظرة" خبر عن "كل"، وليس له، فلو أبرز لقال: ناظرة هي إليك.

و (خاضعين) صفة لأرباب الأعناق، وجرت على الأعناق، ولم يبرز الضمير، فيقول: خاضعين هم. و (غير ناظرين) صفة لـ "طعام"، وليس له، ولو برز الضمير لقال: غير ناظرين إناه أنتم.
وقد تأول البصريون هذه الشواهد بإخراجها عن ظاهرها بتأويلات متكفلة، قالوا: لا ضمير مستكن في قوله: "لمحقوقة"، بل قوله: "أن تستجيبي" هو المرفوع بمحقوقه، وأنث على المعنى، والتقدير: لمحقوقة استجابتك لصوته. وكذلك لجديرة، أي: لجديرة اصطفاءتك له خليلًا. وقالوا أيضًا: لمحقوقة ولجديرة خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: لانت محقوقة بأن تستجيبي، ولأنت جديرة بأن تصطفيه. وقالوا أيضًا: هو جملة في موضع خبر إن في البيت قبله، يعنون أن قوله: "لمحقوقة" خبر مقدم، و"أن" تستجيبي" في موضع المبتدأ، كما تقول: أقائم زيد؟
وقالوا في "ترى أرباقهم متقلديها": إنه يخرج على إقحام الأرباق، كأنه قال: تراهم متقلديها، أي متقلدي الأرباق، والمضاف إلي الشيء يعامل معاملة ما أضيف إليه إذا حاز أن تلفظ بما أضيف إليه وأنت تريده، نحو قولهم: اجتمعت أهل اليمامة، لأنك تقول: اجتمعت اليمامة، وأنت تريد أهلها. وكذلك أيضًا يجوز: ترى أرباقهم متقليدها؛ لأنك تقول: تراهم متقلديها، أي: متقلدي الارباق. وقالوا أيضًا في تخريجه: إنه على حذف مضاف، أي: ترى أصحاب أرباقهم متقلديها، وروعي ذلك/ المحذوف.
وقالوا في "قومي ذرا المجد بانوها": إن التقدير: قومي بانون ذرا

المجد بانوها. وفي جواز مثل هذا التخريج خلاف بين أبي علي وأبي الفتح، سيذكر في الاشتغال إن شاء الله.
وقالوا في قول العرب "كل ذي عين ناظرة إليك": أي ألحاظ أو أجفان كل ذي عين، فهو على حذف مضاف.
وقالوا في (فظلت أعناقهم لها خاضعين) " إنها تتخرج على إقحام الأعناق؛ لأنه يجوز: فظلوا لها خاضعين، في معنى (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ). وقالوا: يجوز أن يراج بالأعناق جمع عنق الجماعات، تقول: أتانا عنق من الناس، أي جماعة منهم، فكأنه قال: فظلت جماعتهم لها خاضعين.
ولما كانت هذه التأويلات متكفلة وافق المصنف مذهب الكوفيين في أنه لا يجب إبراز الضمير إذا لم يلبس.
ومثال الإبراز المجمع عليه قول الشاعر:
لكل إلفين بين بعد وصلهما والفرقدان حجاه مقتفيه هما
حجا كل شيء: ناحيته.
وحكم هذا الوصف إذا جرى على غير من هو له خبرًا أو نعتًا أو حالًا، جاز فيه هذا التفصيل والخلاف المذكور.
ولم يتعرض المصنف لمطابقة الخبر للمبتدأ في تذكيره وإفراده وفروعهما. ونقول: بالنسبة إلى التذكير والتأنيث إن كان الأول هو الثاني من جهة المعنى فالمخالفة تجوز بحسب اللفظ، نحو: الاسم كلمة، وفاطمة

هذا الرجل، إذا كان "فاطمة" اسمه. وإن كان غيره صفة فالموافقة، وقد يخالف إن كان التأنيث غير حقيقي، كقوله:
.................. والعين بالإثمد الجاري مكحول
على تقدير: والعضو أو شيء مكحول.
وإن كان جامدًا فلا يكون إلا على التحقير نحو: هذا الرجل امرأة، أو التنكير نحو: هذه المرأة رجل.
وأما بالنسبة إلى الإفراد والجمع فإن كان المبتدأ مفرد اللفظ والمعنى فالمطابقة، نحو: زيد قائم، إلا إذا كان ذا أجزاء، فتجوز المخالفة حيث سمع، نحو: هذا الثوب أخلاق، وهذه البرمة أعشار، ولا يقاس عليه: هذا الرجل أعضاء، وإن كان منقسمًا إلى أعضائه.
وإن كان عكسه: فإن كان الخبر مما يقبل التثنية والجمع جامدًا فلا يجوز إلا على نحو: هذا الرجل أسد، فتقول: الرجال رجل واحد، تريد في أنهم على قلب واحد أو على مذهب واحد. أو مشتقًا فالمطابقة، نحو: الرجال قيام، ولا يكون مفردًا إلا بتقدير موصوف مفرد اللفظ دون المعنى، نحو قوله:
ألا إن جيراني العيشة رائح دعتهم دواع للهوى ومنادح

أي: جمع رائح، وليس جيدًا. وقيل: إن أرادت بالجمع كليه جاز إفراد الخبر، نحو قوله:
نصبن الهوى، ثم ارتمين قلوبنا بأعين أعداء، وهن صديق
أي: وكل واحدة منهن صديق. قيل: ومنه (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)، لم تأت "رفقاء" لأنه أراد: كل واحد منهم رفيق.
وإن لم يقبل كأفعال التفصيل: فإن كان بـ "من" فهو في معنى الجمع، أو مضافًا إلى جامد اسم جمع جاز، نحوه: هؤلاء أول حزب، وأحسن قبيل. أو غيره لم يجز أن تقول: هؤلاء أول رجل، بل: أول الرجال. أو إلى مشتق فمجيز بلا تأويل، نحو: هؤلاء أول طاعم، ومجيز بتأويل حذف اسم الجمع، أي: أول حزب طاعم، وهو المبرد. أو على معنى الفعل، أي: أول من طعم.
وإن كان المبتدأ مفرد اللفظ مجموع المعنى، والخبر صفة، جاز أن يفرد، نحو: الجيش منهزم، أو جامد فلا يفرد إلا بحسب القصد، قال الزجاج: "الجيش رجل، يكره لتوهم التقليل. أما إذا عرف المعنى فيسوغ، نحو: جيشهم إنما هو فرس ورجل، تريد: خيل ورجال، أي: ليسوا بكثيري الأتباع".

وإن كان عكسه، أي: مجموع اللفظ مفرد المعنى، كرجل يسمى زيودًا، فحكمه حكم ما هو مفرد في اللفظ والمعنى.

-[ص: والجملة اسمية وفعلية، ولا يمتنع كونها طلبية، خلافًا لابن الأنباري وبعض الكوفيين، ولا قسمية، خلافًا لثعلب، ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطلبية، خلافًا لابن السراج. وإن اتحدت بالمبتدأ معنى هي أو بعضها، أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد، استغنت عن عائد، وإلا فلا.]-
ش: مثاله الاسمية: زيد أبوه قائم، ومثال الفعلية: زيد خرج أخوه. ويندرج في الجملة الاسمية الجملة المصدرة بحرف عامل في المبتدأ، نحو: "ما" الحجازية و"إن"، نحو: زيد ما هو قائمًا، وزيد إنه قائم، وزيد إن عمرًا ضاربه. وهذا مذهب البصريين، أعني أنه يجوز وقوع "إن" المكسورة وما عملت فيه موقع خبر المبتدأ. ومنع ذلك الكوفيون. ويدخل فيها الجملة المصدرة باسم الشرط غير معمول لفعله، نحو: زيد من يكرمه أكرمه.
ويدخل في الجملة الفعلية الجملة الشرطية المصدرة بحرف أو اسم شرط معمول، نحو: زيد إن يقم أقم معه، وزيد أيهم يضرب أضربه، والمضارع العامل في ظرف مستقبل، نحو: زيد يقوم غدّا، اتفاقًا، والداخل عليه حرف التنفيس باختلاف، نحو: زيد سيقوم أو سوف يقوم، أجاز ذلك الجمهور، ومنعها بعض المتأخرين. والفعلية المتقدم عليها معمولها نحو: زيد عمرًا ضرب أو يضرب، وبعض النحويين منع من ذلك.
وقوله خلافًا لابن الأنباري أي: ذهب ابن الانباري ومن وافقه من الكوفيين/ إلى أن الجملة الطلبية لا تكون خبرًا للمبتدأ؛ نظرًا إلى أن الخبر

حقه أن يكون محتملًا للصدق والكذب، والجملة الطلبية ليست كذلك.
وهذا قول فاسد لانا قد أجمعنا على أن خبر المبتدأ يكون مفردًا، والمفرد لا يحتمل الصدق والكذب، فكما يقع المفرد- وهو لا يحتمل الصدق والكذب- خبرًا، فكذلك الجملة التي لا تحتمل الصدق والكذب، فإن الخبر يقال باشتراك، لا يقال: إنما ساغ جعل المفرد خبرًا لأنه ينتظم منه مع ما قبله خبر يحتمل الصدق والكذب، والأمر والنهي وما أشبههما لا ينتظم منهما مع المبتدأ قبلها خبر؛ لأنا نقول: قد يقع الخبر أيضًا اسمًا لا ينتظم منه مع المبتدأ خبر، نحو: كيف زيد؟ وأين عمرو؟ ومتى القتال؟ فلا يمتنع قياس الجملة الطلبية على هذا لو كان غير مسموع، فكيف وهو مسموع من لسان العرب، قال الشاعر، وهو رجل من طيئ:
قلت: من عيل صبره كيف يسلو صاليًا نار لوعة وغرام
وقوله خلافًا لثعلب روى عن ثعلب انه منع الإخبار عن المبتدأ بالجملة القسمية. وهو محجوج بالسماع، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا)، (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ)، وقال الشاعر:
جشأت، فقلت: اللذ خشيت ليأتين وإذا أتاك فلات حين مناص
وقوله خلافًا لابن السراج إنما أضمر القول في نحو: زيد اضربه، وإن

التقدير: زيد أقول لك اضربه؛ لأن "اضربه" لا يحتمل الصدق والكذب، فلا يكون خبرًا، وقد قدم الرد على هذا في الرد على ابن الأنباري.
والمتفق على وقوعه خبرًا من الجمل الجملة الخبرية، وقد يعرض لها ما لا يسوغ وقوعها خبرًاـ كدخول "لكن" عليها، أو "بل"، أو "حتى". وبعض الجمل غير الخبرية لا يجوز أن تقع خبرًا، وذلك جملة النداء، فلا يجوز" زيد يا أخاه، ولا: زيد يا عمرو إليه، تريد: أدعوك إليه، فلو قلت: "زيد يا عمرو قم إليه" لكان الخبر "قم إليه" و"يا عمرو" اعتراض.
وقوله وإن اتحدت بالمبتدأ معنى هي الجملة المتحدة بالمبتدأ معنى هي كل جملة مخبر عن مفرد يدل على جملة كحديث وكلام، ومنه ضمير الشأن. والقصة، والمضاف إلى حديث أو قول وما أشبهه من ذلك، نحو: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله"، وقولهم: "هجيري أبي بكر لا إله إلا الله"، أي: قوله في الهاجرة لا إله إلا الله.
وقوله أو بعضها الجملة المتحد بعضها بالمبتدأ معنى هي كل جملة تتضمن/ ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها، نحو قوله: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)، وقوله: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)، فيحصل له ما يحصل بالضمير

مع مزيد الثناء، ويكثر الاتحاد لفظًا ومعنى تعظيمًا لأمر المحدث عنه أو المحدث به، كقوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ).
وقوله أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد مثاله قوله: ()، والمراد: يتربص أزواجهم، فأقيم ضمير الأزواج مقام الأزواج المضافة إلى ضمير (الذين)، ومثله قول الشاعر:
الألى يؤرثون مجدًا، ويعنو ن بتأثيليه يدوم أثيلًا
أراد: يدوم مجدهم أثيلًا.
وتأول بعض أصحابنا الآية على حذف مضاف معتد به دون اللفظ، أي: ونساء الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن، فيكون كقوله:
يسفون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل
بردى: موضع، يريد: ماء بردى، فأعاد الضمير من "يصفق" على المحذوف لا على بردى. وقال: وقد يكون على ما قال س في:

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) أي: مما يتلى عليكم الذين يتوفون منكم، ثم ابتدأ: يتربصن، لتفسير المتلو. وقال الأخفش: التقدير: يتربصن بعدهم. ويقدر المبرد والزجاج: أزواجهم يتربصن.
وقوله استغنت عن عائد يعني به الضمير.
وقوله وإلا فلا أي: وإن لم تكن الجملة متحدة بالمبتدأ من حيث المعنى لا هي ولا بعضها، ولا قام بعضها مقام مضاف إلى العائد، فلا تستغني عن العائد، مثاله: زيد قام غلامه، وزيد أبوه قائم.
وقد رتب المصنف الكلام في الجملة الواقعة خبرًا للمبتدأ بالنسبة إلى الرابط الذي يربطها بالمبتدأ ترتيبًا قلقًا، غير مصطلح القوم، ولا جامعًا للروابط، ولا منبهًا على ما اتفقوا عليه منها، ولا ما اختلفوا فيه، ونحن نذكر ذلك على الاستيفاء، فتقول:
الجملة الواقعة خبرًا إما أن تكون نفس المبتدأ في المعنى أو لا، فإن كانت نفس المبتدأ في المعنى فلا رابط، نحو: هجيري أبي بكر لا إله إلا الله"، وهو زيد منطلق. وإن لم تكت نفس المبتدأ في المعنى فلا بد من رابط، وزعم الفراء، فأما "سواء علي أقمت أم قعدت" فمذاهب:

الأول: أن "سواء" مبتدأ، والجملة خبر، ولم تحتج إلى رابط لأنها المبتدأ في المعنى والتأويل؛ إذ التقدير: سواءٌ علي قيامك أو قعودك، وهو مذهب الزجاج وأبي علي.
الثاني: أن/ الجملة هي المبتدأ، وهي في تقدير اسم مفرد، و"سواء" الخبر، وبه قال جماعة، وهو ظاهر قول أبي علي في "الإيضاح"، ومذهب الزمخشري.
والثالث: أن "سواء" مبتدأ، والجملة في موضع الفاعل، والتقدير: استوى عندي أقمت أم قعدت، أي: قيامك وقعودك، كقولهم: "نولك أن تقوم"، في معنى: ينبغي لك أن تقوم، قاله بعض النحويين.
والرابط المتفق عليه خمسة أشياء:
ضمير المبتدأ، نحو: زيد قام غلامه.
وتكرار المبتدأ بلفظه، نحو: زيد قام زيد، وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتفخيم، نحو قوله تعالى: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الحَاقَّةُ (2)}، {الْقَارِعَةُ مَا القَارِعَةُ (2)}، التقدير: الحاقة أي شيء هي، كما تقول:

"أي رجل زيد" إذا أردت تعظيمه والتفخيم لشأنه، ومن ذلك قوله:
ليت الغراب غداة ينعب دائبًا كان الغراب مقطع الأوداج
من زعم أن تكرار المبتدأ بلفظه لا يجوز إلا في موضع التهويل والتعظيم فقد زاد شرطًا لم يزده س، وذكر ابن السراج إجازة النحويين: أجل زيد أحرز زيدًا، وقال:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
وإشارة إلى المبتدأ، نحو قوله: {ولِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}.
والعموم نحو قولك: زيد نعم الرجل، وقال:
فأما القتال لا قتال لديكم ......................................
وقال:
.................................. .... وأما الصبر عنها فلا صبرا
فـ"زيد" فرد من أفراد المرفوع بـ"نعم"، إذ هو يراد به الجنس،

و"القتال" فرد من أفراد القتال المنفي، و"الصبر" فرد من أفراد الصبر المنفي.
وعطف الجملة بالفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية منه، هي خبر المبتدأ، نحو قوله:
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو، وتارات يجم، فيغرق
وقال:
إن الخليط أجد البين، فانفرقا وعلق القلب من أسماء ما علقا
في رواية من رفع "البين". ففي "فيبدو" ضمير مستكن عائد على المبتدأ الذي هو "وإنسان عيني"، وهي معطوفة على قوله: "يحسر الماء تارة"، وهي خبر المبتدأ، وليس فيها رابط، واكتفى بالربط الذي في المعطوف. وكذا الكلام في البيت الثاني.
والرابط المختلف فيه هو تكرار المبتدأ بمعناه لا بلفظه، نحو: زيد جاء أبو بكر، إذا كان "أبو بكر" كنية "زيد"، فهذا قد نص س على منعه.
وأجاز ذلك أبو الحسن، وتبعه ابن خروف، واستدل على صحة مذهبه بقوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ

ويَهْدِي مَن يَشَاءُ} المعنى عنده: فإن الله يضله ويهديه. ويقوله: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)}، التقدير: إنا لا نضيع أجرهم.
ورد استدلاله بأن خبر (أفمن) محذوف/ لدلالة ما تقدم عليه، وهو قوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ}، فكأنه في التقدير: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا فله عذاب شديد خير أم من آمن وعمل صالحًا فله مغفرة وأجر كبير، فحذف لفهم المعنى.
وأحسن من هذا التخريج أن يكون التقدير: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا كمن هدي. ويدل على هذا قوله بعد: {فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ}، فيكون المحذوف خبر المبتدأ فقط، وفي التخريج السابق حذف الخبر ومعادل المبتدأ السابق وخبره.
وأما الآية الأخرى فتأولها من رد على الأخفش بأن الخبر هو {أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ}، ويكون قوله: {إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} جملة اعتراض.
وتأول ابن عصفور ذلك بأن جعل الرابط محذوفًا، تقديره: من أحسن عملًا منهم. قال ابن عصفور: "وينبغي أن يجوز هذا الذي

ذهب إليه أبو الحسن من الاستغناء عن الضمير باسم ظاهر هو المبتدأ في المعنى، كما جاز ذلك في الصلة، حكي من كلامهم: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، يريدون: رويت عنه، إلا أن ذلك قليل جدًا" انتهى.
وقال ابن هشام: ويعضده -يعني الأخفش- قول الشاعر:
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت حبال المنايا بالفتى أن تقطعا
وقد حسن ابن جني هذا في خصائصه بأنه لم يكن العائد لفظ الأول بل لفظًا آخر هو هو، فصار كالضمير، فلهذا صح.
وعطف جملة بالواو مكان الفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية من الضمير وقعت خبرًا، نحو: الخيل جاء زيد وركبها، أجاز ذلك هشان، ومنع ذلك الجمهور، وشرطوا أن يكون العطف بالفاء.
ووقوع الضمير مكان مظهره الذي اتصل به الذكر العائد على المخبر عنه، نحو قوله تعالى: {والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ}، التقدير: يتربص أزواجهم، فحصل الربط بهذا المضمر الواقع مكان المظهر الذي هو أزواجهم، و"أزواج" متصل به ضمير المبتدأ. وأجاز ذلك الأخفش والكسائي، ومنعه الجمهور، واستدل الأخفش والكسائي بهذه الآية.
ولا ينبغي أن تحمل الآية على هذا لأنه ربط بالمعنى، والربط بالمعنى

لا ينقاس، ولذلك لما قالت العرب: مررت برجل حسن أبواه جميلين، وربط الصفة التي هي "جميلين" بالموصوف الذي هو الرجل الضمير المستتر فيها، وهو عائد على الأبوين لا على الموصوف، لكون ذلك الضمير يفيد ما يفيده قولك: "جميلين أبواه"، لم يجز النحويون قياسًا عليه أن تقول: "مررت برجل حسنين جميل أبواه" على إعمال الصفة الثانية والإضمار في الصفة الأولى/، ويجعل الضمير العائد على الأبوين من الصفة الأولى رابطًا للموصوف، كما جعل في الصفة الثانية من قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين؛ لأنه ربط بالمعنى إنما سمع من العرب في الصفة الثانية لا في الأولى، فلم يتعد به موضع السماع، ولذلك أجاز س أن تقول: مررت برجل عاقلة أمه لبيبة، على أن تجعل "لبيبة" مضمرًا فيها الأم.
ووقوع الضمير عائدًا على المبتدأ بدلًا من بعض ما في الجملة الموضوعة موضوع خبره، مثاله: حسن الجارية أعجبتني هو، فحسن: مبتدأ، والجملة بعده خبر، ولا رابط فيه، لكنه ربط بالبدل الذي هو "هو"؛ إذ "هو" بدل من الضمير المؤنث المستكن في "أعجبتني" العائد على الجارية، و"هو" عائد على الحسن. وفي الربط بهذا خلاف، سنوضحه بأكثر من هذا في باب البدل، إن شاء الله. فهذه الروابط المختلف فيها، وهي أربعة.
وقد ترك المصنف مما أجمع عليه أنه رابط اثنين: أحدهما العموم، والثاني العطف بالفاء على ما بين. وأبهم في قوله: "أو بعضها"، وفسره في الشرح باسم الإشارة أو غيره. وأورد مختلفًا فيه مورد المتفق عليه، وهو قوله "أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد".
وتفسير المتحد بالمبتدأ وهو بعض الجملة بقوله: {إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ

المُصْلِحِينَ}، قال: "لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيتحصل به ما كان يتحصل بضمير مع تأكيد الاعتناء ومزيد الثناء" انتهى. وهذا الذي ذكره هو مذهب الأخفش.

-[ص: وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو وصف، أو جر بحرف تبعيض أو ظرفية، أو بمسبوق مماثل لفظًا ومعمولًا، أو بإضافة اسم فاعل، وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولًا به، والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخص جوازه بالشعر، خلافًا للكوفيين.]-
ش: احترز بقوله "إن علم" من نحو: زيد ضربته في داره، فلا يجوز حذف هذا الضمير لأنه لا يدري أحذف أم الفعل مسلط على غيره مما يجوز حذفه من المفعولات.
واحترز بقوله "ونصب" من أن يكون الضمير مرفوعًا، فإنه لا يجوز حذفه. ومثال ما نصب بفعل قول الشاعر:
ثلاث كلهن قتلت عمدًا فأخزى الله رابعة تعود
أي: قتلتهن عمدًا
ومثال المنصوب بوصف قول الراجز:

غني نفس العفاف المغني والخائف الإملاق لا يستغني
التقدير: العفاف المغنيه، أي: الذي يغنيه هو غني نفس، فالعفاف: مبتدأ، والمغني: مبتدأ ثان، وخبره "غني نفس"، وفي "المغني" ضميران: أحدهما عائد على العفاف، وهو الفاعل باسم/ الفاعل. والآخر ضمير نصب، وهو المحذوف العائد على أل، و"المغني" وصف جرى على غير من هو له، ولم يبرز الضمير، ولو برز لقال: المغنيه هو. ومعنى هذا الكلام: الذي يغنيه العفاف غني نفس.
ويحتمل وجهًا آخر من الإعراب، وهو أظهر وأقل تكلفًا، وهو أن يكون "غني نفس" مبتدأ، وسوغ الابتداء فيه -وإن كان نكرة- كونه متخصصًا بالإضافة، أو كونه نعتًا لمنعوت، أي: إنسان غني، والعفاف: مبتدأ ثان، وخبره "المغني"، وهو وصف جار على من هو له؛ إذ هو خبر عن "العفاف"، فالجملة من قوله: "العفاف المغني" في موضع خبر المبتدأ الذي هو "غني النفس"، والعائد من الجملة محذوف، وهو الضمير المنصوب؛ إذ التقدير: المغنيه، والمعنى: غني النفس العفاف يغنيه.
ومثال المجرور بحرف تبعيض "السمن منوان بدرهم" أي: منوان منه، فمنوان: مبتدأ ثان، وسوغ الابتداء به هذا الوصف المحذوف، وهو "منه"، وبدرهم" خبره، والجملة خبر لقوله: "السمن"، والعائد هو "منه" المحذوف، وهو ضمير مجرور بمن، وهو حرف تبعيض.
ومثال الظرفية قوله:
فيوم علينا، ويوم لنا ويوم نساء، ويوم نسر

أي: نساء فيه، ونسر فيه. وقولهم: "شهر ثري، وشهر ترى، وشهر مرعى" أي: وشهر ترى فيه النبات.
ومثال ما جر بمسبوق مماثل لفظًا ومعمولًا قول الشاعر:
أصخ، فالذي توصى به أنت مفلح فلا تك إلا في الفلاح منافسا
أراد: أنت مفلح به، فحذف "به" لأنه مسبوق بمماثل لفظًا ومعمولًا، وهو نظير قوله: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ}، أي: نسارع لهم به.
ومثال ما جر بإضافة اسم فاعل قول الشاعر:
سبل المعالي بنو الأعلين سالكة والإرث أجدر من يحظى به الولد
أي: سالكتها، وأنت "سالكة"، وكان القياس: سالكون، لأن "بني" يؤنث، تقول:
قالت بنو عامر ............. ......................
وقوله وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولًا به، والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار مثاله قراءة ابن عامر (وكل وعد الله الحسنى)، أي:

وَعَده. وقول الراجز:
قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبًا، كله لم أصنع
أي: لم أصنعه.
قال المصنف في الشرح: "وكذا ما أشبه كلًا في العموم، نحو: أيهم يسألني أعطي، على جعل أي موصولة. وكذا ما عم وإن لم يكن موصولًا، نحو: كل رجل/ يدعو إلى خير أجيب، آمر بخير ولو كان صبيًا أطيع، أكثر السائلين أعطي. فول كان المبتدأ غير ذلك، والضمير مفعول به، لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار. والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار، ويرونه ضعيفًا، ومنه قراءة السلمي: (أفحكم الجاهلية يبغون) برفع الحكم. ومثل هذا القراءة قول الشاعر:
وخالد يحمد أصحابه بالحق، لا يحمد بالباطل
هكذا رواه أبو بكر بن الأنباري برفع "خالد" و"أصحابه" انتهى ما ذكره المصنف، وما مثلناه قبل فمن تمثيله إلا قليلًا.
وهذا التقسيم الذي سلكه في العائد على المبتدأ بالنسبة إلى جواز حذفه غير الطريق الذي سلكه أصحابنا، وفيه ما اختلف فيه وما اتفق عليه،

وفي كلام المصنف دعوى إجماع لا تصح، ونقل عن البصريين والكوفيين لا يوافق عليه، ونحن نوضح ذلك، فنقول:
الضمير العائد على المبتدأ من الجملة التي وقعت خبرًا عنه إما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا؛ إن كان مرفوعًا لم يجز حذفه سواء أكان مبتدأ أم غيره، فلا يجوز: الزيدان قام، ولا: الزيدون ضرب.
وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز حذفه إذا كان مبتدأ، نحو قوله:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك، ورب قتل عرب
تقديره: هو عار، فحذف "هو" من الجملة التي هي خبر عن قوله: ورب قتل.
وقال صاحب البسيط: "إن كان مبتدأ جاز حذفه، نحو: زيد هو قائم؛ إذ لا مانع من ذلك" انتهى.
وهذا ليس بشيء لأنك إذا قلت: زيد قائم، وحذفت "هو"، لم يعلم أن "هو" محذوف لصلاحية "قائم" أن يكون خبرًا مستقلًا، وقد منع الخليل: ليس زيد قائم، على تقدير: هو قائم، وحذف "هو"؛ لصلاحية نصب "قائم" فيكون الخبر.
وإن كان منصوبًا فإما أن يكون منصوبًا بفعل أو بغيره: إن كان منصوبًا بغير فعل لم يجز حذفه، نحو: زيد كأنه أسد. وإن كان منصوبًا بفعل فإما أن يكون فعلًا تامًا أو فعلًا ناقصًا: إن كان فعلًا ناقصاً لم يجز

حذفه، نحو: الصديق كأنه زيد. وإن كان فعلًا تامًا فإما أن يكون متصرفًا أو غير متصرف: إن كان غير متصرف لم يجز حذفه، نحو: زيد ما أحسنه!
واختلف النقل عن الفراء: فحكي عنه أبو بكر بن الأنباري أنه لا يجوز حذف هذه الهاء. ونقل عنه المصنف أنه يجيز حذفها. قال: "مع أنه لا يجيز: زيد ضربت، وذلك أن فعل التعجب لا تسلط له على ما قبله، فاستوي تفريغه وعدم تفريغه، بخلاف/ زيد ضربت، فإن تفريغه مع إيثار الابتداء بالعمل ترجيح الأضعف على الأقوى". قال: "ولم يعتبر ذلك في نحو "كله لم أصنع" لشبه كل بالموصول العام، وكذا ما ككل في العموم" انتهى كلامه.
وحكي أبو بكر بن الأنباري أن الكسائي كان يجيز: أبوك ما أحسن! قال: "لما لم أصل إلى نصب الأب أضمرت له هاء تعود عليه، فرفعته بها، والتقدير: أبوك ما أحسنه! ".
وإن كان متصرفًا فمذهب البصريين أنه لا يجوز حذفه إلا في الشعر، وسواء أكان يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه، نحو: زيد ضربه عمرو، أو لا يؤدي، نحو: زيد هل ضربته؟ وزيد هلا ضربته، وزيد إن تضربه أضربه، وسواء في ذلك عندهم أن يكون المبتدأ كلًا أو غيره، ونصوا على شذوذ قراءة ابن عامر (وكلٌ وعد الله الحسنى).

وقد سلك الأدب في ذلك شيخنا الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع، فقال: "جاء في الشعر وفي قليل من الكلام، قرأ ابن عامر (وكلٌ وعد الله الحسنى) ".
وذهب هشام إلى أنه يجوز "زيد ضربت" في الاختيار.
وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين إلى أنه يجوز إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو كلًا أو كلا أو كلتا، وإن أدى حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، فأجاز أن تقول: أيهم ضربت؟ برفع أي، وكل رجل ضربت. ومما جاء من ذلك قوله:
............................ علي ذنبًا كله لم أصنع
وقوله:
ثلاث كلهن قتلت عمدًا .................................
وقوله
أرجزًا تطلب أم قريضًا أم هكذا بينهما تعريضا
كلاهما أجد مستريضا
وإنما جاز ذلك مع هذه الأسماء خاصة لأن اسم الاستفهام من أسماء الصدور، ولا يجوز أن يتقدم ما بعده عليه، فأشبه لذلك الموصول؛ ألا

ترى أن الموصول لا تتقدم صلته عليه، فكما أنه يجوز أن يحذف هذا الضمير من الصلة، فكذلك يحذف من الخبر.
وكذلك كل وكلا، يدخل الكلام إذا ابتدأت بهما معنى "ما"، و"ما" من أدوات الصدور، فإذا قلت: "كل القوم ضربته" فالمعنى: ما من القوم إلا من ضربته، وكلا الرجلين ضربته، معناه: ما من الرجلين إلا من ضربته. والدليل على أن الكلام يدخله معنى "ما" قوله:
وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها
أدخل "إلا" على خبر "كل" لأن المعنى: ما منهم أحد إلا من وجدته، فأشبهت لذلك الموصول، فساغ حذف الضمير.
وقال الفراء أيضًا: لا أضمر الهاء إلا مع ستة أشياء: كل ومن وما وأي -يعني في الاستفهام- ونعم وبئس. ومثال ذلك في نعم وبئس: نعم الرجل لقيت، وبئس الرجل ضربت، وهذا على مذهب الفراء في أن نعم وبئس يرتفعان على الابتداء.
قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "والصحيح أن حذف الضمير/ من الجملة الواقعة خبرًا لهذه الأسماء لا يجوز إذا أدى إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه؛ كما لا يجوز ذلك في غيرها، وإن جاء منه شيء في الكلام فشاذ لا يقاس عليه، وإنما جاز حذفه من الصلة، ولم يجز من خبر المبتدأ، لأن حذفه من الصلة لا يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعِه عنه؛

إذ الصلة لا تعمل في الموصول، وليس كذلك أسماء الاستفهام وكل كلا لأن ما من أسماء الاستفهام يسوغ له أن يعمل فيها، وكذلك ما بعد كل وكلا قد يجوز أن يعمل فيها، وأيضًا فالصلة والموصول كالشيء الواحد، فطال لذلك الموصول بصلته، والطول موجب للتخفيف بالحذف، وليست أسماء الاستفهام وكل وكلا مع أخبارها كالشيء الواحد، فيسوغ التخفيف بحذف الضمير من أخبارها" انتهى كلامه.
وقال أبو جعفر الصفار: "أجاز س في الشعر: زيدٌ ضربت، ومنع ذلك الكسائي والفراء وأصحاب س، وحكي عن أبي العباس أنه قال: لا يضطر الشاعر إلى هذا لأن وزن المرفوع والمنصوب واحد.
وأجاز الكسائي والفراء: كلهم ضربت، ورجل ضربت أفضل من رجل تركت؛ لأن كلا إحاطة، إذا قلت "كلهم ضربت" فمعناه: لم يبق أحد إلا ضربت، فلما صار المعنى يصير إلى النكرة صار الفعل كأنه صلة للنكرة، وكذلك النكرات كلها عندهما.
وأجاز الفراء أيضًا الرفع في كل اسم لا يكون إلا في صدر الكلام مثل كم وأي، وفي كل اسم لا يتعرف نحو من وما؛ لأن الاسم يكون في صدر الكلام لا يزايله، والفعل له، فكثر الكلام به، وإنما يجئ مفعولًا به في بعض الكلام، وقد عرف موضعه بالرفع، فأجروه على ذلك، وأضمروا الهاء، ولم يجز ذلك في زيد وعمرو لأنهما يتقدمان ويتأخران، هذا احتجاج الفراء" انتهى ما نقله أبو جعفر.
وأين ما ادعى المصنف من الإجماع في "كل" وما أشبهه في العموم، ولم يقل به في "كل" إلى الفراء في نقل، وإلا الفراء والكسائي في نقل آخر؟

وإن كان الضمير مجرورًا فإما أن يكون مجرورًا بالإضافة أو بحرف جر:
إن كان مجرورًا بالإضافة فلا يجوز حذفه، وسواء أكان أصله النصب نحو: زيد أنا ضاربه، أم لم يكن نحو: زيد قام غلامه، هذا نقل أكثر أصحابنا وإطلاقهم، وفي كلام بعضهم أنه إذا كان مجرورًا وأصله النصب فقد يحذف.
وإن كان مجرورًا بحرف جر فإما أن يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه أو لا: إن أدى لم يجز حذفه، نحو: زيد مررت به، وإن لم يؤد جاز، فتقول: السمن منوان بدرهم، التقدير: منوان منه بدرهم، وقال الشاعر:
/كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
أي: من عز منهم بز. ومنه في أحد الأقوال: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (30)} أي: منهم.
ولخص بعض أصحابنا حذف الضمير، فقال: لا يجوز حذفه إلا بشرط أن لا يكون فاعلًا ولا مفعولًا لم يسم فاعله ولا مؤديًا إلى لبس، نحو: زيد ضربته في داره، ولا إلى إخلال نحو: زيد قام غلامه، لأن حذفه يخل بالتعريف الذي استفادة الغلام منه، ولا إلى التهيئة والقطع، فهذه خمسة شروط في جواز حذف الضمير العائد من الجملة إلى المبتدأ.
وتبين أن ما ذكره المصنف في الفص وفي الشرح منقود من وجوه:

أحدهما: أنه إذا نصب بفعل أو وصف فقد يحذف. وذكرنا أن ذلك لا يجوز عند البصريين إلا في الشعر، وسواء أكان فعل تعجب أم غيره.
الثاني: أنه إذا جر بحرف تبعيض فقد يحذف. وليس كما ذكر؛ إذ لو كان حذف الضمير منجرًا بـ"من" التبعيضية، وأدى إلى تهيئة العامل وقطعه، لم يجز، نحو: الرغيف أكلت منه، فلا يجوز حذف "منه" لأن حذفه يؤدي إلى التهيئة والقطع.
الثالث: أنه إذا جر بحرف ظرف فقد يحذف. واستدل على ذلك بقوله:
........................... ويوم نساء، ويوم نسر
وبقوله: وشهر ترى. وهذا لا يجوز لأنه يؤدي إلى التهيئة والقطع.
الرابع: أنه أعرب "ويوم نساء، ويوم نسر" و"شهر ترى" مبتدأ، والجمل بعدها أخبارها. وهذا يحتمل أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، و"نسر" و"ترى" جمل في موضع الصفة، وحملها على الصفة أولى لأن الحذف منها أقرب من الحذف من أخبار المبتدأ.
الخامس: أنه إذا كان منجرًا باسم الفاعل فإنه ذكر أنه يحذف. وذكرنا أنه لا يجوز ذلك عند أصحابنا، وإن جاء منه شيء فبابه الشعر.
السادس: دعواه بالإجماع إذا كان المبتدأ كلًا أو شبهه في العموم والافتقار. وقد ذكرنا أن الكسائي والفراء في نقل أجازا ذلك مع كل، وأن الفراء أجازه في نقل آخر مع كل.

السابع: أنه ذكر أن ما أشبه كلًا في العموم والافتقار يجوز حذف الضمير من الخبر معه، ومثل بـ"أيهم" الموصولة. ولا أعلم له سلفًا في ذلك، بل ذلك عند أصحابنا إن وجد ففي الشعر.
الثامن: أنه ذكر أنه فصل بين: زيد ضربت، وبين: كل ضربت، فالرفع في "كل" جائز عند الإجماع، والرفع في "زيد ضربت" ضعيف. ولا فصل بينهما عند أصحابنا.
التاسع: نقله عن البصريين جواز "زيد ضربت" في الكلام، وأن الكوفيين يخصونه بالشعر. والنقل عن الكوفيين مختلف، أما هشام/ فنقل عنه أنه يجيزه في الاختيار، وأما الكسائي والفراء فمنعا ذلك في الشعر. وأما البصريون فجوزوه في الشعر. وهذا اضطراب كثير في هذه المسألة للمصنف، رحمه الله.

-[ص: ويغني عن الخبر باطراد ظرف، أو حرف جر تام معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق، وفاقا للأخفش تصريحًا، ولسيبويه إيماء، لا لفعله، ولا للمبتدأ، ولا للمخالفة، خلافًا لزاعمي ذلك. وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله، وربما اجتمعا لفظًا.]-
ش: مثال الظرف: زيد أمامك، ومثال حرف الجر: زيد في الدار.
وقوله تام احتراز من أن يكون ناقصًا، نحو: زيد فيك، وزيد عنك، فإن مثل هذا لا يصح أن يخبر به عن "زيد".

وقوله معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق فإذا قلت: "زيد أمامك" فتقديره: زيد كائن أمامك. وإنما كان أجود عنده أن يقدر العامل مفردًا لأن أصل الخبر أن يكون مفردًا، فجعل المحذوف مفردًا لا فعلًا لأتنه جملة بإجماع، ولأن العرب حين تجمعت بين العامل والمعمول جمعت بينهما والعامل اسم فاعل على ما سيأتي، إن شاء الله، ولأن تقدير الفعل لا يغني عن تقدير اسم الفاعل ليستدل به على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل لا يحتاج إلى تقدير، ولأن كل موضع وقع فيه الظرف صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض المواضع لا يصلح فيه الفعل، نحو: أما عندك فزيد، وجئت فإذا عندك زيد.
وقوله لا لفعله هذا منسوب إلى س، وبه قال أبو علي والزمخشري وغيرهما.
ورجح هذا القول بأن الفعل متعين في وصل الموصولات، والفرق بينهما أنه الوصل واقع موقعًا لا يقع فيه المفرد، بل إن وقع أول

بجملة، وهنا الأصل فيه المفرد، وإذا وقعت فيه الجملة أولت بالمفرد.
ورجح أيضًا بأن أصل العمل للفعل، فمتى أمكن أقر على حاله، وقد أمكن بتقديره. وعورض بأن الموضع للمفرد.
وقال ابن الدهان: رأيت بيتًا هو حجة على أنه جملة، وهو قوله:
أفي الله أما بحدل وابن أمه فيحيا، وأما ابن الزبير فيقتل
ومعلوم أن "ما" تقطع ما بعدها عما قبلها، والهمزة لا تصدر إلا جملة، ولا تتصدر مفردًا، فثبت أنه جملة.
وقوله ولا للمبتدأ زعم ابن أبي العافية وابن خروف وغيرهما أن مذهب س أن الظرف منصوب بالمبتدأ نفسه، وهو خبر عنه، وعمل فيه المبتدأ النصب لا الرفع لأنه ليس الأول في المعنى، فإذا كان الخبر هو الأول رفع، وإذا كان غير الأول نصب.
قال ابن خروف: "العامل عند س/ في الظرف المبتدأ، وهو الذي نص عليه في أبواب الصفة، عمل فيه نصبًا كما عمل في المفرد رفعًا لكونه إياه، ولما لم يكن المبتدأ الظرف عمل فيه نصبًا، وهو مذهب متقدمي أهل البصرة" انتهى.

وذكر المصنف في الشرح أن ابن خروف ذهب إلى ذلك، وأنه قال: "هو مذهب س". ثم ذكر المصنف كلامًا لـ"س"، زعم أنه هو الذي حمل ابن خروف على نسبة هذا المذهب لـ"س"، وتأوله، وطول فيه، قال: وهو يبطل من سبعة أوجه:
أحدها: أنه قول مخالف لما شهر عن البصريين والكوفيين مع عدم دليل، فوجب اطراحه.
قلت: أما قوله: "إنه مخالف لما شهر عن البصريين والكوفيين" فليس كما ذكر؛ ألا ترى إلى نقل ابن خروف وغيره أنه مذهب متقدمي أهل البصرة. وأما قوله: "مع عدم دليل" فليس كما ذكر، بل الدليل يدل عليه، فكما أعلمنا المبتدأ في الخبر إذا كان إياه رفعًا، كذلك أعملناه فيه نصبًا، ومتى أمكن نسبة العمل إلى ملفوظ به كان أولى من المقدر، وقد أمكن ذلك بما ذكرناه.
الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه.
قلت: لا نوافق على أن المبتدأ عامل رفع على الإطلاق، بل الاتفاق على أنه عامل رفع إذا كان الخبر هو الأول، أما إذا كان الخبر ظرفًا فلا.
الثالث: أنه يلزم تركيب كلام تام من ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.

قلت: لا يلزم ما ذكر، بل تركب الكلام من مرفوع ومنصوب، فصار نظير: إن زيدًا قائم، فإنه تركب من منصوب ومرفوع.
الرابع: أنه يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير له.
قلت: لا يلزم ما ذكره إذ هو نظير: أبو يوسف أبو حنيفة، فهذا التركيب الخاص حصل به الربط بين هذين المتباينين، كما أن تركب "زيد خلفك" هذا التركيب الخاص حصل به الربط، وليس حصول الربط مستدعيًا لفظًا ثالثًا يحصل به الربط.
الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عن تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر.
قلت: ليست نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفاعل من الفعل، فيلزم عنه ما ذكر، بل نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل لأنه محكوم به ومسند إلى المبتدأ، كما أن الفعل محكوم به ومسند إلى الفاعل.
السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: "زيد خلفك" نظير المصدر من نحو: "ما أنت إلا/ سيرًا" في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقًا للنظير بالنظير.
السابع: أن عامل النصب في غير الظرف المذكور بإجماع لا يكون إلا فعلًا أو شبيهه أو شبيه شبيهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به.
قلت: من زعم أن الظرف منصوب بالمبتدأ نفسه لا يخرج المبتدأ عن

أن يكون شبيهًا بالفعل أو شبيه شبيه، والجامع بينهما الاقتضاء.
وقوله ولا للمخالفة هو قول الكوفيين، حكاه عنهم ابن كيسان، فإذا قلت: "زيد أخوك"، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: "زيد خلفك" فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب.
وقال غيره: الكوفيون الكسائي والفراء وهشام وشيوخ الكوفيين مجمعون على أن المحل ينصب لأنه خلاف الاسم الذي المحل حديثه، لا فعل ينصبه، ولا يقدر معه من قبله ولا من بعده. ومبناهم على ضعف المحل، وأن الذي يضعف لا يحمل من الحركات إلا الفتح، والفائدة في "زيد خلفك" أن المخاطب دل على موضع زيد، ولم يقصد لفعله في استقرار ولا قيام ولا قعود.
وخالف أحمد بن يحيي أصحابه، فقال: "المحل منصوب بفعل محذوف".
ورد هذا المذهب المنسوب للكوفيين بوجوه:
أحدها: أن تخالف المتباينين معنى نسبته إلى كل منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح من غير مرجح.
الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم تعمل فيها بإجماع، نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، و {هُمْ دَرَجَاتٌ}، فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف

المذكور لعملت في هذا الأخبار ونحوها لتحقق المخالفة فيها.
الثالث: أن المخالفة معنى لا يختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملًا مجمعًا عليه لا يكون غير مختص، هذا إذا كان العامل لفظًا مع أنه أقوى من المعنى، فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه.
الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين أن لا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدًا، هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم، فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق.
وقوله وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله هذا الذي اختاره المصنف هو مذهب ابن كيسان وظاهر قول السيرافي، فإذا قلت: "زيد خلفك" على مذهب من جعل العامل في الظرف هو غير المبتدأ من اسم فاعل أو فعل فتسميته/ الظرف خبرًا هو مجاز، والخبر في الحقيقة هو العامل المحذوف. وكذلك إذا قلت: "زيد خلفك أبوه" فأبوه يقال هو فاعل بالظرف، وليس على الحقيقة، بل هو فاعل باسم الفاعل أو بالفعل العامل النصب في الظرف. وكذلك تحمله للضمير المرفوع العائد على زيد.
وذهب أحمد بن يحيي إلى أن المحل نائب عن الفعل المحذوف الناصب له، يضمر فيه من ذكر الاسم ما يضمر في الفعل.

وذهب الفراء إلى أن المحل إذا تأخر تحمل ضمير "زيد"، وإذا تقدم لا يتحمل ضميرًا لأنه يرفع الظاهر، فزيد مرفوع بالمحل تقدم أو تأخر، إلا أنه إذا تأخر رفع الظاهر، ورفع ضميره.
والمنقول عن البصريين أنه يتحمل ضمير المبتدأ سواء أتقدم على المبتدأ أم تأخر، وأنه يرفع ذلك المضمر، ويرفع الاسم بعده، فإذا قلت: "زيد خلفك" ففي خلفك ضمير مرفوع. والدليل على ذلك أن العرب أكدت ذلك الضمير، فقالوا: إن زيدًا خلفك هو نفسه، بالرفع، فـ"نفسه"" تأكيد للضمير الذي تحمله الظرف، و"هو" تأكيد له لأنك أكدته بلفظ النفس، فاحتيج إلى توكيد بضمير منفصل. وتقول: إن المال عندك أجمع، فـ"أجمع" توكيد لذلك الضمير المستكن في الظرف، ولم يحتج إلى تأكيد لأنك أكدت بأجمع. وقال الشاعر:
.............................. فإن فؤادي عندك الدهر أجمع
وإذا قلت: "زيد خلفك أبوه" فـ"أبوه" مرفوع بالظرف على الفاعلية، ويجوز أن يرتفع على الابتداء، والظرف قبله خبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبر عن "زيد"، والوجه الأول أولى لأنه إخبار بمفرد، والثاني إخبار بجملة، هكذا تلقنا هذا الإعراب من شيوخنا.
وفي "الغرة" ما ملخصه: أبو علي وابن جني يدعيان انتقال الحكم إلى الظرف، إذ لو كان الحكم للعامل لجاز: قائمًا زيد في الدار،

كما جاز مع العامل. وقد استخرج من س هذا القول، فقال: تقول: إياك أنت وزيد، ولا تقول: إياك وزيد؛ لأنه المضمر المرفوع لا يعطف عليه حتى يؤكد، والظرف كهذا في النيابة.
وذهب أبو زيد السهيلي إلى أنه "لا يصح ارتفاع اسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل، وإن كان في موضع خبر أو نعت، بل بالابتداء، كما يرتفع في "قائم زيد" بالابتداء".
قال: "فإن قيل: أليس يرتفع بـ"قائم" إذا اعتمد، فليرتفع هنا به؟ وقد توهم قوم أن هذا مذهب س، وأنه يجوز أن يرفع الظرف إذا قلت: زيد في الدار أبوه، ومررت برجل معه صقر، وليس مذهبه، وقد بين السيرافي مراده، وشرح وجه الغلط بما فيه غنية.
فالجواب: أن الفرق بين الظرف واسم الفاعل أن اسم الفاعل مشتق، وفيه لفظ الفعل/ موجود، فإذا اقترنت به قرينة من القرائن التي يقوى بها معنى الفعل عمل عمله، والظرف لا لفظ للفعل فيه، إنما هو معنى يتعلق بالحرف، ويدل عليه، فلم يكن في قوة القرينة التي اعتمد عليها أن تجعله كالفعل، كما لم يكن في قوته إذا كان ملفوظًا به دون قرينة أن يكون كالفعل حتى يجتمع الاعتماد المقوي لمعنى الفعل مع اللفظ المشتق من الفعل، فيعمل حينئذ عمل الفعل.
ووجه آخر من الفرق: إذا قلت "مررت برجل قائم أبوه" فالقيام مسند إلى الأب في المعنى، وإلى رجل في اللفظ، واتفق لما كان للكلام لفظ ومعنى، فكان في اللفظ جاريًا على ما قبله، وفي المعنى مسندًا إلى ما

بعده، وأما الظرف والمجرور فليس للصفة المشتقة لفظ يجري على ما قبله، وإنما هو معنى يتعلق به الجار، وذلك المعنى مسند إلى الاسم المرفوع وخبر عنه، فصح أنه مبتدأ، والمجرور خبر له، والجملة في موضع نعت أو خبر.
فإن قيل: يلزمكم إذا قدرتم الظرف في موضع خبر، وقدرتم فيه ضميرًا يعود على المبتدأ، أن تجيزوا: في الدار نفسه زيد، وفيها أجمعون إخوتك، وهذا لا يجيزه أحد، وفي هذا حجة للأخفش ولمن رفع بالظرف.
قلنا: إنما قبح توكيد المضمر لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظًا به فهو في المعنى والرتبة هو المبتدأ، والمجرور المقدم قبل المبتدأ دل عليه، والدال على الشيء غير الشيء، فلهذا قبح "فيها أجمعون الزيدون" لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد" انتهى.
وفي الإفصاح: المجرورات إذا كانت معتمدة على ما قبلها، أي صفة أو حالًا أو خبرًا عنه فأكثر النحويين على أن ما بعد المجرور يرتفع به ارتفاع الفاعل لا غير، والمجرور في موضع الصفة أو الحال أو الخبر.
ومنهم من قال: المجرور في هذه المواضع خبر مقدم، وما بعده مبتدأ، وتكون الجملة في موضع الصفة أو الحال أو الخبر.
ومنهم من أجاز الوجهين، كما يرى أبو الحسن في المجرورات

والظروف وإن لم تعتمد. وكلام س محتمل، وكل تأول على مذهبه.
وقوله وربما اجتمعا لفظًا مثاله ما ورد من قول الشاعر:
لك العز إن مولاك عز، وإن يهن فأنت لدى بحبوحة الهون كائن
وفي هذا البيت دليل على أن العامل في الظرف هو اسم فاعل إذ ظهر في هذا البيت.
ومثل هذا البيت قوله: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ} فـ"مستقرًا" حال، والعامل فيها محذوف، وقد ظهر في هذا، وهو امس فاعل لا فعل.
وقال ابن الدهان: {مُسْتَقِرًا} ليس عاملًا/ في الظرف، وإنما (عنده) للرؤية، و {مُسْتَقِرًا} حال من الهاء.

-[ص: ولا يغني ظرف زمان غالبًا عن خبر اسم عين ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتًا دون وقت، أو تعم إضافة معنى إليه، أو يعم واسم الزمان خاص أو مسؤول به عن خاص. ويغني عن خبر اسم معنى مطلقًا، فإن أوقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبًا، ولم يمتنع نصبه ولا جره بـ"في"، خلافًا للكوفيين. وربما رفع خبرًا الزمان الموقوع في بعضه.]-
ش: لا تقول: زيد اليوم، ولا: بكر غدًا. واحترز بقوله: "غالبًا" من قول امرئ القيس "اليوم خمر وغدًا أمر"، وقول الشاعر:

جارتي للخبيص، والهر للفأ ر، وشاتي إذا أردت مجيعا
فشاتي: مبتدأ، وهي جثة، وإذا ظرف زمان، وقد وقع خبرًا للجثة. وكذا "اليوم خمر"، الخمر جثة، واليوم ظرف زمان، وهو خبر عنه.
وقوله ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتًا دون وقت مثاله: الهلال الليلة، والرطب شهري ربيع، والطيالسة ثلاثة أشهر، والصيد شهري ربيع؛ وزيد حين بقل وجهه، وزيد حين طر شاربه، والجباب شهرين، والثلج شهرين، والحجاج زمان ابن مروان، ومتى أنت وبلادك؟ أي: متى عهدك ببلادك؟
واختلف النحويون في هذا:
فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع ظرف الزمان خبرًا عن الجثة من غير تفصيل، سواء أجئت بالظرف منصوبًا أم جررته بفي، وتأولوا ما ورد من ذلك على حذف مضاف.
وأجاز ذلك قوم بشرط أن يكون فيه معنى الشرط، نحو: الرطب إذا جاء الحر.
وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يمتنع ذلك إذا أفادت، وإن لم يكن فيه معنى الشرط، وإذا وصفت الظرف، ثم جررته بفي، جاز وقوعه

خبرًا للجثة، نحو: نحن في يوم طيب، ونحن في يوم صائف.
وقال أبو الحسين بن عبد الوارث -وهو ابن أخت أبي علي الفارسي-: "الهلال الليلة هو على ظاهره لا على حذف مضاف؛ لأن الهلال يكون ظاهرًا، ثم يستنير، ثم يظهر، فلما اختلفت به الأحوال جرى مجرى الأحداث التي تقع مرة، وتزول أخرى، فجاز جعل الزمان خبرًا عنه".
قال عبد القادر الجرجاني: "ويوضح ما قاله أن الهلال ليس باسم وضع علمًا للنير كالشمس والقمر، وإنما هو اسم يتناوله في حال دون حال، والاسم الموضوع له "القمر"، فلما كان كذلك صار إذا قيل: "الهلال" كأنه قيل: استنارة القمر، أو بدو القمر، فهو إذًا متضمن لمعنى الحدوث، فيجوز أن تجعل "الليلة" خبرًا عنه، ولهذا قال ابن السراج: لو قلت: الشمس اليوم، والقمر الليلة، لم يجز لأنه غير متوقع، فلا يتضمن الدلالة على الحدوث".
وقال السهيلي:/ "فإن قلت: فقد قالوا: زيد حين بقل وجهه، وطر شاربه. قلنا: إنما جاز ذلك بقرينة أخرجته عن معنى الظرف من الزمان إلى معنى الوصف بمقدار السنين، وهي إضافة الوجه إليه، ولو قلت: "حين بقل وجه عمرو" لم يجز مع أنه أيضًا مخصوص بلفظ "حين"، ولو قلت "زيد يوم بقل وجهه" لم يجز لما في لفظ "حين" من لفظ حان يحين الذي يصح أن يكون خبرًا عن زيد".

وقوله أو تعم إضافة معنى إليه ثبت في بعض النسخ عوض هذا قوله: "أو تنو إضافة معنى إليه", مثاله: أكل يوم ثوب تلبسه؟ وأكل ليلة ضيف يؤمك؟ وقال الراجز:
أكل عام نعم تحوونه يلقحه قوم, وتنجونه
وقال الشاعر:
أفي كل عام مأتم تبعثونه على محمر ثوبتموه, وما رضا
التقدير: تجدد ثوب, وإحراز نعم, وحدوث مأتم.
وقوله أو يعم واسم الزمان خاص مثاله: نحن في شهر كذا.
وقوله أو مسؤول به عن خاص مثاله: في أي الفصول نحن؟ وفي أي شهر نحن؟ وفي أي عام نحن من تاريخ خلافة فلان؟ لأن مثل هذا قد يجهل.
وقوله ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا يعني بقوله: "مطلقا" سواء أوقع المعنى في جميعه أو في بعضه.
وقوله فإن أوقع في جميعه مثاله:} وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ

شَهْرًا {, وقوله تعالى:} غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ {.
وقوله أو أكثره:} الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ {
وقوله وكان نكرة لأنه إن كان معرفة فيجوز فيه الرفع والنصب باتفاق من الكوفيين والبصريين, نحو: قيامك يوم الخميس, وصومك اليوم, إلا أن النصب هو الأصل والغالب.
وقوله رفع غالبا, ولم يمتنع نصبه ولا جره بـ "في", خلافا للكوفيين تقدم تمثيل رفعه, وأما نصبه وجره بـ "في" فلا يمتنع عند البصريين, ومنع ذلك الكوفيون. وحجتهم صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق. وهذا مبني على قول بعضهم إن "في" للتبعيض, حكاه السيرافي.
وليس بصحيح, وإنما "في" للظرفية بحسب الواقع في مصحوبها, فإن كان يستغرق فلا تمنع منه "في" ولا معناها, ولذلك يقال: في الكيس درهم, وفي الكيس ملؤه من الدراهم. انتهى شرح هذا ملخصا من كلام المصنف في شرحه.
ونقول: الظرف الزماني إما أن يقع خبرا لزمان أو لمصدر, وقد تقدم الكلام عليه مع الجثة. فإن وقع خبرا لزمان غير أيام الأسبوع, وهو على قدر المبتدأ, فالرفع فقط, تقول: زمان خروجك الساعة, وإن كان أعم جاز الرفع والنصب, تقول: زمان خروجك يوم الجمعة, فيوم الجمعة بالنصب حقيقة, ويوم بالرفع مجاز, تجعل الخروج طويلا/ قد استغرق اليوم أجمع.

وإن كان من أيام الأسبوع فالرفع, نحو: الأحد اليوم, وكذلك أسماء الأيام جميعها إلا الجمعة والسبت, فإنه يجوز رفع اليوم ونصبه. هذا مذهب البصريين, وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك عند تعرض المصنف له.
وإن وقع خبرا لمصدر, وكان معرفة, فالرفع والنصب. وإن كان نكرة فذهب هشام إلى أنه يلتزم فيه الرفع, فتقول: ميعادك يوم ويومان.
وذهب الفراء إلى أن المنكور من المواقيت يرفع وينصب كالمعرفة, وهو مذهب البصريين, هذا نقل أبي بكر بن الأنباري.
وحكي السيرافي أنه يجوز الرفع والنصب باتفاق معرفة كان أو نكرة.
وحكي النحاس عن الكوفيين رفعه نكرة ونصبه معرفة.
وحكي غيرهما التفصيل عن الكوفيين: فإن كان معدودا فالاختيار الرفع, وقل النصب, نحو: القتال يومان؛ لأنه صار في معنى ما الثاني فيه الأول؛ ألا ترى أن المعنى: أمد ذلك يومان, فالأول إذا هو الثاني, فيكون الرفع مختارا.
وإن كان غير معدود فالنصب أحسن, نحو: القتال يوم الجمعة؛ لأن هذا ليس بأمد؛ ألا ترى أن المعنى: وقت الجمعة.
ومستندهم أن السماع ورد به, قال تعالى:} غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا

شَهْر}. ولا يدل إلا على أن الرفع في المعدود أحسن منه في غير المعدود, وأما أن يكون أحسن من النصب فلا؛ لأن النصب هو الحقيقة. وهذا كله إذا لم يكن الحدث مستغرقا للزمان.
فإن كان مستغرقا فمذهب البصريين أنه يجوز فيه الرفع والنصب, ومذهب الكوفيين انه لا يجوز فيه إلا الرفع, فإذا قيل: "قيامك يوم" فالقيام آخذ بجملة اليوم, فإن كان القيام في بعض اليوم فهو منصوب مع النعت أو الصلة, فتقول: قيامك يوما مباركا من الدهر, فإن قلت: "قيامك شهر" فالرفع والنصب على المعنيين المختلفين, والمضاف للمصدر كالمصدر, نحو: أفضل قيامك يوم الجمعة, برفع "يوم الجمعة" ونصبه, والمصادر كلها تنتصب على الأوقات.
فإذا وقعت خبرا لزمان, وكان أعلم من الزمان, جاز الرفع والنصب, نحو: زمان خروجك خلافة الحجاج, أو مساويا فالرفع نحو: زمان خروجك خفوق النجم.
وإن وقعت خبرا لغير زمان جار عند البصريين الرفع والنصب من غير تفصيل, قيل: فتقول: قيامي صياح الديك, وخروج الأمير وخروجكم, وخروجنا, ويجوز الرفع على قبح على أن القيام وقت الخروج.
وفصل الكوفيون, فقالوا: إن كان معدودا فالرفع عندهم أحسن, نحو: خروجي خلافة الحجاج. وإن لم يكن معدودا فالنصب خاصة إن كان أعلم, نحو: ولادة زيد ظهور الأزراقة. ولم يشترط الكوفيون في نصب المصدر ميقاتا أن يكون فيما يعرف. ولا نقل أحفظه عن البصريين/ في ذلك إلا ما حكي عن الزجاج أنه لا يجيز هذا إلا فيما يعرف, نحو: قدوم

الحاج, وخفوق النجم, ولو قلت: لا أكلمك قيام زيد, تريد: وقت قيام زيد, لم يجز لأنه لا يعرف.
ولا يكون المصدر وقتا إلا أن يكون مصرحا, فمن قال: يعجبني أن تقوم, وما تقوم, لا يقول: خروجنا أن يصيح الديك, ولا: ما يصيح الديك.
وإذا كان المصدر خبرا للمصدر, ولم يرد به زمن البتة وجب الرفع, ويكون بمنزلة قوله:
وظني بها حفظ بعين ورعية لما استودعت, والظن بالغيب واسع
أراد: ومظنوني بها كذا, أو: وصاحب ظني كذا, فهو مصدر لم يخرج إلى الزمان.
وقوله وربما رفع خبرا الزمان الموقع في بعضه مثاله: الزيارة يوم الجمعة, وسواء أكان الظرف معرفة أم نكرة, وقال:
زعم البوارح أن رحلتنا إذا وبذاك خبرنا الغداف الأسود
يروى بنصب غد ورفع.
قال المصنف في الشرح: "والوجهان في هذا النوع جائزان بإجماع, إلا أن النصب أجود لأن الحذف معه أقيس, واستعماله أكثر" انتهى.
وما ذكر من أن الوجهين جائزان بإجماع ليس بصحيح, فقد ذكرنا أن هشاما يوجب الرفع في النكرة, ولا يجيز النصب, وأن الفراء يجيزهما في النكرة كالبصريين.
ص: ويفعل ذلك بالمكاني المتصرف بعد اسم عين: راجحًا إن كان

المكاني نكرة, ومرجوحا إن كان معرفة, ولا يخص رفع المعرفة بالشعر, أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين. ويكثر رفع المؤقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدر إضافة بعد إليه. ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين, بمعنى: أنت من أشياعي ما سزنا فرسخين.
ش: أي: ويفعل ذلك أي: الرفع. واحترز بقوله: "المتصرف" مما لا يتصرف, نحو: عندك, وانتصب "راجحا" على الحال من اسم الإشارة. ومثال رجحانه في المكاني النكرة: المسلمون جانب والمشركون جانب, ونحن قدام وأنتم خلف. "والنصب جائز عند البصريين والكوفيين ومن زعم أن مذهب الكوفيين في هذا التزام الرفع فقد وهم".
وقوله ولا يخص رفع المعرفة بالشعر, أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين المختار عند البصريين نحو: زيد خلفك, ويجوز الرفع نحن: زيد خلفك, وأمامك, وسواء أكان خبرا لاسم مكان أو ذات غيره نحو: داري أمام دارك, وزيد أمام دارك. وقد قصر الكوفيون جواز الرفع على الشعر, أو على أن يكون خبرا لاسم مكان, وهذا معنى الذي ذكره المصنف في شرحه كلامه. وفيه تفصيل, فنقول:
الظرف المكاني إذا وقع خبرا فإما أن يكون خبرا للأسماء غير المواضع والمصادر, أو للمواضع, أو للمصادر: إن وقع خبرا للأول فإما أن يكون مضافا أو غير مضاف: إن كان مضافا فإما لنكرة أو لمعرفة:/ إن

كان مضافاً لنكرة نحو: زيد خلف حائط, وبكر وراء جبل, فاتفق البصريون والكوفيون على جواز رفعه ونصبه. وإن أضيف إلى معرفة نحو: زيد خلفك, فمذهب البصريين جواز رفعه ونصبه, ومذهب الكوفيين أنه لا يجوز إلا النصب, هذا إن لم يملأه, فإن ملأه فالرفع عندهم أحسن من النصب, نحو: زيد مكانك, تجعله المكان لأنه قد ملأه, فصار كأنه هو, فأما قول الشاعر:
.................. .................. إلا جبرئيل أمامها
فقالوا: لما كان لعظمه يملأ الأمام رفع الأمام, ولا فرق عند البصريين بين أن يملأ أو لا يملأ, يجيزون الرفع والنصب.
وإن لم يكن مضافا فإما أن يكون مصحبا من أو غير مصحب من: إن كان مضحبها جوزوا كلهم رفعه ونصبه, نحو: زيد قريبا منك, وقريب منك, والقوم ناحية من الدار, وناحية من الدار, قال س: "قال يونس: العرب تقول: هل قريبا منك أحد؟ ". وقال الكسائي والفراء وهشام: يقال: عبد الله قريب منك, وقريبا منك, وبعيد منك, وقليل في كلام: بعيدا منك, وإنما قل لأنهم لما قالوا: عبد الله قربك, وبقربك حسن ذلك مذهب المحل في قريبا منك, وحين لم يقولوا: عبد الله بعدك, وببعدك قبح ذلك مذهب المحل في: بعيدا منك, وهو جائز في القياس. وأجازوا:

إن قريباً منك الماء, بنصب الماء ورفعه, وقال الكسائي والفراء وهشام: كلام العرب: إن بعيدا منك الماء, برفع الماء, ونصبه قليل, وأنشدوا قول الراجز:
إن قريبا منك صقرا صائدا
وإن كان غير مصحب بـ "من" فإما أن يكون بألف ولام, أو بغير ألف ولام: إن كان بألف واللام فالرفع عند الكوفيين والبصريين, وأما النصب فلا يجوز عند الكوفيين, ويجوز عند البصريين, فتقول: زيد الأمام, وزيد الشمال, وبكر اليمين.
وإن كان بغير ألف ولام فإما أن يعطف عليه منكور مثله أو لا يعطف: إن عطف فالاختيار عند الكوفيين الرفع, ويجيزون النصب على غير اختيار. والبصريون يسوون بين الرفع والنصب, فيقولون: القوم يمين وشمال, ويمينا وشمالا, وزيد مرأى ومسمعا, ومرأى ومسمع.
وإن لم يعطف عليه مثله رفعه الكوفيون لا غير, وجوز البصريون رفعه ونصبه, فقالوا: زيد خلف وخلفا.
فإن كان الظرف مختصا لم يرفع ولم ينصب, نحو: زيد دارك أو دارك, لا يجوز لا برفع ولا بنصب إلا فيما سمع نحو قولهم: زيد جنبك, ولا يقاس عليه: زيد ركن الدار, لا برفع ولا بنصب.
وإن وقع الظرف المكاني خبرا للمواضع نصب ورفع, نحو: مكاني خلفك وخلفك, وقالت العرب: منزله شرقي الدار, رفعوا على أن المنزل هو الشرقي؛ ونصبوا على مذهب الناحية/.
فإن كان الظرف المكاني مختصا فالرفع, نحو: موعدك ركن الدار,

وموعدك المسجد والمقصورة, لا ينصب شيء من هذا, فأما: موعدك باب البردان وباب الطاق, فيرفع على أن الموعد هو الباب, وينصب على معنى: موعدك ناحية باب البردان, وناحية باب الطاق, والمستعمل بالنصب من المختصات لا يقاس عليه غيره مما لم يكثر استعماله, ولذلك من قال: موعدك بيت المقدس, ومدينة أبي جعفر, وطاق الحراني, لا ينصب شيئا منه وهو يقصد الناحية لأنه لم يكثر به استعمال.
وإن وقع الظرف المكاني خبرا للمصادر, نحو: القتال خلفك, والضرب قدامك, فالنصب, والنص على أنه لا يجوز "خروجك وراؤنا" بالرفع.
وقد اتضح بهذا الذي ذكرناه ما في كلام المصنف من التقصير في نقل الأحكام والخلل: أما التقصير فإنه لم يستوف ما يكون الظرف المكاني خبرا له من أسماء المواضع ومن المصادر ومن غيرهما من الأسماء كأسماء الناس وغيرهم. وأما الخلل فقوله "إنه يرفع المكاني المتصرف بعد اسم عين راجحا إن كان المكاني نكرة", وإذا كان نكرة ففيه ما ذكرناه من التفصيل من أنه لا يخلو أن يكون مضافا لنكرة أو مصحبا بمن أو غير مصحب, فإن كان مضافا لنكرة أو مصحبا بمن جاز الرفع والنصب, أو غير مصحب بمن معطوفا عليه منكور مثله فالاختيار الرفع عند الكوفيين,

ويجوزون النصب على غير اختيار, والبصريون يسوون بينهما, أو غير معطوف عليه مثله فالوجهان عند البصريين, وأما الكوفيون فلا يجوز عندهم فيه إلا الرفع, هذا هو الصحيح في النقل عن الكوفيين لا ما زعم المصنف في الشرح من قوله "إن من زعم أن مذهب الكوفيين في هذا التزام الرفع فقد وهم".
قال أبو بكر بن الأنباري: إذا أتى خبرا لأسماء الناس, وأفرد من الإضافة, رفعه الكوفيون لا غير, وجوز البصريون رفعه ونصبه, فقالوا: زيد خلف وخلفا, وأبطل الكوفيون: زيد خلفا. وقال الفراء: العرب تقول: التقى الجيشان فالمسلمون جانب والروم جانب, ولا يجوز في جانب وجانب إلا الرفع لتنكيرهما, فإذا قلت: "فالمسلمون جانب الروم والروم جانب المسلمين" لم يكن في الجانبين إلا النصب لتعريفهما, فإن قالوا: "فالمسلمون جانب من الروم والروم جانب من المسلمين" جاز في جانب وجانب الرفع والنصب, أدنته "من الإضافة, وشبهته بما يكون مضافا بغير من, قال الشاعر:
فيما بي من حمى ولا مس جنة ولكن عمي الحميري كذوب
عيشة لا عفراء منك بعيدة فتسلو, ولا عفراء منك قريب
معناه: مكان قريب.
ومن الخلل الواقع في كلام المصنف قوله "ولا يخص رفع المعرفة بالشعر أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين", فأفهم أن الكوفيين

يخصون رفع المعرفة/ بالشعر أو بكونه خبرا لاسم مكان, وهذا عند الكوفيين فيه تفصيل, قالوا: ما يحسن من المحال فيه "في" يختار رفعه في أخبار المواضع, ويجوز نصبه, وما لا يحسن فيه "في" يختار نصبه, ويجوز رفعه, فالذي يؤثر فيه الرفع: منزله ذات اليمين وذات الشمال؛ لأن "في" يحسن, فيقال: في ذات اليمين وفي ذات الشمال. والذي يؤثر نصبه: منزلي خلفك, لا يحسن فيه: في خلفك.
وقوله ويكثر رفع الموقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدر إضافة بعد إليه الموقت هو المحدود كيوم ويومين وثلاثة أيام وفرسخ وميل. واحترز بقوله: "المتصرف" من الظرف الذي التزم فيه النصب على الظرفية كـ "ضحوة" معينا. ويعني بقوله: "من الظرفين" ظرف الزمان وظرف المكان, ومثال ذلك: زيد مني يومان أو فرسخان, أي: بعد زيد مني يومان أو فرسخان. فلو كان مختصا لم يجز الرفع ولا النصب نحو: زيد دارك وبستانك, وزيد البيت والمسجد, إلا فيما سمع نحو: زيد جنبك, ولا يقاس عليه: زيد يديك ورجليك وكتفيك وعضديك, ما لم يقع به استعمال, أو إلا أن يقصد المقدار, وقام على ذلك دليل, نحو: زيد مني المسجد الجامع, ولا يكون فيه إذ ذاك إلا الرفع, حكي الكسائي والفراء "زيد مني الكوفة" على هذا المعنى, ولا وجه لنصب الكوفة, وأجاز الفراء: هو مني مكان الحائط منك, النصب على المحل, والرفع بتأويل: قدره مني كقدر مكان الحائط منك.
ويجري مجرى الظرف في ذلك المصدر, قالوا: هو مني فوت اليد, وهو مني دعوة رجل وعدوة فرس, بالرفع والنصب, فإذا رفعوا أضمروا القدر, وإذا نصبوا بنوا على المحل.

وقوله ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين, بمعنى أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين إنما تعين النصب على الظرف لأن قوله: "أنت مني" بمعنى: من أشياعي, مبتدأ وخبر, بخلاف قولك: أنت مني فرسخان, وأنت تريد: بعدك مني, فإن "مني" متعلق بذلك المقدر المحذوف, وليس في موضع خبر, وإنما الخبر "فرسخان", فمن رفع فالتقدير: بعد مكانك مني فرسخان, ومن نصب فعلى الظرف, وهو في موضع الخبر, وإذا كان "أنت مني" بمعنى: أنت من أشياعي, فيكون كقوله:} فَمَن تَبِعَنِى فَإنَّهُ مِنّىِ {, وينتصب فرسخين بالخبر الذي يتعلق به مني, أي أنت تابع من أتباعي في فرسخين, أي في سيرنا فرسخين.
وظاهر كلام المصنف أن "فرسخين" منصوب بذلك الذي قدره, وهو: ما سرنا فرسخين, وليس بجيد لأن "ما سرنا" "ما" فيه مصدرية ظرفية, و "سرنا" صلة "ما", و "فرسخين" معمول لصلة "ما", ولا يجوز حذف الموصول والصلة وإبقاء معمولها.
وقال س: "أنت مني فرسخين تقديره: أنت مني ما دمت تسير فرسخين". وهو شبيه بتقدير المصنف, إلا أن س جعل صلة "ما" "دام" الناقصة, وحذف "ما" و "دام" وخبرها, وأبقى/ معمول الخبر, فهو أبعد من تقدير المصنف.
وقد رد أحمد بن يحي على س قوله, فقال: ليس على هذا الإضمار دليل, ولا يدعو إليه اضطرار, ولا ينبغي أن يطالب الإضمار إذا قام الكلام الظاهر بنفسه.

والذي ينبغي أن يخرج عليه كلام س وتقديره إنما هو تفسير المعنى لا تفسير الإعراب؛ لأنه إذا كان تابعا من أتباعه في فرسخين دل على أنه لا يكون تابعه في أكثر منها, فهذا معنى قول س: "ما دمت تسير فرسخين", فإذا كان تفسير معنى بطل رد أحمد بن يحي.
وفي البسيط: هو مني فرسخان, لا يجوز النصب لأنك تريد: بيني وبينه هذه المسافة, فلا عمل فيه إلا أن تريد معنى المصاحبة, أي: هو مصاحبي, كما قاله س.
وقد قيل: إن منه: هو مني عدوة الفرس, ودعوة الرجل, وفوت اليد, ولذلك لم يكن فيه النصب. وأما قولهم: "أنت مني مرأى ومسمع" فرفعوه- وإن لم يكن فيه المعنى المذكور- لأنهم جعلوه كـ "قريب" لكثرة استعماله في هذا المعنى, وقد ينصب لعدمه. "وأما داري خلف دارك فرسخا" فكيف انتصب والمعنى: بين داري ودارك هذا القدر من خلفها, فهو متأول: أما س فجعل الخبر في خلف, ونصب فرسخا على التمييز لاستقلال الكلام, ولأنه مبين للمقدار الذي بينهما.
ونصبه المبرد على الحال؛ لأنه لما قال: "داري خلف دارك" علم أنها تبعد عنه أو تقرب, فلو قال بعيدة أو قريبة لصح على الحال, فجعل فرسخا بمنزلة "بعيدة", ولو قال: "خطوة" لكان حالا كـ "قريبة".
ورد تأويل س بأن التمييز مقدر بـ "من", ولا يصح هنا. ورد بأنه يلزم في قولك: "أفضلهم رجلا" أن يكون تمييزا لأنك لا تقول: "من رجل", فكما يقدر هنا: أفضلهم من الرجال؛ لأن الأول رجل, كذلك

هنا معناه: قدر ما بين داري وداره فرسخ من الفراسح. وفيه نظر, والوجهان محتملان. وقد قيل: إن مراد س بالبيان الحال.
ويجوز أن ترفع فرسخا, فتقول: داري خلف دارك فرسخ, إذا ألغيت خلف, ويقوى الإلغاء إذا قلت: من خلف دارك. وقال يونس: إن من لا تضعف الظروف- وإن جر بها- لأنها تدخل على غير المتمكنة كعندك, فلا تخرجها عن الظرفية, فكذلك في المتمكن. ورضيه س.

-[ص: ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها مما يتضمن عملا, خلافا للفراء وهشام, وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب, وما أشبههما كذلك, فإن لم يتصرف كالفوق والتحت لزم نصبه.]-
ش: تقول: اليوم الجمعة, برفع اليوم ونصبه. ويعني بقوله "ونحوها مما يقتضي عملا" مثل يوم السبت والعيد والفطر والنوروز والأضحى والمهرجان, فكل هذه تقتضي عملا لأن في الجمعة معنى الاجتماع, وفي السبت معنى القطع, وفي العيد معنى العود, وفي الفطر والأضحى معنى

الإفطار والتضحية,/ وفي النوروز والمهرجان معنى السرور, فكل هذه يجوز في "اليوم" معها الرفع والنصب, فتقول: اليوم الجمعة, وكذلك باقيها. وذكر المصنف أن الرفع والنصب في اليوم مع هذه الأسماء جائز بلا خلاف, إلا أنه لم يذكر الأضحى والمهرجان, وذكر غيره أن ذلك يجوز في اليوم معها.
وقوله لا إن ذكر مع الأحد ونحوه نحوه هو الاثنان والثلاثاء والأربعاء والخميس.
وقوله: مما لا يقتضي عملا لأن الأحد بمنزلة الأول, والاثنين بمنزلة الثاني, والثلاثاء بمنزلة الثالث, والأربعاء بمنزلة الرابع, والخميس بمنزلة الخامس, فهذه لا يلحظ فيها معنى عمل, فلا يجوز فيها إلا الرفع لأن انتصابها إنما هو على معنى أنه كائن فيها شيء, ولا شيء كائن فيها, بخلاف "اليوم الجمعة" فإن في الجمعة معنى الاجتماع, وهو معنى تصلح كينونته في اليوم, فيكون اليوم ظرفا له.
وقوله خلافا للفراء وهشام يعني أنهما أجازا الرفع والنصب في اليوم مع سائر أسماء الأيام, فإذا رفع اليوم جعل الذي بعده بعينه, وإذا نصب بني على الآن, ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين, فتجعل الأحد والاثنين واقعا في الآن, كما تقول في هذا الوقت: هذا اليوم.
قال المصنف في الشرح: "وقد قال س ما يقوى هذا؛ لأنه قد أجاز "اليوم يومك" بنصب اليوم بمعنى الآن, وقال: "لأن الرجل قد

يقول: أنا اليوم أفعل ذلك, ولا يريد يوما بعينه". فهذا مما يقوي قول الفراء.
وللمحتج لـ "س" أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك, بمعنى: اليوم شأنك وأمرك الذي تذكر به, فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه, بخلاف: اليوم الأحد" انتهى كلامه.
وتقضي قواعد البصريين في غير أسماء الأيام من أسماء الشهور ونحوها الرفع في نحو: الوقت الطيب المحرم, وأول السنة المحرم, واليوم يومك, على تقدير: هذا الوقت وقتك, ولا يجوز النصب في شيء من هذا.
وقوله وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب تقول: ظهرك خلفك, فمن نصب فعلى الظرف, ومن رفع فلأنه في المعنى الظهر, وهو ظرف متصرف.
وقوله وما أشبهها كذلك أي: ما أشبه الخلف والظهر. ومعنى كذلك أي: في جواز الرفع والنصب, نحو: رجلاك أسفلك, أو نعلاك أسفلك, وقرئ:} وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ {برفع (أسفل) ونصبه.
وقوله فإن لم يتصرف إلى آخره قال الأخفش: "العرب تقول: فوقك راسك, فينصبون الفوق لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا, والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس, وهو جائز, غير أن العرب لم تقله. قال: وتقول: تحتك رجلاك, لا يختلفون في نصب التحت".
وقال خطاب الماردي: إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر

رفعته بالابتداء, وكانت أسماء لا تتضمن شيئا كسائر الأسماء, فتقول: خلفك واسع, وأمامك ضيق, كما تقول: زيد قائم.
وقال بعض النحويين: إنه يجوز هذا فيما كان في الجسد, كقولك: فوقك رأسك, وخلفك ظهرك, وتحتك رجلاك, فهذا كله/ مبتدأ وخبر, ويعنون بالخلف الظهر, وبالأمام الصدر, وبالفوق الرأس, وبالتحت الرجلين, والأكثر أن تكون ظروفا, في الجسد كانت أو غيره, وهذا قول الأخفش.
وقيل: إن من قال: فوقك راسك لا يقول: فوقك قلنسوتك, وتحتك نعلك؛ لأن القلنسوة والنعل ليستا من الجسد. قال: وهذا قياس من النحويين, وأما كلام العرب فنصب في هذا كله من الجسد والقلنسوة. وقال غيره: وأما خلفك واسع فهو عربي جيد. انتهى.
مسألة: أجاز يونس وهشام: زيد وحده, ومنعه الجمهور, أجراه يونس وهشام مجرى عنده, وتقديره: زيد موضع التفرد, وعلى هذا يجوز تقديمه, فيقال: وحده زيد, كما يقال: في داره زيد.
وقال هشام قولا آخر, قال (زيد وحده" نصب بفعل مضمر, يخلف الفعل المضمر وحده, كما قيل: زيد إقبالا وإدبارا, والمعنى: يقبل إقبالا, ويدبر إدبارا, والتأويل عند هشام: زيد وحده. وقال هشام: حكي الأصمعي عن العرب وحد يحد. يذهب هشام إلى أن

وَحْدَه خلف وحد كخلافة الإقبال والإدبار أقبل وأدبر.
قال هشام: ومثل زيد وحده في مثل هذا المعنى: زيد أمره الأول, وسعد قصته الأولى, وحالة الأولى. يذهب هشام إلى خلافة هذا المنصوب الناصب كما خلف الوحد وحد, وكان يسمى هذا منصوبا على الخلاف. وقال: لا يجوز: وحده عبد الله, كما لا يجوز: إقبالا وإدبارا عبد الله, ولا يصلح قصته الأولى زيد, من قبل أن الفعل لا يضمر إلا بعد الاسم.
وقال أحمد بن يحي: لا يضمر الفعل إلا بعد الاسم لأنه ثان للاسم, ترتيب الاسم أن يكون, ثم يفعل, فلم يضمر إلا في مكانه الأصلي السابق ليكون ذلك أقرب إلى الفهم وأبعد من اللبس. انتهى.
ويعني بقوله: "ترتيب الاسم أن يكون, ثم يفعل" أن ترتيب الاسم في الابتداء أن تنطق به أولا, ثم تخبر عنه بقولك يفعل في نحو: زيد إقبالا وإدبارا, وما جرى مجراه, فلذلك لا يجوز تقديم المصدرين على المبتدأ لأن العامل فيهما المحذوف رتبته أن يكون بعد المبتدأ, فكما لا يجوز تقديم الفعل كذلك لا يجوز تقديم ما خلفه, وهو معموله.
وحجة الجمهور أن "وحده" اسم جرى مجرى المصدر. قال س في: "مررت بعبد الله وحده": تأويله أفردت عبد الله بالمرور به, فالوحد صفة عبد الله, وتقديره: إفراده.
وقال بعض النحويين: وحده مما نصب على الحال, وهو في لفظ

التعريف, كما فعل ذلك في: رجع عوده على بدئه, وإذا كان اسما جرى مجرى المصدر أو مجرى الحال لم يصح أن يقع خبرا عن زيد.
وقد رد على الجمهور بما نقل عن العرب من أنهم قالوا: "زيد وحده", فجعلوا وحده خبرا, وإذا جعلته العرب خبرا لم يصلح أن يقع حالا من حيث لم يجز: زيد قائما, ولا: عمرو جالسا, ونص العرب على قولهم: "زيد وحده" هو حجة هشام ويونس.
مسألة: قال الكسائي: العرب تقول: القوم خمستهم وخمستهم,/ وكذلك عشرتهم وعشرتهم, من رفع الخمسة رفعها بالقوم, ومن نصبها ذهب بها مذهب وحدهم, ولم يقل وحده إلا بالنصب في هؤلاء الأمكنة.
وقال س: "مررت بالقوم خمستهم وخمستهم, خمستهم تقديره كلهم, لم ادع منهم أحدا إلا مررت به, وخمستهم تقديره وحدهم, مررت بهم إفرادا أفردتهم بالمرور دون غيرهم" انتهى.
وعلى ما قدره س لا يصلح أن يكون "خمستهم" خبرا, سواء أكان بمعنى كلهم أم بمعنى وحدهم على مذهب س في وحدهم, من جهة أنه لا يصح أن تقول: زيد وحده, وقد نقلوا أن العرب قالت: زيد وحده, والقوم خمستهم بالرفع والنصب, فوجب قبوله وإن خالف رأي س أو غيره.
مسألة: لا يجوز "زيد دونك" بالرفع عند س, وأنت تريد المكان, وأجازة غيره, قاله ابن أصبغ.

وقال الفراء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تجعل أسماء مرفوعة, فإذا قالوا قام سواك وبدلك ومكانك ونحوك ودونك نصبوا, ولم يرفعوا على اختيار, وربما رفعوا, قال أبو ثروان: أتاني سواؤك, فرفع سواءك.
وقال الفراء أيضا: الرفع في سوى وبدل وغيرهما أقوى منه في دون لأن انفراد هذه الحروف أكثر من انفراد دون, فقد قالوا: هما سواء, وقد يفردون دون, فيقولون: هذا رجل دون, يريدون خسيسا, وإذا قصدوا هذا أعربوا دونا بوجوه الإعراب.
وقال س: "أما دونك فلا ترفع أبدا لأنها مثل, وإن قيل: "هو دونك في السن والنسب"؛ لأن هذا مثل, كما أن قولهم: "هذا مكان هذا" في البدل ذكر مثلا".
قال ابن الأنباري: يذهب س إلى أن كونه وصفا لم ينقله عن مذهب الظرف الذي يجب له فيه النصب, فعارضه أحمد بن يحيي بأنه لما جوز "زيد خلفك" وجب عليه أن يلزم دونك من جواز الرفع ما ألزمه خلفك.
مسألة: لا يجوز: زيد مثل عمرو, بالنصب عند أحمد من البصريين, وأجازه الكوفيون, وذلك أن "مثلك" عندهم من القسم الثاني من القسمة التي قسموها المحال, وهو الذي يعرب في مواضع النعوت والأخبار

بتعريب الأسماء، وينصب في كل حال، وإذا وقع موقع أسماء الفاعلين من الماس رفع، ولم ينصب.
وهذا القسم هو عندهم هذه الأسماء: قرنك وسنك وشبهك ولدتك ومثلك، قالوا: يقال: عبد الله سنك وسنك، ومثلك ومثلك، وهذا رجل شبهك وشبهك، ومررت برجا مثلك ومثلك، فإذا قالوا قام مثلك، وجاءني سنك وشبهك ولدتك، رفعوا ولم ينصبوا. ولتجويزهم أن مثلك يكون محلًا أجازوا أن يقع صلة لموصول.
ولا يجيز البصريون أن يكون مثلك محلًا، فإن نقل عن العرب "زيد مثلك" بالنصب، وكثر، وجب قبوله، وأما ما استدلوا به في صلة الموصول في تأوله البصريون.
مسألة: الظرف المقتطع قبل وبعد لا يخبر به، ولا يوصف/ به، ولا يوصل به، ولا يكون حالًا، ولم يعتلوا لذلك إلا بضعفها حسب، وشبهها سيبويه والفارسي بالأصوات.
قال ابن الدهان: والصحيح عندي أنهم لم يجمعوا عليها حذف العامل فيها ومعمولها وجعلها معتمدًا لفائدة، فأما قوله:
فأضحت زهير في السنين التي خلت وما بعد لا يدعون إلا الأشائما
فـ "ما: زائدة، وبعد منصوب الموضع عطفًا على موضع الجار والمجرور.

وقوله تعالى {ومِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} فليست {مَا} موصلة (ومن قبل) الخبر، وإنما {مَا} زائدة.
فإن قيل: ما العامل في (من قبل)؟ فالجواب أن المعنى بالعامل هو الفعل هنا، وإنما حرف جر موصل له، فموضعها نصب. انتهى.
وقد نص س على أن الظرف المتقطع عن الإضافة لا يقع خبرًا للمبتدأ، وقد هم الومخشري وغيره في تجويزه ذلك في قوله (ومن قبل ما فرطتم)، إذا جعل (ما) مصدرية في موضع المبتدأ، و (من قبل) خبر، أي: ومن قبل تفريطكم في يوسف، وقد رددناه عليه في "البحر المحيط" في التفسير من تأليفنا.
ص: ويُغني عن خبر اسم عين باطراد مصدر يؤكده مكررًا أو محصورًا، وقد يرفع خبرًا، وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر أو مفعول به أو حال.
وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدد لفظًا دون معنى، ولا ما تعدد لتعدد صاحبة حقيقة أو حكمًا، وإن توالت مبتدآت أخبر عن آخرها مجعولًا هو وخبره متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويضاف غير الأول إلى ضمير متلوه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أول لآخر، وتال لمتلو.

ش: مثاله مكررًا: زيد سيرًا سيرًا، ومثاله محصورًا: ما أنت إلا سيرًا، يسير سير سيرًا، فحذف الفعل، واستغنى عنه بمصدره، وجعل تكراره بدلًا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره لئلا يجتمع عوض ومعوض عنه، والحصر قام مقام التكرار في سببية التزام الإضمار.
ومثل المصنف في الشرح المحصور بقوله: إنما أنت سيرًا، ومثله س ب"ما" و"إلا"، وسواء أكان في المصدر الألف واللام أو لم تكن نحو: ما أنت إلا الضرب الضرب، وما أنت إلا سير البريد سير البريد، وهذه مثل س. وتقول: م أنت إلا تسير سيرًا، فتظهر الفعل.
فإن قلت: كيف الجمع بين هذا وبين قولك فيما تقدم إنه بدل من اللفظ بالفعل، فلا يظهر الفعل، وهنا قد ظهر؟
فالجواب أن الإخبار إذا كان عن شيء متصل بزمان الإخبار لم ينقطع فالفعل واجب الإضمار، وإذا أردت أنه سار، ثم انقطع السير، أو أخبرت أنه يسير في المستقبل، فإن الفعل يظهر، ذكر ذلك س.
وقوله وقد يرفع خبرًا مثاله: زيد سير سير، وما أنت إلا شرب الإبل، تجعل الآخر هو الأول على سبيل المبالغة.
وإذا أخبرت بالمصدر عن عين فثلاثة مذاهب: أحدها مذهب س أن ذلك على سبيل المبالغة، حيث جعلت الذات نفس المصدر مبالغة. ومذهب

الكوفيين أنه محرف عن أصله، فإذا قلت زيد عدل فمعناه عادل. ومذهب أبي العباس أنه على حذف مضاف تقديره: ذو عدل.
وقوله وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر مثاله: زيد سيرًا، أي يسير سيرًا، فأما قول بعض العرب: "إنما العامري عنته" أي: يتعمم عمته، فهذا من المصدر المحصور نظير: ما أنت إلا سيرًا، فهو من الكثير المقيس.
وقوله أو مفعول به مثاله ما روى: "إنما العامري عمامته"، التقدير" يتعهد عمامته، وقوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ) و (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) التقدير: يقولون ما نعبدهم،: فيقال لهم أكفرتم.
قال المصنف: "ومن ذلك ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها، أي: فإذا هو يساويها". ولا يجوز أن يكون إياها قد شذ وقوعه في موضع رفع كما شذ في موضع جر، كقول العرب: مررت بإياك، حكاه الفراء عنهم، ثم قال: وأنشد الكسائي"

وأحسن، وأجمل في أسيرك إنه ضعيف، ولم يأسر كإياك آسر
انتهى. وتقديره: فإذا هو يساويها، لما حذف الفعل انفصل الضمير.
وهذا الذي ذكر أن الكوفيين رووه عن العرب هي المسألة التي جرت بين الكسائي والفراء، وبين سيبويه بحضرة هارون الرشيد، وقيل: بل حضرة يحي بن خالد البرمكي، وتسمى المسألة الزنبورية، واختلف النقل فيها: فقيل: أجازة س بقوله: فإذا هو إياها، وقال الكوفيون: فإذا هو هي، وقيل: أجازه س بقوله: فإذا هو هي، وقال الكوفيين: فإذا هو إياها. وكلا الجوابين له توجيه من العربية:
فمن قال: "فإذا هو إياه" فـ "إياها" مفعول بفعل محذوف يدل عليه المعنى، فلما حذف الفعل انفصل الضمير.
ومن قال: "فإذا هو هي" فليس المعنى أن الزنبور هو العقرب حقيقة، وإنما هو من باب زيد زهير، أي: فإذا هو مثلها في اللسع لا أشد لسعًا منها.
وقد نظم هذا المعنى شيخنا الإمام العلامة رئيس الأدباء غير مدافع في عصره أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري الأندلسي، أنشدنا لنفسه بمدينة تونس من قصيدة له في النحو قوله:
والعرب قد تحذف الأخبار بعد "إذا" إذا عنوا فجأة الأمر الذي دهما

فإن تلاها ضميران اكتسي بهما وجه الحقيقة من إشكاله غممًا
لذاك أعيت على الإفهام مسألة أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما
وقد كانت العقرب العوجاء أحسبها أشد لسعة من لسعة الزنبور وقع حما
وفي الجواب عليها هل "إذا هو هي" أو هل "إذا هو إياها" قد اختصما
وغاط عمرًا علي في حكومته يا ليته لم يكن في مثلها حكمًا
كغيظ عمرو عليًا في حكومته يا ليته لم يكن في مثلها حكمًا
وفجع ابن زياد كل منتخب من آله إذا غدا منه يفيظ ذما
كفجعة ابن زياد كل منتخب من آله إذا غدا منه يفيض دما
وفي البسيط: فإذا هو هي. وقال الكسائي والكوفيون: فإذا هو إياها
حجة البصريين أن "هو" مبتدأ، والخبر إما أن يكون "إذا" التي للمفاجأة لأنها مكان، فيلزم أن يكون الثاني حالًا، و"إياها" لا يكون حالًا. وأما أن يكون الخبر الضمير الثاني، و"إيا" من ضمائر النصب، فلا يكون خبرًا فتعين أن يكون ضمير رفع خبرًا للمبتدأ.
واحتج الوفيون من وجهين:
أحدهما: أن العرب شهدوا بذلك، وأقروا به.
والثاني: أن "إذا" التي للمفاجأة يجوز أن يرتفع ما بعدها بالمبتدأ والخبر، وأن ينصب على إضمار وجد، وعلى ذلك جاءت الحكاية.

وقال ثعلب: هو عماد، أي: وجدته إياها.
وهو ضعيف لأنها لا بد لها من مفعولين، وليسا في الكلام، ولا يكون "هو" عمادًا- أعني فصلًا- لأن الفصل يكون بين اسمين، وليسا هنا.
وقوله أو حال مثاله ما روى الأخفش من قول بعض العرب: زيد قائمًا، والأصل: زيد ثبت قائمًا، أو عرف قائمًا. وروى عن علي رضي الله عنه أنه قرأ" () بالنصب. وما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: حكمك مسمطًا، أي" حكمك لك مثبتًا، فـ "لك" خبر حذف، واستغنى عنه بالحال، وليس نظير: صربي زيدًا قائمًا، وعلى ذلك يخرج فول النابغة الجعدي:
وحلت سواد القلب، لا أنا باغيًا سواها، ولا في حبها متراخيًا
أي: لا أنا أرى باغيًا، فحذف "أرى" وهو خبر "أنا" وأنا: مبتدأ، ودل عليه المعمول، وهو أولى من جعل "لا" عاملة في المعرفة.
وقوله وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف مثاله بغير عطف قوله تعالى (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وقول الراجز:

/ من يك ذا بت فهذا بتي مقيط مصيف مشتي
وقوله:
ينام بإحدى مقلتيه، ويتقي بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع
ومثاله بعطف: زيد فقيه وشاعر، ويجوز فيما قبله دخول الواو.
وقوله وليس في ذلك ما تعدد لفظًا دون معنى مثاله: هذا حلو حامض، بمعنى مز، وهذا أعسر يسر، بمعنى أضبط، أي: عامل بكلتا يديه، فهذان قام مقام خبر واحد في اللفظ والمعنى، ولا يستعمل فيه العطف لأن مجموعة بمنزله مفرد، فلو استعمل فيه العطف لكان عطفه بعض كلمة على بعض، وأجاز ذلك أبو علي، فيقول: هذا حلو وحامض.
وقوله ولا تعدد لتعدد صاحبة حقيقة مثاله: بنو زيد فقيه وشاعر وكاتب، وقول الشاعر:
يداك يد خيرها يرتجي وأخرى لأعدائها غائظه
ولا تستعمل هذه الأخبار إلا بحرف العطف.
وقوله أو حكمًا مثاله في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)، وقول الشاعر:

والمرء ساع لأمر ليس يدركه والعيش شح وإشفاق وتأميل
ولا يستعمل هذا أيضًا دون عطف. انتهى ما شرح به الكلام في تعداد الأخبار، وهو ملخص من شرح المصنف.
ونقول: إذا تعدد المبتدأ في اللفظ أو في المعنى فخبره مطابقة في اللفظ أو في المعنى، نحو: الزيدان قائمان، الزيدان قائم وقاعد، وزيد وعمرو شاعران، وزيد وعمرو شاعر وكاتب، والزيدون قائمون، والزيدون قائم وقاعد ومضطجع، وزيد وعمرو وبكر قائمون، وزيد وعمرو وبكر شاهر وكاتب وفقيه.
وإذا اتحد لفظًا ومعنى ففي جواز تعدد الخبر مع اتحاد المبتدأ خلاف: منهم من أجاز مطلقًا، سواء أكان الخبران فصاعدا من قسم المفرد أم من قسم الجمل أم مركبًا منهمًا، نحو: زيد كاتب شاعر، وزيد أبوه قائم أخوة خارج، وهند منطلقة أبوها خارج، وزيد أمه منطلقة خارج.
ومنهم من قال: لا يقضي إلا خبرًا واحدًا، فإن قضيته أكثر فلا بد من حرف التشريك، نحو: زيد قائم ومنطلق، أو زيد قام أخوه وأبوه مسافر، إلا أن تريد اتصافه بذلك في حين واحد فيجوز، نحو: هذا حلو حامض، أي: مز، فإذا لم ترد أن يتصف بذلك في حين واحد، وكان ذلك في وقتين، فلا يجوز، نحو: زيد ضاحك راكب، وهذا هو اختيار من عاصرناه من الشيوخ.
وإذا كان للمبتدأ خبران في حين واحد، وكانا بغير تشريك، وهما مشتقان الاشتقاق الذي يتحمل صاحبه/ الضمير، نحو: هذا حلو حامض،

وزيد قائم قاعد، أي: مضطرب الرأي، وقوله:
ينام بإحدى مقلتيه، ويتقي بأخرى الأعادي، فهو يقظان هاجع
أي: متحذر أو متخوف، فهل فيما ضميران أم الأول خال من الضمير، والثاني محتمل ضمير المبتدأ؟ فيه نظر: نقل لنا عن أبي علي الفارسي أنه ليس إلا ضميرًا واحد تحمله الخبر الثاني؛ لأن الأول تنزل من الثاني منزله الجزء منه، وصار الخبر إنما هو بتمامها.
والذي أختاره أن كلًا منهما تحمل ضميرًا من المبتدأ، وأن كونهما خبرين في وقت واحد لا يخرجهما عما استقر في الخبر المشتق من تحمله الضمير.
وثمرة هذا الخلاف تظهر إذا جاء بعدهما اسم ظاهر، نحو قولك: هذا البستان حلو حامض رمانه، فإذا قلنا: لا يحتمل الأول ضميرًا تعين أن يكون الرمان مرفوعًا بالثاني، وإذا قلنا إنه يتحمل أن يكون من باب الإعمال، ولا التفاف لمن شرط في باب التنازع أن العاملين لا يتنازعان سببًا مرفوعًا، وسيأتي القول في ذلك في بابه إن شاء الله.
وقال بعض أصحابنا: قال أبو علي: "إن ارتفعا بأنهما خبر فلا يكون؛ لأنه لا يوجد رافع لاسمين هكذا، ولأنه محمول على الفاعل، ولا

فاعل هكذا. ولا يصح في حامض أن يكون صفة لامتناع وصف الحلو به، ولا بدلًا لأنه لا يراد أحدهما، ولا خبر مبتدأ محذوف لصيرورة الكلام جملتين، وإنما يريد أنه جمع الطعمين لا أنه هو هذا وهذا".
وقيل ليس بخارج عن الصفة، فكان الخبر هو الأول موصوفًا بهذا، أي: حلو مكسور بحموضة، كما تقول إذا كان مبتدأ، نحو: الحلو الحامض هو السكنجبين، فالحامض صفة، فكذلك في الخبر، والصفات قد توصف إذا تنزلت منزلة الجوامد، نحو: مررت بالضارب العاقل، وكذلك: هو زيد المنطلق، وهذا رجل منطلق، وقد جوز س فيهما الخبرية على الجمع، لكت ينتقض الوصف إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة، نحو: هذا زيد قائم، وقد جوزه س على الجمع.
ومثل هذين الخبرين لا يعطف الثاني فيه على الأول لأن الواو لا تدخل إلا حيث تستقل الإفادة. وقيل: تدخل واو الجمع كما تدخل في: اختصم زيد وعمرو، وإن كان الفعل لا يتم بالأول
وإذا لم يحضر الخبرين لفظ واحد، وقصدت الجمع، كان في الأمر الأكثر منزله: هذا حلو حامض، في الأكثر: ومنه قراءة عبد الله (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، ومنه (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى. نَزَّاعَةً لِلشَّوَى)، وقوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) وقول الشاعر:

من يك ذا بت فهذا بتي مقيظ مصيف مشتي
أي: صالح للقيظ والصيف والشتاء. ويصلح هنا العطف، ويحسب قصدك الجمع/ بحذفهما، والخبران هنا ليس متنافيين، ويصلح أن يستقل كل واحد منهما بالخيرية، بخلاف: هذا حلو حامض.
وقال صاحب البديع: "قد يرد للمبتدأ خبران فصاعدا، قالوا: هذا حلو حامض، وهذا أبيض أسود، وعليه قوله: "وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)، وهذان الخبران وقعا جميعًا خبرًا للمبتدأ لمتشابهتهما الجمل، فلا يجوز الفصل بينهما ولا تقدمهما على المبتدأ عند الأكثرين، ولا تقدم أحدهما تأخر الآخر، وأجازه بعضهم، والضمير يعود على المبتدأ من معنى الكلام، كأنك قلت: هذا مز، لأنه لا يجوز خلو الخبرين من الضمير لنقص ما تقرر من اضطرار اسم الفاعل إليه، ولا يجوز أحدهما به لأنه ليس أولى من الآخر، ولا يجوز أن يكون فيهما ضمير واحد لأن عاملين لا يعملان في معمول واحد، ولا يجوز أن يكون فيهما ضميران لأنه يصير التقدير: كله حلو وكله حامض، وليس هذا الغرض منه. وقال الأخفش: الخبر الثاني وقع كالصفة للأول، وإنما أرادوا بالإخبار أن هذا حلو فيه حموضة" انتهى.
وفي "الغرة" أن ابن جني أجاز تقديم أحد الخبرين على المبتدأ، ونشد في كتاب "التمام":
بان الخليط الذي ما دونه أحد عندي، ولو لم يكن يرضى به أحد
فيجوز أن يكون "دونه و"عندي" خبرين للمبتدأ.
وقال الأخفش في "المسائل الكبير": "اعلم أن قولهم: هذا حلو

حامض، وهذا أبيض أسود، إنما أرادوا أن هذا حلو فيه حموضة، فينبغي أن يكون الثاني صفة للأول، وليس قولهم إنهما جميعًا خبر واحد بشيء، وكيف يكون؟ هذا ليس له مذهب في العربية".
وذكر أبو الفتح أنه راجع أبا علي في هذا الفصل نيفًا وعشرين سنة في عود الضمير حتى يتبين له.
وقوله وإن توالت مبتدآت إلى آخره: في ذلك طريقان: أحدهما جعل الروابط في الأخبار. والثاني جعله في المبتدآت:
فمثال الأول: زيد هند الأخوان الزيدون ضاربهما عندها بإذنه، والمعنى: الزيدون ضاربو الأخوين عند هند بإذن زيد. ومثله من الموصول: الذي التي اللذان التي أبوها أبوهما أختها أخوالك أخته زيد، قال ابن الخباز: فلا تدخل العرب موصولًا على موصول، بل ذلك من وضع النحويين، وهي مشكلة جدًا.
ومثال الثاني: زيد أمه أخواها عمها قائم، والمعنى: عم أخوي أم زيد قائم.
وقد ذكر هذه المسألة الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، وطول فيها، وهي من واضح المسائل. وقد ذكرها غيره من أصحابنا. وذكر على ثلاثة أوجه: فالوجهان ما سبقا. والثالث ما تركب منهما، وهو على ضربين:
أحدهما أن يتقدم بعض المبتدآت المعراة، ويتأخر بعض عن

المعرى، فيحتاج الأولى إلى/ ضمائر أخيرة، كقولك: زيد عمرو هند أبوها أخوه منطلق من أجله عنده، وتلخيصها: أخو أبي هند منطلق من أجل عمرو عند زيد.
والثاني بالعكس كقولك: زيد غلامه أبوه عمرو العمران منطلقان من أجله عنده، وتلخيصه، العمران منطلقان من أجل عمرو عند أبي غلام زيد.
وقد تتركب تركيبًا آخر ثلاثيًا بأن يتقدم المعرى، ثم تثنيه بالمشتغل، ثم تثلثه بالمعرى، وبالعكس، فيكثر المفروض.
وهذه المسائل التي وضعها النحويون للاختبار، ولا يوجد نظير تراكيبها في لسان العرب، وإنما اقتضتها صناعة النحو.
ونظير ذلك أن نقول: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا حسنًا أمامك يوم الجمعة ضاحكًا وهندًا عائشة منطلقة إعلاميًا قبيحًا وراءك يوم الخميس باكية، فمثل هذا التركيب اقتضته صناعة النحو، ولا يوجد مثله في كلامها البتة. في كتاب "المقتضب" لأبي العباس وكتاب "اللباب" للحوفي من هذا النوع مسائل وضعت للاختبار وتمرين الذهن، وأما أن تلك التراكيب توجد في كلام العرب فلا. ونبهت هنا على هذا لئلا يتوهم أن مثل هذا التركيب الذي ركبه النحويين هو موجود في كلام العرب.

-[ص: فصل
تدخل الفاء على خبر المبتدأ وجوبًا بعد أما إلا في ضرورة أو مقارنة قول أغنى عنه المقول، وجوازًا بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها، وهو أل الموصولة بمستقبل عام، أو غيرها موصولًا بظرف أو شبهه، أو يفعل صالح للشرطية، أو نكرة عامة موصوفة بأحد الثلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكور، أو مضاف إليه.]-
ش: خبر المبتدأ مرتبط بالمبتدأ ارتباطًا المحكوم به بالمحكوم عليه، فلا يحتاج إلى حرف يربط بينهما، كلا لا يحتاج الفعل والفاعل إلى ذلك، فكان الأصل أن لا تدخل الفاء على شيء من خبر المبتدأ، لكنه لما ألحظ في بعض الأخبار معنى ما تدخل الفاء فيه دخلت، وهو الشرط والجزاء. فمثال ذلك في "أما" قوله تعالى" (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ)، وقد تقررت كيفية دخولها مع "أما" في آخر الفصل الخامس من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك".
ومثال حذفها في الضرورة قوله:
فأما القتال لا قتال لديكم ................
أي: فلا قتال.
وقوله أو مقارنه قول أغنى عنه المقول مثاله {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ

وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} أي: فيقال أكفرتم. وقد كرر المسألة في آخر الفصل الخامس من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك"، فقال: "ولا تحذف في السعة إلا مع قول يغني عنه محكيه".
وقوله وجوازًا بعد مبتدأ يعني بالجواز أنه يجوز أن تراعى أن الخبر مستحق بالصلة أو الصفة، فتدخل الفاء ولا بد، أو لا تراعي هذا المعنى، فيمكن أن يكون مستحقًا به أو بغيره، فلا تدخل، فما معنيان مقصودان يترتب عليهما دخول الفاء وعدم دخولها.
وقوله واقع من الشرطية أو ما/ أختها يعني أن الموصول أو الموصوف يكون فيه عموم، فلو كان الموصول خاصُا، أو يعني بالنكرة الموصوفة خاص، لم تدخل الفاء، نحو: الذي يزورنا فهو مكرم، وتريد به شخصًا بعينه.
وفي هذا خلاف: من النحويين من أجاز دخول الفاء وإن لم يكن الموصول عامًا، ولكونه عامًا زعم هشام أن الموصول إذا وصف أو أكد لم يجز دخول الفاء في خبره مع استيفاء الشروط، فلا يجوز عنده أن تقول: الذي يأتيك نفسه فله ردهم، قال: لأنك لا تريد أن تريد أن تخص رجلًا بعينه، وإنما تريد: كل من كان منه إتيان فله درهم، فإذا قلت: "نفسه" ذهب معنى الجزاء. وكذلك "الذي يأتيك الظريف فأكرمه" لا يجوز عنده. وهذا الذي ذهب إليه يعضده أنه لا يحفظ دخول الفاء مع التأكيد أو النعت من كلام العرب.
وقوله وهو آل الموصولة بمستقبل عام مثل المصنف ذلك بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، وقال: "فلو قصد به

مضي أو عهد أل شبه من وما". ويعنى فلم تدخل الفاء.
وفي كلام المصنف نفذ من جهات:
أحدهما: أنه قال" بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها، وهو أل الموصولة" وليس "أل" وهو المبتدأ، بل هو وصلته هو المبتدأ، لذلك ظهر الإعراب في الصلة.
الثاني: أنه قال "بمستقبل عام"، والعموم في الوصف إنما استفيد من "أل"، فقد وصف "أل" بقوله "الموصولة بمستقبل عام"، فتوقفت معرفة "أل" على وصفها بما ذكر، وتوقفت معرفة وصف "مستقبل" بالعموم على قوله: "عام"، فلا يعرف المستقبل إلا بدخول "أل"، ولا يعرف "أل" إلا بوصفة بالمستقبل العام، وهو المستفاد عمومه من "أل"، فلزم مكلًا منهما أن تتوقف معرفته على معرفة ما يتعرف به، وذلك لا يصح البتة.
الثالث: أنه بدأ من المبتدأ الذي ادعى أن الفاء تدخل في خبرة بشيء مختلف فيه، ولم بذكر الخلاف لا في فص الكتاب ولا في شرحه، فدل علة أنه لم يطلع على الخلاف، وذلك أن النحويين اختلفوا في دخول الفاء في خبر المبتدأ الذي دخلت عليه "أل":
فذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز لأن السبب المسوغ لدخول الفاء في خبر "الذي" و"التي" ونحوهما غير موجود فيما دخلت عليه "أل" بمعناها، وهو أن تكون الصلة ظرفًا أو مجرورًا أو جملة فعلية غير شرطية، فهذا ما شرط في الصلة. وأما ما شرط في الخبر فهو أن يكون مستحقًا بالصلة، وسيأتي توضيح هذا كله إن شاء الله.

وذهب الكوفيون -وقيل: الفراء والمبرد والزجاج- إلى أن ذلك يجوز، وحملًا عليه قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} لأن {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} في معنى الذي يزني والتي تزني.
ولا حجة لهما في/ ذلك لأن خبر الزاني والزانية محذوف، تقديره: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمها، ودل على ذلك قوله تعالى قبل: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}. ويدل على أن التقدير كذلك رفع أكثر القراء لهما مع أن المختار في نحو "زيدًا فاضربه" النصب، فلولا أن التقدير ما ذكرناه لكان المختار نصيب.
فأما ما اعتل به الفراء من أن مثل هذا لا ينصب لأن تأويله الجزاء فتعليل غير صحيح؛ لأن تعليل الجزاء لا وجه له لمنعة النصب؛ لأن الاسم في الجزاء ينتصب، تقول: أيًا تضرب أضربه، فلما رفعهما أكثر القراء، والعامل في الضمير أمر، دل ذلك على أن قوله {فَاجْلِدُوا} ليس في موضع الخبر، بل الخبر محذوف. وقرأ ناس من القراء منهم عيس بن عمر {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} بالنصب، فيكون نحو: زيدًا فاضربه.
وقوله وغيرهما موصولًا بظرف أي: وغير "أل" موصولًا بظرف،

مثاله قول الشاعر:
ما لدى الحازم اللبيب معارًا فمصون، وماله قد يضيع
وقوله أو شبهه هو الحار والمجرور، ومثله المصنف وغيره بقوله تعالى {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}.
فإن قلت: قد ذكرت أن الفاء لا تدخل في الخبر حتى يكون مستحقًا بالصلة، وكون النعم من الله غير مستحق باستقرار نعمة بنا.
فالجواب أن العرب قد تقيم السبب مقام المسبب، وتستغني به عن ذكره، فالمعنى: وما بكم من نعمة فاشكروا الله عليها لأنها منه، فأقيم سبب شكره تعالى على النعم، وهو كونها منه، مقام الشكر، واستغنى به عنه.
وقوله أو بفعل صالح للشرطية احترز بقوله "أو بفعل" وبما قبله من أن تكون الصلة جملة اسمية، فإنه إذ ذاك لا تدخل الفاء، نحو: الذي هو محسن فهو مكرم. واحترز بقوله: "صالح للشرطية" من أن يكون غير صالح لأداء الشرط، وذلك صور:
إحداها أن تكون أداة الشرط قد باشرته، نحو: الذي إن يكرمني أكرمه فهو مكرم، فلا يجوز دخول الفاء هنا لأن الشرط قد استوفى جزاءه في الصلة، فلا يكون له جزءان؛ إذ الفاء إنما تكون داخلة على الخبر لاستحقاقه بالصلة وكوبه جوابًا لها في المعنى، والصلة قد أخذت جوابها،

فلو دخلت للزم أن يكون للشرط جوابان، وذلك غير جائز. وأيضًا فإذا دخل خبر "الذي" الفاء كان منزلًا منزلة اسم الشرط، واسم الشرط لا يجوز دخوله على أداة الشرط، فكذلك ما كان منزلًا منزلته.
وأجاز بعضهم ذلك، نحو: الذي إن تطلع الشمس ينظر إليها فهو صحيح النظر، نظرًا إلى أن الشرط والجزاء مستقبلان، ولا يلزم ما قال أبو علي من أنه يكون للشرط جزءان لأن السبب يختلف والمسبب يختلف، فيدخل أحدهما على الآخر؛ لأنه لا يبعد أن يكون ارتباطًا سبب لمسبب سببًا لمسبب آخر كالمثال/ الذي سبق، وارتباط الرؤية بطلوع الشمس دال على حدة البصر، قاله صاحب البسيط عن بعض شيوخه.
وقد أجاز الفراء وغيره كون الشرط جوابًا للشرط، وعليه حمل {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ}. وحمله بعضهم على حذف الجواب، أي: فاتبعوه، فمن تبع.
وفي البسيط أيضًا: "وأما إن دخلت على جملة شرط، وبها تمت صلتها، فهو جائز عند النحويين س والمبرد وغيرهما، فتقول: الذين إن يأتني أحسن إليه فله درهم، وأي من يأتني أكرمه فله درهم، وكذلك سائر أخواتها" انتهى. يعني أخوات "إن" من أدوات الشرط.
الصورة الثانية: أن يكون الفعل ماضي المعنى، نحو قولك: الذي

زارنا أمس فله دينار، فلا يجوز ذلك لأن "زارنا" لا يصلح لأداة الشرط لمضي الفعل معنى.
وأجاز ذلك بعضهم واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ}، وبقوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ}، ومعلوم أن هذا ماض لفظًا ومعنى مقطوع بوقعه صلة وخبرًا. وقد تأولناه على معنى التبين، كأنه قيل: وما يتبين إصابته إياكم، وما يتبين إفاءة الله على رسوله منهم، ويكون نظير قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} أي: إن تبين كون قميصه قد من قبل.
الصورة الثالثة: أن يكون مستقبلًا مصحوبًا بالسين أو سوف أو لن أو قد أو ما، نحو: الذي سيأتيني أو سوف يأتيني أو لن يأتيني أو قد يأتيني أو ما يأتيني له درهم، فلا يجوز دخول الفاء على هذا الخبر لأنه لا تصلح هذه الصلات لدخول أداة الشرط على شيء منها. وكذلك لو كان داخلًا عليه لما، نحو: الذي يأتني له درهم، بخلاف لم؛ لأن أداة الشرط لا يصلح دخولها على لما، ويصلح دخولها على لم.
وهذا الذي ذكر المصنف من اشتراط صلاح الصلة إذا كانت فعلًا لأداة الشرط فيه خلاف: قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور ما نصبه: ومن الناس من اشتراط في الفعل الواقع صلة إذا دخلت الفاء في الخبر أن

يكون الفعل مما يحسن وقوعه بعد أداة الجزاء، فلو قال: "الذي ما يؤذيني فله درهم" لم يجز ذلك عنده لأن أداة الشرط لا تدخل على "ما" النافية. ومن الناس من أجاز ذلك مع الموصولـ وإن لم يجزه مع أداة الشرط، لأنه ليس بشرط صحيح، وإنما هو مشبه به. قال: والصحيح عندي أن الامتناع من إجازة ذلك لأنه غير محظوظ من كلام العرب، وإذا لم يسمع من كلامها أمكن أن تكون امتنعت من إجازته لما ذكرتاه من أن الصلة إذا ذاك لا تشبه فعل الشرط.
وقوله أو نكره عامة موصوفة بأحد الثلاث يعني الظرف أو مشبهه أو الفعل الصالح للشرطية، مثال ذلك: رجل عند حزم فهو سعيد، وعبد لكريم/ فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب، وشرط بعضهم في فاعل الفعل الذي صلة أو صفة أن يكون عامًا، قال: فلو كان معينًا لم يجز لأنه يخصص به الفعل، فيخرج عن الإبهام، ولذلك كانت النكرة ولا بد عامة. ولم يشترط ذلك بعضهم، وما حكى الكسائي من قولهم: "الدار التي أسكنها فمعطاة" فشاذ من وجهين: تعيين الفاعل، ومعهودية الذكر، ويخرج على زيادة الفاء أو الندور.
وقوله أو ضاف إليها مشعر بمجازاة مثاله: كل رجل عنده حزن فهو سعيد، وكل عبد لكريم فما يضيع، وكل نفس تسعى في نجاتها فلن تخيب، قال الشاعر:
نرجو فواصل رب سيبه حسن وكل خير لديه فهو مسؤول
وروي: فهو مبذول.
قال بعض أصحابنا: ولا يلزم أن تكون النكرة العامة لفظ "كل"،

خلافًا لبعضهم، بل كل نكرة يراد بها العموم من جهة المعنى حكمها وحكم "كل" في ذلك سواء، ولو قلت: "رجل يأتيني فله درهم" جاز دخول الفاء لأن معناه ومعنى "كل رجل يأتيني" واحد
وأجاز الفراء: ضارب عمرًا فله دينار؛ لأن معناه ومعنى قولك" "كل رجل ضارب عمرًا" سواء.
والصحيح أم ذلك لا يجوز الشبه المسوغ لدخول الفاء في الخبر مفقود؛ لأن ضاربًا ليس موصوفًا بجملة تشله الشرط.
واختر بقوله: "مشعر بمجازاة:
وقوله أو موصوف بالموصول المذكور مثاله قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ)، وقول الشاعر:
صوا الحزم، فالخطب الذي تحسوبنه يسيرًا فقد تلقونه متعسرًا
وهذا الذي ذكره فيه خلاف، قال بعض أصحابنا: "الصحيح عندي أن ذلك لا يجوز لأن الاسم المخبر عنه- وهو الموصوف ب"الذي"- ليس بمشبه لاسم شرط؛ لأن اسم الشرط لا يقع بعده إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والاسم الموصوف بـ "الذي" ليس كذلك" انتهى.
ويمكن تأويل الآية على أن يكون (الْقَوَاعِدُ) مبتدأ، و (اللَّاتِي) خبره، كأنه قال: والقواعد من النساء هن اللاتي لا يرجون نكاحًا، والجملة من قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ) جملة مرتبطة بالفاء بالجملة التي قبلها من المبتدأ والخبر.

ويحتمل أن يكون (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) مبتدأ، و (اللَّاتِي) مبتدأ ثانيًا، والرابط فيه محذوف، أي: اللاتي لا يرجون نكاحًا منهن فليس عليهن جناح، ودخلت الفاء لأن الجملة وقعت خبرًا عن (اللَّاتِي)، وهو موصول فيه شرط جواز دخول الفاء معبرة في خبره، وكأنه قسم من النساء إلى قسمين: أحدهما لا يرجون نكاحًا، فحكم عليهن أنه ليس عليهن جناح. والثاني ما يرجون نكاحًا، فعليهن الجناح.
وأما البيت فيتخرج على زيادة الفاء، أي: قد/ لا تلقونه، كما قال:
................... ............. والصغير فيكبر
وقوله أو مضاف إليه: أي: إلى الموصول، مثاله قول زينب بنت الطثرية ترثي أخاها:
يسرك مظلومًا، ويرضيك ظالمًا وكل الذي حملته فهو حامل

-[ص: وقد تدخل على خبر "كل" مضافًا إلى غير موصوف، أو إلى موصوف بغير ما ذكر، وعلى خبر موصول غير واقع موقع "من" الشرطية، ولا "ما" أختها، ولا تدخل على خبر ذلك، خلافًا للأخفش. وتزيلها نواسخ الابتداء إلى إن وأن ولكن على الأصح.]-
ش: مثاله ما روى عن بعض السلف: "كل نعمة فمن الله"،

وقال الأفوه:
وكل قرينة فإلى افتراق ولكن فرقة تنفي الملاما
ومثاله موصوف بغير ما ذكر قول الشاعر:
كل أمر مباعد أو مدان فمنوط بحكمه المتعالي
ومثال ما ذكر بعده قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ}، وهكذا مثله المصنف في الشرح، وقد تقدم أن بعض النحويين أجاز ذلك، وإن كانت الصلة ماضية في المعنى، فالمصنف موافق له، وقد ذكرناه تأويل ذلك.
وقوله لا تدخل على خبر غير ذلك قال المصنف في الشرح: "أجاز الأخفش دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط، نحو: زيد فمنطلق، وزعم أنهم يقولون: أخوك فوجد، ومثل ما زعم قول الشاعر:
................. ويحدث ناس، والصغير فيكبر

ولا حُجَّة له في قول الشاعر:
وقائله: خولان فأنكح فتاتهم وأكرومه الحين خلو كما هيا
ولا قول الآخر:
أرواح مودع أن بكور أنت فانظر لأي ذاك تصير
لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الثاني: أنظر أنت، فأنت فاعل محذوف، على أن زيادة الفاء قد سهلها كون الخبر أمرًا، كما يسهلها كون الفاعل أمرًا، مفرغًا في نحو: زيدًا فاضرب، {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}؛ لأن الأمر تطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة، فالقائل: زيدًا فاضرب، أو زيد فاضربه، كأنه قال: ما يكن من شيء فزيدًا اضرب، وما يكن من شيء فزيد اضربه، فلا يلزم من جواز هذا جواز: زيد فمنطلق؛ إذ ليس الخبر أمرًا، فيطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة" انتهي.
وأجاز الفراء وجماعة منهم الأعلم دخولها في الخبر إذا كان أمرًا أو نهيًا، نحو: زيد فلا تضربه، وزبد فاضربه، وزيد فليقم، سواء أكان المبتدأ موصولًا أو موصوفًا بالشرط الذي/ ذكر أو كان غير ذلك، واستدل بقوله:
يا رب موسى أظلمني وأظلمه فاصبب عليه ملكًا لا يرحمه

وفي الإفصاح ما ملخصه: ذكر أبو علي أن زيدًا ونحوه كان مبتدأ لم تدخل الفاء في خبره؛ لأن الفاء تؤذن باستحقاق ما بعدها بما قبلها.
وأجاز الأخفش على زيادة الفاء، وحكي عنهم: زيد فوجد، وزيد فقائم، وهذا لم يسمعه س إلا فيما يحتمل نحو:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم ....................
وأول على: هذه خولان: فتعطف الفاء جملة علة جملة وإن لم يتناسب المتعاطفتان؛ إذ الصحيح جواز ذلك.
ومنهم من يقول: أصله مهما يكن من شيء فزيد اضربه، وعوض مهما وفعلها "أما"، فتقول" أما زيد فاضربه، ثم تحذف "أما" اختصارًا ويبقى اللفظ على حاله.
ومنهم من قال: التقدير تنبه فزيدًا اضربه، فلما حذف "تنبه" أو ما في معناها قدموا الاسم دليلًا على ذلك المعنى، والأكثر نصبه بسبب الأمر.
وأجاز الفراء: زيد فاضربه، قال: ولا يجوز: زيد فمنطلق. قال ابن طاهر: لأنه على زيادة الفاء عنده أو للتنبيه.
وقد أجاز أبو علي وابن جني زيادة الفاء في الأمر والنهي، وعليه حملًا {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}.

وقال أبو إسحاق: {فَلْيَذُوقُوهُ} خبر {هَذَا}. وشبهه بقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}.
وخطأه أبو علي، وقال: "هذا ليس فيه معنى الفعل شيء، وفي {السَّارِقُ} ما استحق به العقاب". فعلى قول أبي على (هذا) مفعول بفعل مضمر، كقولك: زيدًا فاضربه، و {وَحَمِيمٍ} خبر مبتدأ، أي: هو حميم.
وفي قول ذي فائش الحميري لعلبة "الله درك! مثلك فليصف أسرته" ما يشهد لما حكي عن أبي الحسن في زيادة الفاء. وتؤول على نية: مثلك فليكلف.
وقال الأعلم: إن هذا رفع على الإهمال. وزعم في البيت أنه يرفع على الإهمال. وذكر أن كلامهم: زيد فاضربه، وهو غالب، وأنه يجوز: الله فاعبده.
ولا وجه لقوله لأن الإهمال عدم العامل، وكيف يكون عاملًا، وقد وجدنا الأعداد المتناسقة وحروف الهجاء المتناسبة وحروف فواتح السرور غير معربة لإهمالها، وكذلك كل مهمل.
وقوله وتزيلها نواسخ الابتداء إلا إن وأن ولكن على الأصح قال

المصنف في الشرح: "إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء في خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر" انتهى.
فقوله: "إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء على خبره" إلى آخره يدل على أن الناسخ يدخل على مبتدأ دخلت الفاء في خبره، وليس كذلك، بل إذا دخل الناسخ فلا يدخل إلا على مبتدأ لا تكون الفاء في خبره، وليس المعنى أنه إذا دخل الناسخ أزال الفاء.
وقال في الشرح: "ما لم يكن الناسخ إن وأن ولكن، فإنها ضعيفة العمل إذ/ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، ولم تعمل في الحال، بخلاف كأن وليت ولعل، فإنها قوية العمل، مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، صالحة للعمل في الحال، فقوى شبهها بالأفعال، وساوتها في المنع من الفاء المذكورة" انتهى.
وقوله "ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، مذهب س والمحققين أنه لا يجوز، والعجب للمصنف أنه ذكر جواز ذلك لإجماع في باب إن وأخواتها، وجهل الخلاف في ذلك، ولاسيما خلاف س، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله.
وقوله "مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، قد ذكر هو- أعني المصنف- الخلاف في ذلك في "باب إن"، وستقف عليه.
وقوله على الأصح وهو راجع إلى الثلاثة، وهو ظاهر كلام المصنف.

وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: الموصول الذي يجوز دخول الفاء في خبره إذا دخلت عليه ليت أو لعل أو ما أشبههما من نواسخ الابتداء لم يجز دخول الفاء في خبره؛ لأن الموصول إذ ذاك لا يشبه اسم الشرط؛ لأن اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله، وإذا زال الشبه باسم الشرط لم يكن لدخول الفاء وجه إلا أن تكون زائدة، وزيادة الفاء لا تنقاس ما لم يكن الناسخ إن، فإن كان "إن" جاز دخول الفاء في الخبر، ومنه {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ}، وجاز ذلك معها وحدها من بين سائر أخواتها لأن العرب تعامل "إن زيد قائم" معاملة "زيد قائم" لما كانا في معنى واحد، بدليل قولهم: إن زيدًا قائم وعمرو، ولا كذلك النواسخ، فعاملوا: "إن الذين يأتيك فله درهم" معاملة "الذين يأتيك فله ردهم" انتهى.
فظهر من هذا النقل أن دخول الفاء مخصوص بإن وحدها خاصة ومن منع ذلك في خبر إن احتج بأن "إن" تحقق الخبر، والشرط فيه توقف وإخراج عن صريح الخبر، فلا يجتمعان، وهو رأي الأخفش.
وقد قيل: إدخال "إن" في الموانع من الفاء هو رأي س، وإخراجها رأي الأخفش.
والعجب للمصنف أن ذكر الخلاف في إن وأن ولكن خاصة، فأفهم كلامه أن باقي النواسخ لا خلاف في أنه لا تدخل الفاء معها، وفي ذلك تفصيل وخلاف، فنقول"

إن دخل على المبتدأ المستوفي الشروط ناسخ فإن كان ليت أو لعل أو كأن فلا تدخل الفاء، وفي لعل خلاف: منهم من ألحقها بما لا يغير معنى الابتداء، فأجاز دخول الفاء لأنها قد وصلت بها الموصولات في قوله:
وإني لرام نظرةً قبل التي لعلي -وإن شطت نواها- أزورها
/وقد تؤول هذا البيت. وكونها وصل بها الموصول على تسليم ذلك شيء مشترك بينها وبين كأن، فكان ينبغي أن تدخل في خبر كأن كما تدخل في خبر لعل أو إن أو أن أو لكن، دخلت خلافًا لأبي الحسن في أحد قوليه. وهو محجوج بسماع ذلك، قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم}، {إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}، {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)}، وقال تعالى: {واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}، وقال الشاعر:
علمت يقينًا أن ما حم كونه فسعي امرئ في صرفه غير نافع
وقال آخر:
بكل داهيةٍ ألقى العداة وقد يظن أني في مكري بهم فزع
كلا، ولكن ما أبديه من فرقٍ فكي يغروا فيغريهم بي الطمع

وقال الأفوه:
فوالله ما فارقتكم قاليًا لكم ولكن ما يقضى فسوف يكون
أو ما فيه تحقيق مما ينصب المفعولين من نحو "علمت"، فظاهر قول ابن السراج الجواز، فتقول: علمت الذي يأتيني فله درهم. والظاهر أنه لا يجوز لأن الفاء إذا دخلت في الخبر فهو إنشاء للشرط والسبب والإخبار بأنه معلوم أو مظنون إخراج له عن الإنشاء؛ لأن القصد بدخول هذه تعريف كيفية الخبر عندك وفي اعتقادك، فليس إنشاء حينئذ.
أو لا تحقيق فيه نحو "ظننت" فالمنع، فلا يجوز: ظننت الذي يأتيني فله درهم، والأخفش يجيزه على زيادة الفاء.
أو "كان"، فإن كان بلفظ الماضي فلا يجوز، أو بلفظ "يكون" فظاهر قول ابن السراج الجواز. ومذهب أبي الحسن أن المبتدأ الموصول إذا ضمن معنى الشرط لا يعمل فيه ما قبله. ومذهب الجمهور جواز دخول الناسخ على ما فصل.
وذهب الفراء إلى جواز دخول الفاء في خبر الاسم الموصوف بالموصول إذا دخلت عليه إن، نحو: إن الرجل الذي يأتيك فله درهم، وحمل عليه قوله تعالى: {قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ}. والصحيح أن ذلك لا يجوز، وقد تقدم تعليل منع ذلك عند

قول المصنف: "أو موصوف بالموصول المذكور".
وخرجت الآية على أن يكون {المَوْتَ} اسم {إن}، و {الَّذِي} خبرها، و {فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ} جملة مرتبطة بالفاء بالجملة التي قبلها، ووجه ارتباطها أن العرب تعتقد أن من فر من شيء وخاف منه كان سببًا في لقائه، ومنه قولهم:
إن الجبان حتفه من فوقه
جعل الجبن سببًا في قرب الحتف.
وقال زهير.
ومن هاب أسباب المنية يلقها ولو رام أسباب السماء بسلم
جعل هيبة أسباب المنية شرطًا في لقائها. وقيل: {الَّذِي} بدل من {المَوْتَ}، فالنية به أن يلي /"إن"، وكأنه قال: قل إن الذين يفرون.
مسألة: إن أعملت هذه العوامل في اسٍم آخر جاز دخول الفاء،

نحو: إنه الذي يأتيني فله درهم، وإن زيدًا كل رجٍل يأتيه فله درهم.
مسألة: إذا جئت بالفاء في خبر ما فيه معنى الجزاء لم يجز العطف عليه قبلها عند الكوفيين، وأجازه ابن السراج.

الصفحات [250] [251] [252] [253] [254] [255] [256] [257] [258] [259] [260] [261] [262] [263] [264] [265] [266] [267] [268] [269] [270] [271] [272] [273] [274] [275] [276] [277] [278] [279] [280] [281] [282] [283] [284] [285] [286] [287] [288] [289] [290] [291] [292] [293] [294] [295] [296] [297] [298] [299] [300] [301] [302] [303] [304] [305] [306] [307] [308] [309] [310] [311] [312] [313] [314] [315] [316] [317] [318] [319] [320] [321] [322] [323] [324] [325] [326] [327] [328] [329] [330] [331] [332] [333] [334] [335] [336] [337] [338] [339] [340] [341] [342] [343] [344] [345] [346] [347] [348] [349] [350] [351] [352] [353] [354] [355] [356] [357] [1] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] [21] [22] [23] [24] [25] [26] [27] [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] [46] [47] [48] [49] [50] [51] [52] [53] [54] [55] [56] [57] [58] [59] [60] [61] [62] [63] [64] [65] [66] [67] [68] [69] [70] [71] [72] [73] [74] [75] [76] [77] [78] [79] [80] [81] [82] [83] [84] [85] [86] [87] [88] [89] [90] [91] [92] [93] [94] [95] [96] [97] [98] [99] [100] [101] [102] [103] [104] [105] [106] [107] [108] [109] [110] [111] [112] [113] [114]  المجلد[3]


التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

<<<  العنوان السابق : باب إعراب الصحيح الآخر

العنوان الحالي : باب المبتدأ

العنوان التالي : باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر  >>>

 


المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة